منتديات أنوار المدينة
أهلاً وسهلااً بك زائرنا الكريم إذا كانت هذه زيارتك الأولى نرجو من حضرتك التسجيل
حتى تتمكن من استعمال العناوين الخارجية

انضم إلى المنتدى ، فالأمر سريع وسهل

منتديات أنوار المدينة
أهلاً وسهلااً بك زائرنا الكريم إذا كانت هذه زيارتك الأولى نرجو من حضرتك التسجيل
حتى تتمكن من استعمال العناوين الخارجية
منتديات أنوار المدينة
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

اذهب الى الأسفل

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث Empty فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:00

[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا وَفَهْمًا، وَاخْتِمْ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ.
قَالَ سَيِّدُنَا وَشَيْخُنَا، الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْعَلَّامَةُ، الْبَحْرُ الْحَبْرُ الْفَهَّامَةُ، الْمُحَقِّقُ الْمُدَقِّقُ، نَاصِرُ السُّنَّةِ حَافِظُ عَصْرِهِ، وَوَحِيدُ دَهْرِهِ، شَمْسُ الدِّينِ سُلْطَانُ الْحُفَّاظِ وَالْمُحَدِّثِينَ، أَبُو الْخَيْرِ مُحَمَّدٌ السَّخَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ: [خُطْبَةُ الْمُؤَلِّفِ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعِلْمَ بِفُنُونِ الْخَبَرِ مَعَ الْعَمَلِ الْمُعْتَبَرِ بِهَا إِلَيْهِ أَتَمَّ وَسِيلَةً، وَوَصَلَ مَنْ أَسْنَدَ فِي بَابِهِ وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ فَأَدْرَجَهُ فِي سِلْسِلَةِ الْمُقَرَّبِينَ لَدَيْهِ، وَأَوْضَحَ لَهُ الْمُشْكِلَ الْغَرِيبَ وَتَعْلِيلَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ، أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ وَعَلَّمَهُ تَأْوِيلَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدٌ الْمُرْسَلُ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْمَخْصُوصُ بِكُلِّ شَرَفٍ وَفَضِيلَةٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَنْصَارِهِ وَحِزْبِهِ، الَّذِينَ صَارَ الدِّينُ بِهِمْ عَزِيزًا، بَعْدَ فُشُوِّ كُلِّ شَاذٍّ وَمُنْكَرٍ وَرَذِيلَةٍ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَتْبَاعِهِمُ الْمُعَوَّلِ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ مِمَّنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ وَسَلَكَ سَبِيلَهُ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ غَيْرَ مُضْطَرِبَيْنِ يَنَالُ بِهِمَا الْعَبْدُ فِي الدَّارَيْنِ تَأْمِيلَهُ.
[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ] وَبَعْدُ: فَهَذَا تَنْقِيحٌ لَطِيفٌ، وَتَلْقِيحٌ لِلْفَهْمِ الْمُنِيفِ، شَرَحْتُ فِيهِ أَلْفِيَّةَ الْحَدِيثِ، وَأَوْضَحْتُ بِهِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، فَفَتَحَ مِنْ كُنُوزِهَا الْمُحَصَّنَةِ الْأَقْفَالِ كُلَّ مُرْتَجٍ، وَطَرَحَ عَنْ رُمُوزِهَا الْإِشْكَالَ بِأَبْيَنِ الْحُجَجِ، سَابِكًا لَهَا فِيهِ ; بِحَيْثُ لَا تَتَخَلَّصُ مِنْهُ إِلَّا بِالتَّمْيِيزِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِظْهَارِهِ الْمَعْنَى.
تَارِكًا لِمَنْ لَا يَرَى حُسْنَ ذَلِكَ فِي خُصُوصِ النَّظْمِ وَالتَّرْجِيزِ ; لِكَوْنِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَنِّتًا لَمْ يَذُقِ الَّذِي هُوَ أَهْنَى، مُرَاعِيًا فِيهِ الِاعْتِنَاءَ بِالنَّاظِمِ رَجَاءَ بَرَكَتِهِ، سَاعِيًا فِي إِفَادَةِ مَا لَا غِنًى عَنْهُ لِأَئِمَّةِ الشَّأْنِ وَطَلَبَتِهِ، غَيْرَ طَوِيلٍ مُمِلٍّ، وَلَا قَصِيرٍ مُخِلٍّ، اسْتِغْنَاءً عَنْ
تَطْوِيلِهِ بِتَصْنِيفِي الْمَبْسُوطِ الْمُقَرَّرِ الْمَضْبُوطِ، الَّذِي جَعَلْتُهُ كَالنُّكَتِ عَلَيْهَا وَعَلَى شَرْحِهَا لِلْمُؤَلِّفِ.
وَعِلْمًا بِنَقْصِ هِمَمِ أَمَاثِلِ الْوَقْتِ فَضْلًا عَنِ الْمُتَعَرِّفِ، إِجَابَةً لِمَنْ سَأَلَنِي فِيهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ ذَوِي الْوَجَاهَةِ وَالتَّوْجِيهِ، مِمَّنْ خَاضَ مَعِي فِي الشَّرْحِ وَأَصْلِهِ، وَارْتَاضَ فِكْرُهُ بِمَا يَرْتَقِي بِهِ عَنْ أَقْرَانِهِ وَأَهْلِهِ.
نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، وَيَسَّرَ لَنَا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ أَقْرَبَ الْمَسَالِكِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ:
1 - يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ الْمُقْتَدِرِ ... عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَثَرِي
2 - مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللَّهِ ذِي الْآلَاءِ ... عَلَى امْتِنَانٍ جَلَّ عَنْ إِحْصَاءِ
3 - ثُمَّ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ دَائِمِ ... عَلَى نَبِيِّ الْخَيْرِ ذِي الْمَرَاحِمِ
4 - فَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ الْمُهِمَّهْ ... تُوَضِّحُ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ رَسْمَهْ
5 - نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلْمُبْتَدِي ... تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي وَالْمُسْنَدِ
6 - لَخَّصْتُ فِيهَا ابْنَ الصَّلَاحِ أَجْمَعَهْ ... وَزِدْتُهَا عِلْمًا تَرَاهُ مَوْضِعَهْ
7 - فَحَيْثُ جَاءَ الْفِعْلُ وَالضَّمِيرُ ... لِوَاحِدٍ وَمَنْ لَهُ مَسْتُورُ
8 - كَـ " قَالَ " أَوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ " الشَّيْخِ " مَا ... أُرِيدُ إِلَّا ابْنَ الصَّلَاحِ مُبْهَمَا
9 - وَإِنْ يَكُنْ لِاثْنَيْنِ نَحْوَ " الْتَزَمَا " فَمُسْلِمٌ ... مَعَ الْبُخَارِيِّ هُمَا
10 - وَاللَّهَ أَرْجُو فِي أُمُورِي كُلِّهَا ... مُعْتَصِمًا فِي صَعْبِهَا وَسَهْلِهَا.
(يَقُولُ) مِنَ الْقَوْلِ، وَهُوَ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى مُفِيدٍ كَمَا هُنَا، أَوْ غَيْرِ مُفِيدٍ، (رَاجِي) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ " الرَّجَاءِ " ضِدُّ الْخَوْفِ ; وَهُوَ تَوَقُّعُ مُمْكِنٍ يَقْتَضِي حُصُولَ مَا فِيهِ مَسَرَّةٌ، (رَبِّهِ) أَيْ: مَالِكِهِ الْإِلَهِ الَّذِي لَا تُطْلَقُ الرُّبُوبِيَّةُ عَلَى سِوَاهُ.
(الْمُقْتَدِرِ) عَلَى مَا أَرَادَ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ، وَلِذَا كَانَ أَبْلَغَ فِي قُوَّةِ الرَّجَاءِ ; إِذْ
وُجُودُهُ مِنِ اسْتِحْضَارِ صِفَاتِ الْجَلَالِ أَدَلُّ عَلَى وُجُودِهِ مَعَ اسْتِحْضَارِ صِفَاتِ الْجَمَالِ لَا سِيَّمَا، وَبِذَلِكَ يَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الْإِسْرَاءِ: 57] .
[تَرْجَمَةُ صَاحِبِ الْأَلْفِيَّةِ]
(عَبْدُ الرَّحِيمِ) بَيَانُ الرَّاجِي، فَاعِلُ (يَقُولُ) ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، (ابْنُ الْحُسَيْنِ) ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الزَّيْنُ أَبُو الْفَضْلِ (الْأَثَرِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ، نِسْبَةً إِلَى (الْأَثَرِ) ، وَهُوَ لُغَةً: الْبَقِيَّةُ.
وَاصْطِلَاحًا: الْأَحَادِيثُ مَرْفُوعَةً كَانَتْ أَوْ مَوْقُوفَةً، عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمِنْهُ: " شَرْحُ مَعَانِي الْآثَارِ " ; لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ قَصَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمَوْقُوفِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، وَانْتَسَبَ كَذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَحَسُنَ الِانْتِسَابُ إِلَيْهِ مِمَّنْ يُصَنِّفُ فِي فُنُونِهِ.
وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِـ " الْعِرَاقِيِّ " لِكَوْنِ جَدِّهِ كَانَ يَكْتُبُهَا بِخَطِّهِ، انْتِسَابًا لِعِرَاقِ الْعَرَبِ، وَهُوَ الْقُطْرُ الْأَعَمُّ كَمَا قَالَهُ ابْنُهُ.
كَانَ إِمَامًا، عَلَّامَةً، مُقْرِئًا، فَقِيهًا، شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، أُصُولِيًّا، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ فِي فُنُونِ الْحَدِيثِ وَصِنَاعَتِهِ، ارْتَحَلَ فِيهِ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالتَّفَرُّدِ فِيهِ أَئِمَّةُ عَصْرِهِ، وَعَوَّلُوا عَلَيْهِ فِيهِ، وَسَارَتْ تَصَانِيفُهُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَدَرَّسَ، وَأَفْتَى، وَحَدَّثَ، وَأَمْلَى، وَوَلِيَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَانْتَفَعَ بِهِ الْأَجِلَّاءُ، مَعَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، وَالتَّحَرِّي فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَسَلَامَةِ الْفِطْرَةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، وَالتَّقَنُّعِ بِالْيَسِيرِ، وَسُلُوكِ التَّوَاضُعِ وَالْكَرَمِ وَالْوَقَارِ، مَعَ الْأُبَّهَةِ وَالْمَحَاسِنِ الْجَمَّةِ.
وَقَدْ أَفْرَدَ ابْنُهُ تَرْجَمَتَهُ بِالتَّأْلِيفِ، فَلَا نُطِيلُ فِيهَا، وَهُوَ
فِي مَجْمُوعِهِ كَلِمَةُ إِجْمَاعٍ، وَقَدْ أُخِذَتْ عَنْ خَلْقٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَأَمَّا أَلْفِيَّتُهُ وَشَرْحُهَا فَتَلَقَّيْتُهُمَا مَعَ جُلِّ أَصْلِهِمَا دِرَايَةً عَنْ شَيْخِنَا إِمَامِ الْأَئِمَّةِ وَأَجَلِّ جَمَاعَتِهِ، وَالْأَلْفِيَّةُ فَقَطْ عَنْ جَمَاعَةٍ.
مَاتَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِمِائَةٍ (806 هـ) عَنْ أَزْيَدَ مِنْ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِيَّانَا.

[الْحَمْدُ وَالْبَسْمَلَةُ] وَهُوَ وَإِنْ قَدَّمَ مَا أَسْلَفَهُ وَضْعًا فَذَاكَ.
(مِنْ بَعْدِ) ذِكْرِ (حَمْدِ اللَّهِ) لَفْظًا ; عَمَلًا بِحَدِيثِ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَ (مِنْ) بِالْكَسْرِ حَرْفٌ خَافِضٌ يَأْتِي لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ كَمَا هُنَا، وَلِغَيْرِهِ، وَ " بَعْدِ " بِالْجَرِّ نَقِيضُ (قَبْلُ) ، وَ (الْحَمْدُ) هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَحْمُودِ بِأَفْعَالِهِ الْجَمِيلَةِ، وَأَوْصَافِهِ الْحَسَنَةِ الْجَلِيلَةِ.
وَ (اللَّهُ) عَلَمٌ عَلَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ، وَهُوَ الْبَارِئُ سُبْحَانَهُ، الْمَحْمُودُ حَقِيقَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ خَاصٌّ بِهِ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلَا يُدْعَى بِهِ أَحَدٌ سِوَاهُ، قَبَضَ اللَّهُ الْأَلْسِنَةَ عَنْ ذَلِكَ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ سَبْقَ التَّعْرِيفِ بِالْقَائِلِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَوْ لَمْ يُلْفَظْ بِهِ ; فَفِي حَدِيثٍ قَالَ الْحَاكِمُ " إِنَّهُ غَرِيبٌ حَسَنٌ " ; أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُعَاذٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ» . . . " إِلَى آخِرِهِ، وَكَذَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
لَكِنْ مَعَ الِابْتِدَاءِ قَبْلَ اسْمِهِ بِالْبَسْمَلَةِ كَمَا
وَقَعَ لِلْمُؤَلِّفِ، وَفَعَلَهُ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَعَزَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ لِمُكَاتَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يُقَالُ أَيْضًا: هَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ أَيْضًا بِـ " بِسْمِ اللَّهِ " بَدَلَ " بِحَمْدِ اللَّهِ " فَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْحَمْدَلَةِ وَالْبَسْمَلَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُمَا ; وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ عَلَى الْجُمْلَةِ بِصِيغَةِ الْحَمْدِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ لَفْظُهَا: " بِذِكْرِ اللَّهِ " ; وَحِينَئِذٍ فَالْحَمْدُ وَالذِّكْرُ وَالْبَسْمَلَةُ سَوَاءٌ، فَمَنِ ابْتَدَأَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ.
(ذِي الْآلَاءِ) أَيْ: صَاحِبِ النِّعَمِ وَالْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَفِي وَاحِدِ (الْآلَاءِ) سَبْعُ لُغَاتٍ: " إِلًى " بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَبِفَتْحِهَا مَعَ التَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ، وَمُثَلَّثِ الْهَمْزَةِ مَعَ سُكُونِ اللَّامِ وَالتَّنْوِينِ (عَلَى امْتِنَانٍ) مِنَ اللَّهِ بِهِ مِنَ الْعَطَاءِ الْكَثِيرِ الَّذِي مِنْهُ التَّوَغُّلُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، عَلَى قَائِلِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
وَاخْتِصَاصُ النَّاظِمِ بِكَوْنِهِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - فِيهِ إِمَامًا مُقْتَدًى بِهِ، وَالْمَنَّانُ: الَّذِي يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ (جَلَّ) أَيْ: عَظُمَ عَطَاؤُهُ.
(عَنْ إِحْصَاءِ) بِعَدَدٍ ; قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إِبْرَاهِيمَ: 34] (ثُمَّ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى (حَمْدٍ) (دَائِمٍ) كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ تَلَفُّظِي بِهِمَا، أَوْ لِاقْتِرَانِهِمَا غَالِبًا صَارَا كَالْوَاحِدِ، وَفِي عَطْفِهِ بِـ (ثُمَّ) الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ الْمُهْلَةِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ زِيَادَةً عَلَى مَا ذَكَرَ بَيْنَهُمَا.

[وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] وَ (الصَّلَاةُ) مِنَ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمُهُ لَهُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ: طَلَبُ الزِّيَادَةِ لَهُ [بِتَكْثِيرِ أَتْبَاعِهِ أَوِ الْعُلَمَاءِ، وَنَحْوِهِمْ مَثَلًا]
لِلْعِلْمِ بِتَنَاهِيهِ فِي كُلِّ شَرَفٍ، وَلَمْ يُفْرِدْهَا عَنِ (السَّلَامِ) لِتَصْرِيحِ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِكَرَاهَةِ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، وَإِنْ خَصَّهَا شَيْخِي بِمَنْ جَعَلَهَا دَيْدَنًا ; لِوُقُوعِ الْإِفْرَادِ فِي كَلَامِ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى، وَمِنْهُمُ النَّوَوِيُّ نَفْسُهُ فِي خُطْبَةِ (تَقْرِيبِهِ) كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِهِ.
وَكَذَا أَتَى بِهَا مَعَ الْحَمْدِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَاضِي: «بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ، وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ ضَعِيفًا ; لِأَنَّهُ فِي الْفَضَائِلِ، مَعَ مَا فِي إِثْبَاتِهَا فِي الْكِتَابِ مِنَ الْفَضْلِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ (عَلَى نَبِيِّ الْخَيْرِ) الْجَامِعِ لِكُلِّ مَحْمُودٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (ذِي) أَيْ: صَاحِبِ (الْمَرَاحِمِ) نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

[مَعْنَى النَّبِيِّ] وَحَقِيقَةُ " النَّبِيِّ " وَالْأَكْثَرُ فِي التَّلَفُّظِ بِهِ عَدَمُ الْهَمْزِ: إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ فَرَسُولٌ أَيْضًا، وَلِذَا كَانَ الْوَصْفُ بِهَا أَشْمَلَ، فَالْعُدُولُ عَنْهَا إِمَّا لِلتَّأَسِّي بِالْخَبَرِ الْآتِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ وَصْفَيِ النُّبُوَّةِ وَالرَّحْمَةِ، أَوْ لِمُنَاسَبَةِ عُلُومِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ أَحَدَ مَا قِيلَ فِي اشْتِقَاقِهِ أَنَّهُ مِنَ النَّبَأِ وَهُوَ الْخَبَرُ، أَوْ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّعْرِيفِ الَّذِي يَحْصُلُ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِأَيِّ صِفَةٍ أَدَّتِ الْمُرَادَ،
لَا فِي مَقَامِ الْوَصْفِ، عَلَى أَنَّ الْعِزَّ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ جَنَحَ لِتَفْضِيلِ النُّبُوَّةِ عَلَى الرِّسَالَةِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى خِلَافِهِ، كَمَا سَأُوَضِّحُهُ فِي إِبْدَالِ الرَّسُولِ بِالنَّبِيِّ.
وَ " الْمَرَاحِمُ " جَمْعُ مَرْحَمَةٍ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَفْعَلَةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَنَا نَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الْمَرْحَمَةِ» وَفِي نُسْخَةٍ مِنْهُ وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الدِّمْيَاطِيُّ: «وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ» بِاللَّامِ بَدَلَ الرَّاءِ، وَفِي أُخْرَى: «وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي مَلْحَمَةً وَمَرْحَمَةً» وَفِي آخَرَ: «أَنَا نَبِيُّ الْمَلَاحِمِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ» .
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيمَا عَدَا الْمَلْحَمَةِ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ مُتَقَارِبٌ، وَمَقْصُودُهَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِالتَّوْبَةِ وَبِالتَّرَاحُمِ.
قُلْتُ: وَأَمَّا الْمَلْحَمَةُ فَهِيَ الْمَعْرَكَةُ، فَكَأَنَّهُ الْمَبْعُوثُ بِالْقِتَالِ وَالْجِهَادِ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الْفَتْحِ: 29] ، {وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [الْبَلَدِ: 17] أَيْ: يَرْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهِيَ فِي حَقِّنَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ: رِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ وَتَعَطُّفٌ، وَمِنَ الرَّحِيمِ: إِرَادَةُ الْخَيْرِ بِعَبِيدِهِ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ: طَلَبُهَا مِنْهُ لَنَا.
ثُمَّ إِنَّهُ لِقُوَّةِ الْأَسْبَابِ عِنْدَ الْمَرْءِ فِيمَا يُوَجِّهُ إِلَيْهِ عَزْمَهُ، وَيَجْمَعُ عَلَيْهِ رَأْيَهُ، يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ الْحَاضِرِ ; بِحَيْثُ يُنْزِلُهُ مَنْزِلَتَهُ، وَيُعَامِلُهُ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ مُعَامَلَتَهُ، وَلِذَا قَالَ مَعَ التَّخَلُّصِ فِي التَّعْبِيرِ أَوَّلًا بِـ " يَقُولُ " عَنِ اعْتِذَارٍ.
(فَهَذِهِ) ; وَالْفَاءُ إِمَّا الْفَصِيحَةُ، فَالْمَقُولُ مَا بَعْدَهَا، أَوْ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِنْ كُنْتَ أَيُّهَا الطَّالِبُ تُرِيدُ الْبَحْثَ عَنْ عُلُومِ الْخَبَرِ، فَهَذِهِ (الْمَقَاصِدُ) جَمْعُ مَقْصِدٍ، وَهُوَ مَا يَؤُمُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرٍ وَيَطْلُبُهُ (الْمُهِمَّهْ) مِنَ الشَّيْءِ الْمُهِمِّ، وَهُوَ الْأَمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي يُقْصَدُ بِعَزْمٍ، (تُوضِحُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ (أَوْضَحَ) أَيْ: تُظْهِرُ وَتُبِينُ (مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ) الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ الْقَوَاعِدِ الْمُعَرِّفَةِ بِحَالِ الرَّاوِي وَالْمَرْوِيِّ، (رَسْمُهْ) أَيْ: أَثَرُهُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ أُصُولُهُ.
وَفِي التَّعْبِيرِ بِهِ إِشَارَةٌ إِلَى دُرُوسِ كَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي بَادَ حُمَّالُهُ، وَحَادَ عَنِ السَّنَنِ الْمُعْتَبَرِ عُمَّالُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا آثَارُهُ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ دِيَارُ أَوْطَانِهِ بِأَهْلِهِ آهِلَةً، وَخُيُولُ فُرْسَانِهِ فِي مَيْدَانِهِ صَاهِلَةً:
وَقَدْ كُنَّا نَعُدُّهُمُ قَلِيلًا فَقَدْ صَارُوا أَقَلَّ مِنَ الْقَلِيلِ.
وَ (الْحَدِيثُ) لُغَةً: ضِدُّ الْقَدِيمِ، وَاصْطِلَاحًا: مَا أُضِيفَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا أَوْ صِفَةً، حَتَّى الْحَرَكَاتُ وَالسَّكَنَاتُ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ السُّنَّةِ [الْآتِيَةِ قَرِيبًا] ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمُ النَّاظِمُ، مَا يَدُلُّ لِتَرَادُفِهِمَا.
(نَظَمْتُهَا) أَيِ: الْمَقَاصِدَ ; حَيْثُ سَلَكْتُ فِي جَمْعِهَا الْمَشْيَ عَلَى بَحْرٍ مِنَ الْبُحُورِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ أَهْلِ الشِّعْرِ، وَإِنْ كَانَ النَّظْمُ فِي الْأَصْلِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ ; إِذْ هُوَ جَمْعُ الْأَشْيَاءِ عَلَى هَيْئَةٍ مُتَنَاسِقَةٍ.
(تَبْصِرَةً لِلْمُبْتَدِي) بِتَرْكِ هَمْزِهِ، يَتَبَصَّرُ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَالِمًا، وَ (تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي) وَهُوَ الَّذِي حَصَّلَ مِنَ الشَّيْءِ أَكْثَرَهُ وَأَشْهَرَهُ،
وَصَلَحَ مَعَ ذَلِكَ لِإِفَادَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَالْإِرْشَادِ إِلَيْهِ وَتَفْهِيمِهِ، يَتَذَكَّرُ بِهَا مَا كَانَ عَنْهُ ذَاهِلًا، (وَ) كَذَا لِلرَّاوِي (الْمُسْنِدِ) الَّذِي اعْتَنَى بِالْإِسْنَادِ فَقَطْ، فَهُوَ يَتَذَكَّرُ بِهَا كَيْفِيَّةَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، كَمَا يَتَذَكَّرُ بِهَا الْمُنْتَهِي مَجْمُوعَ الْفَنِّ، فَبَيْنَ الْمُسْنِدِ وَالْمُنْتَهِي عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، وَأُشِيرَ بِـ (التَّبْصِرَةِ وَالتَّذْكِرَةِ) إِلَى لَقَبِ هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ، وَهُمَا بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ لَهُ تُرِكَ فِيهِ الْعَاطِفُ، وَلَمْ أَتَكَلَّفْ تَخْلِيصَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ وَالدَّفَاتِرِ.
وَلَكِنْ (لَخَّصْتُ فِيهَا ابْنَ الصَّلَاحِ) أَيْ: مَقَاصِدَ كِتَابِهِ الشَّهِيرِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يُوسُفَ: 82] حَيْثُ اخْتَصَرْتُ مِنْ أَلْفَاظِهِ، وَأَثْبَتُّ مَقْصُودَهُ (أَجْمَعَهْ) ، وَلَا يُنَافِي التَّأْكِيدَ حَذْفُ كَثِيرٍ مِنْ أَمْثِلَتِهِ وَتَعَالِيلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ; إِذْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِلْمَقْصُودِ الْمُقَدَّرِ ; كَأَنَّهُ قَالَ: لَخَّصْتُ الْمَقْصُودَ أَجْمَعَهُ.
وَالتَّأْكِيدُ بِـ " أَجْمَعَ " غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِـ " كُلٍّ " وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ: إِذًا ظَلَلْتُ الدَّهْرَ أَبْكِي أَجْمَعَا.
وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِلتَّقْوِيَةِ كَـ {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] . [الْحِجْرِ: 30]

[تَرْجَمَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ] وَ (الصَّلَاحُ) تَخْفِيفٌ مِنْ لَقَبِ وَالِدِهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْعَلَّامَةُ الْفَقِيهُ، حَافِظُ الْوَقْتِ، مُفْتِي الْفِرَقِ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ ابْنُ الْإِمَامِ الْبَارِعِ صَلَاحِ الدِّينِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الشَّهْرُزُورِيُّ الْمَوْصِلِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ.
كَانَ إِمَامًا بَارِعًا حُجَّةً، مُتَبَحِّرًا فِي الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، بَصِيرًا بِالْمَذْهَبِ وَوُجُوهِهِ، خَبِيرًا بِأُصُولِهِ، عَارِفًا بِالْمَذَاهِبِ، جَيِّدَ الْمَادَّةِ مِنَ اللُّغَةِ
وَالْعَرَبِيَّةِ، حَافِظًا لِلْحَدِيثِ مُتْقِنًا فِيهِ، حَسَنَ الضَّبْطِ كَبِيرَ الْقَدْرِ، وَافِرَ الْحُرْمَةِ، عَدِيمَ النَّظَرِ فِي زَمَانِهِ، مَعَ الدِّينِ وَالْعِبَادَةِ، وَالنُّسُكِ وَالصِّيَانَةِ، وَالْوَرَعِ وَالتَّقْوَى.
انْتَفَعَ بِهِ خَلْقٌ، وَعَوَّلُوا عَلَى تَصَانِيفِهِ، خُصُوصًا كِتَابُهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَقَدْ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ بَحْثًا إِلَّا يَسِيرًا مِنْ أَوَّلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مَا نَصُّهُ:
لَا يُحْصَى كَمْ نَاظِمٍ لَهُ وَمُخْتَصِرٍ، وَمُسْتَدْرِكٍ عَلَيْهِ وَمُقْتَصِرٍ، وَمُعَارِضٍ لَهُ وَمُنْتَصِرٍ، مَاتَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ (643 هـ) عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَمَعَ اسْتِيفَائِي فِيهَا لِمَقَاصِدِ كِتَابِهِ (زِدْتُهَا عِلْمًا) مِنْ إِصْلَاحٍ لِخَلَلٍ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ فِي عَدِّ أَقْسَامِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ فَائِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
(تَرَاهُ) أَيِ: الْمَزِيدَ (مَوْضِعَهُ) بِمُلَاحَظَةِ أَصْلِهَا ; لِأَنَّهُ وَإِنْ مَيَّزَ أَوَّلَ كَثِيرٍ مِنْهُ بِـ " قُلْتُ "، أَوْ تَمَيَّزَ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْعَارِفِ ; لِكَوْنِهِ حِكَايَةً عَنْ مُتَأَخِّرٍ عَنِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِالصَّرِيحِ، أَوْ بِالْإِشَارَةِ، أَوْ تَعَقُّبًا لِكَلَامِهِ بِرَدٍّ أَوْ إِيضَاحٍ، فَآخِرُهُ قَدْ لَا يَتَمَيَّزُ، وَأَيْضًا فَقَدْ فَاتَهُ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَمْ يُمَيِّزْهَا بِـ " قُلْتُ "، وَلَا تَمَيَّزَتْ بِمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ، كَمَا سَأُوَضِّحُ ذَلِكَ فِي مَحَالِّهِ.
وَكَذَا أَشَرْتُ مِنْ أَجْلِ التَّلْخِيصِ لِعَزْوِ مَا يَكُونُ مِنَ اخْتِيَارَاتِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَتَحْقِيقَاتِهِ إِلَيْهِ.
(فَحَيْثُ) الْفَاءُ هِيَ الْفَصِيحَةُ، أَوْ تَفْرِيعِيَّةٌ عَلَى " لَخَّصْتُ " (جَاءَ الْفِعْلُ وَالضَّمِيرُ) عَلَى الْبَدَلِ (لِوَاحِدٍ) لَا لِاثْنَيْنِ (وَمَنْ) أَيْ: وَالَّذِي كُلٌّ مِنَ الْفِعْلِ وَالضَّمِيرِ (لَهُ مَسْتُورُ) أَيْ: غَيْرُ مَعْلُومٍ، تَشْبِيهًا لَهُ بِالْمُغَطَّى ; بِأَنْ لَمْ يُذْكَرْ فَاعِلُ الْفِعْلِ مَعَهُ، وَلَا تَقَدَّمَ كُلًّا مِنَ الْفِعْلِ أَوِ الضَّمِيرِ الْمُوَحَّدَيْنِ اسْمٌ يَعُودُ عَلَيْهِ كَـ " قَالَ " فِي أَمْثِلَةِ الْفِعْلِ.
مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ فِي الْحَسَنِ: (وَقَالَ بَانَ لِي بِإِمْعَانِي النَّظَرَ) وَ " لَهُ " فِي الضَّمِيرِ مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ فِي حُكْمِ الصَّحِيحَيْنِ: " كَذَا لَهُ " (أَوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ)
كَقَوْلِهِ: " فَالشَّيْخُ فِيمَا بَعْدُ قَدْ حَقَّقَهُ " (مَا أُرِيدُ) بِكُلٍّ مِنَ الْفَاعِلِ، وَصَاحِبِ الضَّمِيرِ وَالشَّيْخِ، (إِلَّا ابْنَ الصَّلَاحِ مُبْهَمَا) بِفَتْحِ الْهَاءِ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَبِكَسْرِهَا حَالٌ مِنْ فَاعِلٍ، (أُرِيدُ) وَهُوَ النَّاظِمُ (وَإِنْ يَكُنْ) أَيِ: الْمَذْكُورُ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ الضَّمِيرِ (لِاثْنَيْنِ) فَفِي الْفِعْلِ (نَحْوُ) قَوْلِكِ: (الْتَزَمَا) ، وَقَوْلِهِ: (وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أُسْنِدَا) وَفِي الضَّمِيرِ نَحْوُ (وَأَرْفَعُ الصَّحِيحِ مَرْوِيُّهُمَا) (فَمُسْلِمٌ مَعَ الْبُخَارِيِّ هُمَا) وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِلضَّرُورَةِ لَا سِيَّمَا وَإِضَافَتُهُ لِلثَّانِي بِالْمَعِيَّةِ مُشْعِرَةٌ بِالتَّبَعِيَّةِ وَالْمَرْجُوحِيَّةِ.
وَرُبَّمَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ مَا تَكُونُ أَلِفُهُ لِلْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ: (وَقِيلَ مَا لَمْ يَتَّصِلْ وَقَالَا) .
وَكَقَوْلِهِ فِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الشُّيُوخِ: (وَمَا بِبَعْضٍ ذَا وَذَا وَقَالَا) وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا بِرَسْمِ الْكِتَابَةِ، وَأَمَّا مَا لَهُ مَرْجِعٌ كَقَوْلِهِ: (وُرُودُ مَا قَالَا فَلَا يُرَدُّ) (وَاللَّهَ) بِالنَّصْبِ مَعْمُولُ (أَرْجُو) وَقُدِّمَ لِلِاخْتِصَاصِ نَحْوُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الْفَاتِحَةِ: 5] .
(فِي أُمُورِي كُلِّهَا مُعْتَصَمًا) بِفَتْحِ الصَّادِ، تَمْيِيزٌ لِلنِّسْبَةِ أَيْ: أَرْجُوهُ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِصَامِ بِمَعْنَى الْحِفْظِ وَالْوِقَايَةِ، وَبِكَسْرِهَا أَيْ: مُمْتَنِعًا عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ وَهُوَ النَّاظِمُ، أَيْ: أُؤَمِّلُ اللَّهَ فِي حَالَةِ كَوْنِي مُعْتَصِمًا.
(فِي صَعْبِهَا) أَيْ: أُمُورِي (وَ) فِي (سَهْلِهَا) ، وَالصَّعْبُ وَكَذَا الْحَزَنُ ضِدُّ السَّهْلِ ; فَبِأَيِّ لَفْظٍ جِيءَ بِهِ مِنْهُمَا تَحْصُلُ الْمُطَابَقَةُ الْمَحْضَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ، وَلَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْحَزَنِ أَبْلَغُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّأَسِّي بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; حَيْثُ قَالَ: «وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْحَزَنَ سَهْلًا» وَحَيْثُ أَمَرَ بِتَغْيِيرِ " حَزَنٍ " بِـ " سَهْلٍ " وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.


عدل سابقا من قبل شريف ابراهيم في الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:41 عدل 1 مرات
شريف ابراهيم
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1930
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث Empty [أَقْسَامُ الْحَدِيثِ] [الحديث الصَّحِيحُ]

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:07

[الحديث الصَّحِيحُ]
الصَّحِيحُ.
11 - وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ قَسَّمُوا السُّنَنْ ... إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ
12 - فَالْأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ ... بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطِ الْفُؤَادِ
13 - عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُذُوذِ ... وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَتُوذِي
14 - وَبِالصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ قَصَدُوا ... فِي ظَاهِرٍ لَا الْقَطْعَ وَالْمُعْتَمَدُ
15 - إِمْسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا عَلَى سَنَدْ ... بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطْلَقًا وَقَدْ
16 - خَاضَ بِهِ قَوْمٌ فَقِيلَ مَالِكُ ... عَنْ نَافِعٍ بِمَا رَوَاهُ النَّاسِكُ
17 - مَوْلَاهُ وَاخْتَرْ حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ ... الشَّافِعِيُّ قُلْتُ وَعَنْهُ أَحْمَدُ
18 - وَجَزَمَ ابْنُ حَنْبَلٍ بِالزُّهْرِي ... عَنْ سَالِمٍ أَيْ عَنْ أَبِيهِ الْبَرِّ
19 - وَقِيلَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَنْ أَبِهْ ... عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ
20 - أَوْ فَابْنُ سِيرِينَ عَنِ السَّلْمَانِي ... عَنْهُ أَوِ الْأَعْمَشُ عَنْ ذِي الشَّانِ
21 - النَّخَعِيُّ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ ... عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ.
(أَقْسَامُ الْحَدِيثِ) جَمْعُ قِسْمٍ، وَهُوَ وَالنَّوْعُ، وَالصِّنْفُ، وَالضَّرْبُ، مَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَرُبَّمَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
(وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ) أَيِ: الْحَدِيثِ (قَسَّمُوا) - بِالتَّشْدِيدِ - السُّنَنَ الْمُضَافَةَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا وَكَذَا وَصْفًا وَأَيَّامًا.
(إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنٍ) وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِمَا اسْتَقَرَّ اتِّفَاقُهُمْ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَمِنْهُمْ - كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَسَنِ مِمَّا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ عُلُومِهِ - مَنْ يُدْرِجُ الْحَسَنَ فِي الصَّحِيحِ ; لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاحْتِجَاجِ.
بَلْ نَقَلَ ابْنُ تَيْمِيَةَ إِجْمَاعَهُمْ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ خَاصَّةً - عَلَيْهِ أَوْ بِالنَّظَرِ ;
لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي مَجْمُوعِ كَلَامِهِمُ التَّقْسِيمُ لِأَكْثَرَ مِنَ الثَّلَاثَةِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا كَمَا رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ.
وَخُصَّتِ الثَّلَاثَةُ بِالتَّقْسِيمِ لِشُمُولِهَا لِمَا عَدَاهَا مِمَّا سَيَذْكُرُ مِنْ مَبَاحِثِ الْمَتْنِ دُونَ مُخْتَلِفِهِ وَغَرِيبِهِ وَنَاسِخِهِ، بَلْ وَلِأَكْثَرِ مَبَاحِثِ السَّنَدِ ; كَالتَّدْلِيسِ وَالِاخْتِلَاطِ وَالْعَنْعَنَةِ، وَالْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، وَمَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَوْ تُرَدُّ، وَالثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ، وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَطُرُقِ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَالْمُبْهَمَاتِ.
وَالْحَاصِلُ شُمُولُهَا لِكُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ مِنْهَا، وَلِخُرُوجِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْوَاعِ عَنْهَا أَشَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الضَّعِيفِ: (وَالْمَلْحُوظُ فِيمَا نُورِدُهُ مِنَ الْأَنْوَاعِ، أَيْ: بَعْدَهُ، عُمُومُ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ، لَا خُصُوصُ أَنْوَاعِ التَّقْسِيمِ الَّذِي فَرَغْنَا الْآنَ مِنْ تَقْسِيمِهِ) .
وَأَدْرَجَ الضَّعِيفَ فِي السُّنَنِ تَغْلِيبًا، وَإِلَّا فَهُوَ لَا يُسَمَّى سُنَّةً، وَكَذَا قُدِّمَ عَلَى الْحَسَنِ لِلضَّرُورَةِ، أَوْ لِمُرَاعَاةِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ، أَوْ لِمُلَاحَظَةِ صَنِيعِ الْأَكْثَرِينَ، لَا سِيَّمَا وَالْحَسَنُ رُتْبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُمَا، فَأَعْلَاهَا مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَسَنِ لِذَاتِهِ، وَأَدْنَاهَا مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْانْجِبَارِ.
وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ عِنْدَ قَوْمٍ، حَسَنٌ عِنْدَ قَوْمٍ، وَالثَّانِي حَسَنٌ عِنْدَ قَوْمٍ، ضَعِيفٌ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُمْ مَنْ لَا يُثْبِتُ الْوَاسِطَةَ، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى الْإِنْفِرَادِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِتَأْخِيرِهِ الضَّعِيفَ حِينَ تَفْصِيلِهَا. وَلَا يَخْدِشُ فِيهِ تَيَسُّرُ تَأْخِيرِهِ فِي نَظْمِ بَعْضِ الْآخِذِينَ عَنِ النَّاظِمِ، حَيْثُ قَالَ: عِلْمُ الْحَدِيثِ رَاجِعُ الصُّنُوفِ إِلَى صَحِيحٍ حَسَنٍ ضَعِيفِ
[الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ] (فَالْأَوَّلُ) أَيِ: الصَّحِيحُ، وَقُدِّمَ لِاسْتِحْقَاقِهِ التَّقْدِيمَ رُتْبَةً وَوَضْعًا، وَتَرْكُ تَعْرِيفِهِ لُغَةً بِأَنَّهُ ضِدُّ الْمَكْسُورِ وَالسَّقِيمِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ، بِخِلَافِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْعِبَادَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَسَائِرِ الْمَعَانِي فَمَجَازٌ، أَوْ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ
بِالتَّبَعِيَّةِ ; لِكَوْنِهِ خُرُوجًا عَنِ الْغَرَضِ.
(الْمُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ) أَيِ: السَّالِمُ إِسْنَادُهُ - الَّذِي هُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ: الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْمَتْنِ، مَعَ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: إِنَّهُ حِكَايَةُ طَرِيقِ الْمَتْنِ وَهُوَ أَشْبَهُ، فَذَاكَ تَعْرِيفُ السَّنَدِ، وَالْأَمْرُ سَهْلٌ - عَنْ سَقْطٍ ; بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَ ذَلِكَ الْمَرْوِيَّ مِنْ شَيْخِهِ.

[شُرُوطِ الحديث الصَّحِيحِ]
[تَفْصِيلُ شُرُوطِ الصَّحِيحِ] وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ خَرَجَ الْمُنْقَطِعُ، وَالْمُرْسَلُ بِقِسْمَيْهِ، وَالْمُعْضَلُ الْآتِي تَعْرِيفُهَا فِي مَحَالِّهَا، وَالْمُعَلَّقُ الصَّادِرُ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ كَالْبُخَارِيِّ ; لِأَنَّ تَعَالِيقَهُ الْمَجْزُومَةَ الْمُسْتَجْمِعَةَ لِلشُّرُوطِ فِيمَنْ بَعْدَ الْمُعَلَّقِ عَنْهُ لَهَا حُكْمُ الْاتِّصَالِ، وَإِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهَا مِنْ طَرِيقِ الْمُعَلَّقِ عَنْهُ فَهُوَ لِقُصُورِنَا وَتَقْصِيرِنَا.
وَاتِّصَالُهُ (بِنَقْلِ عَدْلٍ) وَهُوَ مَنْ لَهُ مَلَكَةٌ تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي مَعَ الْبَسْطِ فِي مَحَلِّهِ، وَهَذَا هُوَ ثَانِي الشُّرُوطِ، وَبِهِ خَرَجَ مَنْ فِي سَنَدِهِ مَنْ عُرِفَ ضَعْفُهُ أَوْ جُهِلَتْ عَيْنُهُ أَوْ حَالُهُ، حَسْبَمَا يَجِيءُ فِي بَيَانِهَا (ضَابِطِ) أَيْ: حَازِمٍ، (الْفُؤَادِ) بِضَمِّ الْفَاءِ ثُمَّ وَاوٍ مَهْمُوزَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ أَيِ: الْقَلْبِ، فَلَا يَكُونُ مُغَفَّلًا غَيْرَ يَقِظٍ وَلَا مُتْقِنٍ، لِئَلَّا يَرْوِيَ مِنْ كِتَابِهِ الَّذِي تَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْخَلَلُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، أَوْ مِنْ حِفْظِهِ الْمُخْتَلِّ فَيُخْطِئَ ; إِذِ الضَّبْطُ ضَبْطَانِ: ضَبْطُ صَدْرٍ، وَضَبْطُ كِتَابٍ.
فَالْأَوَّلُ: هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ مَا سَمِعَهُ ; بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِحْضَارِهِ مَتَى شَاءَ.
وَالثَّانِي: هُوَ صَوْنُهُ لَهُ عَنْ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ إِلَيْهِ مِنْ حِينِ سَمِعَ فِيهِ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ، وَإِنْ مَنَعَ بَعْضُهُمُ الرِّوَايَةَ مِنَ الْكِتَابِ.
وَهَذَا - أَعْنِي الضَّبْطَ - هُوَ ثَالِثُ الشُّرُوطِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ ; حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّدُوقِ وَالثِّقَةِ وَالضَّابِطِ، وَجَعَلُوا لِكُلِّ صِفَةٍ مِنْهَا مَرْتَبَةً دُونَ الَّتِي بَعْدَهَا، وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ: إِنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا فِي سَنَدِهِ رَاوٍ مُغَفَّلٌ، كَثِيرُ الْخَطَأِ فِي رِوَايَتِهِ، وَإِنْ عُرِفَ بِالصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ.
وَيَتَأَيَّدُ بِتَفْصِيلِ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ عَنْ شُرُوطِ الضَّبْطِ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، وَلِذَلِكَ تَعَقَّبَ الْمُصَنِّفُ الْخَطَّابِيَّ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْعَدَالَةِ، وَانْتَصَرَ شَيْخُنَا لِلْخَطَّابِيِّ ; حَيْثُ كَادَ أَنْ يَجْعَلَ الضَّبْطَ مِنْ أَوْصَافِهَا، لَكِنْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ تَفْسِيرَ الثِّقَةِ بِمَنْ فِيهِ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَدَالَةِ وَهُوَ الضَّبْطُ إِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِهِمْ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَاشْتِرَاطُهُ فِي الصَّحِيحِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ التَّامُّ كَمَا فُهِمَ مِنَ الْإِطْلَاقِ الْمَحْمُولِ عَلَى الْكَامِلِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَدْخُلُ الْحَسَنُ لِذَاتِهِ الْمُشْتَرَطُ فِيهِ مُسَمَّى الضَّبْطِ خَاصَّةً هُنَا، لَكِنْ يَخْرُجُ إِذَا اعْتَضَدَ وَصَارَ صَحِيحًا لِغَيْرِهِ. وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِهِ بَعْدُ، وَإِنْ تَضَمَّنَ كَوْنَ الْحَدِّ غَيْرَ جَامِعٍ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَاقِلًا لَهُ (عَنْ مِثْلِهِ) يَعْنِي: وَهَكَذَا إِلَى مُنْتَهَاهُ ; سَوَاءٌ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ، أَوْ إِلَى مَنْ دُونَهُ حَتَّى يَشْمَلَ الْمَوْقُوفَ وَنَحْوَهُ.
وَلَكِنْ قَدْ يُدَّعَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِـ " عَنْ مِثْلِهِ " تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَوْضِيحٍ، وَأَنَّهُ قَدْ فُهِمَ مِمَّا قَبْلَهُ، وَلِذَلِكَ حَذَفَهُ شَيْخُنَا فِي نُخْبَتِهِ لِشِدَّةِ اخْتِصَارِهَا (مِنْ غَيْرِ مَا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ (شُذُوذٍ) وَغَيْرِ (عِلَّةٍ قَادِحَةٍ) ، وَهَذَانِ: الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنَ الشُّرُوطِ، وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُهُمَا، وَهُمَا سَلْبِيَّانِ بِمَعْنَى اشْتِرَاطِ نَفْيِهِمَا، وَلَا يَخْدِشُ فِي ذَلِكَ عَدَمُ ذِكْرِ الْخَطَّابِيِّ لَهُمَا ; إِذْ لَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ فِيهِ.
بَلْ هُوَ أَيْضًا مُقْتَضَى تَوْجِيهِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، قَوْلُهُ: (وَفِيهِمَا نَظَرٌ عَلَى مُقْتَضَى نَظَرِ الْفُقَهَاءِ ; حَيْثُ قَالَ: فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعِلَلِ الَّتِي يُعَلِّلُ بِهَا الْمُحَدِّثُونَ لَا تَجْرِي عَلَى أُصُولِ الْفُقَهَاءِ) .
إِذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يُسَمَّى عِلَّةً، فَالْكَثِيرُ مِنْهُ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَالْبَعْضُ الْمُحْتَمِلُ لِأَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرَ أَوْ غَيْرَهُ يُوَافِقُ الْفَقِيهَ الْمُحَدِّثَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ، وَلِذَلِكَ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (كَثِيرًا) .
وَمِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا إِذَا أَثْبَتَ الرَّاوِي عَنْ شَيْخِهِ شَيْئًا فَنَفَاهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ أَوْ أَكْثَرُ عَدَدًا، أَوْ أَكْثَرُ مُلَازَمَةً مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ وَالْأُصُولِيَّ يَقُولَانِ: الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَيُقْبَلُ.
وَالْمُحَدِّثُونَ يُسَمُّونَهُ شَاذًّا ; لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الشُّذُوذَ الْمُشْتَرَطَ نَفْيُهُ هُنَا بِمُخَالَفَةِ الرَّاوِي فِي رِوَايَتِهِ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ، عِنْدَ تَعَسُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيُّ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ، بَلْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنَ الْوَاحِدِ، أَيْ: لِأَنَّ تَطَرُّقَ السَّهْوِ إِلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وَحِينَئِذٍ فَرَدُّ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ بَعِيدٌ.
وَمِنْهَا الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ الْعَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ تَابِعِيٍّ مَثَلًا عَنْ صَحَابِيٍّ، وَيَرْوِيهِ آخَرُ مِثْلُهُ ; سَوَاءٌ عَنْ ذَلِكَ التَّابِعِيِّ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ أَوْ أَكْثَرَ
الْمُحَدِّثِينَ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ التَّابِعِيُّ سَمِعَهُ مِنْهُمَا مَعًا، إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ، وَقَامَتْ قَرِينَةٌ لَهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي ثَانِي قِسْمَيِ الْمَقْلُوبِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ الْكَثِيرُ مِنْ هَذَا.
وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ يُعِلُّونَ بِهَذَا، مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الِاضْطِرَابَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الضَّبْطِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِمَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُتَرَدَّدِ فِيهِمَا ضَعِيفًا، بَلْ تَوَسَّعَ بَعْضُهُمْ فَرَدَّ بِمُجَرَّدِ الْعِلَّةِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قَادِحَةً.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ فِي تَسْمِيَةِ مَا يَجْمَعُ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ صَحِيحًا، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ شُذُوذٌ أَوْ عِلَّةٌ رَدَّهُ فَشَاذٌّ، وَهُوَ اسْتِرْوَاحٌ حَيْثُ يُحْكَمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ قَبْلَ الْإِمْعَانِ فِي الْفَحْصِ، عَنْ تَتَبُّعِ طُرُقِهِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الشُّذُوذُ وَالْعِلَّةُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَضْلًا عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ كُلِّهِ الَّتِي رُبَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ.
وَرُبَّمَا تَطَرَّقَ إِلَى التَّصْحِيحِ مُتَمَسِّكًا بِذَلِكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ، فَالَأَحْسَنُ سَدُّ هَذَا الْبَابِ، وَإِنْ أَشْعَرَ تَعْلِيلُ ابْنِ الصَّلَاحِ ظُهُورَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْمَتْنِ مِنْ إِطْلَاقِ الْإِمَامِ الْمُعْتَمَدِ صِحَّةَ الْإِسْنَادِ بِجَوَازِ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ، حَيْثُ قَالَ: (لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الْأَصْلُ الظَّاهِرُ) ، فَتَصْرِيحُهُ بِالِاشْتِرَاطِ يَدْفَعُهُ، مَعَ أَنَّ قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَى الْإِسْنَادِ وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ لَا يَسْلَمُ مِنَ انْتِقَادٍ.
وَكَذَا لَا يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِالِانْقِطَاعِ، وَلَا بِجَهَالَةِ الرَّاوِي الْمُبْهَمِ بِمُجَرَّدِ الْوُقُوفِ عَلَى طَرِيقٍ كَذَلِكَ [بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْإِمْعَانِ فِي التَّفْتِيشِ ; لِئَلَّا يَكُونَ مُتَّصِلًا وَمُعَيَّنًا فِي طَرِيقٍ آخَرَ] ، فَيُعَطَّلَ بِحُكْمِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُعْضَلِ.
عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا مَالَ إِلَى النِّزَاعِ فِي تَرْكِ تَسْمِيَةِ الشَّاذِّ صَحِيحًا، وَقَالَ: غَايَةُ مَا
فِيهِ رُجْحَانُ رِوَايَةٍ عَلَى أُخْرَى، وَالْمَرْجُوحِيَّةُ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ، وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ صَحِيحٌ وَأَصَحُّ، فَيُعْمَلُ بِالرَّاجِحِ وَلَا يُعْمَلُ بِالْمَرْجُوحِ ; لَأَجْلِ مُعَارَضَتِهِ لَهُ، لَا لِكَوْنِهِ لَمْ تَصِحَّ طَرِيقُهُ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالضَّعْفِ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يُتَوَقَّفَ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَنْ يَقُولُ: (صَحِيحٌ شَاذٌّ) كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُعَلِّ. وَهَذَا كَمَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ سَوَاءٌ، قَالَ: وَمَنْ تَأَمَّلَ الصَّحِيحَيْنِ، وَجَدَ فِيهِمَا أَمْثِلَةً مِنْ ذَلِكَ. انْتَهَى.
[وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ تَنْظِيرِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ الَّذِي لَمْ يُفْصِحْ بِهِ بِهَذَا] .
وَهُوَ أَيْضًا شَبِيهٌ بِالِاخْتِلَافِ فِي الْعَامِّ قَبْلَ وُجُودِ الْمُخَصِّصِ، وَفِي الْأَمْرِ قَبْلَ وُجُودِ الصَّارِفِ لَهُ عَنِ الْوُجُوبِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالشُّذُوذُ سَبَبٌ لِلتَّرْكِ إِمَّا صِحَّةً أَوْ عَمَلًا، بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْقَادِحَةِ ; كَالْإِرْسَالِ الْخَفِيِّ (فَتُوذِي) بِوُجُودِهَا الصِّحَّةَ الظَّاهِرَةَ، وَيَمْتَنِعُ مَعَهَا الْحُكْمُ وَالْعَمَلُ مَعًا (وَ) إِذَا تَمَّ هَذَا فَ (بِالصَّحِيحِ) فِي قَوْلِ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(وَبِالضَّعِيفِ) فِي قَوْلِهِمْ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ (قَصَدُوا) الصِّحَّةَ وَالضَّعْفَ (فِي ظَاهِرٍ) لِلْحُكْمِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ اتَّصَلَ سَنَدُهُ مَعَ سَائِرِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ فَقَدَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْقَبُولِ لِجَوَازِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَلَى الثِّقَةِ، وَالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَكَذَا الصِّدْقُ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، مَعَ التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ بِهِ، مَتَى ظَنَنَّاهُ صِدْقًا،
وَتَجَنُّبِهِ فِي ضِدِّهِ.
(لَا) أَنَّهُمْ قَصَدُوا (الْقَطْعَ) بِصِحَّتِهِ أَوْ ضَعْفِهِ ; إِذِ الْقَطْعُ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنَ التَّوَاتُرِ، أَوِ الْقَرَائِنِ الْمُحْتَفِّ بِهَا الْخَبَرُ، وَلَوْ كَانَ آحَادًا كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عِنْدَ حُكْمِ الصَّحِيحَيْنِ.
وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ كَحُسَيْنٍ الْكَرَابِيسِيِّ وَغَيْرِهِ إِلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا - فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إِرَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَوِ التَّوَسُّعِ، لَا سِيَّمَا مَنْ قَدَّمَ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ عَلَى الْقِيَاسِ كَأَحْمَدَ، وَإِلَّا فَالْعِلْمُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لَا يَتَفَاوَتُ.
فَالْجَارُّ فِي الصَّحِيحِ يَتَعَلَّقُ بِـ " قَصَدُوا "، وَ " فِي ظَاهِرٍ " بِمَحْذُوفٍ، وَ " لَا الْقَطْعَ " مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ " فِي ظَاهِرٍ " أَوْ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ: قَصَدُوا الصِّحَّةَ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالضَّعْفَ مَرْجِعُهُمَا إِلَى وُجُودِ الشَّرَائِطِ وَعَدَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ غَلَبَةِ الظَّنِّ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاقِعِ فِي الْخَارِجِ.
شريف ابراهيم
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1930
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث Empty [أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ]

