منتديات أنوار المدينة
أهلاً وسهلااً بك زائرنا الكريم إذا كانت هذه زيارتك الأولى نرجو من حضرتك التسجيل
حتى تتمكن من استعمال العناوين الخارجية

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

اذهب الى الأسفل

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 14:11

تذكير بمساهمة فاتح الموضوع :

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
(قصص تربوية من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين)
الجزء الأول
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70 - 71].
أما بعد ..
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وضح النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الإيمان القوي يلد الخلق القوي حتمًا، وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان، فالرجل الذي يؤذي جيرانه يحكم الله عليه حكمًا قاسيًا فيقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن قالوا: من ذاك يا رسول الله؟ قال: جار لا يأمن جاره بوائقه، قيل: وما بوائقه، قال:
 
شره" [رواه أحمد]، ويعلم الرسول أصحابه الإعراض عن اللغو فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" [رواه البخاري].
على أن المنتسبين للإسلام يستسهلون أداء العبادات المطلوبة، ولكنهم يعملون أعمالاً يأباها الخلق القويم، وفي هذا ورد حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قال رجل: يا رسول الله إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها! قال: "هى في النار" ثم قال: يا رسول الله فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها وإنها تصدق بالأثوار من الأقط (الأثوار جمع ثور وهو القطعة من الأقط وهو اللبن المجفف) ولا تؤذي جيرانها بلسانها قال: "هى في الجنة" [أرواه أحمد].
ولقد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يومًا فقال: "أتدرون من المفلس؟ ".
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" [رواه مسلم].
ودائرة الأخلاق تشمل الجميع، فقد ذبحت شاة لابن عمر فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟

والهدف من كتابة هذه الموسوعة هو مواجهة التدهور الأخلاقي الموجود في المجتمع.
يقول محمد الغزالي: العبادات التي شرعت في الإسلام ليست طقوسًا مبهمة بل هي تمارين متكررة؛ لتعود المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها.
والزكاة المفروضة ليست ضريبة، ولكنها غرس لمشاعر الحنان والرأفة لقوله تعالى:
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، ومن أجل ذلك وسع النبي - صلى الله عليه وسلم - في دلالة كلمة الصدقة فقال - صلى الله عليه وسلم - "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة، وبصرك للرجل الردئ البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو
أخيك لك صدقة" [رواه الترمذي].
وكذلك شرع الإسلام الصوم؛ فلم ينظر أنه حرمان مؤقت من بعض الأطعمة والأشربة، بل حرمان النفس من شهواتها المحظورة؛ ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" [رواه البخاري]، والقرآن الكريم يذكر ثمرة الصوم بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
وقد يحسب الإنسان أن الحج مجرد رحلة بعيدة عن المعاني الحقيقية، وهذا خطأ، والله تعالى يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
وهذه الموسوعة تحتوي على مجموعة من الأخلاق والصفات متضمنة القصص التربوية، وقمت بمراعاة الآتي في الموسوعة:
- قمت بالتعليق بعد معظم القصص بسؤال أو نصيحة أو توجيه تربوي لننتقل من ميدان القول إلى ميدان العمل، فليس الهدف من الموسوعة سرد القصص فحسب بل الالتزام بالمفاهيم التربوية والأخلاق الإسلامية.
- الإكثار من القصص لما لها من تأثير على النفوس، ونجد أن كثيرًا من الناس يتأثر بالقصص أكثر من الموعظة المجردة، فالهدف هو اكتساب الأخلاق، فإذا تحققت فيك هذه الصفة فاحمد الله، وإن لم تتحقق فجاهد نفسك في الالتزام بها، واستعن بالله ثم بإخوانك، ولا تتعجل في الانتقال إلى الصفة الثانية حتى تتحقق الأولى، وليس شرطًا قراءة الموسوعة من أولها، بل انظر إلى الصفة التي تجد فيها تقصيرًا في نفسك، واجتهد في الالتزام بها.
يفضل قراءة صفة واحدة يوميًا أو أسبوعيًا مع نفسك وأهلك وإخوانك وأبنائك، وابحث كيف تتحقق فينا هذه الصفة عمليًا من خلال التوجيهات التربوية، وليكن شعارنا هذا الأسبوع مثلا "الصدق" أو "الأمانة".
ننبه أن ما سيأتي من كلام ونصائح وإرشادات وتوجيهات ستبقى حبرًا على ورق ما لم تتقل إلى حيز التنفيذ، وتدخل عالم الواقع.
ولا تنس أخي الحبيب الدعاء لمن كتب هذا الكتاب المتواضع بأن يكون هذا الجهد
في ميزان حسناته، وأن يتقبله منا خالصًا لوجهه الكريم، ونسعد بتقديم ملاحظاتكم للاستفادة منها.
وسيجد القارئ بعض القصص قد تكررت في أكثر من صفة رأينا الإبقاء عليها لأهميتها ودلالتها، وهي مع ذلك قليلة العدد لا تكاد تلاحظ.
هذا هو جهد المقل، إن يكن خيرًا فلله الحمد والفضل، فما تحرك قلمي إلا بإذنه، ولا تحرك فكري إلا برزقه، وما جمعت ورتبت إلا بعونه.
وأعتذر عما قد يكون في هذا العمل من نقص، بما قال العماد الأصفهاني: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدِّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل استيلاء النقص على جملة البشر".
وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم وأنساه، وأعوذ بالله أن أكون جسرًا تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى بي في النار، وهذا الجهد نسأل الله أن يتقبله وأن يجزي خيرًا كل من عمل فيه أو ساهم في نشره.
والله نسأل أن ينفع به كل من قرأه واطلع عليه، وأن ينفعنا بنصيحته ويفيدنا برأيه.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل


صلة الرحم

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الخميس 15 فبراير 2018 - 4:12

صلة الرحم
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21].
وقال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
وقال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الإسراء: 26].
وعن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره (أجله: أي يظل ذكره حتى بعد وفاته) فليصل رحمه" [رواه البخاري] والمقصود بالزيادة في الرزق أي زيادة البركة والزيادة في العمر بالتوفيق إلى الطاعة أو بقاء ذكره الجميل بعد وفاته.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" [متفق عليه].

طريق الجنة
عن أبي أيوب أن أعرابيًا عرض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته أو زمامها ثم قال: يا رسول الله -أو يا محمد- أخبرني بما يقربني من الجنة ويباعدني عن النار، قال: فكف النبي ثم نظر في أصحابه، ثم قال: "لقد وفق" أو "لقد هدي، قال: كيف قلت؟ قال: فأعادها، فقال النبي: "تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم، دع الناقة" وفي رواية: "وتصل ذا الرحم" فلما أدبر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة" [رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم].

من ثمارها
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله ليعمر بالقوم الديار ويثمر لهم الأموال، وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضا لهم".
قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: "بصلتهم أرحامهم" رواه الطبراني.
وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله" رواه البخاري ومسلم.
وعن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة" رواه الترمذي.

وصية
عن أبي ذر - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم ستفتحون مصر، هي أرض يسمى فيها القراط فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما" رواه مسلم.
والرحم كون هاجر أم إسماعيل منهم، والذمة المراد منها المصاهرة لأن مارية أم إبراهيم ابن النبي- صلى الله عليه وسلم - منهم.

تدفع ميتة السوء
عن أنس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:" إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر، ويدفع بهما ميتة المكروه والمحذور" رواه أبو يعلي.

تيسير الحساب وتدخل صاحبها الجنة
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث من كن فيه حاسبه الله حسابا يسرا وأدخله الجنة برحمته"، قالوا: وما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: "تعطى من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، فإذا فعلت ذلك يدخلك الله الجنة" [رواه البزار والطبراني والحاكم].

ترفع الدرجات يوم القيامة
عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال:"تحلم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك" [رواه البزار والطبراني].

ليس الواصل بالمكافيء
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس الواعل بالمكافيء ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" رواه البخاري.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني،
وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عليهم ويجهلون علي، فقال: "إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل (الرماد) ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك" رواه مسلم.
وعن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يقول الله عز وجل: أنا
الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم، وشققت لها اسما من أسمائي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته" [رواه أبو داود والترمذي].