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:12

[أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ]
[أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ] وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي سَنَدٍ خَاصٍّ الْحُكْمُ بِالْأَصَحِّيَّةِ لِفَرْدٍ مُطْلَقًا، بَلْ (الْمُعْتَمَدُ إِمْسَاكُنَا) أَيْ: كَفُّنَا (عَنْ حُكْمِنَا عَلَى سَنَدٍ) مُعَيَّنٍ (بِأَنَّهُ أَصَحُّ) الْأَسَانِيدِ (مُطْلَقًا) كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ تَفَاوُتَ مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ مُتَرَتِّبٌ عَلَى تَمَكُّنِ الْإِسْنَادِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَيَعِزُّ وُجُودُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْقَبُولِ مِنَ الضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ وَنَحْوِهِمَا فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ رُوَاةِ الْإِسْنَادِ، مِنْ تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْرِهِ ; إِذْ لَا يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ حَازَ أَعْلَى
الصِّفَاتِ حَتَّى يُوَازَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَاصَرَهُ.
(وَقَدْ خَاضَ) إِذِ اقْتَحَمَ الْغَمَرَاتِ (بِهِ) أَيْ: بِالْحُكْمِ بِالْأَصَحِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ (قَوْمٌ) فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، وَاضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهِ لِاخْتِلَافِ اجْتِهَادِهِمْ (فَقِيلَ) كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِمَامُ الصَّنْعَةِ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَا رَوَاهُ (مَالِكٌ) نَجْمُ السُّنَنِ الْقَائِلُ فِيهِ ابْنُ مَهْدِيٍّ: لَا أُقَدِّمُ عَلَيْهِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَحَدًا.
وَالشَّافِعِيُّ: إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْهُ فَاشْدُدْ يَدَكَ بِهِ، كَانَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ التَّابِعِينَ (عَنْ) شَيْخِهِ (نَافِعٍ) الْقَائِلِ فِي حَقِّهِ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ: أَيُّ حَدِيثٍ أَوْثَقُ مِنْ حَدِيثِهِ؟ !
(بِمَا) أَيْ: بِالَّذِي (رَوَاهُ) لَهُ (النَّاسِكُ) أَيِ: الْعَابِدُ (مَوْلَاهُ) أَيْ: مَوْلَى نَافِعٍ، وَهُوَ سَيِّدُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - وَالْمَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُعْتِقِ وَالْمُعْتَقِ، وَكَانَ جَدِيرًا بِالْوَصْفِ بِالنُّسُكِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ بِالسَّبِيلِ الْمَتِينِ.
وَقَالَ فِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا، وَقَالَ جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: (مَا مِنَّا أَحَدٌ أَدْرَكَ الدُّنْيَا إِلَّا مَالَتْ بِهِ وَمَالَ بِهَا، إِلَّا هُوَ) .
(وَاخْتَرْ) إِذَا جَنَحْتَ لِهَذَا أَوْ زِدْتَ رَاوِيًا بَعْدَ مَالِكٍ (حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ) إِمَامُنَا (الشَّافِعِيُّ) [بِالسُّكُونِ أَيِ: اخْتَرْ هَذَا فَـ (حَيْثُ) وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ] ، فَقَدَ رُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: (كُنْتُ سَمِعْتُ (الْمُوَطَّأَ) مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ
حُفَّاظِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، فَأَعَدْتُهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ ; لِأَنِّي وَجَدْتُهُ أَقْوَمَهُمْ بِهِ) . انْتَهَى
بَلْ هُوَ أَجَلُّ مِنْ جَمِيعِ مَنْ أَخَذَهُ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ: (إِنَّهُ - أَيْ: هَذَا الْإِسْنَادُ - أَجَلُّ الْأَسَانِيدِ لِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ) ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَجَلُّ مِنَ الشَّافِعِيِّ (قُلْتُ وَ) اخْتَرْ كَمَا قَالَهُ الصَّلَاحُ الْعَلَائِيُّ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ، إِنْ زِدْتَ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ أَحَدًا حَيْثُ (عَنْهُ) يُسْنِدُ (أَحْمَدُ) وَهُوَ حَقِيقٌ بِالْإِلْحَاقِ.
فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ وَمَا خَلَّفَ بِهَا أَفْقَهَ وَلَا أَزْهَدَ وَلَا أَوْرَعَ وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُ. وَلِاجْتِمَاعِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ قِيلَ لَهَا: " سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ ".
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أَكْثَرَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ حَيْثُ أَوْرَدَ حَدِيثَ مَالِكٍ؟ وَلِمَ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ الْأُصُولِ مَا أَوْرَدُوهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ مِنْ جِهَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ؟
أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ عَنْ أَحْمَدَ بِخُصُوصِهِ: لَعَلَّ جَمْعَهُ الْمُسْنَدَ كَانَ قَبْلَ سَمَاعِهِ مِنَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُ فَلِطَلَبِ الْعُلُوِّ، وَقَدْ أَوْرَدْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ النُّكَتِ أَشْيَاءَ مُهِمَّةً.
مِنْهَا إِيرَادُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِإِسْنَادٍ كُنْتُ فِيهِ كَأَنِّي أَخَذْتُهُ عَنْهُ، فَأَحْبَبْتُ إِيرَادَهُ هُنَا تَبَرُّكًا.
أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَالْعِزُّ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ الْحَنَفِيُّ سَمَاعًا.
قَالَ الْأَوَّلُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفِدَاءِ بْنِ الْخِيَارِ إِذْنًا، أَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ الْمُسْلِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ بْنِ مَكِّيٍّ الْقَيْسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ.
وَقَالَ الثَّانِي: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُوخِيِّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَتْنَا أُمُّ أَحْمَدَ زَيْنَبُ بِنْتُ مَكِّيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ كَامِلٍ الْحَرَّانِيَّةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّصَافِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَنَهَى عَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا» .
وَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ إِلَّا الْجُمْلَةَ الثَّالِثَةَ، فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، فَوَقَعَ لَنَا بَدَلًا لَهُمَا مُسَاوِيًا.
(وَجَزَمَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (بْنُ
حَنْبَلٍ) نِسْبَةً لِجَدِّهِ، فَاسْمُ أَبِيهِ مُحَمَّدٌ، حِينَ تَذَاكَرَ فِي ذَلِكَ مَعَ جَمَاعَةٍ بِأَجْوَدِيَّةِ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الْقُرَشِيِّ (الزُّهْرِيِّ) الْمَدَنِيِّ الْقَائِلِ فِيهِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: مَا رَأَيْتُ عَالِمًا أَجْمَعَ مِنْهُ، وَلَا أَكْثَرَ عِلْمًا.
لَوْ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ لَقُلْتَ: لَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا، أَوِ الْأَنْسَابِ فَكَذَلِكَ، أَوْ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَحَدِيثُهُ جَامِعٌ.
(عَنْ سَالِمٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَ وَلَدِ أَبِيهِ بِهِ، وَمَالِكٌ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ أَشْبَهُ بِمَنْ مَضَى مِنَ الصَّالِحِينَ فِي الزُّهْدِ وَالْفَضْلِ وَالْعَيْشِ مِنْهُ (أَيْ) مِمَّا رَوَاهُ سَالِمٌ (عَنْ أَبِيهِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (الْبَرِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ دَأْبُهُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ.
وَوَافَقَ أَحْمَدَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ، لَكِنْ مُعَبِّرًا بِالْأَصَحِّيَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ اصْطِلَاحًا، وَلِذَا قَرَنَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِلشَّارِحِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي حِكَايَةِ الْأَصَحِّيَّةِ، نَعَمِ الْوَصْفُ بِجَيِّدٍ عِنْدَ الْجِهْبِذِ أَنْزَلُ رُتْبَةً مِنَ الْوَصْفِ بِصَحِيحٍ.
(وَقِيلَ) كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، إِنْ صَحَّ عَنْهُ، وَالنَّسَائِيُّ لَكِنَّهُ أَدْرَجَهُ مَعَ غَيْرِهِ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَا رَوَاهُ (زَيْنُ الْعَابِدِينَ) وَاسْمُهُ: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ حَتَّى
مَاتَ. (عَنْ أَبِهْ) بِحَذْفِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى لُغَةِ النَّقْصِ ; كَقَوْلِهِ:
بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الْكَرَمْ.
وَهُوَ السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ الشَّهِيدُ سِبْطُ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَيْحَانَتُهُ مِنَ الدُّنْيَا (عَنْ) عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (جَدِّهِ) أَيْ: جَدِّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (وَ) ذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهْرِيُّ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (بِهِ) أَيْ: بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، فَهَذِهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ.
وَلَأَجْلِ تَنْوِيعِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ يُقَالُ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ إِمَّا مَا تَقَدَّمَ، (أَوْ فَـ) مَا رَوَاهُ (ابْنُ سِيرِينَ) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ الْأَنْصَارِيُّ الْبَصْرِيُّ التَّابِعِيُّ الشَّهِيرُ بِكَثْرَةِ الْحِفْظِ وَالْعِلْمِ وَالْإِتْقَانِ وَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، وَالَّذِي قَالَ فِيهِ مُؤَرَّقٌ: مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ فِي وَرَعِهِ، وَلَا أَوْرَعَ فِي فِقْهِهِ مِنْهُ.
(عَنْ) أَبِي عَمْرٍو عَبِيدَةَ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - (السَّلْمَانِيِّ) - بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى الصَّحِيحِ، حَيٌّ مِنْ مُرَادٍ - الْكُوفِيِّ التَّابِعِيِّ الَّذِي كَادَ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ فَقِيهًا يُوَازِي شُرَيْحًا فِي الْفَضَائِلِ، بَلْ كَانَ شُرَيْحٌ يُرَاسِلُهُ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: (إِنَّهُ ثِقَةٌ لَا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ) .
(عَنْهُ) يَعْنِي عَنْ عَلِيٍّ صَاحِبِ التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ، وَكَذَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِزِيَادَةِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ; حَيْثُ قَالَا: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ: أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ إِلَى آخِرِهِ.
وَجَاءَ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ أَوَّلِهِمَا بِإِبْدَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ مِنَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَبأَجْوَدَ مِنْ
أَصَحَّ، وَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَصَحِّيَّةِ أَيُّوبَ مَعَ بَاقِي التَّرْجَمَةِ النَّسَائِيُّ، لَكِنْ مَعَ إِدْرَاجِ غَيْرِهِ.
(أَوْ) مَا رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْكُوفِيُّ (الْأَعْمَشُ) الْإِمَامُ الْحَافِظُ الثِّقَةُ الَّذِي كَانَ شُعْبَةُ يُسَمِّيهِ لِصِدْقِهِ (الْمُصْحَفَ) (عَنِ) الْفَقِيهِ الْمُتَوَفَّى الصَّالِحِ.
(ذِي الشَّأْنِ) أَبِي عِمْرَانَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ (النَّخَعِيِّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُعْجَمَةِ، نِسْبَةً لِلنَّخَعِ، قَبِيلَةٌ مِنْ مَذْحِجٍ، الْكُوفِيِّ
(عَنْ) رَاهِبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عِبَادَةً وَعِلْمًا وَفَضْلًا وَفِقْهًا. (ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَةَ) أَيْ: عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ، وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ، لَكِنْ بِإِبْدَالِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ مِنَ الْأَعْمَشِ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: (حَدَّثَ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ، فَقَالَ: هَذَا الْمُشْرِفُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ) ، بَلْ سُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ فِي إِبْرَاهِيمَ: الْأَعْمَشُ أَوْ مَنْصُورٌ؟ ، فَقَالَ: (مَنْصُورٌ) .
وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُمَا -: الْأَعْمَشُ حَافِظٌ يُخَلِّطُ وَيُدَلِّسُ، وَمَنْصُورٌ أَتْقَنُ لَا يُخَلِّطُ وَلَا يُدَلِّسُ، لَكِنْ قَالَ وَكِيعٌ: (إِنَّ الْأَعْمَشَ أَحْفَظُ لِإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ أَوْرَدْتُ مِنْهَا فِي النُّكَتِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ هُنَا مَا يُزَاحِمُ عِشْرِينَ قَوْلًا، وَالِاعْتِنَاءُ بِتَتَبُّعِهَا يُفِيدُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَرْجِيحُ مَا عُورِضَ مِنْهَا بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ تَمَكُّنُ النَّاظِرِ الْمُتْقِنِ فِيهَا مِنْ تَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِالنَّظَرِ لِتَرْجِيحِ الْقَائِلِينَ إِنْ تَهَيَّأَ.
[كِتَابٌ عَنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ] وَقَدْ أَفْرَدَ النَّاظِمُ فِي الْأَحْكَامِ كِتَابًا لَطِيفًا جَمَعَهُ مِنْ تَرَاجِمِ سِتَّةَ عَشَرَ قِيلَ فِيهَا: إِنَّهَا أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ، إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا، وَهِيَ مَا عَدَا الثَّالِثَةِ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا، وَمَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، وَمَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، كُلٌّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِمَّا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُ، كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْقَاسِمِ، وَالزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ.
وَالْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الصَّحِيحِ.
(وَ) عَلَى كُلِّ حَالٍ (لُمْ) كَمَا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ، بِضَمِّ اللَّامِ أَيِ: اعْذِلْ وَاعْتِبْ (مَنْ عَمَّمَهْ) أَيِ: الَّذِي عَمَّمَ الْحُكْمَ بِالْأَصَحِّيَّةِ لِسَنَدٍ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّهُ حَصْرٌ فِي بَابٍ وَاسِعٍ جِدًّا شَدِيدِ الِانْتِشَارِ، وَالْحَاكِمُ فِيهِ عَلَى خَطَرٍ مِنَ الْخَطَأِ وَالِانْتِقَاضِ.
كَمَا قِيلَ بِمِثْلِهِ فِي قَوْلِهِمْ: لَيْسَ فِي الرُّوَاةِ مَنِ اسْمُهُ كَذَا سِوَى فُلَانٍ، بَلْ إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَتُقَيَّدُ كُلُّ تَرْجَمَةٍ بِصَحَابِيِّهَا، أَوْ بِالْبَلَدِ الَّتِي مِنْهَا أَصْحَابُ تِلْكَ التَّرْجَمَةِ، فَهُوَ أَقَلُّ انْتِشَارًا أَوْ أَقْرَبُ إِلَى حَصْرٍ، كَمَا قِيلَ فِي أَفْضَلِ التَّابِعِينَ، وَأَصَحِّ الْكُتُبِ، وَأَحَادِيثِ الْبَابِ، فَيَقُولُونَ: أَصَحُّ أَحَادِيثِ بَابِ كَذَا أَوْ مَسْأَلَةِ كَذَا حَدِيثُ كَذَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي أَصَحِ أَسَانِيدِ فُلَانٍ، مَشَوْا فِي أَوْهَى أَسَانِيدِ فُلَانٍ أَيْضًا، وَفَائِدَتُهُ تَرْجِيحُ بَعْضِ الْأَسَانِيدِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَمْيِيزُ مَا يَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ
مِمَّا لَا يَصْلُحُ، وَلَكِنَّ هَذَا الْمُخْتَصَرَ يَضِيقُ عَنْ بَسْطِ ذَلِكَ وَتَتِمَّاتِهِ، فَلْيُرَاجَعْ أَصْلُهُ بَعْدَ تَحْرِيرِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
شريف ابراهيم
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1930
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث Empty [أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيثِ]