احذر قطيعة الرحم
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)} [الرعد: 25].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك (المستجير بك) من القطيعة، قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك" ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"اقرأوا إن شئتم {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23)} [محمد: 22 - 23] [رواه البخاري ومسلم].
وعن أبي محمد جبير بن مطعم - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يدخل الجنة قاطع" يعني قاطع رحم. رواه البخاري ومسلم؛ أي لا يدخلها أبدا إن أنكر وجود صلة الرحم.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن أعمال بى آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم" رواه أحمد.
وعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخر من البغي وقطيعة الرحم" رواه الترمذي.

مثل شائع خاطيء
الأقارب عقارب، هذا مثل أحمق مضلّ يحض على قطيعة الرحم التي أمر الله أن توصل، قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1].

شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التعاون

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الخميس 15 فبراير 2018 - 4:33

التعاون
لا يمكن لأي إنسان مهما آتاه الله من أسباب، أن يعيش على الأرض منفردًا فهذا ضد طبيعته وإمكاناته وما جبل عليه ابن آدم، فالفرد يحتاج للناس والناس تحتاج إليه، حتى تسير الحياة للجميع بأفضل صروة وهذا هو "التعاون".
وقد أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالتعاون شرط أن يكون على البر والتقوى، ونهاهم أن يكون تعاونهم على الإثم والعدوان.
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم.
قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم ومجاوزة ما فرض الله عليكم في أنفسكم وفي غيركم، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً" قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلوماً، فكيف أنصره إذا كان ظالماً؟ قال: "تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره" [رواه البخاري].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر عل أذاهم".
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضاً: "الدال على الخير كفاعله".
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا" [رواه البخاري].
وللتعاون على البر والتقوى وفعل الخيرات صورًا كثيرة نذكر منها:

1 - التعاون مع إخوانك
أحس شيخ كبير بقرب أجله، فجمع أولاده الثلاثة، ليوصيهم بوصية تنفعهم في
حياتهم، فأعطاهم حزمة كبيرة من الحطب، وطلب من كل منهم أن يكسرها بمفرده، فحاول كل واحد أن يكسرها، لكنه، لم يستطع لشدة قوتها وصلابتها.
أخذ الأب الحزمة، وفكها إلى أعواد، وأعطى كل واحد منهم عودًا، فكسره بسهولة فقال الأب لأبنائه: إنكم يا أبنائي مثل هذه الحزمة إذا اتحدتم وكنتم يدًا واحدة فلن يستطيع أحد مهما بلغت قوته أن يغلبكم، وإن تفرقتم فسوف يصيبكم لضعفكم، ويتمكن عدوكم منكم، فعليكم يا أولادي بالتعاون في قضاء أموركم فإن في التعاون قوة.
الوزير النبي:
طلب سيدنا موسى -عليه السلام- من ربه أن يكون أخوه مساعدًا له يتعاون معه على تبليغ رسالته فقال: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)} [طه: 29 - 35].
وهكذا لا يستطيع الداعية أن يؤثر في الناس بمفرده لابد أن يتعاون مع إخوانه في دعوة الآخرين بشتى الطرق.
حفر الخندق
كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشترك مع الصحابة في حفر الخندق، يقول البراء بن عازب - رضي الله عنه -: رأيته - صلى الله عليه وسلم - ينقل تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، وهو ينقل التراب، ويقول - صلى الله عليه وسلم -:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
قال: ثم يمد بها صوته بآخرها.
لم يتكبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه بل تعاون معهم في أشد اللحظات وأصعب الأمور، وما أعظمه من قائد!
تعاون في بناء المسجد الأول
كانت أول خطوة خطاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة هي إقامة المسجد النبوي، ففي
المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء هذا المسجد، واشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وساهم في بنائه بنفسه، فكان ينقل اللبن والحجارة ويقول:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة
هل تشارك إخوانك في أمورهم الخاصة والعامة؟
مساعدة المسئول
دعا عمر بن الخطاب سعيد بن عامر إلى مساعدته وقال: يا سعيد إنا مولوك على أهل حمص، فقال: يا عمر نشدتك الله ألا تفتني فغضب عمر وقال: ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني!! والله لا أدعك، ثم ولاه على حمص وقال: ألا نفرض لك رزقًا؟ قال: وما أفعل به يا أمير المؤمنين؟! فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي، ثم مضى إلى حمص (1).
إذا كنت جنديًا فاحرص على مساعدة مسئولك في إنجاز مهمته بما يرضي الله.
لا تمنع أخاك
روى مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيي المازني عن أبيه أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا له من العريض فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فقال له الضحاك، لم تمنعني وهو لك منفعة تشرب به أولاً وآخرًا ولا يضرك، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا عمر بن الخطاب محمد بن مسلمة، فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع تسقي به أولاً وآخرًا وهو لا يضرك، فقال محمد: لا والله، فقال عمر: والله ليمرن به ولو على بطنك، فأمره عمر بن الخطاب أن يمر به، ففعل الضحاك، وكان هذا قياسًا من عمر على حديث أبي هريرة الذي قال فيه إن النبي قال: "لا يمنع أحدكم جاره خشبة يغرزها في جداره" ثم قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم.
تعاون الصغار
يقول الإمام الشهيد البنا في مذكراته: ونحن طلاب في المدرسة الإعدادية كنا
__________
(1) صور من حياة الصحابة: 21.
نصلي الظهر في المسجد المجاور للمدرسة، وذات يوم مر إمام المسجد فرأى كثيرًا من التلاميذ، زاد على ثلاثة صفوف أو أربعة فخشي الإسراف في الماء، والبلى للحصير، فانتظر حتى أتم المصلون صلاتهم، ثم فرقهم بالقوة مهددًا ومنذرًا ومتوعدًا، فمنهم من فر، ومنهم من ثبت، وأوحت إلى خواطر التلمذة أن أقتص منه ولابد، فكتبت إليه خطابًا ليس في إلا هذه الآية: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] وبعثت الخطاب بالبريد، ثم عرف الشيخ ممن جاءته هذه الضربة، فقابل الوالد شاكيًا، فأوصاه بالتلاميذ خيرًا، وكانت له معنا مواقف طيبة بعد ذلك، واشترط علينا أن نملأ صهريج المسجد بالماء قبل انصرافنا وأن نعاونه في جمع تبرعات للحصر، فأعطيناه ما شرط (1).
هل تتعاون مع إمام السجد لمصلحة المسلمين؟

2 - تعاون بين الزوجين
على الزوجة أن تعاون زوجها كما فعلت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما زوجة الزبير بن العوام قالت أسماء -رضي الله عنها-: كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله، وكان له فرس وكنت أسوسه، وأقوم عليه، وكانت رضي الله عنها تعلفه، وتسقي الماء، وتخرز الدلو، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ.
فعلى الزوجة أن تتحمل زوجها، وتقف بجانبه في أوقات الشدة.

3 - تعاون الملائكة في بدر
في غزوة بدر يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-:
بينما رجل من المسلمين يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "صدقت، وذلك هدد من السماء الثالثة"، وجاء رجل من الأنصار قصير بالعباس بن عبد المطلب أسيرًا، فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح (الذي انحسر الشعر عن جانب رأسه) من أحسن الناس وجها
__________
(1) مذكرات الدعوة والداعية 56 - 57.
على فرس أبلق، وما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "اسكت فقد أيدك الله بملك كريم" [رواه أحمد].

4 - قضاء حوائج الناس
قالت السيدة خديجة -رضي الله عنها- عندما عاد إليها من غار حراء بعد أن نزل عليه الأمين جبريل بالوحي: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل (الثقل) وتُكسب المعدوم (الفقير) وتعين على نوائب الحق [رواه البخاري].
مساعدة الناس تكون سببًا في النجاة من المحن فلا تبخل على إخوانك بالمساعدة فيما وهبك الله واحتسب أجرك عند الله.
مشروع زواج
كان أحد الصحابة قد انقطع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخدمه ويبيت عنده ليلي أمره إذا نزلت بالرسول حاجة فقال له رسول الله: "ألا تتزوج"؟ فقال: يا رسول الله إني فقير لا شيء لي، وانقطع عن خدمتك، فسكت ثم عاد ثانيًا، فأعاد الجواب ثم فكر الصحابي وقال: والله لرسول الله أعلم بما يصلحني في دنياي وآخرتي، وما يقربني إلى الله، ولئن قال لي الثالثة لأفعلن، فقال له الثالثة: "ألا تتزوج"؟ فقال يا رسول الله زوجني، فقال: "اذهب إلى بني فلان، فقل: إن رسول الله يأمركم أن تزوجوني فتاتكم" فقال يا رسول الله: لا شيء لي (أي لا يملك شيئا) فقال - صلى الله عليه وسلم -: "اجمعوا لأخيكم وزن نواة من ذهب"، فجمعوا له وذهبوا إلى القوم فزوجوه، وجمع له أصحابه شاة للوليمة.
هل فكرت في يوم من الأيام في مساعدة إنسان فقير على الزواج ولو بجزء يسير من وقتك أو من مالك أو من جهدك؟
التعاون في أمور الزواج
قال أبو وداعة: كنت ألازم مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طلبًا اللعلم، وكنت أداوم على حلق سعيد بن المسيب وأزاحم الناس عليها بالمناكب، فتغيبت عن حلقة الشيخ أيامًا، فتفقدني، وظن أن بي مرضًا، أو عرض لي عارض، فسأل عني من حوله، فلم يجد عند أحد منهم خبرًا فلما عدت إليه بعد أيام حياتي، ورحب بي وقال: أين كنت يا أبا
الآن على غفلة، فتعالوا آنسوها حتى أدعو أمي، فهي بعيدة الدار فقالت عجوز منهن: ويحك أتدري ما تقول؟! أزوجك سعيد بن المسيب ابنته، وحملها لك إلى البيت بنفسه؟! وهو الذي ضن بها على الوليد بن عبد الملك، فقلت: نعم، وها هي ذي عندي في بيتي، فهلموا إليها، وانظروها، فتوجه الجيران إلى البيت، وهم لا يكادون يصدقونني، ورحبوا بها، وآنسوا وحشتها، كما وجه إلينا سعيد بن المسيب مبلغًا وفيرًا من المال لنستعين به على حياتنا (1).
وهكذا تعاونوا فيما بينهم لتيسير أمور الزواج فعلى أولياء الأمور التيسير على الشباب في أمور الزواج فالسعادة ليست في كثرة المهور والتفاخر بها، وإنما في طاعة الله عز وجل.
ذو القرنين
كان يأجوج ومأجوج أناسًا لهم أشكال مخيفة، يفسدون في الأرض لا يصلحون، وكان في زمانهم ملك يسمى ذو القرنين، آتاه الله ملكا عظيمًا ومنحه القوة والسلطان، وفي يوم من الأيام، وصل ذو القرنين بجيشه إلى المكان الذي يعيش فيه هؤلاء القوم، وكان يسكن في المكان نفسه قوم ضعاف، فلما رأوا ذا القرنين، استنجدوا به حتى يحميهم من يأجوج ومأجوج، واقترحوا عليه أن يصنع لهم سدًا يمنع عنهم شرهم، فوافق ذو القرنين على بناء السد، وطلب منهم أن يعاونوه ويساعدوه، حتى يتمكن من إنجاز هذا العمل الضخم، وتعاون القوم في صنع السد، وكان سدًا قويًا متينًا من سبيكة الحديد والنحاس، وعاش القوم بها في أمان وسلام.

5 - تعاون الأبناء مع الأباء
أمر الله تعالى نبيه إبراهيم -عليه السلام- أن يبني الكعبة، ليحج إليها الناس ويزوروها من كل مكان وفي كل زمان، فاخبر إبراهيم -عليه السلام- ولده إسماعيل -عليه السلام- بذلك، فوافق على الفور، وتعاون مع أبيه في هذا العمل العظيم، فذهب
__________
(1) صور من حياة التابعين: 203 - 205.
في خطبه البليغة (1).

تعاون مرفوض:
قال أبو عبد الله: لا أعرف كيف أروي هذه القصة التي عشتها منذ فترة والتي غيرت مجرى حياتي كلها، والحقيقة أنني لم أقرر أن أكشف عنها إلا من خلال إحساسي بالمسئولية تجاه الله، ولتحذير بعض الشباب الذي يعصي ربه وبعض الفتيات اللاتي يسعين وراء وهم زائف اسمه الحب.
كنا ثلاثة من الأصدقاء يجمع بيننا الطيش والعجب، كلا بل أربعة، فقد كان الشيطان رابعنا.
فكنا نذهب لاصطياد الفتيات الساذجات بالكلام المعسول ونستدرجهن إلى المزارع البعيدة، وهناك يفاجأن بأننا قد تحولنا إلى ذئاب لا ترحم توسلاتهن بعد أن ماتت قلوبنا ومات فينا الإحساس، هكذا كانت أيامنا وليالينا في المزارع، في المخيمات والسيارات على الشاطئ، إلى أن جاء اليوم الذي لا أنساه.
ذهبنا كالمعتاد للمزرعة كان كل شيء جاهزًا، الفريسة لكل واحد منا، الشراب الملعون .. شيء واحد نسيناه هو الطعام وبعد قليل ذهب أحدنا لشراء طعام العشاء بسيارته كانت الساعة السادسة تقريبًا عندما انطلق ومرت الساعات دون أن يعود، وفي العاشرة شعرت بالقلق عليه فانطلقت بسيارتي أبحث عنه وفي الطريق؛ وعلى البعد رأيت سيارة ينبعث منها دخان كثيف، وعندما وصلت فوجئت بأنها سيارة صديقي والنار تلتهمها وهي مقلوبة على أحد جانبيها، أسرعت كالمجنون أحاول إخراجه من السيارة المشتعلة وذُهلت عندما وجدت نصف جسده وقد تفحم تمامًا لكنه كان ما يزال على قيد الحياة فنقلته إلى الأرض.
وبعد دقيقة فتح عينيه وأخذ يهذي النار النار فقررت أن أحمله بسيارتي وأسرع به إلى المستشفى لكنه قال لي بصوت باك: لا فائدة لن أصل.
__________
(1) وعرفت الإخوان: 24.
فخنقتني الدموع وأنا أرى صديقي يموت أمامي وفوجئت به يصرخ: ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟ نظرت إليه بدهشة وسألته: من هو؟ قال بصوت كأنه قادم من بئر عميق: الله.
أحسست بالرعب يجتاح جسدي ومشاعري وفجأة أطلق صديقي صرخة مدوية ولفظ آخر أنفاسه ومضت الأيام لكن صورة صديقي الراحل لا تزال تتردد في ذهني وهو يصرخ والنار تلتهمه .. ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟
ووجدت نفسي أتساءل: وأنا ماذا سأقول له؟ فاضت عيناي واعترتني رعشة غريبة وفي نفس اللحظة سمعت المؤذن لصلاة الفجر ينادي: الله أكبر الله أكبر حي على الصلاة، أحسست أنه نداء خاص بي يدعوني إلى طريق النور والهداية، فاغتسلت وتوضأت وطهرت جسدي من الرذيلة التي غرقت فيها لسنوات وأديت الصلاة ومن يومها لم يفتني فرض.
وأحمد الله الذي لا يحمد سواه لقد أصبحت إنسانًا آخر وسبحان مغير الأحوال وبإذن الله أستعد للذهاب لأداء العمرة وإن شاء الله الحج فمن يدري فالأعمار بيد الله.
- ثبتنا الله على الحق ولن نقول لكل شاب إلا الحذر الحذر من صحبة من يعينوك على تعدي حدود الله وفيما قرأت عبرة وعظة فهل من معتبر (1)؟

سبب إسلامه:
أستاذ الصحافة المسلم "مارك شيلفر" أستاذ علم الصحافة بجامعة نيويورك من أسرة مسيحية كاثوليكية، سافر إلى المغرب يقول: "تعثرت قدمي في حفرة ذات يوم حينما خرجت لأول مرة إلى مكان شعبي بمدينة الرباط، وعلى الفور وجدت عددًا من المغاربة يسارعون إليَّ لمساعدتي على النهوض، ويسألونني في لهفة عما إذا كنت قد أصبت بسوء!! ".
ثم أردف هذا الموقف بما حدث أثناء فترة مرضه قائلا: "ومرضت ذات مرة فوجدت
__________
(1) مائة قصة وقصة، الهندي: 84 - 85.