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:17

[أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيثِ]
22 - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحِيحِ ... مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتَّرْجِيحِ
23 - وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الْغَرْبِ مَعْ ... أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ
24 - وَلَمْ يَعُمَّاهُ وَلَكِنْ قَلَّ مَا ... عِنْدَ ابْنِ الْأَخْرَمِ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
25 - وَرُدَّ لَكِنْ قَالَ يَحْيَى الْبَرُّ ... لَمْ يَفُتِ الْخَمْسَةَ إِلَّا النَّزْرُ
26 - وَفِيهِ مَا فِيهِ لِقَوْلِ الْجُعْفِي ... أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ
27 - وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكْرَارِ ... لَهَا وَمَوْقُوفٍ وَفِي الْبُخَارِي
28 - أَرْبَعَةُ الْآلَافِ وَالْمُكَرَّرُ ... فَوْقَ ثَلَاثَةٍ أُلُوفًا ذَكَرُوا
[أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحِيحِ] وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ ظَاهِرَةٌ، (أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحِيحِ) السَّابِقِ تَعْرِيفُهُ كِتَابًا مُخْتَصًّا بِهِ، الْإِمَامُ (مُحَمَّدٌ) هُوَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُخَارِيُّ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ قَاسِمٍ، وَغَيْرُهُمَا.
وَمُوَطَّأُ مَالِكٍ - وَإِنْ كَانَ سَابِقًا - فَمُصَنِّفُهُ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ الشُّرُوطُ السَّابِقَةُ لِإِدْخَالِهِ فِيهِ الْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَنَحْوَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ، بِخِلَافِ مَا يَقَعُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ كِتَابٌ فِي الْعِلْمِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ) - كَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ.
[صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ أَفْضَلُ أَوْ صَحِيحُ مُسْلِمٍ] (وَ) لِتَقَدُّمِ الْبُخَارِيِّ فِي الْفَنِّ وَمَزِيدِ اسْتِقْصَائِهِ (خُصَّ) مَا أَسْنَدَهُ فِي صَحِيحِهِ، دُونَ التَّعَالِيقِ وَالتَّرَاجِمِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (بِالتَّرْجِيحِ) عَلَى سَائِرِ الصِّحَاحِ (وَمُسْلِمٌ بَعْدُ) بِضَمِّ الدَّالِ، أَيْ: بَعْدَ الْبُخَارِيِّ وَضْعًا وَرُتْبَةً، وَحَذَفَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ وَنَوَى مَعْنَاهُ لِلْعِلْمِ بِهِ.
هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْإِتْقَانِ وَالْحِذْقِ وَالْخَوْضِ عَلَى الْأَسْرَارِ، (وَبَعْضُ) أَهْلِ (الْغَرْبِ) حَسْبَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ مِنْ شُيُوخِ أَبِي مَرْوَانَ الطُّبْنِيِّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، بَعْدَهَا نُونٌ، مَدِينَةٌ بِـ " الْغَرْبِ " مِنْ عَمَلِ " إِفْرِيقِيَّةَ ".
مِمَّا وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ مِنْهُمْ (مَعَ) الْحَافِظِ (أَبِي عَلِيٍّ) الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ النَّيْسَابُورِيِّ أَحَدِ شُيُوخِ صَاحِبِ (الْمُسْتَدْرَكِ) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ الْحَافِظُ (فَضَّلُوا ذَا) أَيْ: (صَحِيحَ مُسْلِمٍ) ، وَلَكِنْ (لَوْ نَفَعَ) هَذَا الْقَوْلُ لَقُبِلَ مِنْ قَائِلِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفَعْ ; لِضَعْفِهِ وَمُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ، بَلْ وَعَدَمِ صَرَاحَةِ مَقَالِهِمْ فِي الْمُرَادِ.
أَمَّا الْمَغَارِبَةُ فَإِنَّ ابْنَ حَزْمٍ عَلَّلَ ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ التُّجِيبِيُّ عَنْهُ، بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ إِلَّا الْحَدِيثُ السَّرْدُ، وَهُوَ غَيْرُ رَاجِعٍ إِلَى الْأَصَحِّيَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْضِيلُ مَنْ لَمْ يُسَمَّ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَاسِمٍ: لَمْ يَضَعْ أَحَدٌ مِثْلَهُ.
[تَرَدُّدُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي التَّفْضِيلِ] وَلِكَوْنِ ابْنِ الصَّلَاحِ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ، تَرَدَّدَ فِي جِهَةِ التَّفْضِيلِ.
وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ كِتَابَ مُسْلِمٍ يَتَرَجَّحُ بِأَنَّهُ لَمْ يُمَازِجْهُ غَيْرُ الصَّحِيحِ، يَعْنِي بِخِلَافِ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ أَوْدَعَ تَرَاجِمَ أَبْوَابِهِ كَثِيرًا مِنْ مَوْقُوفَاتِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُدَّعَى، أَوْ أَنَّ الْأَرْجَحِيَّةَ مِنْ حَيْثِيَّةِ الصِّحَّةِ فَمَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ.
وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ فَلَفْظُهُ كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَنْدَهْ الْمَذْكُورِ عَنْهُ: (مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ) . وَهُوَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا مُحْتَمِلٌ لِلْمُدَّعَى، أَوْ لِنَفْيِ الْأَصَحِّيَّةِ خَاصَّةً دُونَ الْمُسَاوَاةِ.
فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ فِي شَرْحُ دِيوَانِ الْمُتَنَبِّي: ذَهَبَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ، وَلَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ» مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو ذَرٍّ أَصْدَقَ الْعَالَمِ أَجْمَعَ.
قَالَ: وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَفَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَعْلَى رُتْبَةً فِي الصِّدْقِ مِنْهُ، وَلَمْ يَنْفِ أَنْ يَكُونَ فِي النَّاسِ مِثْلُهُ فِي الصِّدْقِ، وَلَوْ أَرَادَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، لَقَالَ: أَبُو ذَرٍّ أَصْدَقُ مِنْ كُلِّ مَنْ أَقَلَّتْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: فُلَانٌ أَعْلَمُ أَهْلِ الْبَلَدِ بِفَنِّ كَذَا، لَيْسَ كَقَوْلِهِ: مَا فِي الْبَلَدِ أَعْلَمُ مِنْ فُلَانٍ بِفَنِّ كَذَا ; لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ أَثْبَتَ لَهُ الَأَعْلَمِيَّةَ، وَفِي الثَّانِي نَفَى أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلَدِ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ
فِيهَا مَنْ يُسَاوِيهِ فِيهِ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَ لَفْظُ أَبِي عَلِيٍّ مُحْتَمِلًا لِكُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ الْجَزْمُ بِالْأَصَحِّيَّةِ، يَعْنِي كَمَا فَعَلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرُهُ ; حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: كِتَابُ مُسْلِمٍ أَصَحُّ. وَقَدْ سَبَقَهُ كُلٌّ مِنْ شَيْخَيْهِ: الْمُؤَلِّفِ، وَالْعِزِّ ابْنِ جَمَاعَةَ إِلَى الْإِرْشَادِ لِذَلِكَ.
بَلْ لِعَدَمِ صَرَاحَةِ مِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَا تَرْوِي عَنْ أَثْبَتَ مِنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، أَمَّا مِثْلُهُ فَعَسَى.
وَيَتَأَيَّدُ كُلُّ هَذَا بِحِكَايَةِ التَّسَاوِي، قَوْلًا ثَالِثًا فِي الْمَسْأَلَةِ، بَلْ فِيهَا رَابِعٌ، وَهُوَ الْوَقْفُ ; إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ إِجْمَالِيٌّ وَتَفْصِيلِيٌّ.
[دَلِيلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ] أَمَّا الْإِجْمَالِيُّ: فَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ أَعْلَمَ بِالْفَنِّ مِنْ مُسْلِمٍ، وَأَنَّهُ تِلْمِيذُهُ وَخِرِّيجُهُ، حَتَّى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَوْلَا الْبُخَارِيُّ مَا رَاحَ مُسْلِمٌ وَلَا جَاءَ.
وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَرْجَحِيَّةُ الْمُصَنِّفِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمَرْجُوحِيَّةَ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّجَهَ تَعَلُّقُ الْأَوَّلِيَّةِ بِالْمَقْصُودِ.
وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: إِنَّ كِتَابَ الْبُخَارِيِّ أَكْثَرُهُمَا فَوَائِدَ وَمَعَارِفَ ظَاهِرَةً وَغَامِضَةً.
وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ: فَالْإِسْنَادُ الصَّحِيحُ مَدَارُهُ عَلَى الِاتِّصَالِ وَعَدَالَةِ الرُّوَاةِ، وَكِتَابُ الْبُخَارِيِّ أَعْدَلُ رُوَاةً وَأَشَدُّ اتِّصَالًا. وَبَيَانُهُ أَنَّ الَّذِينَ انْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِالْإِخْرَاجِ لَهُمْ دُونَ مُسْلِمٍ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، الْمُتَكَلَّمُ فِيهِ بِالضَّعْفِ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِينَ.
وَالَّذِينَ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِهِمْ دُونَ الْبُخَارِيِّ سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، الْمُتَكَلَّمُ فِيهِ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا عَلَى الضِّعْفِ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّخْرِيجَ عَمَّنْ لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ أَصْلًا أَوْلَى مِنَ التَّخْرِيجِ عَمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ شَدِيدٍ.
وَأَيْضًا فَالَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمُ الْبُخَارِيُّ مِمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ، لَمْ يُكْثِرْ مِنْ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِمْ بِخِلَافِ مُسْلِمٍ، وَالَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمُ الْبُخَارِيُّ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَكْثَرُهُمْ مِنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ وَخَبَرَهُمْ وَخَبَرَ حَدِيثَهُمْ بِخِلَافِ مُسْلِمٍ، فَأَكْثَرُ مَنْ يَنْفَرِدُ بِهِ مِمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَرْءَ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ شُيُوخِهِ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تُكُلِّمَ فِيهِمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ يُخَرِّجُ الْبُخَارِيُّ أَحَادِيثَهُمْ غَالِبًا فِي الِاسْتِشْهَادَاتِ وَنَحْوِهَا، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاتِّصَالِ: فَمُسْلِمٌ كَانَ مَذْهَبُهُ - بَلْ نَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ - أَنَّ الْإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ لَهُ حُكْمُ الِاتِّصَالِ، إِذَا تَعَاصَرَ الْمُعَنْعِنُ وَالْمُعَنْعَنُ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ اجْتِمَاعُهُمَا، وَالْبُخَارِيُّ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى الِاتِّصَالِ، حَتَّى يَثْبُتَ اجْتِمَاعُهُمَا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ يُرَجِّحُ كِتَابَ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَإِنْ كُنَّا لَا نَحْكُمُ عَلَى مُسْلِمٍ بِعَمَلِهِ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ، لِكَوْنِهِ يَجْمَعُ طُرُقًا كَثِيرَةً يَتَعَذَّرُ مَعَهَا وُجُودُ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي جَوَّزَهُ. انْتَهَى.
[وَذَلِكَ فِي الْغَالِبِ وَمَا عَدَاهُ فَجَلَالَتُهُ تَنْبُو عَنْ مَشْيِ مَا لَمْ يَتَّصِلْ عَلَيْهِ] .
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُرَجِّحَاتِ لِكِتَابِ مُسْلِمٍ، سِوَى مَا سَلَفَ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ - فَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ - كَمَا مَرَّ - غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِلْأَصَحِّيَّةِ، مُعَارَضٌ بِوُجُودِ مِثْلِهِ، أَوْ أَحْسَنَ مِنْهُ مِنْ نَمَطِهِ فِي الْبُخَارِيِّ مِمَّا لَا نُطِيلُ بِإِيضَاحِهِ هُنَا.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ النَّظَّارُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ((إِنَّهُ - أَيْ: مُسْلِمًا - رَامَ مَا رَامَ الْبُخَارِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُضَايِقْ نَفْسَهُ مُضَايَقَتَهُ.
وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْبُخَارِيُّ لِلرِّوَايَةِ عَنْهُمْ قَالَ: وَكُلٌّ قَصَدَ الْخَيْرَ وَمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ، غَيْرَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ التَّشْدِيدِ مَبْلَغَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا تَسَبَّبَ إِلَى اسْتِنْبَاطِهِ الْمَعَانِيَ وَاسْتِخْرَاجِ لَطَائِفِ فِقْهِ الْحَدِيثِ وَتَرَاجِمِ الْأَبْوَابِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا لَهُ وَصْلَةٌ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ تَسَبُّبَهُ، وَلِلَّهِ الْفَضْلُ يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ يَشَاءُ)) .

وَبِالْجُمْلَةِ فَكِتَابَاهُمَا أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيثِ (وَ) لَكِنَّهُمَا (لَمْ يَعُمَّاهُ) أَيْ: لَمْ يَسْتَوْعِبَا [كُلَّ الصَّحِيحِ فِي كِتَابَيْهِمَا، بَلْ لَوْ قِيلَ: إِنَّهُمَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا مَشْرُوطَهُمَا،
لَكَانَ مُوَجَّهًا] وَقَدْ صَرَّحَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِعَدَمِ الِاسْتِيعَابِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِيمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْهُ: ((مَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِي الْجَامِعِ إِلَّا مَا صَحَّ، وَتَرَكْتُ مِنَ الصِّحَاحِ خَشْيَةَ أَنْ يَطُولَ الْكِتَابُ)) .
وَقَالَ مُسْلِمٌ: ((إِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا الْكِتَابَ، وَقُلْتُ: هُوَ صِحَاحٌ، وَلَمْ أَقُلْ: إِنَّ مَا لَمْ أُخَرِّجْهُ مِنَ الْحَدِيثِ فِيهِ ضَعِيفٌ)) .
وَحِينَئِذٍ فَإِلْزَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ لَهُمَا فِي جُزْءٍ أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ بِأَحَادِيثِ رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رُوِيَتْ عَنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ، تَرَكَاهَا مَعَ كَوْنِهَا عَلَى شَرْطِهِمَا، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ: يَنْبَغِي أَنْ يُنَاقَشَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي تَرْكِهِمَا إِخْرَاجَ أَحَادِيثَ هِيَ مِنْ شَرْطِهِمَا - لَيْسَ بِلَازِمٍ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ((وَلَمْ يَحْكُمَا، وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنَ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا خَرَّجَهُ، قَالَ: وَقَدْ نَبَغَ فِي عَصْرِنَا هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ، يَشْمَتُونَ بِرُوَاةِ الْآثَارِ ; بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصِحُّ عِنْدَكُمْ مِنَ الْحَدِيثِ لَا يَبْلُغُ عَشَرَةَ آلَافِ حَدِيثٍ)) .
وَنَحْوُهُ مَا ذَكَرَهُ السِّلَفِيُّ فِي مُعْجَمِ السَّفَرِ " أَنَّ بَعْضَهُمْ رَأَى فِي
الْمَنَامِ أَبَا دَاوُدَ صَاحِبَ السُّنَنِ فِي آخَرِينَ مُجْتَمِعِينَ، وَأَنَّ أَحَدَهُمْ قَالَ: كُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيُّ، فَاقْلِبْ عَنْهُ رَأْسَ دَابَّتِكَ ".
وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ بِتَفْضِيلِ كِتَابِ النَّسَائِيِّ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ: إِنَّ مَنْ شَرَطَ الصِّحَّةَ، فَقَدْ جَعَلَ لِمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ فِي الْإِدْرَاكِ سَبَبًا إِلَى الطَّعْنِ عَلَى مَا لَمْ يُدْخِلْ، [وَجَعَلَ لِلْجِدَالِ مَوْضِعًا] فِيمَا أَدْخَلَ. وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا.
وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا حَصْرَ الصَّحِيحِ فِيمَا أَوْدَعَاهُ كِتَابَيْهِمَا (وَلَكِنْ قَلَّ مَا) أَيِ: الَّذِي (عِنْدَ) الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الشَّيْبَانِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ (ابْنِ الْأَخْرَمِ) شَيْخِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَمِيمٍ مُدْغَمَةٍ فِي مِيمِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الصَّحِيحِ (قَدْ فَاتَهُمَا، وَرُدَّ) مِنِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ، فَإِنَّهُ يَصْفُو مِنْ (مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ) عَلَيْهِمَا صَحِيحٌ كَثِيرٌ.
(لَكِنْ قَالَ) الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا (يَحْيَى) النَّوَوِيُّ (الْبَرُّ) - لِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَأَصْنَافِ الْبِرِّ مَا فَاقَ فِيهِ ; بِحَيْثُ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ سَالِكًا مِنْهَاجَ الصَّحَابَةِ، لَا يُعْلَمُ فِي عَصْرِهِ مَنْ سَلَكَهُ غَيْرُهُ - فِي كِتَابِهِ ((الْإِرْشَادِ)) بَعْدَ قَوْلِهِ: وَالصَّحِيحُ قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْأَخْرَمِ: إِنَّهُ فَاتَهُمَا كَثِيرٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُشَاهَدَةُ.
قُلْتُ: وَالصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ قَالَ (لَمْ يَفُتِ) الْكُتُبَ (الْخَمْسَةَ) أُصُولَ الْإِسْلَامِ ; وَهِيَ: الصَّحِيحَانِ وَالسُّنَنُ الثَّلَاثَةُ (إِلَّا النَّزْرُ) يَعْنِي الْقَلِيلَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْقَائِلِ الْحَافِظَ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ الْفَرَضِيِّ، فَإِنَّهُ وَصَفَ مُصَنَّفَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَا عَدَا التِّرْمِذِيِّ مِنْهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَلِيلُ.
(وَفِيهِ) أَيْ: وَفِي تَصْوِيبِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا (مَا فِيهِ) كِنَايَةٌ عَنْ ضَعْفِهِ (لِقَوْلِ الْجُعْفِيِّ) مَوْلَاهُمُ، الْبُخَارِيِّ، حَسْبَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ كَالْمُسْتَظْهِرِ بِظَاهِرِهِ لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْأَخْرَمِ، (أَحْفَظُ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الصَّحِيحِ (عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ. .) حَدِيثٍ، أَيْ: مِائَةَ أَلْفٍ، كَمَا هِيَ عِبَارَتُهُ.
وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ: وَمِائَتَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ غَيْرِ صَحِيحٍ. وَالْخَمْسَةُ فَضْلًا عَنِ الصَّحِيحَيْنِ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُمَا مَعًا بِأَنْ يُقَالَ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ (عَلَّهُ) أَيْ: عَلَّ الْبُخَارِيَّ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي " لَعَلَّ " وَمِنْهُ:
لَا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ ... تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ.
(أَرَادَ) بُلُوغَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ (بِالتَّكْرَارِ لَهَا وَمَوْقُوفٍ) يَعْنِي بَعْدَ الْمُكَرَّرِ وَالْمَوْقُوفِ، وَكَذَا آثَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ مِمَّا كَانَ السَّلَفُ يُطْلِقُونَ عَلَى كُلِّهِ حَدِيثًا، وَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ الْخَطْبُ، فَرُبَّ حَدِيثٍ لَهُ مِائَةُ طَرِيقٍ فَأَكْثَرُ.
وَهَذَا حَدِيثُ: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» نُقِلَ - مَعَ مَا فِيهِ - عَنِ الْحَافِظِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ الْهَرَوِيِّ أَنَّهُ كَتَبَهُ مِنْ حَدِيثِ سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَاوِيهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَقِبَ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرُ، مَا نَصُّهُ: لَوْ أَخْرَجَ كُلَّ حَدِيثٍ عِنْدَهُ، لَجَمَعَ فِي الْبَابِ الْوَاحِدِ حَدِيثَ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَذَكَرَ طُرُقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذَا صَحَّتْ.
وَقَالَ الْجَوْزَقِيُّ: إِنَّهُ اسْتَخْرَجَ عَلَى أَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، فَكَانَتْ عِدَّتُهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ طَرِيقٍ وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ طَرِيقًا.
قَالَ شَيْخُنَا: وَإِذَا كَانَ الشَّيْخَانِ مَعَ ضِيقِ شَرْطِهِمَا، بَلَغَ جُمْلَةُ مَا فِي كِتَابَيْهِمَا بِالْمُكَرَّرِ ذَلِكَ، فَمَا لَمْ يُخَرِّجَاهُ مِنَ الطُّرُقِ لِلْمُتُونِ الَّتِي أَخْرَجَاهَا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ ذَلِكَ أَيْضًا أَوْ يَزِيدُ، وَمَا لَمْ يُخَرِّجَاهُ مِنَ الْمُتُونِ مِنَ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِمَا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ ذَلِكَ أَيْضًا أَوْ يَقْرُبُ مِنْهُ، فَإِذَا انْضَافَ ذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، بَلَغَ الْعِدَّةَ الَّتِي يَحْفَظُهَا الْبُخَارِيُّ، بَلْ رُبَّمَا زَادَتْ.
وَهَذَا الْحَمْلُ مُتَعَيِّنٌ، وَإِلَّا فَلَوْ عُدَّتْ أَحَادِيثُ الْمَسَانِيدِ، وَالْجَوَامِعِ، وَالسُّنَنِ، وَالْمَعَاجِمِ وَالْفَوَائِدِ، وَالْأَجْزَاءِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ بِأَيْدِينَا صَحِيحُهَا وَغَيْرُهُ - مَا بَلَغَتْ ذَلِكَ بِدُونِ تَكْرَارٍ - بَلْ وَلَا نِصْفَهُ. انْتَهَى.
وَبِمُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ ظَهَرَ أَنَّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ لَا يُنَافِي مَقَالَةَ ابْنِ الْأَخْرَمِ، فَضْلًا عَنِ النَّوَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ الصَّلَاحِ اسْتَنْتَجَ مِنْ ظَاهِرِهِ مَعَ قَوْلِهِ:
[عَدَدُ أَحَادِيثِ الْبُخَارِيِّ] (وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) مِنَ الْأَحَادِيثِ بِدُونِ تَكْرِيرٍ (أَرْبَعَةُ الْآلَافِ) بِزِيَادَةِ " أَلْ " لِلضَّرُورَةِ، (وَالْمُكَرَّرُ) مِنْهَا (فَوْقَ ثَلَاثَةٍ أُلُوفًا) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، كَمَا (ذَكَرُوا) أَيْ: أَبُو مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ رَاوِي الصَّحِيحِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَنَّ الَّذِي لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرُ مِمَّا خَرَّجَهُ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِغَيْرِ هَذَا، فَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ ابْنِ الْأَخْرَمِ فِيمَا فَاتَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُتَعَقَّبُ بِالْمُسْتَدْرَكِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: إِنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهِ عَلَى شَرْطِهِمَا إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، بَلْ لَمْ يَسْتَثْنِ غَيْرُهُ شَيْئًا.
قَالَ شَيْخُنَا: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ مِمَّا عَرَفَاهُ وَاطَّلَعَا عَلَيْهِ مِمَّا يَبْلُغُ شَرْطَهُمَا
لَا بِقَيْدِ كِتَابَيْهِمَا، كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ. انْتَهَى.
وَيَتَأَيَّدُ بِعَدَمِ مُوَافَقَةِ التَّاجِ التِّبْرِيزِيِّ عَلَى التَّقْيِيدِ بِكِتَابَيْهِمَا، كَمَا أَوْضَحْتُ كُلَّ هَذَا فِي النُّكَتِ مَعَ فَوَائِدَ لَا يَسَعُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ، مِنْهَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْعِدَّةِ سَبْعَةُ آلَافٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَدِيثًا بِزِيَادَةِ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، كُلُّ ذَلِكَ سِوَى الْمُعَلَّقَاتِ وَالْمُتَابَعَاتِ وَالْمَوْقُوفَاتِ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَالْمَقْطُوعَاتِ عَنِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَالْخَالِصُ مِنْ ذَلِكَ بِلَا تَكْرِيرٍ أَلْفَا حَدِيثٍ وَسِتُّمِائَةٍ وَحَدِيثَانِ، وَإِذَا ضُمَّ لَهُ الْمُتُونُ الْمُعَلَّقَةُ الْمَرْفُوعَةُ الَّتِي لَمْ يُوصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ ; وَهِيَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ، صَارَ مَجْمُوعُ الْخَالِصِ أَلْفَيْ حَدِيثٍ، وَسَبْعَمِائَةٍ وَأَحَدًا وَسِتِّينَ حَدِيثًا.
شريف ابراهيم
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1930
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث Empty [الصَّحِيحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ]