المؤمنين من اليمين، وما كنت لأسألها لأحد غيره، ولكن عمر رفض وحلف اليمين، ثم قام غاضبا لأن القاضي يفرق بينه وبين خصمه، وأقسم ألا يتولى زيد القضاء، حتى يكون عمر ورجل من عموم المسلمين عنده سواء، لا فرق بينهما.
إذا أخطأ الأمير مع بعض الرعية، فلابد أن يقدم إلى التحقيق والقضاء، بلا تفريق بينهما، حتى ينتشر العدل، ويشعر الجميع بالأمان.

الرسالة
دخل أعرابي على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - غاضبا، وألقى في حجره لفافة من الشعر، فقال عمر: ما هذا؟ قال الأعرابي: جئت أشكو إليك فقد ظلمني الوالي أبو موسى الأشعري، قال عمر: وماذا فعل؟ قال الأعرابي: لم يعطني حقي كاملا، فرددته إليه، فغضب، وجلدني عشرين سوطا، وقص شعري، وهو في هذه اللفافة التي ألقيتها إليك.
فتألم عمر وأرسل إلى أبي موسى الأشعري يأمره أن يجلس أمام جماعة من المسلمين ليجلده الأعرابي عشرين سوطا، ثم يحلق له شعر رأسه.
فلما قرأ أبو موسى رسالة عمر قام إلى الأعرابي وقال له: تقدم ونفذ ما أمر به عمر، ثم أعطاه سوطا ليجلده، وقدم إليه رأسه ليحلقه، فتأثر الأعرابي، وعفا عنه، وقال: لن يظلم أحد وعمر أمير المؤمنين.
لا يظلم أحد أبدا في ظل تطبيق شريعة الله، فلنحرص على تطبيقها في أنفسنا تطبق على أرضنا.

دعوة المظلوم مستجابة
ادعت أروى بن أويس على سعيد بن زيد - رضي الله عنه - أنه أخذ شيئا من أرضها، فخاصمته (شكته) إلى مروان بن الحكم، وقالت: إنه أخذ حقي، فترك سعيد ما ادعت المرأة من الأرض، ثم قال: اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها. فجاء سيل من الماء فأظهر عن ضفتها (حدود الأرض) فإذا حقها من الأرض خارجا عن حق سعيد، فذهب إلى مروان وأخبره عما رأى، وعلم مروان والناس أن المرأة ظلمت سعيدا، وبعد فترة عميت المرأة، وسقطت في بئرها، فماتت استجابة لدعوة سعيد.
فتذكر -أخي المسلم- أن دعوة الظلوم مستجابة، فلا تظلمن أحدا مهما كنت مسئولاً.
القاضي شريح وابنه
يحكى أن ابنا لشريح القاضي قال لأبيه إن بيني وبين قوم خصومة فانظر في الأمر، فإن كان الحق لي خاصمتهم، وإن لم يكن لي الحق لم أخاصمهم، ثم قص قصته عليه فقال شريح: انطلق إليهم فخاصمهم فخاصمهم ابنه أمام أبيه القاضي، فقضى شريح على ابنه! فقال ابنه له لما رجع إلى أهله: والله لو لم أتقدم إليك بطلب النصح لم ألمك .. فضحتني!
فقال شريح: يا بني، والله لأنت أحب إليَّ من ملء الأرض مثلهم، ولكن الله هو أعز علي منك، خشيت أن أخبرك أن القضاء عليك فتصالحهم على مال فتذهب ببعض حقهم!

بين شريح وعلي بن أبي طالب
لما توجه عليّ - رضي الله عنه - إلى صفين، افتقد درعًا له، فلما انقضت الحرب ورجع إلى الكوفة، أصاب الدرع في يد يهودي، فقال لليهودي: الدرع درعي، لم أبع ولم أهب. فقال اليهودي: درعي وفي يدي.
فقال: نصير إلى القاضي. فتقدم عليّ، فجلس إلى جنب شريح، وقال: لولا أن خصمي يهودي لاستويت معه في المجلس، ولكني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أصغروهم من حيث أصغرهم الله".
فقال شريح: قل يا أمر المؤمنين.
- فقال: نعم. هذه الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي، لم أبع ولم أهب.
فقال شريح: أيش تقول يا يهودي؟
قال: درعي وفي يدي.
فقال شريح: ألك بينة، يا أمير المؤمنين؟
قال: نعم، قنبر والحسن يشهدان أن الدرع درعي.
فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب.
فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الحسن والحسين سيدا أهل الجنة" فحكم القاضي بالدرع إلى اليهودي.
فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني على قاضيه، وقاضيه قضى عليه! أشهد أن هذا هو الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأن الدرع درعك.

الراعي والرعية رحمة وعدل
كان بريد عمر بن عبد العزيز لا يعطيه أحدٌ من الناس -إذا خرج- كتابًا إلا حمهل.
فخرج بريد من مصر، فدفعت إليه فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح كتابًا تذكر فيه أن لها حائطًا قصيرًا، وأنه يقتحم عليها منه، فيسرق دجاجها، فكتب إليها عمر:
بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح. بلغني كتابك وما ذكرت من قصر حائطك، وأنه يُدخل عليك فيه، فيُسرق دجاجك، فقد كتبت لك كتابًا إلى أيوب بن شُرحبيل -وكان أيوب عماله على صلاة مصر وحربها- آمره أن يبني لك ذلك حتى يُحصنه لك مما تخافين إن شاء الله، والسلام.
وكتب إلى أيوب بن شرحبيل: من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى ابن شرحبيل، أما بعد: فإن فرتونة مولاة ذي أصبح كتبت إلي ذكر قصر حائطها، وأنه يسرق دجاجها، وتسأل تحصينه لها. فإذا جاءك كتابي هذا؛ فاركب أنت بنفسك إليه حتى تُحصنه لها.
لما جاء الكتاب إلى أيوب؛ ركب ببدنه حتى أتى الجيزة يسأل عن فرتونة حتى وقع عليها، وإذا هي سوداء مسكينة، فأعلمها بما كتب به أمير المؤمنين فيها، وحصنه لها.

عدل وثبات
كتب المنصور إلى سوار بن عبد الله قاضي البصرة: انظر الأرض التي تخاصم فيها فلان القائد وفلان التاجر، فادفعها إلى القائد.
فكتب إليه سوار: إن البينة قد قامت عندي أنها للتاجر، فلست أُخرجها من يده إلا ببينة.
فكلتب إليه المنصور: والله الذي لا إله إلا هو لتدفعنها إلى القائد.
فكلتب إليه سوار: والله الذي لا إله إلا هو لا أخرجنها من يد التاجر إلا بحق.
فلما جاءه الكتاب، قال: ملأته، والله، عدلاً، وصار قُضاتي تردني إلى الحق.
**

شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الولاء والبراء

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الخميس 15 فبراير 2018 - 4:45

الولاء والبراء
كل مرة ذكر فيها حزب الله في القرآن إنما ذكرت بجانب الولاء مقيدة فيه، مما يدل على أن الولاء هو الميزان الذي يوزن إيمان الإنسان به، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56].
وقال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22].
فهاتان الآيتان بينتا أنه لا يكون الإنسان من حزب الله إلا إذا حرر ولاءه ومودته، فلم يعطهما لعدو الله مهما كان نوعه، بل يعطيهما لله ورسوله والمؤمنين، وهذه هي الصفة الأولى للمؤمنين {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 71].
والولاء في اللغة: الموالاة؛ أن يتشاجر اثنان فيدخل ثالث بينهما للصلح، ويكون له في أحدهما هوى فيواليه أو يحابيه، ووالى فلان فلانا إذا أحبه.
واصطلاحا: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهرا وباطنا.
البراء لغة: برئ إذا تخلص، وبرئ إذا تنزه وتباعد، وبرئ إذا أعذر وأنذر، قال تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1] أي إعذار وإنذار.
واصطلاحا: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.