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:21

[الصَّحِيحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ]
29 - وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيحِ إِذْ تُنَصْ ... صِحَّتُهُ أَوْ مِنْ مُصَنَّفٍ يُخَصْ
30 - بِجَمْعِهِ نَحْوِ ابْنِ حِبَّانَ الزَّكِي ... وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَكَالْمُسْتَدْرَكِ
31 - عَلَى تَسَاهُلٍ وَقَالَ مَا انْفَرَدْ ... بِهِ فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدْ
32 - بِعِلَّةٍ وَالْحَقُّ أَنْ يُحْكَمْ بِمَا ... يَلِيقُ والْبُسْتِيُّ يُدَانِي الْحَاكِمَا
(وَخُذْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ بَعْدَمَا تَقَرَّرَ لَكَ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يَسْتَوْعِبَاهُ (زِيَادَةَ الصَّحِيحِ) الْمُشْتَمِلَ عَلَى شَرْطَيْهِمَا وَغَيْرَهُ مِمَّا حُكِمَ لَهُ بِالصِّحَّةِ (إِذْ) أَيْ حَيْثُ (تُنَصُّ صِحَّتُهُ) مِنْ إِمَامٍ مُعْتَمَدٍ ; كَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْخَطَّابِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ الشَّهِيرَةِ فِيهَا، وَكَذَا فِي غَيْرِهَا، إِذَا صَحَّ الطَّرِيقُ إِلَيْهِمْ.
كَمَا إِذَا وُجِدَ ذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِمَا، مِمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ لَهُمْ تَصْنِيفٌ، خِلَافًا لِابْنِ الصَّلَاحِ فِيمَا عَدَا الْكُتُبِ الشَّهِيرَةِ، بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ عَدَمِ إِمْكَانِ التَّصْحِيحِ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ ; لِاسْتِلْزَامِهِ الْحُكْمَ عَلَى السَّنَدِ الْمُوصِّلِ إِلَيْهِمْ بِالصِّحَّةِ.
وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ التَّقْيِيدِ بِالتَّصَانِيفِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ، كَأَنَّهُ لِلِاكْتِفَاءِ مِمَّا صَحَّحَهُ بُعْدٌ مِنَ الْإِمْكَانِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا انْحِصَارَ لَأَخْذِ الزِّيَادَةِ فِيمَا سَبَقَ، بَلْ تُؤْخَذُ إِمَّا مِنْهُ (أَوْ مِنْ مُصَنَّفٍ) بِفَتْحِ النُّونِ (يُخَصُّ بِجَمْعِهِ) أَيِ: الصَّحِيحِ بِمُقْتَضَى مَا عِنْدَ مُصَنِّفِهِ.
(نَحْوُ) صَحِيحِ أَبِي حَاتِمِ (ابْنِ حِبَّانَ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ الْبُسْتِيِّ الشَّافِعِيِّ الْحَافِظِ الْفَقِيهِ الْقَاضِي (الزَّكِيِّ) أَيِ: الزَّاكِي، لِنُمُوِّهِ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالْخَطِيبِ، فَإِنَّهُ قَالَ: كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا فَاضِلًا فَهِمًا.
وَقَالَ الْحَاكِمُ: (كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ فِي الْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ، وَالْوَعْظِ، وَمِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ، وَاسْمُ مُصَنَّفِهِ " التَّقَاسِيمُ وَالَأَنْوَاعُ ".
(وَ) نَحْوُ صَحِيحِ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرِ (ابْنِ خُزَيْمَةَ) بِمُعْجَمَتَيْنِ أُولَاهُمَا مَضْمُومَةٌ وَبِالصَّرْفِ وَتَرْكِهِ هُنَا، وَاسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، شَيْخُ ابْنِ حِبَّانَ الْقَائِلُ فِيهِ: مَا رَأَيْتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يُحْسِنُ صِنَاعَةَ السُّنَنِ،
وَيَحْفَظُ أَلْفَاظَهَا الصِّحَاحَ وَزِيَادَتَهَا، حَتَّى كَأَنَّ السُّنَنَ كُلَّهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، غَيْرَهُ، وَأُخِّرَ عَنْهُ مَعَ تَقَدُّمِهِ ; لِكَوْنِ صَحِيحِهِ عُدِمَ أَكْثَرُهُ، بِخِلَافِ صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، فَهُوَ مَوْجُودٌ بِتَمَامِهِ.
(وَكَالْمُسْتَدْرَكِ) عَلَى الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا فَاتَهُمَا لِلْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيِّ النَّيْسَابُورِيِّ الْحَافِظِ الثِّقَةِ (عَلَى تَسَاهُلٍ) مِنْهُ فِيهِ، بِإِدْخَالِهِ فِيهِ عِدَّةَ مَوْضُوعَاتٍ، حَمَلَهُ عَلَى تَصْحِيحِهَا ; إِمَّا التَّعَصُّبُ لِمَا رُمِيَ بِهِ مِنَ التَّشَيُّعِ، وَإِمَّا غَيْرُهُ، فَضْلًا عَنِ الضَّعِيفِ وَغَيْرِهِ.
بَلْ يُقَالُ: إِنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَنَّفَهُ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ، وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ وَتَغَيُّرٌ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ تَحْرِيرُهُ وَتَنْقِيحُهُ، وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ تَسَاهُلَهُ فِي قَدْرِ الْخُمُسِ الْأَوَّلِ مِنْهُ قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِبَاقِيهِ، فَإِنَّهُ وُجِدَ عِنْدَهُ: " إِلَى هُنَا انْتَهَى إِمْلَاءُ الْحَاكِمِ ".
وَقَوْلُ أَبِي سَعْدٍ الْمَالِينِيِّ: " إِنَّهُ طَالَعَهُ بِتَمَامِهِ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ حَدِيثًا عَلَى شَرْطِهِمَا " - غَيْرُ مَرْضِيٍّ، نَعَمْ هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّسَاهُلِ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمُشَاهَدَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
(وَ) لِذَلِكَ (قَالَ) ابْنُ الصَّلَاحِ مَا حَاصِلُهُ: (مَا انْفَرَدَ) الْحَاكِمُ (بِهِ) أَيْ: بِتَصْحِيحِهِ ; لِيُخَرِّجَ مَا شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي تَصْحِيحِهِ، وَكَذَا مَا خَرَّجَهُ فَقَطْ غَيْرَ
مُصَحِّحٍ لَهُ (فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدَّ) لِلْقَدْحِ فِيهِ (بِ) ظُهُورِ (عِلَّةٍ) أَيْ: لَا مَا يَقْتَضِي الرَّدَّ.
هَذَا مَا مَشَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ وَالْبَدْرُ بْنُ جَمَاعَةَ فِي اخْتِصَارِهِمَا ابْنَ الصَّلَاحِ، وَالْمَوْجُودُ فِي نُسْخَةٍ: " إِنْ لَمْ يَكُنْ [مِنْ قَبِيلِ الصَّحِيحِ، فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ يُحْتَجُّ بِهِ "، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْحَصْرِ فِي أَحَدِهِمَا، وَأَنَّهُ جَعَلَ مَا لَمْ يَكُنْ مَرْدُودًا] مِنْ أَحَادِيثِهِ دَائِرًا بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْحَسَنِ احْتِيَاطًا.
وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَتَحَكَّمْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، نَعَمْ جَرَّ سَدُّهُ بَابَ التَّصْحِيحِ إِلَى عَدَمِ تَمْيِيزِ أَحَدِهِمَا مِنَ الْآخَرِ ; لِاشْتِرَاكِهِمَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحُجِّيَّةِ.
(وَالْحَقُّ) كَمَا أَرْشَدَ إِلَيْهِ الْبَدْرُ بْنُ جَمَاعَةَ (أَنْ) يُتَتَبَّعَ الْكِتَابُ وَيُكْشَفَ عَنْ أَحَادِيثِهِ وَ (يُحْكَمْ) بِسُكُونِ الْمِيمِ - لُغَةٌ - أَيْ: يُقْضَى عَلَى كُلٍّ مِنْهَا (بِمَا يَلِيقُ) بِهِ مِنَ الصِّحَّةِ أَوِ الْحُسْنِ أَوِ الضَّعْفِ.
ثُمَّ إِنَّ السَّبَبَ فِي تَخْصِيصِ الْحَاكِمِ عَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ ذُكِرَ، بِالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ - مَزِيدُ تَسَاهُلِهِ (وَ) إِلَّا فَابْنُ حِبَّانَ (الْبُسْتِيُّ) وَهُوَ بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ فَوْقَانِيَّةٌ نِسْبَةً لِمَدِينَةٍ مِنْ بِلَادٍ كَابُلَ بَيْنَ هَرَاةَ وَغَزْنَةَ، وُصِفَ بِأَنَّهُ (يُدَانِي) أَيْ: يُقَارِبُ (الْحَاكِمَا) فِي التَّسَاهُلِ [وَذَلِكَ يَقْتَضِي النَّظَرَ فِي أَحَادِيثِهِ
أَيْضًا ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَقَيِّدٍ بِالْمُعَدَّلِينَ، بَلْ رُبَّمَا يُخَرِّجُ لِلْمَجْهُولِينَ، لَا سِيَّمَا وَمَذْهَبُهُ إِدْرَاجُ الْحَسَنِ فِي الصَّحِيحِ، مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا قَدْ نَازَعَ فِي نِسْبَتِهِ إِلَى التَّسَاهُلِ، إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ.
وَعِبَارَتُهُ: إِنْ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ وُجْدَانِ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، فَهِيَ مُشَاحَّةٌ فِي الِاصْطِلَاحِ ; لِأَنَّهُ يُسَمِّيهِ صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَتْ بِاعْتِبَارِ خِفَّةِ شُرُوطِهِ، فَإِنَّهُ يُخَرِّجُ فِي الصَّحِيحِ مَا كَانَ رَاوِيهِ ثِقَةً غَيْرَ مُدَلِّسٍ، سَمِعَ مِمَّنْ فَوْقَهُ وَسَمِعَ مِنْهُ الْآخِذُ عَنْهُ، وَلَا يَكُونُ هُنَاكَ إِرْسَالٌ وَلَا انْقِطَاعٌ.
وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرَّاوِي جَرْحٌ وَلَا تَعْدِيلٌ، وَكَانَ كُلٌّ مِنْ شَيْخِهِ وَالرَّاوِي عَنْهُ ثِقَةً، وَلَمْ يَأْتِ بِحَدِيثٍ مُنْكَرٍ فَهُوَ عِنْدَهُ ثِقَةٌ، وَفِي كِتَابِ الثِّقَاتِ لَهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ هَذِهِ حَالُهُ.
وَلَأَجْلِ هَذَا رُبَّمَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي جَعْلِهِمْ مِنَ الثِّقَاتِ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اصْطِلَاحَهُ، وَلَا اعْتِرَاضَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يُشَاحَحُ فِي ذَلِكَ] .
قُلْتُ: وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِ الْحَازِمِيِّ: ابْنُ حِبَّانَ أَمْكَنُ فِي الْحَدِيثِ مِنَ الْحَاكِمِ، وَكَذَا قَالَ الْعِمَادُ بْنُ كَثِيرٍ: قَدِ الْتَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ الصِّحَّةَ، وَهُمَا خَيْرٌ مِنْ (الْمُسْتَدْرَكُ) بِكَثِيرٍ، وَأَنْظَفُ أَسَانِيدَ وَمُتُونًا، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ لِلتَّمْيِيزِ.
وَكَمْ فِي كِتَابِ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثٍ مَحْكُومٍ مِنْهُ بِصِحَّتِهِ، وَهُوَ لَا يَرْتَقِي عَنْ رُتْبَةِ الْحَسَنِ، بَلْ وَفِيمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةٌ، مَعَ أَنَّهُ مِمَّنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ.
كَذَا مِنْ مَظَانِّ الصَّحِيحِ " الْمُخْتَارَةِ " مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا لِلضِّيَاءِ الْمَقْدِسِيِّ الْحَافِظِ، وَهِيَ أَحْسَنُ مِنَ الْمُسْتَدْرَكِ، لَكِنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا عَلَى الْمَسَانِيدِ لَا الْأَبْوَابِ - لَمْ يُكْمِلْ تَصْنِيفَهَا.
وَتَقَعُ أَيْضًا فِي صَحِيحِ أَبِي عَوَانَةَ الَّذِي عَمِلَهُ مُسْتَخْرِجًا عَلَى مُسْلِمٍ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً زَائِدَةً عَلَى أَصْلِهِ، وَفِيهَا الصَّحِيحُ وَالْحَسَنُ، بَلْ وَالضَّعِيفُ أَيْضًا، فَيَنْبَغِي التَّحَرُّزُ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهَا أَيْضًا.
وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْتَخْرَجَاتِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ مِنْ زِيَادَةٍ فِي أَحَادِيثِهِمَا، أَوْ تَتِمَّةٍ لِمَحْذُوفٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ - فَهِيَ صَحِيحَةٌ، لَكِنْ مَعَ وُجُودِ الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الصَّحِيحِ، فِيمَنْ بَيْنَ صَاحِبِ الْمُسْتَخْرَجِ وَالرَّاوِي، الَّذِي اجْتَمَعَا فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
شريف ابراهيم
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1930
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث Empty [الْمُسْتَخْرَجَاتُ]

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:24

[الْمُسْتَخْرَجَاتُ]
33 - وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيحِ كَأَبِي ... عَوَانَةٍ وَنَحْوِهِ وَاجْتَنِبِ
34 - عَزْوَكَ أَلْفَاظَ الْمُتُونِ لَهُمَا ... إِذْ خَالَفَتْ لَفْظًا وَمَعْنًى رُبَّمَا
35 - وَمَا يَزِيدُ فَاحْكُمَنْ بِصِحَّتِهْ ... فَهْوَ مَعَ الْعُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ
36 - وَالَأَصْلَ يَعْنِي الْبَيْهَقِيُّ وَمَنْ عَزَا ... وَلَيْتَ إِذْ زَادَ الْحُمَيْدِيُّ مَيَّزَا.
وَالِاسْتِخْرَاجُ أَنْ يَعْمَدَ حَافِظٌ إِلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَثَلًا، فَيُورِدَ أَحَادِيثَهُ حَدِيثًا حَدِيثًا بِأَسَانِيدَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ مُلْتَزِمٍ فِيهَا ثِقَةَ الرُّوَاةِ، وَإِنْ شَذَّ بَعْضُهُمْ حَيْثُ جَعَلَهُ شَرْطًا، مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ إِلَى أَنْ يَلْتَقِ مَعَهُ فِي شَيْخِهِ، أَوْ فِي شَيْخِ شَيْخِهِ، وَهَكَذَا وَلَوْ فِي الصَّحَابِيِّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ.
لَكِنْ لَا يَسُوغُ لِلْمُخَرِّجِ الْعُدُولُ عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي يَقْرُبُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ مُصَنِّفِ الْأَصْلِ فِيهَا إِلَى الطَّرِيقِ الْبَعِيدَةِ إِلَّا لِغَرَضٍ مِنْ عُلُوٍّ، أَوْ زِيَادَةِ حُكْمٍ مُهِمٍّ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
وَمُقْتَضَى الِاكْتِفَاءِ بِالِالْتِقَاءِ فِي الصَّحَابِيِّ أَنَّهُمَا لَوِ اتَّفَقَا فِي الشَّيْخِ مَثَلًا، وَلَمْ يَتَّحِدْ سَنَدُهُ عِنْدَهُمَا، ثُمَّ اجْتَمَعَ فِي الصَّحَابِيِّ إِدْخَالُهُ فِيهِ، وَإِنْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِخِلَافِهِ، وَرُبَّمَا عَزَّ عَلَى الْحَافِظِ وُجُودُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ فَيَتْرُكُهُ أَصْلًا، أَوْ يُعَلِّقُهُ عَنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ، أَوْ يُورِدُهُ مِنْ جِهَةِ مُصَنِّفِ الْأَصْلِ.
(وَ) قَدْ (اسْتَخْرَجُوا) أَيْ: جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِكُلٍّ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ الَّذِي انْجَرَّ الْكَلَامُ بِسَبَبِهِمَا إِلَى بَيَانِهِ، وَإِلَّا فَقَدَ اسْتَخْرَجُوا عَلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْكُتُبِ.
وَالَّذِينَ تَقَيَّدُوا بِالِاسْتِخْرَاجِ عَلَى الصَّحِيحِ جَمَاعَةٌ (كَـ) الْحَافِظِ (أَبِي عَوَانَةٍ) بِالصَّرْفِ لِلضَّرُورَةِ، يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ الشَّافِعِيِّ، اسْتَخْرَجَ عَلَى مُسْلِمٍ (وَنَحْوِهِ) أَيْ: أَبِي عِوَانَةَ، كَالْحُفَّاظِ الشَّافِعِيَّةِ: أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ فَقَطْ، وَأَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْخُوَارِزِمِيِّ الْبَرْقَانِيِّ، بِتَثْلِيثِ الْمُوَحَّدَةِ، وَأَبِي نُعَيْمٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبِهَانِيِّ، كِلَاهُمَا عَلَيْهِمَا، وَهُمَا فِي عَصْرٍ وَاحِدٍ، وَالَّذِي قَبْلَهُمَا شَيْخُ أَوَّلِهِمَا، وَهُوَ تِلْمِيذُ أَبِي عَوَانَةَ.
وَلِذَا خُصَّ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ، وَلَمْ يُلَاحَظْ كَوْنُ غَيْرِهِ اسْتَخْرَجَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ، أَوْ عَلَى الْبُخَارِيِّ الَّذِي هُوَ أَعْلَى، لَا سِيَّمَا وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِلْبَابِ قَبْلَهُ لِمَا اخْتَصَّ بِهِ كِتَابُهُ مِنْ زِيَادَاتِ مُتُونٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وَطُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ غَيْرِ مَا اشْتَرَكَ مَعَ غَيْرِهِ فِيهِ [مِنْ زِيَادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي أَحَادِيثِهِمَا وَنَحْوِهَا كَمَا بَيَّنْتُهُ قَرِيبًا] .
وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الزِّيَادَاتُ فِي الْمُسْتَخْرَجَاتِ لِعَدَمِ الْتِزَامِ مُصَنِّفِيهَا لَفْظَ الصَّحِيحَيْنِ.
(وَ) لِهَذَا قِيلَ لِلنَّاقِلِ (اجْتَنِبْ عَزْوَكَ أَلْفَاظَ الْمُتُونِ) أَيِ: الْأَحَادِيثَ الَّتِي تَنْقُلُهَا مِنْهَا (لَهُمَا) أَيْ: لِلصَّحِيحَيْنِ، فَلَا تَقُلْ حَيْثُ تُورِدُهُ لِلْحُجَّةِ كَالتَّصْنِيفِ عَلَى الْأَبْوَابِ،
حَسْبَمَا قَيَّدَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ، إِلَّا بَعْدَ مُقَابَلَتِهِ أَوْ تَصْرِيحِ الْمُخَرِّجِ بِذَلِكَ.
(إِذْ) قَدْ (خَالَفَتِ) الْمُسْتَخْرَجَاتُ (لَفْظًا) كَثِيرًا لِتَقَيُّدِ مُؤَلِّفِيهَا بِأَلْفَاظِ رِوَايَاتِهِمْ (وَ) كَذَا (مَعْنًى) غَيْرَ مُنَافٍ (رُبَّمَا) خَالَفَتْ أَيْ: قَلِيلًا.
(وَ) إِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَانْظُرْ (مَا تَزِيدُ) بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، أَوِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيِ: الْمُسْتَخْرَجَاتُ أَوِ الْمُسْتَخْرَجُ.
(فَاحْكُمَنْ) بِنُونِ التَّوْكِيدِ الْخَفِيفَةِ (بِصِحَّتِهِ) ، بِشَرْطِ ثُبُوتِ الصِّفَاتِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الصِّحَّةِ لِلرُّوَاةِ الَّذِينَ بَيْنَ الْمُخَرِّجِ وَالرَّاوِي الَّذِي اجْتَمَعَا فِيهِ، كَمَا يُرْشِدُ إِلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ مَخْرَجِ الصَّحِيحِ، فَالْمُسْتَخْرِجُونَ لَيْسَ جُلُّ قَصْدِهِمْ إِلَّا الْعُلُوَّ، يَجْتَهِدُونَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ وَالْمُخَرَّجُ عَلَيْهِ سَوَاءً، فَإِنْ فَاتَهُمْ فَأَعْلَى مَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ - كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْحُفَّاظِ - مِمَّا يُسَاعِدُهُ الْوِجْدَانُ.
وَقَدْ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُمْ عُلُوٌّ فَيُورِدُونَهُ نَازِلًا، وَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ إِنَّمَا هُوَ الْعُلُوُّ وَوَجَدُوهُ، فَإِنِ اتَّفَقَ فِيهِ شَرْطُ الصَّحِيحِ فَذَاكَ الْغَايَةُ، وَإِلَّا فَقَدْ حَصَلُوا عَلَى قَصْدِهِمْ، فَرُبَّ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ بَعْضِ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ مَثَلًا، فَأَوْرَدَهُ الْمُخَرِّجُ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ مِمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِزِيَادَةٍ، فَلَا يُحْكَمُ لَهَا حِينَئِذٍ بِالصِّحَّةِ.
وَقَدْ خَرَّجَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْتَخْرَجِهِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ الْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ، وَأَبُو نُعَيْمٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ، وَقَدِ اتَّهَمُوهُ، وَإِذَا حَكَمْتَ بِالصِّحَّةِ بِشَرْطِهَا وَعَدَمِ مُنَافَاتِهَا، (فَهُوَ) أَيِ: الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ لِلزِّيَادَةِ الدَّالَّةِ عَلَى حُكْمٍ لَا يَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ الْأَصْلِ، أَوِ الْمُوَضِّحَةِ لِمَعْنَى لَفْظِهِ (مَعَ) مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْمُسْتَخْرَجَاتُ مِنَ (الْعُلُوِّ) الَّذِي هُوَ - كَمَا قُرِّرَ - قَصْدُ الْمُخَرِّجِ فِي أَحَادِيثَ
الْكِتَابِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا لَوْ أَوْرَدَهُ مِنَ الْأَصْلِ.
مِثَالُهُ حَدِيثٌ فِي جَامِعِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، فَلَوْ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مَثَلًا مِنْ طَرِيقِ أَحَدِ الشَّيْخَيْنِ، لَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ، وَإِذَا رَوَاهُ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيِّ عَنْهُ، وَصَلَ بِاثْنَيْنِ (مِنْ فَائِدَتِهِ) أَيِ: الِاسْتِخْرَاجِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي أَوْرَدْتُ مِنْهَا فِي النُّكَتِ نَحْوَ الْعِشْرِينَ.
ثُمَّ إِنَّ أَصْحَابَ الْمُسْتَخْرَجَاتِ غَيْرُ مُنْفَرِدِينَ بِصَنِيعِهِمْ، بَلْ أَكْثَرُ الْمُخَرِّجِينَ لِلْمَشْيَخَاتِ وَالْمَعَاجِمِ، وَكَذَا لِلَأَبْوَابِ، يُورِدُونَ الْحَدِيثَ بِأَسَانِيدِهِمْ، ثُمَّ يُصَرِّحُونَ بَعْدَ انْتِهَاءِ سِيَاقِهِ غَالِبًا بِعَزْوِهِ إِلَى الْبُخَارِيِّ أَوْ مُسْلِمٍ، أَوْ إِلَيْهِمَا مَعًا، مَعَ اخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ وَغَيْرِهَا، يُرِيدُونَ أَصْلَهُ.
(وَ) لِذَلِكَ (الْأَصْلَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، لَا الْأَلْفَاظَ (يَعْنِي) الْحَافِظَ الْفَقِيهَ نَاصِرَ السُّنَّةِ أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ الْحُسَيْنِ، (الْبَيْهَقِي) نِسْبَةً لِـ " بَيْهَقَ " قُرًى مُجْتَمِعَةٌ بِنَوَاحِي نَيْسَابُورَ، الشَّافِعِيَّ فِي تَصَانِيفِهِ، " كَالسُّنَنِ الْكُبْرَى " " وَالْمَعْرِفَةِ ".
(وَمَنْ عَزَا) لِلشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا ; كَالْإِمَامِ مُحْيِي السُّنَّةِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيِّ الْفَقِيهِ الشَّافِعِيِّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِ، مِمَّنْ أَشَرْتُ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي الْمَشْيَخَاتِ وَنَحْوِهَا أَسْهَلُ مِنْهُ فِي الْأَبْوَابِ، خُصُوصًا مَعَ تَفَاوُتِ الْمَعْنَى، وَكَوْنِ الْقَصْدِ بِالتَّبْوِيبِ مِنْهُ لَيْسَ عِنْدَ صَاحِبِ الصَّحِيحِ، وَلِذَلِكَ اسْتَنْكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِيهَا.
وَلَكِنَّ جَلَالَةَ الْبَيْهَقِيِّ وَوُفُورَ إِمَامَتِهِ تَمْنَعُ ظَنَّ ارْتِكَابِهِ الْمَحْذُورَ مِنْهُ، [وَلَوْ
بِمُجَرَّدِ الصِّحَّةِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْطِ الْمَعْزُوِّ إِلَيْهِ أَوْ فِيهِ] ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ.
فَالْإِنْكَارُ فِيهِ أَخَفُّ مِمَّنْ عَمِدَ إِلَى الصَّحِيحَيْنِ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لَا عَلَى الْأَبْوَابِ، بَلْ عَلَى مَسَانِيدِ الصَّحَابَةِ بِحَذْفِ أَسَانِيدِهِمْ، وَيُدْرِجُ فِي أَثْنَاءِ أَحَادِيثِهِمَا أَلْفَاظًا مِنَ الْمُسْتَخْرَجَاتِ وَغَيْرِهَا ; لِأَنَّ مَوْضُوعَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِمَا، فَإِدْخَالُ غَيْرِ ذَلِكَ مُخِلٌّ.
(وَلَيْتَ إِذْ زَادَ) الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ (الْحُمَيْدِيُّ) بِالتَّصْغِيرِ نِسْبَةً لِجَدِّهِ الْأَعْلَى حُمَيْدٍ الْأَنْدَلُسِيِّ الْقُرْطُبِيِّ فَاعِلٌ، ذَلِكَ فِي جَمْعِهِ (مَيَّزَا) فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَسُوقُ الْحَدِيثَ الطَّوِيلَ نَاقِلًا لَهُ مِنْ مُسْتَخْرَجِ الْبَرْقَانِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اخْتَصَرَهُ الْبُخَارِيُّ، فَأَخْرَجَ طَرَفًا مِنْهُ، وَلَا يُبَيِّنُ الْقَدْرَ الْمُقْتَصَرَ عَلَيْهِ، فَيَلْتَبِسُ عَلَى الْوَاقِفِ عَلَيْهِ، وَلَا يُمَيِّزُهُ إِلَّا بِالنَّظَرِ فِي أَصْلِهِ، وَلَكِنَّهُ فِي الْكَثِيرِ يُمَيِّزُ بِأَنْ يَقُولَ بَعْدَ سِيَاقِ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ: اقْتَصَرَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى كَذَا، وَزَادَ فِيهِ الْبَرْقَانِيُّ مَثَلًا كَذَا.
وَلَأَجْلِ هَذَا وَمَا يُشْبِهُهُ، انْتَقَدَ ابْنُ النَّاظِمِ وَشَيْخُنَا دَعْوَى عَدَمِ التَّمْيِيزِ، خُصُوصًا وَقَدْ صَرَّحَ الْعَلَائِيُّ بِبَيَانِ الْحُمَيْدِيِّ لِلزِّيَادَةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لَكِنْ فِي بَعْضِهَا مَا لَا يَتَمَيَّزُ كَمَا قَرَّرْتُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَيَأْتِي فِي النَّقْلِ مِنْهُ وَمِنَ الْبَيْهَقِيِّ وَنَحْوِهِ مَا سَبَقَ فِي الْمُسْتَخْرَجَاتِ.
شريف ابراهيم
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1930
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث Empty [مَرَاتِبُ الصَّحِيحِ]

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:28

[مَرَاتِبُ الصَّحِيحِ]
37 - وَأَرْفَعُ الصَّحِيحِ مَرْوِيُّهُمَا ... ثُمَّ الْبُخَارِيُّ فَمُسْلِمٌ فَمَا
38 - شَرْطَهُمَا حَوَى فَشَرْطَ الْجُعْفِي ... فَمُسْلِمٍ فَشَرْطَ غَيْرُ يَكْفِي
 - وَعِنْدَهُ التَّصْحِيحُ لَيْسَ يُمْكِنُ
فِي عَصْرِنَا وَقَالَ يَحْيَى مُمْكِنُ.
(مَرَاتِبُ الصَّحِيحِ) مُطْلَقًا. (وَأَرْفَعُ الصَّحِيحِ مَرْوِيُّهُمَا) أَيِ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ; لِاشْتِمَالِهِ عَلَى أَعْلَى الْأَوْصَافِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلصِّحَّةِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَبِالَّذِي أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ، إِذَا كَانَ الْمَتْنُ عَنْ صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ كَمَا قَيَّدَهُ شَيْخُنَا.
وَقَالَ: إِنَّ فِي عَدِّ الْمَتْنِ الَّذِي يُخَرِّجُهُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ صَحَابِيٍّ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَظَرًا عَلَى طَرِيقَةِ الْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ - أَعْنِي مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ - أَنْوَاعٌ: فَأَعْلَاهُ مَا وُصِفَ بِكَوْنِهِ مُتَوَاتِرًا، ثُمَّ مَشْهُورًا، ثُمَّ أَصَحُّ كَمَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ثُمَّ مَا وَافَقَهُمَا مُلْتَزِمُو الصِّحَّةِ، ثُمَّ أَحَدُهُمْ عَلَى تَخْرِيجِهِ، ثُمَّ أَصْحَابُ السُّنَنِ، ثُمَّ الْمَسَانِيدُ، ثُمَّ مَا انْفَرَدَا بِهِ، وَلَا يُخْرِجُهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَنْ كَوْنِهِ مِمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ.
(ثُمَّ) يَلِيهِ مَرْوِيُّ (الْبُخَارِيِّ) فَقَطْ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي ; لِأَنَّ شَرْطَهُ أَضْيَقُ (فَيَلِيهِ) مَرْوِيُّ (مُسْلِمٍ) وَحْدَهُ لِمُزَاحَمَتِهِ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وَهُوَ الثَّالِثُ.
هَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْأَكْثَرُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لِلْمَفُوقِ مَا يَجْعَلُهُ فَائِقًا ; كَأَنْ يَتَّفِقَ مَجِيءُ مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ يَبْلُغُ بِهَا التَّوَاتُرَ أَوِ الشُّهْرَةَ الْقَوِيَّةَ، أَوْ يُوَافِقُهُ عَلَى
تَخْرِيجِهِ مُشْتَرِطُو الصِّحَّةَ، فَهَذَا أَقْوَى مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مَعَ اتِّحَادِ مَخْرَجِهِ.
وَكَذَا نَقُولُ فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ بِالنِّسْبَةِ لِمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، بَلْ وَفِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَقْسَامِ الْمَفْضُولَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ; إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ ذَلِكَ.
(فَـ) يَلِي مَا انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ (مَا شَرْطَهُمَا) مَفْعُولٌ (حَوَى) أَيْ: جَمَعَ شَرْطَهُمَا، وَهُوَ الرَّابِعُ.
وَالدَّلِيلُ لِتَأَخُّرِهِ عَنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ التَّلَقِّي لِكُلٍّ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ بِالْقَبُولِ، عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا تَرَدَّدَ فِي كَوْنِهِ أَعْلَى مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ أَوْ مِثْلَهُ، كَمَا تَرَدَّدَ غَيْرُهُ فِي تَأْخِيرِ الثَّالِثِ عَنِ الثَّانِي إِذَا كَانَ عَلَى شَرْطِهِ، وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى تَعْلِيلِهِ، وَيُسَاعِدُهُ أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا مَشْرُوطَهُمَا، وَإِذَا كَانَ عَلَى مَا قَرَّرُوهُ، (فَـ) يَلِي الَّذِي عَلَى شَرْطِهِمَا مَا حَوَى (شَرْطَ الْجُعْفِيِّ) أَيِ: الْبُخَارِيِّ، وَهُوَ الْخَامِسُ.
(فَـ) مَا حَوَى شَرْطَ (مُسْلِمٍ) وَهُوَ السَّادِسُ، (فَ) مَا حَوَى (شَرْطَ غَيْرٍ) مِنَ الْأَئِمَّةِ سِوَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بِتَخْرِيجِهِ فِي كِتَابِهِ الْمَوْضُوعِ لِلصِّحَّةِ، أَوْ ثُبُوتِهِ عَنْهُ وَهُوَ السَّابِعُ. [وَاسْتِعْمَالُ (غَيْرُ) بِلَا إِضَافَةٍ قَلِيلٌ] .
مَعَ أَنَّهُ لَوْ لُوحِظَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ شُرُوطِ مَنْ عَدَا الشَّيْخَيْنِ كَمَا فُعِلَ فِيهِمَا، لَزَادَتِ الْأَقْسَامُ، وَلَكِنْ مَا ذُكِرَ (يَكْفِي) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّطْوِيلِ، وَعَدَمُ تَصْرِيحِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِالِاكْتِفَاءِ لَا يُخَالِفُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَلْزَمُ مِنْهُ الْخَوْضُ فِي التَّصْحِيحِ.
[الْخِلَافُ فِي جَوَازِ التَّصْحِيحِ وَالتَّحْسِينِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ] (وَعِنْدَهُ) أَيِ: ابْنِ الصَّلَاحِ (التَّصْحِيحُ) وَكَذَا التَّحْسِينُ (لَيْسَ يُمْكِنُ) ، بَلْ جَنَحَ لِمَنْعِ الْحُكْمِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْأَعْصَارِ الْمُتَأَخِّرَةِ الشَّامِلَةِ لَهُ (فِي عَصْرِنَا) ، وَاقْتَصَرَ فِيهِمَا عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي تَصَانِيفِهِمُ الْمُعْتَمَدَةِ الَّتِي يُؤْمَنُ فِيهَا لِشُهْرَتِهَا مِنَ التَّغْيِيرِ وَالتَّحْرِيفِ، مُحْتَجًّا
بِأَنَّهُ مَا مِنْ إِسْنَادٍ إِلَّا وَفِي رُوَاتِهِ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى مَا فِي كِتَابِهِ عَرِيًّا عَنِ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ.
وَظَاهِرُ كَلَامِهِ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ التَّنْبِيهَاتِ الَّتِي بِآخِرِ الْمَقْلُوبِ - الْقَوْلُ بِذَلِكَ فِي التَّضْعِيفِ أَيْضًا، وَلَكِنْ لَمْ يُوَافِقِ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ حُكْمًا وَدَلِيلًا.
أَمَّا الْحُكْمُ فَقَدْ صَحَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعَاصِرِينَ لَهُ ; كَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْقَطَّانِ مُصَنِّفِ " الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ " وَالضِّيَاءِ الْمَقْدِسِيِّ صَاحِبِ " الْمُخْتَارَةِ "، وَمِمَّنْ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ كَالزَّكِيِّ الْمُنْذِرِيِّ، وَالدِّمْيَاطِيِّ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ إِلَى شَيْخِنَا، وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَهُ.
(وَقَالَ) الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا (يَحْيَى) النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْأَظْهَرُ عِنْدِي جَوَازُهُ وَهُوَ (مُمْكِنٌ) لِمَنْ تَمَكَّنَ وَقَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ لِتَيَسُّرِ طُرُقِهِ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ فَالْخَلَلُ الْوَاقِعُ فِي الْأَسَانِيدِ الْمُتَأَخِّرَةِ إِنَّمَا هُوَ فِي بَعْضِ الرُّوَاةِ ; لِعَدَمِ الضَّبْطِ وَالْمَعْرِفَةِ بِهَذَا الْعِلْمِ، وَهُوَ فِي الضَّبْطِ مُنْجَبِرٌ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَنْهُمْ، كَمَا أَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِقَوْلِ بَعْضِ الْحُفَّاظِ فِيمَا عَنْعَنَهُ الْمُدَلِّسُ: هَذَا الْحَدِيثُ سَمِعَهُ هَذَا الْمُدَلِّسُ مِنْ شَيْخِهِ، وَحَكَمُوا لِذَلِكَ بِالِاتِّصَالِ.
وَفِي عَدَمِ الْمَعْرِفَةِ
بِضَبْطِهِمْ كُتُبَهُمْ مِنْ وَقْتِ السَّمَاعِ إِلَى حِينِ التَّأْدِيَةِ، وَوَرَاءَ هَذَا أَنَّ الْكِتَابَ الْمَشْهُورَ الْغَنِيَّ بِشُهْرَتِهِ عَنِ اعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ مِنَّا إِلَى مُصَنِّفِهِ، كَكِتَابِ النَّسَائِيِّ مَثَلًا لَا يَحْتَاجُ فِي صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إِلَى النَّسَائِيِّ إِلَى اعْتِبَارِ حَالِ الْإِسْنَادِ مِنَّا إِلَيْهِ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ، إِذَا رَوَى مُصَنِّفُهُ فِيهِ حَدِيثًا، وَلَمْ يُعَلِّلْهُ، وَجَمَعَ إِسْنَادُهُ شُرُوطَ الصِّحَّةِ، وَلَمْ يَطَّلِعِ الْمُحَدِّثُ فِيهِ عَلَى عِلَّةٍ، فَمَا الْمَانِعُ مِنَ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ؟ لَا سِيَّمَا وَأَكْثَرُ مَا يُوجَدُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا رُوَاتُهُ رُوَاةُ الصَّحِيحِ، وَفِيهِمُ الضَّابِطُونَ الْمُتْقِنُونَ الْحُفَّاظُ بِكَثْرَةٍ، هَذَا لَا يُنَازِعُ فِيهِ مَنْ لَهُ ذَوْقٌ فِي هَذَا الْفَنِّ، أَفَادَهُ شَيْخُنَا وَمِنْ قَبْلِهِ ابْنُ النَّاظِمِ فِي دِيبَاجَةِ شَرْحِهِ لَأَبِي دَاوُدَ.
وَلَعَلَّ ابْنَ الصَّلَاحِ اخْتَارَ حَسْمَ الْمَادَّةِ ; لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِمَّنْ يُزَاحِمُ فِي الْوُثُوبِ عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي لَا يُهْتَدَى لِلْكَشْفِ مِنْهَا، وَالْوَظَائِفِ الَّتِي لَا تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ بِمُبَاشَرَتِهَا.
وَلِلْحَدِيثِ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِهِ وَلِلدَّوَاوِينِ كُتَّابٌ وَحُسَّابٌ.
وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ: الَّذِي يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُحَدِّثِ فِي عُرْفِ الْمُحَدِّثِينَ أَنْ يَكُونَ كَتَبَ، وَقَرَأَ، وَسَمِعَ، وَوَعَى، وَرَحَلَ إِلَى الْمَدَائِنِ وَالْقُرَى، وَحَصَّلَ أُصُولًا وَعَلَّقَ فُرُوعًا مِنْ كُتُبِ الْمَسَانِيدِ وَالْعِلَلِ
وَالتَّوَارِيخِ الَّتِي تَقْرُبُ مِنْ أَلْفِ تَصْنِيفٍ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُنْكَرُ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى رَأْسِهِ طَيْلَسَانٌ، وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ، وَصَحِبَ أَمِيرًا مِنْ أُمَرَاءِ الزَّمَانِ، أَوْ مَنْ تَحَلَّى بِلُؤْلُؤٍ وَمَرْجَانٍ، أَوْ بِثِيَابٍ ذَاتِ أَلْوَانٍ، فَحَصَّلَ تَدْرِيسَ حَدِيثٍ بِالْإِفْكِ وَالْبُهْتَانِ، وَجَعَلَ نَفْسَهُ مَلْعَبَةً لِلصِّبْيَانِ، لَا يَفْهَمُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ جُزْءٍ وَلَا دِيوَانٍ، فَهَذَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مُحَدِّثٍ بَلْ وَلَا إِنْسَانٍ، وَإِنَّهُ مَعَ الْجَهَالَةِ آكِلُ حَرَامٍ، فَإِنِ اسْتَحَلَّهُ خَرَجَ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ. انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا نَفْثَةُ مَصْدُورٍ، وَرَمْيَةُ مَعْذُورٍ، وَبِهَا يَتَسَلَّى الْقَائِمُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِتَحْقِيقِ هَذَا الشَّأْنِ، مَعَ قِلَّةِ الْأَعْوَانِ، وَكَثْرَةِ الْحَسَدِ وَالْخِذْلَانِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ.

[مَعْنَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ] إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيْخَيْنِ بِشَرْطِهِ فِي كِتَابِهِ وَلَا فِي غَيْرِهِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ النَّوَوِيُّ، وَإِنَّمَا عُرِفَ بِالسَّبْرِ لِكِتَابَيْهِمَا، وَلِذَا اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالَ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ طَاهِرٍ الْحَافِظُ فِي جُزْءٍ سَمِعْنَاهُ أَفْرَدَهُ لِشُرُوطِ السِّتَّةِ: (شَرْطُهُمَا أَنْ يُخَرِّجَا الْحَدِيثَ الْمُتَّفَقَ عَلَى ثِقَةِ نَقَلَتِهِ إِلَى الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ، وَيَكُونَ إِسْنَادُهُ مُتَّصِلًا غَيْرَ مَقْطُوعٍ.
فَإِنْ كَانَ لِلصَّحَابِيِّ رَاوِيَانِ فَصَاعِدًا فَحَسَنٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا رَاوٍ وَاحِدٌ وَصَحَّ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ كَفَى، وَمَا ادَّعَاهُ مِنَ الِاتِّفَاقِ عَلَى ثِقَةِ نَقَلَتِهِمَا قَدْ لَا يَخْدِشُ فِيهِ وُجُودُ حِكَايَةِ التَّضْعِيفِ فِي بَعْضِهِمْ مِمَّنْ قَبْلَهُمَا ; لِتَجْوِيزِ أَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَاهُ قَادِحًا، فَنَزَّلَا كَلَامَ الْجُمْهُورِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمَا مَنْزِلَةَ الْإِجْمَاعِ.
وَكَذَا قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَ الثِّقَاتِ) لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ خِلَافٍ يُؤَثِّرُ، وَإِنَّمَا الْمُؤَثِّرُ مُخَالَفَةُ الثِّقَاتِ لِمَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ، أَوْ أُكْثَرُ عَدَدًا مِنَ
الثِّقَاتِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي الشَّاذِّ.
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ فِي جُزْءِ شُرُوطِ الْخَمْسَةِ لَهُ مِمَّا سَمِعْنَاهُ أَيْضًا مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ شَرْطَ الصَّحِيحِ أَنْ يَكُونَ إِسْنَادُهُ مُتَّصِلًا، وَأَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مُسْلِمًا صَادِقًا غَيْرَ مُدَلِّسٍ وَلَا مُخْتَلِطٍ، مُتَّصِفًا بِصِفَاتِ الْعَدَالَةِ، ضَابِطًا مُتَحَفِّظًا، سَلِيمَ الذِّهْنِ، قَلِيلَ الْوَهْمِ، سَلِيمَ الِاعْتِقَادِ.
وَأَنَّ شَرْطَ الْبُخَارِيِّ أَنْ يُخَرِّجَ مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بِالثِّقَاتِ الْمُتْقِنِينَ الْمُلَازِمِينَ لِمَنْ أَخَذُوا عَنْهُ مُلَازَمَةً طَوِيلَةً سَفَرًا وَحَضَرًا، وَإِنَّهُ قَدْ يُخَرِّجُ أَحْيَانًا مَا يَعْتَمِدُهُ عَنْ أَعْيَانِ الطَّبَقَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ فِي الْإِتْقَانِ وَالْمُلَازَمَةِ لِمَنْ رَوَوْا عَنْهُ، فَلَمْ يَلْزَمُوهُ إِلَّا مُلَازَمَةً يَسِيرَةً.
وَأَمَّا مُسْلِمٌ فَيُخَرِّجُ أَحَادِيثَ الطَّبَقَتَيْنِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِيعَابِ، وَقَدْ يُخَرِّجُ حَدِيثَ مَنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ غَوَائِلِ الْجَرْحِ، إِذَا كَانَ طَوِيلَ الْمُلَازَمَةِ لِمَنْ أَخَذَ عَنْهُ ; كَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ; فَإِنَّهُ لِكَثْرَةِ مُلَازَمَتِهِ لَهُ وَطُولِ صُحْبَتِهِ إِيَّاهُ، صَارَتْ صَحِيفَةُ ثَابِتٍ عَلَى ذِكْرِهِ وَحِفْظِهِ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَهُ، وَعَمَلُ مُسْلِمٍ فِي هَذِهِ كَعَمَلِ الْبُخَارِيِّ فِي الثَّانِيَةِ.
قُلْتُ: وَلَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا اكْتِفَاءُ مُسْلِمٍ فِي السَّنَدِ الْمُعَنْعَنِ بِالْمُعَاصَرَةِ، وَالْبُخَارِيِّ بِاللِّقَاءِ وَلَوْ مَرَّةً لِمَزِيدِ تَحَرِّيهِمَا فِي صَحِيحَيْهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: اشْتَرَطَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ الثِّقَةَ وَالِاشْتِهَارَ. قَالَ: وَقَدْ تَرَكَا أَشْيَاءَ تَرْكُهَا قَرِيبٌ، وَأَشْيَاءَ لَا وَجْهَ لِتَرْكِهَا.
فَمِمَّا تَرَكَهُ الْبُخَارِيُّ الرِّوَايَةُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ مَعَ عِلْمِهِ بِثِقَتِهِ ; لِأَنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ لَهُ رَبِيبٌ يُدْخِلُ فِي حَدِيثِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
وَتَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ ; لِأَنَّهُ قَدْ تُكُلِّمَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ أَبِيهِ، وَقَبِلَ صَحِيفَةً، وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِ مُسْلِمٌ لَمَّا وَجَدَهُ تَارَةً يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، وَتَارَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ، وَمَرَّةً عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِيهِ، فَلَوْ كَانَ سَمَاعُهُ صَحِيفَةً كَانَ يَرْوِي الْكُلَّ عَنْ أَبِيهِ. انْتَهَى.
وَرَدَّ كُلٌّ مِنَ الْحَازِمِيِّ وَابْنِ طَاهِرٍ عَلَى الْحَاكِمِ دَعْوَاهُ الَّتِي وَافَقَهُ عَلَيْهَا صَاحِبُهُ الْبَيْهَقِيُّ ; مِنْ أَنَّ شَرْطَهُمَا أَنْ يَكُونَ لِلصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ بِالرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَاوِيَانِ فَصَاعِدًا، ثُمَّ يَكُونُ لِلتَّابِعِيِّ الْمَشْهُورِ رَاوِيَانِ ثِقَتَانِ، ثُمَّ يَرْوِيَهُ عَنْهُ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ الْمَشْهُورُ، وَلَهُ رُوَاةٌ ثِقَاتٌ مِنَ الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ، ثُمَّ يَكُونَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ أَوْ مُسْلِمٍ حَافِظًا مُتْقِنًا مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ فِي رِوَايَتِهِ وَلَهُ رُوَاةٌ، ثُمَّ يَتَدَاوَلُهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ بِالْقَبُولِ إِلَى وَقْتِنَا هَذَا ; كَالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ " وَإِنْ كَانَ مُنْتَقَضًا فِي حَقِّ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ أَخْرَجَا لَهُمْ، فَإِنَّهُ مُعْتَبَرٌ فِي حَقِّ مَنْ بَعْدَهُمْ، فَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ حَدِيثُ أَصْلٍ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا وَارٍ وَاحِدٌ فَقَطْ ". انْتَهَى.
وَقَدْ وَجَدْتُ فِي كَلَامِ الْحَاكِمِ التَّصْرِيحَ بِاسْتِثْنَاءِ الصَّحَابَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَاقِضًا لِكَلَامِهِ الْأَوَّلِ، وَلَعَلَّهُ رَجَعَ عَنْهُ إِلَى هَذَا، فَقَالَ: الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ إِذَا لَمْ نَجِدْ لَهُ رَاوِيًا غَيْرَ تَابِعِيٍّ وَاحِدٍ مَعْرُوفٍ، احْتَجَجْنَا بِهِ، وَصَحَّحْنَا حَدِيثَهُ ; إِذْ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا جَمِيعًا.
فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ
كُلٍّ مِنْ مِرْدَاسٍ الْأَسْلَمِيِّ، وَعَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ، وَلَيْسَ لَهُمَا رَاوٍ غَيْرَهُ، كَذَلِكَ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِأَحَادِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَأَحَادِيثَ مَجْزَأَةَ بْنِ زَاهِرٍ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ.
وَحِينَئِذٍ فَكَلَامُ الْحَاكِمِ قَدِ اسْتَقَامَ، وَزَالَ بِمَا تَمَّمْتُ بِهِ عَنْهُ الْمَلَامَ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَخْرَجَ حَدِيثَ عَدِيٍّ إِنَّمَا هُوَ مُسْلِمٌ لَا الْبُخَارِيُّ، مَعَ كَوْنِ قَيْسٍ لَمْ يَنْفَرِدْ عَنْهُ، وَالَّذِي أَخْرَجَ حَدِيثَ زَاهِرٍ إِنَّمَا هُوَ الْبُخَارِيُّ لَا مُسْلِمٌ، نَعَمْ أَخْرَجَا مَعًا لِلْمُسَيَّبِ بْنِ حَزَنٍ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى ابْنِهِ سَعِيدٍ، وَلَكِنْ لَهُ ذِكْرٌ فِي السِّيَرِ.
قَالَ ابْنُ يُونُسَ: إِنَّهُ قَدِمَ مِصْرَ لِغَزْوِ إِفْرِيقِيَّةَ، سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَأَوْرَدَ الْحَاكِمُ أَيْضًا حَدِيثَ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
وَقَالَ: قَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ لَأَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَلَأَبِي مَالِكٍ الَأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَلَا رَاوِيَ لِوَالِدِهِمَا غَيْرُ وَلَدِهِمَا، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْإِشَارَةُ لِذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ.
ثُمَّ مَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: (عَلَى شَرْطِهِمَا) ؟ فَعِنْدَ النَّوَوِيِّ وَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالذَّهَبِيِّ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ: هُوَ أَنْ يَكُونَ رِجَالُ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِأَعْيَانِهِمْ فِي كِتَابَيْهِمَا، وَتَصَرُّفُ الْحَاكِمِ يُقَوِّيهِ، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ الْحَدِيثُ قَدْ أَخْرَجَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا لِرُوَاتِهِ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا، وَإِذَا كَانَ بَعْضُ رُوَاتِهِ لَمْ يُخَرِّجَا لَهُ.
قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ حَسْبُ، وَيَتَأَيَّدُ بِأَنَّهُ حَكَمَ عَلَى حَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُثْمَانَ بِأَنَّهُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
ثُمَّ قَالَ: أَبُو عُثْمَانَ هَذَا لَيْسَ هُوَ النَّهْدِيَّ، وَلَوْ كَانَ
النَّهْدِيَّ، لَحَكَمْتُ بِالْحَدِيثِ عَلَى شَرْطِهِمَا.
وَإِنْ خَالَفَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ، فَيُحْمَلُ عَلَى السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ ; كَكَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِهِ.
وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُ فِي خُطْبَةِ (مُسْتَدْرَكِهِ) : وَأَنَا أَسْتَعِينُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى إِخْرَاجِ أَحَادِيثَ رُوَاتُهَا ثِقَاتٌ، قَدِ احْتَجَّ بِمِثْلِهَا الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا ; لِأَنَّا نَقُولُ: الْمِثْلِيَّةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَعْيَانِ أَوِ الْأَوْصَافِ، لَا انْحِصَارَ لَهَا فِي الْأَوْصَافِ، لَكِنَّهَا فِي أَحَدِهِمَا حَقِيقَةٌ، وَفِي الْآخَرِ مَجَازٌ، فَاسْتَعْمَلَ الْمَجَازَ ; حَيْثُ قَالَ عَقِبَ مَا يَكُونُ عَنْ نَفْسِ رُوَاتِهِمَا: " عَلَى شَرْطِهِمَا "، وَالْحَقِيقَةَ حَيْثُ قَالَ عَقِبَ مَا هُوَ عَنْ أَمْثَالِ رُوَاتِهِمَا: (صَحِيحٌ أَفَادَهُ شَيْخُنَا) .
وَعَلَيْهِ مَشَى فِي تَوْضِيحِ النُّخْبَةِ فَقَالَ: لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ - يَعْنِي بِشَرْطِهِمَا - رُوَاتُهُمَا مَعَ بَاقِي شُرُوطِ الصَّحِيحِ، يَعْنِي مِنْ نَفْيِ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ، وَسَبَقَهُ لِنَحْوِهِ غَيْرُهُ، قَالَ رَجُلٌ لِشُرَيْحٍ: إِنِّي قُلْتَ لِهَذَا: اشْتَرِ لِي مِثْلَ هَذَا الثَّوْبِ الَّذِي مَعَكَ، فَاشْتَرَى ذَلِكَ الثَّوْبَ بِعَيْنِهِ. فَقَالَ شُرَيْحٌ: لَا شَيْءَ أَشْبَهَ بِالشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ، [وَأَلْزَمَهُ أَخْذَ الثَّوْبِ] .
وَكَذَا هَلِ الْمُرَادُ بِالْمِثْلِيَّةِ عِنْدَهُمَا أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِمَا؟ الظَّاهِرُ - كَمَا قَالَ الْمُؤَلِّفُ - الْأَوَّلُ، وَتُعْرَفُ بِتَنْصِيصِهِمَا، وَقَلَّمَا يُوجَدُ ذَلِكَ، أَوْ بِالْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي مُلَاحَظَةُ حَالِ الرَّاوِي مَعَ شَيْخِهِ.
فَقَدْ يَكُونُ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ فِي بَعْضِ شُيُوخِهِ دُونَ بَعْضٍ، وَعَدَمُ النَّظَرِ فِي هَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِوَهْمِ الْحَاكِمِ، وَلِذَا لَمَّا قَالَ عَقِبَ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: " صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ " قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَيْسَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ مِنْ شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ الْحَسَنَ أَوْ سَمُرَةَ فِي
الْجُمْلَةِ مِنْ شَرْطِهِ، فَهُوَ مِنْ شَرْطِ مُسْلِمٍ أَيْضًا. انْتَهَى.
فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الشَّرْطَ إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا خَرَّجَ لِرِجَالِ السَّنَدِ بِالصُّورَةِ الْمُجْتَمِعَةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنِ الْحَاكِمِ: بِأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ مُسْلِمًا يَنْفِي سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ أَصْلًا، وَالْبُخَارِيُّ مِمَّنْ يُثْبِتُ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ إِخْرَاجِهِ [فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ سِيرِينَ: سُئِلَ الْحَسَنُ مِمَّنْ سَمِعَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ؟ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: مِنْ سَمُرَةَ] .
شريف ابراهيم
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1930
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث Empty [حُكْمُ الصَّحِيحَيْنِ وَالتَّعْلِيقُ]