حكم الإسلام
إن الله يأبى علينا أن نعطي ولاءنا إلا بجامع الإيمان والإسلام: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].
كل أنواع الموالاة على أي آصرة من الأواصر غير الإسلام باطلة ومخرجة لصاحبها عن الإسلام.
إن الله حرم على المسلم أن يعطي ولاءه على أي أساس غير أساس العقيدة السليمة الصحيحة، قال تعالى: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا} [الكهف: 102] أي أن هذا غير ممكن لأَن عباد الله لا يوالون أحدا من دون الله فكيف يوالون أعداء الله، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [التوبة: 16] والوليجة في اللغة البطانة والخاصة.
إن الله عز وجل حرم على المؤمن أن يعطي ولاءه للكافرين ولا المنافقين، ومتى أعطى المؤمن ولاءه للكافرين فقد صار منهم، وهذه نصوص قطعية لا تحتمل جدلا، قال تعالى: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ} [التوبة: 67]. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)} [المائدة: 57 - 58]. {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران: 28].
يقول سيد قطب: إن التصور الإسلامي يقطع الوشائج والصلات التي لا تقوم على أساس العقيدة والعمل، ولا يعترف بقربى ولا رحم إذا انبتّت وشيجة العقيدة، والعمل ويسقط جميع الروابط والاعتبارات ما لم تتصل بعروة العقيدة والعمل، وهو يفصل بين جيل من الأمة الواحدة وجيل إذا خالف أحد الجيلين الآخر في عقيدته، بل يفصل بين الوالد والولد، والزوج والزوجة، إذا انقطع بينهما حبل العقيدة، فعرب الشرك شيء وعرب الإسلام شيء آخر، ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة، والذين آمنوا من أهل الكتاب شيء، والذين انحرفوا عن دين إبراهيم وموسى وعيسى شيء آخر، ولا صلة بينهما ولا قربى ولا وشيجة، إن الأسرة ليست آباء وأبناء وأحفادا، إنما هي هؤلاء حين
تجمعهم عقيدة واحدة، وإن الأمة ليست مجموعة أجيال متتابعة من جنس معين، إنما هي مجموعات من المؤمنين مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وألوانهم، وهذا هو التصور الإيماني، الذي ينبثق من خلال هذا البيان الرباني، وكتاب الله الكريم (1).

مظاهر الولاء للكفار
1 - من أول مظاهر الولاء النصرة -طاعة الله في الكافرين- وربط المصير بالمصير ونأخذها من قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ} [الحشر: 11].
2 - من مظاهر الولاء إعطاء الكافرين أسرار المؤمنين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1] قال ابن كثير: كان سبب نزول صدر هذه السورة الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة وذلك أن حاطبا كان رجلا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا، وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم.
فلما عزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فتح مكة لما نقض أهلها العهد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المسلمين بالتجهز لغزوهم وقال: "اللهم عمِّ عليهم خبرنا"، فعمد حاطب هذا فكتب كتابا وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول الله من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يدا، فأطلع الله تعالى على ذلك رسوله استجابة لدعائه، فبعث في أثر المرأة فأخذ الكتاب منها.
فإخبار الكافرين بأسرار المؤمنين لدفع خطط المؤمنين، أو لتوقي الكافرين من المؤمنين ولاء يخرج من الإيمان، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ} [النساء: 146].
3 - ومن مظاهر الولاء المحبة والمودة، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
قال ابن مسعود: لو عبد الله بين الحجر والمقام سبعين عاما لم يحشره الله إلا مع من
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (1/ 113).
أحب. فكونك تجد إنسانا عواطفه مع الكافرين والمنافقين يميل إليهم ويحبهم، ويتمنى انتصارهم، فذلك ولاء من أعظم الولاء، فمن مال بقلبه إلى قوم يعملون بالمعاصي، ورضي أعمالهم كان منهم وعليه مثل وزرهم، وإن كان بعيدا عنهم، جاء في الحديث: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها (أنكرها) كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضعيها كان كمن شهدها" [رواه أبو داود].
4 - من مظاهر الولاء مجالسة الكافرين والمنافقين اختيارًا وسماع كلامهم القبيح مع الاستمرار في الجلسة دون الرد أو الغضب أو الخروج قال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] هكذا (إنكم إذًا مثلهم) فمن كثر سواد قوم فهو منهم.
5 - من مظاهر الولاء الطاعة، فمن أطعته فقد توليته، ومن كلام إبراهيم لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45].
وولاية الشيطان طاعته والاستجابة له: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} [إبراهيم: 22] وقد بين الله عز وجل أصناف الكافرين والمنافقين حتى لا نكون منهم، وجعل طاعتهم ردة: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 25 - 26].
وقد فصل القرآن في أصناف من لا تجوز طاعته تفصيلا كثيرا حتى لا نهلك.
فقال تعالى: {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]. {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ} [الأحزاب: 48]. {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (Cool وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)} [القلم: 8 - 15].
{وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] أي وكان أمره تقدما على الحق ونبذا له وراء ظهره.
{وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152)} [الشعراء: 151 - 152].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)} [آل عمران: 149 - 150].
6 - من مظاهر الولاء التشبه، قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "من تشبه بقوم فهو منهم" (1).
فمن تشبه برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبه فقد والاهم وهو منهم، ومن تشبه بالكافرين فهو منهم، وفرض الله علينا أن نعطي ولاءنا للمؤمنين: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [المائدة: 56].
إنه ما لم نعط المؤمنين ولاءنا نأثم، وإعطاؤنا الولاء لغيرهم ضلال، وليس عندنا في الإسلام حياد مقبول عند الله، فمن لم يكن مع المسلمين فليس منهم، ولكن لا يعتبرونه ضدهم حتى يقاتل أو يظهر العداء، قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90] ولكن إذا لم نعتبرهم ضدنا فكذلك لا نعتبرهم منا، وليس هذا بنافعهم شيئا عند الله يوم القيامة ما لم يسلموا فيكونوا منا.
7 - الرضا بكفر الكافرين أو الشك في كفرهم، ويتضح هذا الأمر في كونه ولاء للكفار أنه يسعدهم ويسرهم أن يروا من يوافقهم على كفرهم، قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50].
8 - التحاكم إليهم دون كتاب الله، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [النساء: 51] وإن من الإيمان ببعض ما هم عليه: فصل الدين عن الدولة والقول بأنه لا توجد علاقة للإسلام بالسياسة.
9 - الركون إليهم، قال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113].
10 - مداهنتهم ومجاملتهم على حساب الدين، قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9] والمداهنة والجاملة على حساب الدين أمر وقع فيه كثير من المسلمين اليوم،
__________
(1) أبو داود (3512)، كتاب اللباس.
وهذه نتيجة طبيعية للانهزام الداخلي في نفوسهم، حيث رأوا أن أعداء الله تفوقوا في القوة المادية فانبهروا بهم، ولأمر ما رسخ وترسب في أذهان المخدوعين أن هؤلاء الأعداء هم رمز القوة والقدوة، وصدق الرسول حيث قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه" قلنا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ " (1).
11 - اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].
لا يألونكم خبالا: لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد (2).

من قصص الولاء والبراء
عثمان بن مظعون
قال ابن إسحاق: لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أحباب رسول الله من البلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة قال: والله إن غدوى ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله لا يصيبني، لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك، فقال له: يا ابن أخي لعله آذاك أحد من قومي؟ قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره، قال: فانطلق إلى المسجد فرد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية.
قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد عليَّ جواري، قال: صدق، قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
__________
(1) البخاري (3197) كتاب أحاديث الأنبياء- باب ما ذكر عن بني إسرائيل.
(2) الولاء والبراء للقحطاني 186: 189، بتصرف.
قال عثمان: صدقت.
قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل.
قال عثمان: كذبت؛ نعيم الجنة لا يزول.
قال لبيد بن رليعة: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذي جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه من سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى كثر أمرهما فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة.
قال: يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، إني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت فعد إلى جوارك، فقال: لا (1).
براءة إبراهيم من الكافرين
قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)} [مريم: 41 - 49].
يقول سيد قطب: إن سماحة الإسلام مع أهل الكتاب شيء، واتخاذهم أولياء شيء آخر، ولكنهما يختلطان على بعض المسلمين، الذين لم تتضح في نفوسهم الرؤية الكاملة لحقيقة هذا الدين ووظيفته، بوصفه حركة منهجية واقعية، تتجه إلى إنشاء واقع في الأرض، وفق التصور الإسلامي الذي يختلف في طبيعته عن سائر التصورات التي تعرفها
__________
(1) مائة موقف من حياة العظماء138، 139.
البشرية، وتصطدم من ثم بالتصورات والأوضاع المخالفة كما تصطدم بشهوات الناس وانحرافهم وفسوقهم عن منهج الله، وتدخل في معركة لا حيلة فيها، ولابد منها، لإنشاء ذلك الواقع الجديد الذي تريده، وتتحرك إليه حركة إيجابية فاعلة منشئة.
وهؤلاء الذين تختلط عليهم تلك الحقيقة ينقصهم الحس النقي بحقيقة العقيدة، كما ينقصهم الوعي الذكي لطبيعة المعركة وطبيعة موقف أهل الكتاب فيها، ويغفلون عن التوجيهات القرآنية الواضحة الصريحة فيها، فيخلطون بين دعوة الإسلام إلى السماحة في معاملة أهل الكتاب والبر بهم في المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه مكفولي الحقوق، وبين الولاء الذي لا يكون إلا لله ورسوله وللجماعة المسلمة، ناسين ما يقرره القرآن الكريم من أن أهل الكتاب بعضهم أولياء بعض في حرب الجماعة المسلمة، وأن هذا شأن ثابت لهم، وأنهم ينقمون من المسلم إسلامه، وأنهم لن يرضوا عن المسلم إلا أن يترك دينه ويتبع دينهم، وأنهم مصرون على الحرب للإسلام وللجماعة المسلمة، وأنهم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر إلى آخر هذه التقريرات الحاسمة.
إن المسلم مطالب بالسماحة مع أهل الكتاب ولكنه منهي عن الولاء لهم بمعنى التناصر والتحالف معهم، وإن طريقه لتمكين دينه وتحقيق نظامه المتفرد لا يمكن أن يلتقي مع طريق أهل الكتاب، ومهما أبدى لهم من السماحة والودة فإن هذا لن يبلغ أن يرضوا له البقاء على دينه وتحقيق نظامه، ولن يكفهم عن موالاة بعضهم لبعض في حربه والكيد له، وسذاجة أية سذاجة وغفلة أية غفلة، أن نظن أن لنا وإياهم طريقا واحدا نسلكه للتمكين للدين، أما الكفار والملحدون، فهم مع الكفار والملحدين، إذا كانت المعركة مع المسلمين (1).
سيدنا نوح
دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاما فلم يؤمن معه إلا القليل، ولقد أبى ابنه أن يستجيب لدعوته، وكان من الغارقين.
لقد استعلى نبي الله على العاطفة ورضي بحكم الله فلا لجاجة ولا التواء، ولا معذرة ولا تأويل، بل تسليم مطلق واتباع لما يحب الله ويرضى، وإعراض عما يكره ويبغض، وولاء لمن يحب الله، وبراء وعداء لمن حاد الله ولو كان أقرب قريب، ولم يكن شأن نبي الله نوح هذا
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (2/ 909، 910).
مقصورا على هذا الابن الكافر، بل أيضا مع زوجته، ويا له من امتحان عظيم مع الزوجة والابن قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم: 10].
على أن مما يجب التنويه عنه هنا أن هذه الخيانة في الدين وليست في الفاحشة، فإن نساء الأنبياء معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة الأنبياء عليهم السلام.
الفتية أصحاب الكهف
فتية تركوا الأهل والولد والوطن والعشيرة حين علموا أنه لا طاقة لهم بمواجهة ومجابهة قومهم فنجوا بأنفسهم إلى ذلك الكهف الذي تجلت فيه معجزة عظيمة يسوقها الله لنا عبرة وعظة في حفظه لعباده الصالحين: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (16)} [الكهف: 13 - 16].
أبو بكر
وطئ أبو بكر - رضي الله عنه - في مكة يوما بعد ما أسلم، وضرب ضربا شديدا، ودنا منه عتبة ابن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه، ثم نزل على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحملت بنو تميم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله؟ فعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري إن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ذهبت، فقالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قوما نالوا منك هذا لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم، قال: فما فعل رسول الله؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سالم صالح، قال: أين هو؟ قالت: في دار ابن الأرقم،
قال: فإن لله علي ألا أذوق طعاما ولا شرابًا أو آتي رسول الله، فأمهلهما حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكيء عليهما حتى أدخلوه على رسول الله.
يا لله! رجل مضروب مثخن بالجراح لا يتناول حتى شربة الماء -وهو أشد ما يكون حاجة إليها- حتى يرى رسول الله.
سعد بن أبي وقاص
قال تعالى: {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 15] نزلت قي سعد بن أبي وقاص قالت له أمه: ما هذا الدين الذي أحدثت؟ والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه، أو أموت فتعير بذلك أبد الدهر، يقال: يا قاتل أمك .. ثم إنها مكثت يوما وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل، فأصبحت قد جهدت ثم مكثت يوما آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب، فجاء سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني، فكلي وإن شئت فلا تأكلي. فلما أيست منه أكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية وأمره بالبر بوالديه، والإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في الشرك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
عبد الله بن عبد الله بن أبيّ ابن سلول
لما بلغه ما كان من أبيه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالديه مني، إني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل النار، فقال رسول الله: "بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا".
وذكر عكرمة أن الناس لما قفلوا راجعين إلى المدينة وقف عبد الله بن عبد الله ابن أبي على باب المدينة، واستل سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبوه عبد الله ابن أبي قال له ابنه: وراءك، فقال: مالك ويلك؟! قال: والله لا تجوز من ما هنا حتى يأذن لك رسول الله. فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال الابن: والله يا رسول الله لا يدخلنها حتى تأذن له، فأذن له رسول الله فقال: أما إذ أذن لك رسول الله فجز الآن.
أبو عبيدة بن الجراح
انطلق أبو عبيدة - رضي الله عنه - يوم بدر يصول بين الصفوف صولة من لا يهاب الردى فهابه المشركون، ويجول جولة من لا يحذر الموت، فحذره فرسان قريش وجعلوا يتنحون عنه كلما واجهوه، لكن رجلا واحدا منهم جعل يبرز لأبي عبيدة في كل اتجاه، فكان أبو عبيدة ينحرف عن طريقه ويتحاشى لقاءه ولجَّ الرجل في الهجوم، وأكثر أبو عبيدة من التنحي، وسد الرجل على أبي عبيدة المسالك، ووقف حائلا بينه وبين قتاله لأعداء الله.
فلما ضاق به ذرعا ضرب رأسه بالسيف ضربة فلقت هامته فلقتين، فخر الرجل صريعا بين يديه .. لا تحاول أيها القارئ الكريم، أن تخمن من يكون هذا الرجل الصريع، أما قيل لك: إن عنف التجربة فاق حسبان الحاسبين، وجاوز خيال المتخيلين، ولقد يتصدع رأسك إذا عرفت أن الرجل الصريع هو عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة. لم يقتل أبو عبيدة أباه، وإنما قتل الشرك في شخص أبيه. إنها المفاضلة الكاملة بين حزب الله وحزب الشيطان، والانحياز التام للصف المتميز.
عبد الله بن سهيل
هاجر إلى الحبشة بعد إسلامه تخلصا من أذى قريش، ثم شاء الله أن تصل أخبار كاذبة إلى مهاجري الحبشة، بأن قريشا قد أسلمت، وأن المسلمين باتوا يعيشون بين أهليهم بسلام، فعاد فريق منهم إلى مكة، وكان في جملة العائدين عبد الله بن سهيل، لم يكد أقدام عبد الله تطأ أرض مكة، حتى أخذه أبوه وكبله بالقيود، وألقى به في مكان مظلم من بيته، وجعل يتفنن في تعذيبه، ويلج في إيذائه، حتى أظهر لهم ارتداده عن دين محمد، وأعلن رجوعه إلى ملة آبائه وأجداده، فسري عن سهيل بن عمرو وقرت عينه، وشعر بنشوة النصر على محمد.
ثم ما لبث المشركون أن عزموا على منازلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدر فخرج معهم سهيل بن عمرو مصحوبا بابنه عبد الله، متشوقا لأن يرى فتاه يشهر السيف في وجه محمد، بعد أن كان واحدًا من أتباعه، ولكن الأقدار كانت تخبيء لسهيل ما لم يكن يقع له في حساب، إذ ما كاد يلتقي الجمعان على أرض بدر حتى فر الفتى المسلم المؤمن إلى صفوف المسلمين، ووضع نفسه تحت راية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وامتشق حسامه ليقاتل به أباه ومن معه من أعداء الله (1).
__________
(1) الناطقون بالحق 151.

شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العزة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الخميس 15 فبراير 2018 - 4:53

العزة
ذلة العباد لربهم ذلة بالحق لا بالباطل، أما ذلة العبد للعبد فباطل، فقد حرم الإسلام الكبر وحرم على المسلم أن يكون مستضعفا أو ذليلا، يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 97].
إن اعتزاز المسلم بدينه هو من كبرياء إيمانه، قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10].
وقال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8].
الأذان في أوله: الله أكبر، لكي يوقن المسلم بأن كل من تكبر بعد الله فهو صغير وأن كل متعاظم بعد الله فهو حقير، ولذلك اختار الله من أسمائه العظيم والأعلى ليكررها المسلم في ركوعه وسجوده.
العزة حق يقابله واجب، فإذا كلفت بعمل ما فأديته على أكمل وجه فلا سبيل لأحد عليك.

عزة الرسول - صلى الله عليه وسلم -:
دخل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال:"بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق، إن متم وإن حييتم"، قال: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن -وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - (على ما يبدو) قد رأى أنه آن الأوان للإعلان، وأن الدعوة قد غدت قوية تستطيع أن تدفع عن نفسها، فأذن بالإعلان- وخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صفين، عمر في أحدهما، وحمزة في الآخر، ولهم كديد ككديد الطحين، حتى دخل المسجد، فنظرت قريش إلى عمر وحمزة، فأصابتهم كآبة لم تصبهم قط وسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ الفاروق.
من تهيب الموت وتحمل العار طلبا للبقاء في الدنيا على أية صورة فهذا حمق، فإن
الفرار لا يطيل الأجل والإقدام لا ينقص عمرا قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].

كن عزيزا
خرج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى الشام ومعه أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة، وعمر على ناقة فنزل عنها، وخلع خفيه فوضعهما على عاتقه وأخذ بزمام ناقته، فخاض بها المخاضة، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟ تخلع نعليك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك.
فقال عمر أوِّه لو قال ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.
وفي رواية قال: يا أمير المؤمنين تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه؟
فقال عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العزة بغيره.
العزة ليست في كثرة الأموال واعتلاء المنصب، وإنما بقدر اتصالك بالله.
فالله هو المعز المذل، هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه ممن يشاء، قال تعالى: {وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26].
وهو المعز لمن أطاعه المذل لمن عصاه وهو المانح للعز، {وَللهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
ومن أعزه الله فهو العزيز {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج: 18].

عزة ربعي بن عامر
طلب رستم وفدا من سعد بن أبي وقاص في القادسية فأرسل سعد ربعي بن عامر، فدخل على رستم، وقد زينوا مجلسه بالنمارق، والزرابي الحرير، وأظهر اليواقيت واللآليء الثمينة العظيمة، وعليه تاجه وغير ذلك من الأمتعة الثمينة، وقد جلس على سرير من ذهب، ودخل ربعي بترس وفرس قصير، ولم يزل راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد،
يركبوا، فقيل له: ولم؟ قال: أما ترون إلى عدوكم قد نودي فيهم بالنهوض لكم، قال أحدهم: إنما نهوضهم للصلاة، فقال رستم: أكل عمر كبدي.
شعر الأعداء بالرعب من سنة واحدة وهي السواك فكيف لو تمسك المسلمون بالسنن كلها

خوف قيصر ملك الروم
في السنة الخامسة عشرة تقهقر هرقل بجنوده، وارتحل عن الشام إلى بلاد الروم، وكان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس وخرج منها يقول: عليك السلام يا سورية، سلام مودع لم يقض منك وطرا وهو عائد، فلما عزم على الرحيل من الشام، التفت إلى بيت المقدس، وقال: وعليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده، ثم سار هرقل إلى القسطنطينية واستقر بها ملكه، وقد سأل رجلا ممن اتبعه، كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرني عن هؤلاء القوم.
فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار رهبان بالليل، ما يأكلون في ذمتهم إلا بثمن ولا يدخلون إلا بسلام، يقضون على من حاربوه حتى يأكلوا عليه، فقال. لئن كنت صدقتني ليملكُن موضعي قدمي هاتين.
لن نشعر بالعزة إلا عندما نتمسك بقيام الليل وصلاة الفجر

ما أعزكم آل الخطاب!
في ذات سنة قدم سليمان بن عبد الملك مكة حاجا، فلما أخذ يطوف طواف القدوم، أبصر سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يجلس في الكعبة في خضوع، فلما فرغ الخليفة من طوافه، توجه إلى سالم فأفسح له الناس الطريق حتى أخذ مكانه بجانبه، وكاد يمس بركبته ركبته، فلم ينتبه له سالم ولم يلتفت إليه، لأنه كان مستغرقا فيما هو فيه، مشغولا بذكر الله عن كل شيء، وطفق الخليفة يرقب سالما بطرف خفي يلتمس فرصة يتوقف فيها عن التلاوة، فلما واتته الفرصة مال عليه وقال: السلام عليك يا أبا عمر ورحمة الله.
فقال: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
فقال الخليفة بصوت خفيض: سلني حاجة أقضها لك يا أبا عمر، فلم يجبه سالم
بشيء، فظن الخليفة أنه لم يسمعه، فمال عليه أكثر من ذي قبل وقال: رغبت بأن تسألني حاجة لأقضيها لك.
فقال سالم: والله إني لأستحي أن أكون في بيت الله، ثم أسأل أحدًا غيره، فخجل الخليفة وسكت، لكنه ظل جالسا في مكانه، فلما قضيت الصلاة نهض سالم يريد المضي إلى رحله، فلحقت به جموع الناس، هذا يسأله عن حديث من أحاديث رسول الله، وذاك يستفتيه في أمر من أمور الدين، وثالث يستنصحه في شأن من شئون الدنيا، ورابع يطلب منه الدعاء.
وكان في جملة من لحق به خليفة المسلمين سليمان بن عبد الملك، فلما رآه الناس، وسعوا له حتى حاذي منكبه منكب سالم بن عبد الله، فمال عليه وهمس في أذنه قائلا: ها نحن أولاء قد غدونا خارج المسجد، فسلني حاجة أقضها لك.
فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟
فارتبك الخليفة وقال: بل من حوائج الدنيا.
فقال له سالم: إنني لم أطلب حوائج الدنيا ممن يملكها، فكيف أطلبها ممن لا يملكها؟ فخجل الخليفة منه وحياه، وانصرف عنه وهو يقول: ما أعزكم آل الخطاب بالزهادة والتقى! بارك الله عليكم من آل بيت (1).
هل تفكر دائما في الآخرة أم في متطلبالت الدنيا وكمالياتها؟

العز بن عبد السلام وعزة العلماء
كان الشيخ الجليل عز الدين بن عبد السلام قد تولى منصب قاضي القضاة، وما إن تولى هذا المنصب حتى لاحظ أن أمراء البلاد وقادة الجيش ليسوا من أهل مصر وليسوا أحرارا على الإطلاق، بل هم مجلوبون اشتراهم السلطان من بيت المال وهم صغار، فتعلموا اللغة العربية وعلوم الدين والفروسية والحرب، وعندما شبوا عينهم في مناصبهم فهم أمراء مماليك عبيد، إذن فليس لهم حقوق الأحرار ولهذا فليس لهم أن يتزوجوا بحرائر النساء، وليس لهم أن يبيعوا أو يتصرفوا إلا كما يتصرف العبيد.
__________
(1) صور من حياة التابعين (380 - 381).
قوم قيام بين يديه. فكرهت أن تكون ذلك الرجل الذي عد من أهل النار! فأطرق هشام إلى الأرض خجلا (1).

هذا الشبل من ذاك الأسد
جاء أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاوس بن كيسان، ومالك بن أنس لزيارته وهما من العلماء التابعين، فلما دخلا عليه، وأخذا مجلسيهما عنده، التفت الخليفة إلى عبد الله بن طاوس وقال: ارو لي شيئا مما كان يحدثك به أبوك.
فقال: حدثني أبي أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله في سلطانه فأدخل الجور في حكمه.
قال مالك بن أنس: فلما سمعت مقالته هذه ضممت علي ثيابي خوفا من أن يصيبني شيء من دمه، بيد أن أبا جعفر توقف ساعة لا يتكلم ثم صرفنا بسلام (2).

نحن في ظل الله
بعد أن اعتمد مكتب الإرشاد العام الصياغة التي أعدت بها مذكرة تقليدية لوزارة الدكتور ماهر بعد حريق القاهرة سنة 1952 وكلف الأستاذ الهضيبي بالتوقيع عليها وجد في نهاية الرسالة جملة "في ظل جلالة الملك المعظم" فضرب بقلمه على هذه العبارة غير ملتفت بأن مكتب الإرشاد قد اعتمدها، ولا إلى كون هذه العبارة تقليدية وإلى أن خلو الكتاب منها يثير نقمة في القصر الملكي، مجيبا على ذلك بقوله: احذفوها على مسئوليتي، وحسبنا والملك والوزارة أن نكون في ظل الله وحده.

يسرني أن أكون آخرهم
كان مدير السجن الحربي في صحراء الهايكستب يتودد للأستاذ الهضيبي ويتظاهر بالأسف لاعتقاله والمسارعة فيما يسره، ومن ذلك أنه أبلغه يوما عن مسعى يقوم به لتزويد غرفته بأدوات التدفئة والراحة تقديرا لمقامه وسنه، فأجابه المرشد -رحمه الله-: إني بأتم الراحة والدفء، وإذا كان باستطاعتك أن تقدم هذه المزايا لجميع الإخوان المعتقلين
__________
(1) صور من حياة التابعين 293، 294.
(2) صور من حياة التابعين 297.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله" الطبراني.

الشهيد سيد قطب
ارتضع منذ طفولته معاني العزة والكرامة، وعاش حياته سيدا، وغادر الدنيا سيدا، رافعا رأسه، وعاش حياته قطبا، وغادرها قطبا في الدعوة والجهاد، ونتوقف عند ساعاته الأخيرة في الدار الفانية، وقد طلب إليه أن يعتذر للطاغية مقابل إطلاق سراحه، فقال: لن أعتذر عن العمل مع الله، رعندما طلب منه كتابة كلمات يسترحم بها عبد الناصر، قال: إن أصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة، ليرفض أن يكتب حرفا يقر به حكم طاغية، وقال أيضا: لماذا أسترحم؟ إن سجنت بحق فأنا أقبل حكم الحق، وإن سجنت بباطل، فانا أكبر من أن أسترحم الباطل.
وفي إحدى الجلسات اقترب أحد الضباط منه، وسأله عن معنى كلمة شهيد، فرد عليه -رحمه الله- شهيد يعني أنه شهد أن شريعة الله أغلى عليه من حياته.

أخالف البروتوكول
يقول الاستاذ عمر التلمساني: في أكتوبر 1952 دعا رجال الانقلاب الأستاذ الهضيبي وأعضاء مكتب الإرشاد إلى عشاء في سلاح المهندسين في الحلمية، فدعاهم فضيلته بعد ذلك إلى عشاء في بيته، وكنت أحضر ذلك العشاء، وجلست كعادتي على مقربة من الباب وجاء عبد الناصر وقدم لي التحية فقبلتها، وكنت أضع رجلا على رجل.
وكان منتهى اللياقة أن أقف أو أن أزيل ساقي عن وضعها والرجل يقف أمامي، وفي ثوان دارت معركة في خاطري: إن ظللت جالسا فقد خالفت قواعد البروتوكول، وإن وقفت فقد يظن البعض أني أقف لرئيس الوزراء نفاقا لا لياقة، فآثرت أن أكون مخالفا لقواعد اللياقة على أن يظن بي أني منافق، وبقيت على حالتي، وما أظن عبد الناصر قد نسى ذلك (1).

الهضيبي وفاروق
توجه كريم ثابت باشا المستشار الصحفي للملك فاروق إلى منزل المستشار حسن الهضيبي وأخبره بأن الملك فاروق يطلب منه الحضور في 21/ 11/ 1951 إلى قصر القبة
__________
(1) مائة موقف من حياة المرشدين 147، 148.
المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية.
وقال الأستاذ الهضيبي وهو يقص أحداث هذه المقابلة بعد سنوات طويلة إنه كان يشعر وهو يجلس مع الملك أنه أمام طفل صغير ولم يشعر نحوه برهبة أو حتى احترام (1).

حمية العرب في الجاهلية
المهلهل بن ربيعة الذي اشتهر عند الناس باسم الزير سالم، كان رجل شهوات في حياته، رجل كأس وطاس، وزير نساء، ولكن حينما قتل أخوه كليب أبى إلا أن يطلِّق هذه الأمور كلها، وأن يعيش لشيء واحد أن يثأر لأخيه المقتول وقال في ذلك قولته:
ولست بخالع درعي وسيفي ... إلى أن يخلع الليل النهار
ولم يخلع درعه ولا سيفه حتى أخذ بثأر أخيه وانتقم من بني بكر، وفي يوم من الأيام قتل أحد كبرائهم فقال بعضهم: يكفيك هذا بكليب، قال: هذا يبوء بشسع نعل كليب.
هذه حمية العرب في الجاهلية.
وهذا عمرو بن كلثوم كان عند ملك الحيرة عمرو بن منذر -أو عمرو بن هند- وكانت معه أمه فأرادت أم الملك أن تستخدمها في بعض الأشياء فأمرتها أن تأتي لها ببعض الأشياء فكبر ذلك عند المرأة أم الفارس عمرو بن كلثوم، وأخبرت بذلك ابنها فثار وقال قصيدته الشهيرة، قصيدة عمرو بن كلثوم التي قالوا فيها إنها كانت حوالي ألف بيت وما بقي منها هو ما حفظه الرواة، ومنها:
وأنا المانعون إذا غضبنا ... وأنا المانحون إذا رضينا
وأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا
إذا بلغ الفطام لنا رضيع ... تخر له الجبابر ساجدينا
وكانت أن قامت معركة بعد ذلك بينه وبين عمرو بن هند وقد قتل عمرو بن هند ملك الحيرة.
__________
(1) وعرفت الإخوان 67، 68.
هؤلاء هم العرب لا يقبلون الذل، ويقول عنترة في شعره:
لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل
ماء الحياة بذلة لجهنم ... وجهنم بالعز أطيب منزل
هكذا كان القوم، وفي أول الإسلام حين هزمت قريش في معركة بدر الكبرى، قتل منهم سبعون من الصناديد وأسر منهم سبعون، وكان أبو سفيان بن حرب لا يزال مشركا وكان يعتبر زعيم القوم في ذلك الوقت، خصوصا بعد أن مات من مات من الصناديد والكبار في بدر، فآلى على نفسه ألا يمس بدنه ماء من غسل الجنابة -يعني لا يعاشر امرأته- وحرمت قريش على نفسها أن يبكي أحد بكاء نوح، أي بكاء بأصوات، يكتمون ذلك في أنفسهم حتى لا ينفسوا عن أنفسهم ليظل هذا الغضب مكبوتا إلى أن يأخذوا بثأرهم، وفي يوم من الأيام سمع بعض الناس. أنه أبيح لهم أن يبكوا وأن يشعروا وأن يعبروا عن أنفسهم، فلما خرج سأل فقالوا له: هذا رجل ضل بعيره، فهو يبكي بعيره الذي ضاع (1).

الأخ حافظ
استدعى المسيو سولنت باشمهندس القنال ورئيس قسم السكسيون الأخ حافظ ليصلح له بعض أدوات النجارة في منزله وسأله عما يطلب من أجر فقال: 130 قرشا، فقال المسيو سولنت بالعربي