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:33

[حُكْمُ الصَّحِيحَيْنِ وَالتَّعْلِيقُ]
40 - وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا ... كَذَا لَهُ وَقِيلَ ظَنًّا وَلَدَى
41 - مُحَقِّقِيهِمْ قَدْ عَزَاهُ النَّوَوِي ... وَفِي الصَّحِيحِ بَعْضُ شَيْءٍ قَدْ رُوِي
42 - مُضَعَّفًا وَلَهُمَا بِلَا سَنَدْ ... أَشْيَا فَإِنْ يَجْزِمْ فَصَحِّحْ أَوْ وَرَدْ
43 - مُمَرَّضًا فَلَا وَلَكِنْ يُشْعِرُ ... بِصِحَّةِ الْأَصْلِ لَهُ كَ " يُذْكَرُ
"
44 - وَإِنْ يَكُنْ أَوَّلُ الْإِسْنَادِ حُذِفْ
مِعْ صِيغَةِ الْجَزْمِ فَتَعْلِيقًا عُرِفْ ... 45 - وَلَوْ إِلَى آخِرِهِ أَمَّا الَّذِي
لِشَيْخِهِ عَزَا بِ " قَالَ " فَكَذِي ... 46 - عَنْعَنَةٍ كَخَبَرِ الْمَعَازِفِ
لَا تُصْغِ لِابْنِ حَزْمٍ الْمُخَالِفِ.
(حُكْمُ الصَّحِيحِينِ) الْمَاضِي ذِكْرُهُمَا [فِيمَا أُسْنِدَ فِيهِمَا وَغَيْرِهِ] ، (وَالتَّعْلِيقُ) أَيْ: [تَعْرِيفُ التَّعْلِيقِ الْوَاقِعُ فِيهِمَا وَفِي غَيْرِهِمَا] .
[هَلْ أَحَادِيثُ الصَّحِيحَيْنِ تُفِيدُ الْعِلْمَ] لَمَّا أُشِيرَ إِلَى شَرْطِ صَاحِبَيِ
الصَّحِيحَيْنِ، وَانْجَرَّ الْكَلَامُ فِيهِ إِلَى أَنَّ الْعَدَدَ لَيْسَ شَرْطًا عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، حَسُنَ بَيَانُ الْحُكْمِ فِيهِمَا لِسَائِلِهِ ; أَيُرْتَقَى عَنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ لِسُمُوِّهِمَا، وَجَلَالَتِهِمَا، وَشُفُوفِ تَحَرِّيهِمَا فِي الصَّحِيحِ أَمْ لَا؟ .
فَقِيلَ لَهُ: (وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا) أَيْ: إِنَّ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنِ بِإِسْنَادَيْهِمَا الْمُتَّصِلِ دُونَ مَا سَيَأْتِي اسْتِثْنَاؤُهُ مِنَ الْمُنْتَقَدِ وَالتَّعَالِيقِ وَشِبْهِهِمَا - مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ ; لِتَلَقِّي الْأُمَّةِ الْمَعْصُومَةِ فِي إِجْمَاعِهَا عَنِ الْخَطَأِ، كَمَا وَصَفَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ: «لَا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَةٍ» لِذَلِكَ بِالْقَبُولِ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ، وَكَذَا الْعَمَلُ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ نَسْخٌ أَوْ تَخْصِيصٌ أَوْ نَحْوُهُمَا.
وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لِلْخَبَرِ الْمُنْحَطِّ عَنْ دَرَجَةِ الْمُتَوَاتِرِ بِالْقَبُولِ يُوجِبُ الْعِلْمَ النَّظَرِيَّ (كَذَا لَهُ) أَيِ: لِابْنِ الصَّلَاحِ ; حَيْثُ صَرَّحَ بِاخْتِيَارِهِ لَهُ وَالْجَزْمِ بِأَنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِلَّا فَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى الْقَوْلِ بِذَلِكَ فِي الْخَبَرِ الْمُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ وَعَامَّةِ السَّلَفِ، بَلْ وَكَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
وَلَفْظُ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ: " أَهْلُ الصَّنْعَةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا الصَّحِيحَانِ - مَقْطُوعٌ بِصِحَّةِ أُصُولِهَا وَمُتُونِهَا، وَلَا يَحْصُلُ الْخِلَافُ فِيهَا بِحَالٍ، وَإِنْ حَصَلَ فَذَاكَ اخْتِلَافٌ فِي طُرُقِهَا وَرُوَاتِهَا.
قَالَ: فَمَنْ خَالَفَ حُكْمُهُ خَبَرًا مِنْهَا، وَلَيْسَ لَهُ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ لِلْخَبَرِ، نَقَضْنَا حُكْمَهُ ; لِأَنَّ هَذِهِ
الْأَخْبَارَ تَلَقَّتْهَا الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ.
(وَقِيلَ) : هُوَ صَحِيحٌ (ظَنًّا) ; لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي أَصْلِهِ قَبْلَ التَّلَقِّي - لِكَوْنِهِ خَبَرَ آحَادٍ - إِلَّا الظَّنُّ، وَهُوَ لَا يَنْقَلِبُ بِتَلَقِّيهِمْ قَطْعِيًّا، وَتَصْحِيحُ الْأَئِمَّةِ لِلْخَبَرِ الْمُسْتَجْمِعِ لِلشُّرُوطِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلصِّحَّةِ إِنَّمَا هُوَ مُجْرًى عَلَى حُكْمِ الظَّاهِرِ ; لِمَا تَقَدَّمَ فِي ثَانِي مَسَائِلِ الْكِتَابِ، وَأَيْضًا فَقَدْ صَحَّ تَلَقِّيهِمْ بِالْقَبُولِ لِمَا ظُنَّتْ صِحَّتُهُ (وَ) هَذَا الْقَوْلُ (لَدَى) أَيْ عِنْدَ (مُحَقِّقِهِمْ) وَكَذَا الْأَكْثَرُونَ هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا (قَدْ عَزَا) إِلَيْهِمُ الْإِمَامُ (النَّوَوِيُّ) .
لَكِنْ قَدْ وَافَقَ اخْتِيَارَ ابْنِ الصَّلَاحِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَنْفَرِدْ بِنَقْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى التَّلَقِّي، بَلْ هُوَ فِي كَلَامِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا ; فَإِنَّهُ قَالَ: لِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صِحَّتِهِمَا، وَكَذَا هُوَ فِي كَلَامِ ابْنِ طَاهِرٍ وَغَيْرِهِ وَلَا شَكَّ - كَمَا قَالَ عَطَاءٌ - أَنَّ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَقْوَى مِنَ الْإِسْنَادِ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ شَيْخِنَا: " الْإِجْمَاعُ عَلَى الْقَوْلِ بِصِحَّةِ الْخَبَرِ أَقْوَى فِي إِفَادَةِ الْعِلْمِ مِنْ مُجَرَّدِ كَثْرَةِ الطُّرُقِ، وَكَذَا مِنَ الْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ الَّتِي صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِإِفَادَتِهَا الْعِلْمَ، لَا سِيَّمَا وَقَدِ انْضَمَّ إِلَى هَذَا التَّلَقِّي الِاحْتِفَافُ بِالْقَرَائِنِ، وَهِيَ جَلَالَةُ قَدْرِ مُصَنِّفِيهِمَا، وَرُسُوخُ قَدَمِهِمَا فِي الْعِلْمِ، وَتَقَدُّمُهُمَا فِي الْمَعْرِفَةِ بِالصِّنَاعَةِ، وَجَوْدَةُ تَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ، وَبُلُوغُهُمَا أَعْلَى الْمَرَاتِبِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْإِمَامَةِ فِي وَقْتِهِمَا ".
عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا قَدْ ذَكَرَ فِي تَوْضِيحُ النُّخْبَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِي التَّحْقِيقِ لَفْظِيٌّ، قَالَ: لِأَنَّ مَنْ جَوَّزَ إِطْلَاقَ الْعِلْمِ، قَيَّدَهُ بِكَوْنِهِ نَظَرِيًّا، وَهُوَ الْحَاصِلُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ، وَمَنْ أَبَى الْإِطْلَاقَ خَصَّ لَفْظَ الْعِلْمِ بِالْمُتَوَاتِرِ، وَمَا عَدَاهُ عِنْدَهُ ظَنِّيٌّ.
لَكِنَّهُ لَا يَنْفِي أَنَّ مَا احْتَفَّ بِالْقَرَائِنِ أَرْجَحُ مِمَّا خَلَا مِنْهَا، وَلَأَجْلِ كَوْنِهِ نَظَرِيًّا قِيلَ: (فِي الصَّحِيحِ) لِكُلٍّ مِنَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (بَعْضُ شَيْءٍ) وَهُوَ يَزِيدُ عَلَى مِائَتَيْ حَدِيثٍ (قَدْ رُوِيَ) حَالَ
كَوْنِهِ (مُضَعَّفًا) بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمَا، وَفَاتَ بِذَلِكَ فِيهِ تَلَقِّي كُلِّ الْأُمَّةِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَثْنَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنَ الْقَطْعِ بِقَوْلِهِ: " سِوَى أَحْرُفٍ يَسِيرَةٍ تَكَلَّمَ عَلَيْهَا بَعْضُ أَهْلِ النَّقْدِ مِنَ الْحُفَّاظِ ; كَالدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ ". انْتَهَى.
وَلَا يَمْنَعُ الِاسْتِثْنَاءُ اجْتِهَادَ جَمَاعَةٍ فِي الْجَوَابِ عَنْهُ، وَدَفْعَ انْتِقَادِ ضَعْفِهِ، وَأَفْرَدَ النَّاظِمُ مُؤَلَّفًا لِذَلِكَ، عُدِمَتْ مُسَوَّدَتُهُ قَبْلَ تَبْيِيضِهَا، وَتَكَفَّلَ شَيْخُنَا فِي مُقَدِّمَةِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْهُ، وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِمَا يَخُصُّهُ مِنْهُ، فَكَانَ فِيهِمَا مَعَ تَكَلُّفٍ فِي بَعْضِهِ إِجْزَاءٌ فِي الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا مَا ادَّعَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشَّيْخَيْنِ مَعَ إِتْقَانِهِ وَحِفْظِهِ وَصِحَّةِ مَعْرِفَتِهِ، تَمَّ عَلَيْهِ الْوَهْمُ فِي حَدِيثٍ أَوْرَدَهُ لَا يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْهُ، وَحَكَمَ عَلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ خَاصَّةً بِالْوَضْعِ، فَقَدْ رَدَّهُ بَعْضُ الْحُفَّاظِ فِي جُزْءٍ مُفْرَدٍ، وَأَوْضَحْتُ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مَعَ مُهِمَّاتٍ كَثِيرَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي غَيْرِهِ فِي النُّكَتُ لَا يَسْتَغْنِي مَنْ يَرُومُ التَّبَحُّرَ فِي الْفَنِّ عَنْهَا.
وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْقَطْعِ أَيْضًا مَا وَقَعَ التَّجَاذُبُ بَيْنَ مَدْلُولَيْهِ ; حَيْثُ لَا تَرْجِيحَ ; لِاسْتِحَالَةِ أَنْ يُفِيدَ الْمُتَنَاقِضَانِ الْعِلْمَ بِصِدْقِهِمَا مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لَأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ; قَالَهُ شَيْخُنَا.
[تَعَالِيقُ الصَّحِيحَيْنِ] (وَ) كَذَا (لَهُمَا) فِي صَحِيحَيْهِمَا (بِلَا سَنَدٍ) أَصْلًا، أَوْ كَامِلٍ ; حَيْثُ أُضِيفَ لِبَعْضِ رُوَاتِهِ إِمَّا الصَّحَابِيُّ أَوِ التَّابِعِيُّ فَمَنْ دُونَهُ، مَعَ قَطْعِ السَّنَدِ مِمَّا يَلِيهُمَا (أَشْيَا) بِالْقَصْرِ لِلضَّرُورَةِ ; كَأَنْ يُقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَوْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَوْ عِكْرِمَةُ، أَوِ الزُّهْرِيُّ وَالْجَمْعُ بِالنَّظَرِ إِلَيْهِمَا مَعًا ; إِذْ لَيْسَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بَعْدَ الْمُقَدِّمَةِ مِمَّا لَمْ يُوصِلْهُ فِيهِ سِوَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ.
(فَإِنْ يَجْزِمْ) الْمُعَلِّقُ مِنْهُمَا بِنِسْبَتِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرِهِ مِمَّنْ أَضَافَهُ إِلَيْهِ (فَصَحِّحْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ إِضَافَتَهُ لِمَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ ; فَإِنَّهُ لَنْ يَسْتَجِيزَ إِطْلَاقَهُ إِلَّا وَقَدْ صَحَّ عِنْدَهُ عَنْهُ، وَلَا الْتِفَاتَ لِمَنْ نَقَضَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ، بَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ مُطَّرِدَةٌ، لَكِنْ مَعَ عَدَمِ الْتِزَامِ كَوْنِهِ عَلَى شَرْطِهِ.
(أَوْ) لَمْ يَأْتِ الْمُعَلِّقُ بِالْجَزْمِ، بَلْ (وَرَدَ مُمَرَّضًا فَلَا) تَحْكُمْ لَهُ بِالصِّحَّةِ عِنْدَهُ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الصِّيغَةِ ; لِعَدَمِ إِفَادَتِهَا ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُنْتَقَدُ بِمَا وَقَعَ بِهَا مَعَ وَصْلِهِ لَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ.
عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا - وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ الِاسْتِقْرَاءِ خُصُوصًا فِي هَذَا النَّوْعِ - أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَتَّفِقُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، إِلَّا حَيْثُ عَلَّقَهُ بِالْمَعْنَى، أَوِ اخْتَصَرَهُ، وَجَزَمَ بِأَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ - أَيْ: فِيمَا عَدَاهُ - مُشْعِرٌ بِضَعْفِهِ عِنْدَهُ إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ عَنْهُ ; لِعِلَّةٍ خَفِيَّةٍ فِيهِ، وَقَدْ لَا تَكُونُ قَادِحَةً، وَلِذَلِكَ فِيهِ مَا هُوَ حَسَنٌ، بَلْ وَصَحِيحٌ عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ، بَلْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَمَا قَالَهُ هُوَ التَّحْقِيقُ، وَإِنْ أَوْهَمَ صَنِيعُ ابْنِ كَثِيرٍ خِلَافَهُ.
(وَلَكِنْ) حَيْثُ تَجَرَّدَتْ، فَإِيرَادُ صَاحِبِ الصَّحِيحِ لِلْمُعَلَّقِ الضَّعِيفِ كَذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ صَحِيحِهِ (يُشْعِرُ بِصِحَّةِ الْأَصْلِ لَهُ) إِشْعَارًا يُؤْنَسُ بِهِ، وَيُرْكَنُ إِلَيْهِ.
وَأَلْفَاظُ التَّمْرِيضِ كَثِيرَةٌ (كَيُذْكَرُ) وَيُرْوَى وَرُوِيَ، وَيُقَالُ، وَقِيلَ، [وَنَحْوُهَا،
وَاسْتَغْنَى بِالْإِشَارَةِ إِلَى بَعْضِهَا عَنْ أَمْثِلَةِ الْجَزْمِ ; كَذَكَرَ، وَزَادَ، وَرَوَى، وَقَالَ] وَغَيْرِهَا لِوُضُوحِهِ، حَتَّى نَقَلَ النَّوَوِيُّ اتِّفَاقَ مُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ عَلَى اعْتِبَارِهِمَا كَذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِشَيْءٍ ضَعِيفٍ ; لِأَنَّهَا صِيغَةٌ تَقْتَضِي صِحَّتَهُ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُطْلَقَ إِلَّا فِيمَا صَحَّ.
قَالَ: " وَقَدْ أَهْمَلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَاشْتَدَّ إِنْكَارُ الْبَيْهَقِيِّ عَلَى مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ، وَهُوَ تَسَاهُلٌ قَبِيحٌ جِدًّا مِنْ فَاعِلِهِ ; إِذْ يَقُولُ فِي الصَّحِيحِ: يُذْكَرُ وَيُرْوَى، وَفِي الضَّعِيفِ قَالَ: وَرَوَى، وَهَذَا قَلْبٌ لِلْمَعَانِي، وَحَيْدٌ عَنِ الصَّوَابِ.
قَالَ: وَقَدِ اعْتَنَى الْبُخَارِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بِاعْتِبَارِ هَاتَيْنِ الصِّيغَتَيْنِ، وَإِعْطَائِهِمَا حُكْمَهُمَا فِي صَحِيحِهِ ; فَيَقُولُ فِي التَّرْجَمَةِ الْوَاحِدَةِ بَعْضَ كَلَامِهِ بِتَمْرِيضٍ، وَبَعْضَهُ بِجَزْمٍ، وَاعِيًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَذَا مُشْعِرٌ بِتَحَرِّيهِ وَوَرَعِهِ ". انْتَهَى. وَسَيَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي التَّنْبِيهَاتِ الَّتِي بِآخِرِ الْمَقْلُوبِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَجْزُومَ بِهِ يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ ابْتِدَاءً، وَمَا لَعَلَّهُ يَكُونُ كَذَلِكَ مِنَ الْمُمَرَّضِ إِنَّمَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا بَعْدَ النَّظَرِ ; لِوُجُودِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ فَافْتَرَقَا، وَإِذَا حَكَمْتَ لِلْمَجْزُومِ بِهِ بِالصِّحَّةِ، فَانْظُرْ فِيمَنْ أُبْرِزَ مِنْ رِجَالِهِ، تَجِدْ مَرَاتِبَهُ مُخْتَلِفَةً ; فَتَارَةً تَلْتَحِقُ بِشَرْطِهِ، وَتَارَةً تَتَقَاعَدُ عَنْ ذَلِكَ.
وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حَسَنًا صَالِحًا لِلْحُجَّةِ ; كَالْمُعَلَّقِ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، رَفَعَهُ: «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ النَّاسِ» ، فَهُوَ حَسَنٌ مَشْهُورٌ عَنْ بَهْزٍ، أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ، بَلْ وَيَكُونُ صَحِيحًا عِنْدَ غَيْرِهِ.
وَقَدْ يَكُونُ ضَعِيفًا، لَكِنْ لَا مِنْ جِهَةِ قَدْحٍ فِي رِجَالِهِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ انْقِطَاعٍ يَسِيرٍ فِي إِسْنَادِهِ ; كَالْمُعَلَّقِ عَنْ طَاوُسٍ: قَالَ: قَالَ مُعَاذٌ: فَإِنَّ إِسْنَادَهُ
إِلَى طَاوُسٍ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مُعَاذٍ، وَحِينَئِذٍ فَإِطْلَاقُ الْحُكْمِ بِصِحَّتِهَا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ.
وَالْأَسْبَابُ فِي تَعْلِيقِ مَا هُوَ مُلْتَحِقٌ بِشَرْطِهِ: إِمَّا التَّكْرَارُ، أَوْ أَنَّهُ أَسْنَدَ مَعْنَاهُ فِي الْبَابِ، وَلَوْ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، فَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِالتَّعْلِيقِ اخْتِصَارًا، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ بِقَيْدِ الْعُلُوِّ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ جِهَةِ الثِّقَاتِ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَوْ سَمِعَهُ لَكِنْ فِي حَالَةِ الْمُذَاكَرَةِ، فَقَصَدَ بِذَلِكَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا يَأْخُذُهُ عَنْ مَشَائِخِهِ فِي حَالَةِ التَّحْدِيثِ أَوِ الْمُذَاكَرَةِ احْتِيَاطًا.
وَفِي الْمُتَقَاعِدِ عَنْ شَرْطِهِ: إِمَّا كَوْنُهُ فِي مَعْرِضِ الْمُتَابَعَةِ، أَوِ الِاسْتِشْهَادِ الْمُتَسَامَحِ فِي إِيرَادِهِ مُطْلَقًا، فَضْلًا عَنِ التَّعْلِيقِ، أَوْ أَنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَوْضِعٍ يُوهِمُ تَعْلِيلَ الرِّوَايَةِ الَّتِي عَلَى شَرْطِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ.
وَبِمَا تَقَدَّمَ تَأَيَّدَ حَمْلُ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: " مَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِي إِلَّا مَا صَحَّ " عَلَى مَقْصُودِهِ بِهِ، وَهُوَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُسْنَدَةُ، دُونَ التَّعَالِيقِ وَالْآثَارِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَالْأَحَادِيثِ الْمُتَرْجَمِ بِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَظَهَرَ افْتِرَاقُ مَا لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الْقَصْدِ فِي الْحُكْمِ عَنْ غَيْرِهِ وَاسْتِثْنَائِهِ مِنْ إِفَادَةِ الْعِلْمِ (وَإِنْ يَكُنْ أَوَّلُ الْإِسْنَادِ) - بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ - مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الصَّحِيحِ مَثَلًا كَشَيْخِهِ فَمَنْ فَوْقَهُ (حُذِفْ) وَأُضِيفَ لِمَنْ بَعْدَ الْمَحْذُوفِ مِمَّا هُوَ فِي الْبُخَارِيِّ كَثِيرٌ، كَمَا تَقَدَّمَ (مَعَ صِيغَةِ الْجَزْمِ) أَيْ: مَعَ الْإِتْيَانِ بِهَا، بَلْ وَالتَّمْرِيضِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنِ ابْنِ الصَّلَاحِ ; كَالنَّوَوِيِّ وَالْمِزِّيِّ فِي أَطْرَافِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ حُكْمُهُ فِي كِلَيْهِمَا.
(فَتَعْلِيقًا عُرِفْ) أَيْ: عُرِفَ بِالتَّعْلِيقِ بَيْنَ أَئِمَّةِ هَذَا الشَّأْنِ ; كَالْحُمَيْدِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ، بَلْ كَانَ
أَوَّلَ مَنْ وُجِدَ فِي كَلَامِهِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَعْلِيقِ الْجِدَارِ، وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، لِمَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْجَمِيعُ مِنْ قَطْعِ الِاتِّصَالِ.
وَاسْتَبْعَدَ شَيْخُنَا أَخْذَهُ مِنْ تَعْلِيقِ الْجِدَارِ، وَأَنَّهُ مِنَ الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ أَقْرَبُ، وَشَيْخُهُ الْبُلْقِينِيُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي تَسْمِيَتِهِ تَعْلِيقًا بَقَاءُ أَحَدٍ مِنْ رِجَالِ السَّنَدِ، بَلْ (وَلَوْ) حُذِفَ مِنْ أَوَّلِهِ (إِلَى آخِرِهِ) وَاقْتُصِرَ عَلَى الرَّسُولِ فِي الْمَرْفُوعِ، أَوْ عَلَى الصَّحَابِيِّ فِي الْمَوْقُوفِ - كَانَ تَعْلِيقًا، حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَأَقَرَّهُ.
وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمِزِّيُّ فِي أَطْرَافِهِ، بَلْ وَلَا مَا اقْتُصِرَ فِيهِ عَلَى الصَّحَابِيِّ مَعَ كَوْنِهِ مَرْفُوعًا، وَكَانَ يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَقَطَ الْبَعْضُ مِنْ أَثْنَائِهِ أَوْ مِنْ آخِرِهِ، لِاخْتِصَاصِهِ بِأَلْقَابِ غَيْرِهِ ; كَالْعَضْلِ وَالْقَطْعِ وَالْإِرْسَالِ.
وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا يُحْذَفُ فِيهِ جَمِيعُ الْإِسْنَادِ، مَعَ عَدَمِ الْإِضَافَةِ لِقَائِلٍ ; كَقَوْلِ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ: " وَكَانَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءِ تَجْلِسُ فِي الصَّلَاةِ جِلْسَةَ الرَّجُلِ، وَكَانَتْ فَقِيهَةً " وَهُوَ عِنْدَهُ فِي تَأْرِيخِهِ الصَّغِيرِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِ عَنْ مَكْحُولٍ؟ الظَّاهِرُ نَعَمْ، وَحُكْمُهُ مِنْ غَيْرِ مُلْتَزِمِي الصِّحَّةِ الِانْقِطَاعُ، وَلِذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ رَابِعَ التَّفْرِيعَاتِ التَّالِيَةِ لِلْمُنْقَطِعِ، وَمِنْ مُلْتَزِمِيهَا مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
[مَا رَوَاهُ الْمُحَدِّثُ عَنْ شَيْخِهِ بَـ " قَالَ "] (أَمَّا) الْمُصَنِّفُ (الَّذِي لِشَيْخِهِ عَزَا) مَا أَوْرَدَهُ (بِـ " قَال ") وَزَادَ وَنَحْوِهِمَا (فَكَـ) إِسْنَادِ (ذِي عَنْعَنَةٍ) فَيُشْتَرَطُ لِلْحُكْمِ بِاتِّصَالِهِ شَيْئَانِ: لُقِيُ الرَّاوِي لِمَنْ عَنْعَنَ عَنْهُ، وَسَلَامَتُهُ مِنَ التَّدْلِيسِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ.
وَأَمْثِلَةُ هَذِهِ الصِّيغَةِ كَثِيرَةٌ (كَخَبَرِ الْمَعَازِفِ) بِالْمُهْمَلَةِ وَالزَّاءِ وَالْفَاءِ ; وَهِيَ آلَاتُ
الْمَلَاهِي، الْمَرْوِيِّ عَنْ أَبِي عَامِرٍ، أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا فِي الْإِعْلَامِ بِمَنْ يَكُونُ فِي أُمَّتِهِ يَسْتَحِلُّهَا، وَيَسْتَحِلُّ الْحِرَ - بِالْمُهْمَلَتَيْنِ وَكَسْرِ الْأُولَى مَعَ التَّخْفِيفِ - يَعْنِي الزِّنَا، فَإِنَّهُ اسْمٌ لِفَرْجِ الْمَرْأَةِ، وَالْحَرِيرَ.
فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ أَوْرَدَهُ فِي الْأَشْرِبَةِ مِنْ صَحِيحِهِ بِقَوْلِهِ: " قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: ثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ " وَسَاقَهُ سَنَدًا وَمَتْنًا، فَهِشَامٌ أَحَدُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ، حَدَّثَ عَنْهُ بِأَحَادِيثَ حَصَرَهَا صَاحِبُ (الزَّهْرَةِ) فِي أَرْبَعَةٍ، وَلَمْ يَصِفِ الْبُخَارِيَّ أَحَدٌ بِالتَّدْلِيسِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ تَعْلِيقًا، خِلَافًا لِلْحُمَيْدِيِّ فِي مِثْلِهِ، وَإِنْ صَوَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مَعَ حُكْمِهِ بِصِحَّتِهِ عَنْ قَائِلِهِ.
وَعَلَى الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ تَعْلِيقًا مَشَى الْمِزِّيُّ فِي أَطْرَافِهِ، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ حُكْمَهُ الِانْقِطَاعُ، وَلَكِنْ قَدْ حَكَمَ عَبْدُ الْحَقِّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ السُّنِّيُّ بِعَدَمِ اتِّصَالِهِ.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ: (حُكْمُهُ الِانْقِطَاعُ) ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي نُعَيْمٍ: (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَا رِوَايَةٍ) ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ مَنْدَهْ ; حَيْثُ صَرَّحَ بِأَنَّ " قَالَ " تَدْلِيسٌ، فَالصَّوَابُ الِاتِّصَالُ عِنْدَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَمَنْ تَبِعَهُ، فَلَا تُعَوِّلْ عَلَى خِلَافِهِ.
(وَلَا تُصْغِ لِابْنِ حَزْمٍ) الْحَافِظِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ، الْمَنْسُوبِ هُنَا لِجَدِّ أَبِيهِ الْأَنْدَلُسِيِّ الْقُرْطُبِيِّ الظَّاهِرِيِّ (الْمُخَالِفِ) فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، نَشَأَتْ عَنْ غَلَطِهِ
وَجُمُودِهِ عَلَى الظَّاهِرِ، مَعَ سَعَةِ حِفْظِهِ وَسَيَلَانِ ذِهْنِهِ، كَمَا وَصَفَهُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ.
وَقَوْلُ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: " مَا رَأَيْتُ فِي كُتُبِ الْإِسْلَامِ مِثْلَ كِتَابِهِ " الْمُحَلَّى "، وَ " الْمُغْنِي " لِابْنِ قُدَامَةَ " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ (456هـ) عَنِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً.
حَيْثُ حَكَمَ بِعَدَمِ اتِّصَالِهِ أَيْضًا، مَعَ تَصْرِيحِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ; بِأَنَّ الْعَدْلَ الرَّاوِيَ إِذَا رَوَى عَمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنَ الْعُدُولِ، فَهُوَ عَلَى اللِّقَاءِ وَالسَّمَاعِ، سَوَاءٌ قَالَ: أَنَا أَوْ ثَنَا أَوْ عَنْ فُلَانٍ، أَوْ قَالَ فُلَانٌ، فَكُلُّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ مِنْهُ عَلَى السَّمَاعِ وَهُوَ تَنَاقُضٌ، بَلْ وَمَا اكْتَفَى حَتَّى صَرَّحَ لَأَجْلِ تَقْرِيرِ مَذْهَبِهِ الْفَاسِدِ فِي إِبَاحَةِ الْمَلَاهِي بِوَضْعِهِ مَعَ كُلِّ مَا فِي الْبَابِ، وَأَخْطَأَ فَقَدْ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ.
وَقَدْ وَقَعَ لِي مِنْ حَدِيثِ عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ هِشَامٍ عَنْهُ، بَلْ وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ كُلٌّ مِنْ هِشَامٍ وَصَدَقَةَ وَابْنِ جَابِرٍ.
ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ الْحَامِلُ لَهُمْ عَلَى الْحُكْمِ بِالِانْقِطَاعِ مَا يُوجَدُ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ مَرْوِيًّا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْخِ بِعَيْنِهِ بِالْوَاسِطَةِ مَرَّةً، وَتَصْرِيحِهِ بِعَدَمِ سَمَاعِهِ لَهُ مِنْهُ أُخْرَى، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، فَقَدْ وَقَعَ لَهُ إِيرَادُ بَعْضِ الْأَحَادِيثِ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ بِـ " قَالَ " فِي مَوْضِعٍ، وَبِالتَّصْرِيحِ فِي آخَرَ.
وَحِينَئِذٍ فَكُلُّ مَا يَجِيءُ عَنْهُ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ مُحْتَمِلٌ لِلسَّمَاعِ وَعَدَمِهِ، بَلْ وَسَمَاعُهُ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ فِي حَالَةِ الْمُذَاكَرَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَلَا يَسُوغُ مَعَ الِاحْتِمَالِ الْجَزْمُ بِالِانْقِطَاعِ، بَلْ وَلَا الِاتِّصَالِ أَيْضًا ; لِتَصْرِيحِ الْخَطِيبِ - كَمَا سَيَأْتِي - بِأَنَّهَا لَا تُحْمَلُ
عَلَى السَّمَاعِ إِلَّا مِمَّنْ عُرِفَ مِنْ عَادَتِهِ أَنَّهُ لَا يُطْلِقُهَا إِلَّا فِيمَا سَمِعَهُ، نَعَمْ قَالَ مَا حَاصِلُهُ: إِنَّ مَنْ سَلَكَ الِاحْتِيَاطَ فِي رِوَايَةِ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ بِالْإِجَازَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْجِهَاتِ الْمَوْثُوقِ بِهَا - يَعْنِي كَالْمُنَاوَلَةِ - فَحَدِيثُهُ مُحْتَجٌّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالسَّمَاعِ، بِنَاءً عَلَى الْأَصْلِ فِي تَصْحِيحِ الْإِجَازَةِ. انْتَهَى.
وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي حُكْمِ الْمَوْصُولِ، لَكِنْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَقِبَ حَدِيثٍ قَالَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ: " كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ ": إِنَّهُ لَا يَعْلَمُ لَهُ فِي كِتَابِهِ حَدِيثًا بِالْإِجَازَةِ، يَعْنِي عَنْ شُيُوخِهِ غَيْرَهُ.
وَتَوَسَّطَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَغَارِبَةِ، فَوَسَمَ الْوَارِدَ بِـ " قَالَ " بِالتَّعْلِيقِ الْمُتَّصِلِ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ الْمُنْفَصِلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لَكِنَّهُ أَدْرَجَ مَعَهَا " قَالَ لِي " وَنَحْوَهَا مِمَّا هُوَ مُتَّصِلٌ جَزْمًا، وَنُوزِعَ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُخْتَارُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ - كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا - أَنَّ حُكْمَ " قَالَ " فِي الشُّيُوخِ مِثْلُ غَيْرِهَا مِنَ التَّعَالِيقِ الْمَجْزُومَةِ.
شريف ابراهيم
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1930
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث Empty [نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ]

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم الأربعاء 31 مايو 2017 - 12:36

[نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ]
47 - وَأَخْذُ مَتْنٍ مِنْ كِتَابٍ لِعَمَلْ ... أَوِ احْتِجَاجٍ حَيْثُ سَاغَ قَدْ جَعَلْ
48 - عَرْضًا لَهُ عَلَى أُصُولٍ يَشْتَرِطْ ... وَقَالَ يَحْيَى النَّوَوِيُّ أَصْلٍ فَقَطْ
49 - قُلْتُ وَلِابْنِ خَيْرٍ امْتِنَاعُ ... نَقْلٍ سِوَى مَرْوِيِّهِ إِجْمَاعُ.
(نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ) الَّتِي اشْتَهَرَتْ نِسْبَتُهَا لِمُصَنِّفِيهَا أَوْ صَحَّتْ، وَقَدَّمَ هَذَا عَلَى الْحَسَنِ الْمُشَارِكِ لِلصَّحِيحِ فِي الْحُجَّةِ لِمُشَابَهَتِهِ لِلتَّعْلِيقِ فِي الْجُمْلَةِ.
(وَأَخْذُ مَتْنٍ) أَيْ: حَدِيثٍ (مِنْ كِتَابٍ) مِنَ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ ; كَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي عَوَانَةَ، وَابْنِ خُزَيْمَةَ، وَابْنِ حِبَّانَ، [وَابْنِ الْجَارُودِ] مِمَّا اشْتَهَرَ أَوْ صَحَّ (لِعَمَلٍ) بِمَضْمُونِهِ فِي الْفَضَائِلِ وَالتَّرْغِيبَاتِ، وَكَذَا الْأَحْكَامُ الَّتِي لَا يَجِدُ فِيهَا الْآخِذُ نَصًّا لِإِمَامِهِ، أَوْ يَجِدُهُ فَيُبْرِزُ دَلِيلَهُ الَّذِي لَعَلَّ بِوُجُودِهِ يَضْعُفُ مُخَالِفُهُ.
وَرُبَّمَا يَكُونُ إِمَامُهُ عَلَّقَ قَوْلَهُ فِيهِ عَلَى ثُبُوتِ الْخَبَرِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْمَلُهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ (أَوِ احْتِجَاجٍ) بِهِ لِذِي مَذْهَبٍ (حَيْثُ سَاغَ) - بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ - أَيْ جَازَ لِلْآخِذِ ذَلِكَ، وَكَانَ مُتَأَهِّلًا لَهُ، وَالْأَهْلِيَّةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ بِحَسَبِهِ، مَعَ الْعِلْمِ بِالِاخْتِلَافِ فِي انْقِطَاعِ الْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ، فَضْلًا عَنِ الْمُطْلَقِ، لِنَقْصِ الْهِمَمِ (قَدْ جَعَلْ) أَيِ: ابْنُ الصَّلَاحِ.
(عَرْضًا لَهُ) أَيْ: مُقَابَلَةً لِلْمَأْخُوذِ (عَلَى أُصُولٍ) مُتَعَدِّدَةٍ بِرِوَايَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، يَعْنِي فِيمَا تَكْثُرُ الرِّوَايَاتُ فِيهِ، كَالْفِرَبْرِيِّ وَالنَّسَفِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ شَاكِرٍ وَغَيْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، أَوْ أُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فِيمَا مَدَارُهُ عَلَى رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ كَأَكْثَرِ الْكُتُبِ (يَشْتَرِطْ) أَيْ: جَعَلَهُ شَرْطًا ; لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ جَبْرُ الْخَلَلِ الْوَاقِعِ فِي أَثْنَاءِ الْأَسَانِيدِ.
وَقَدْ تَكْثُرُ تِلْكَ الْأُصُولُ الْمُقَابَلُ بِهَا كَثْرَةً تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ، وَعِبَارَتُهُ: " فَسَبِيلٌ " أَيْ: طَرِيقٌ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ، وَإِنْ حَمَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاسْتِظْهَارِ.
(وَقَالَ) الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا (يَحْيَى النَّوَوِيُّ) بِالِاكْتِفَاءِ بِالْمُقَابَلَةِ عَلَى (أَصْلٍ) مُعْتَمَدٍ (فَقَطْ) ; إِذِ الْأَصْلُ الصَّحِيحُ تَحْصُلُ بِهِ الثِّقَةُ الَّتِي مَدَارُ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهَا صِحَّةً وَاحْتِجَاجًا، عَلَى أَنَّ ابْنَ الصَّلَاحِ قَدْ تَبِعَهُمْ فِي عَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ فِي مُقَابَلَةِ الْمَرْوِيِّ مَعَ تَقَارُبِهِمَا.
وَلَكِنْ قَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِمَزِيدِ الِاحْتِيَاطِ لِلِاحْتِجَاجِ وَالْعَمَلِ، وَإِذَا حُمِلَ كَلَامُهُ هُنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، كَانَ مُوَافِقًا
لِمَا سَيَأْتِي لَهُ عِنْدَ الْحَسَنِ فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ وَاخْتِلَافِهَا فِي الْحُكْمِ ; أَهُوَ بِالْحُسْنِ فَقَطْ، أَوْ بِالصِّحَّةِ فَقَطْ، أَوْ بِهِمَا مَعًا، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ تُصَحِّحَ أَصْلَكَ بِجَمَاعَةِ أُصُولٍ حَيْثُ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؟ وَإِنْ كَانَتْ " يَنْبَغِي " لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي ذَلِكَ، كَمَا أَوْمَأَ إِلَيْهِ الشَّارِحُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْأَوَّلِ فِيهِ تَضْيِيقٌ يُفْضِي إِلَى التَّعْطِيلِ، وَعَدَمِ تَعَقُّبِ النَّوَوِيِّ الْقَوْلَ بِالتَّعَدُّدِ فِي التِّرْمِذِيِّ ; لِافْتِرَاقِهِ عَمَّا تَقَدَّمَ بِاخْتِلَافِ نُسَخِهِ.
ثُمَّ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي النَّقْلِ لِلْعَمَلِ أَوِ الِاحْتِجَاجِ أَنْ يَكُونَ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ؟ الظَّاهِرُ مِمَّا تَقَدَّمَ عَدَمُهُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ بُرْهَانَ فِي الْأَوْسَطِ ; فَقَالَ: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ عَلَى سَمَاعِهِ، بَلْ إِذَا صَحَّتْ عِنْدَهُ النُّسْخَةُ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ مَثَلًا أَوْ مِنَ السُّنَنِ، جَازَ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُجَوِّزُ أَنْ يُحَدِّثَ بِالْخَبَرِ أَيْ: يَنْقُلُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ سَمِعَهُ.
(قُلْتُ: وَلِابْنِ خَيْرٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ، وَهُوَ الْحَافِظُ الْمُقْرِئُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ الْأَمَوِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ اللَّمْتُونِيُّ الْإِشْبِيلِيُّ الْمَالِكِيُّ خَالُ مُصَنِّفِ (الرَّوْضُ الْأُنُفُ) الْحَافِظِ أَبِي الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيِّ، وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْإِتْقَانِ وَالتَّقَدُّمِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْقِرَاءَاتِ وَالرِّوَايَاتِ وَالضَّبْطِ ; بِحَيْثُ تَغَالَى النَّاسُ فِي كُتُبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَزَادَتْ عِدَّةُ مَنْ كَتَبَ هُوَ عَنْهُ عَلَى مِائَةٍ، مَاتَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، (575 هـ) عَنْ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً،
مِمَّا وُجِدَ بِأَوَّلِ بَرْنَامَجِهِ الَّذِي وَضَعَهُ فِي أَسْمَاءِ شُيُوخِهِ وَمَرْوِيَّاتِهِ (امْتِنَاعُ) أَيْ: تَحْرِيمُ (نَقْلِ سِوَى) أَيْ غَيْرِ (مَرْوِيِّهِ) وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلرِّوَايَةِ الْمُجَرَّدَةِ أَوِ الْعَامِلِ أَوِ الِاحْتِجَاجِ، وَالتَّحْرِيمُ فِيهِ عِنْدَهُ بَيْنَهُمْ (إِجْمَاعٌ) .
وَنَصُّ كَلَامِهِ: وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا، حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مَرْوِيًّا، وَلَوْ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِ الرِّوَايَاتِ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» مُطْلَقًا بِدُونِ تَقْيِيدٍ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجَزْمِ خَاصَّةً.
وَلِذَا عَبَّرَ النَّاظِمُ - كَمَا فِي خَطِّهِ - بِهِ مَكَانَ " نَقْلِ " الْمُشْعِرِ بِمُجَرَّدِ النَّقْلِ، وَلَوْ مُمَرَّضًا، لَكِنَّهُ جَزَمَ فِي خُطْبَةِ (تَقْرِيبِ الْأَسَانِيدِ) لَهُ بِذَلِكَ أَيْضًا، لَكِنْ بِدُونِ عَزْوٍ ; فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ يَقْبُحُ بِالطَّالِبِ أَلَّا يَحْفَظَ بِإِسْنَادِهِ عِدَّةً مِنَ الْأَخْبَارِ يَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ كَذَا وَكَذَا.
قَالَ: (وَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنَ الْحَرَجِ بِنَقْلِ مَا لَيْسَتْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ، فَإِنَّهُ غَيْرُ سَائِغٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ اعْتَمَدَ فِي حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ ابْنَ خَيْرٍ فَقَطْ، أَوْ وَقَفَ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ) .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ غَيْرِهِ نَقْلًا عَنِ الْمُحَدِّثِينَ: إِنَّهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى صِحَّةِ النُّسْخَةِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ الرَّاوِي: أَنَا أَرْوِي، وَهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ أَهْلُ الْفَنِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَلَكِنِ انْتَصَرَ لِلْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ حَتَّى قِيلَ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَظَرٌ -: إِنَّ الثَّانِي لَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ، وَلَوْ صَحَّ لَخَدَشَ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ، كَمَا يَخْدِشُ فِيهَا قَوْلُ ابْنِ بُرْهَانَ، إِلَّا إِنْ حُمِلَ عَلَى إِجْمَاعٍ مَخْصُوصٍ.
وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يُورِدِ ابْنُ خَيْرٍ الْحَدِيثَ الدَّالَّ عَلَى تَحْرِيمِ نِسْبَةِ الْحَدِيثِ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يَتَحَقَّقَ أَنَّهُ قَالَهُ، لَكَانَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ مَنْعَ إِيرَادِ مَا يَكُونُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا ; حَيْثُ لَا رِوَايَةَ لَهُ بِهِ، وَجَوَازَ نَقْلِ مَا لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ وَلَوْ كَانَ ضَعِيفًا، لَا سِيَّمَا وَأَوَّلُ كَلَامِهِ كَالصَّرِيحِ فِيمَا
صَحَّتْ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَيْثُ ذَكَرَ - كَمَا حَكَيْتُهُ فِي أَصْلِهِ - مِنْ فَوَائِدِ الْإِجَازَةِ التَّخَلُّصَ مِنَ الْحَرَجِ فِي حِكَايَةِ كَلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ.
شريف ابراهيم
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1930
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة

- مواضيع مماثلة

 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى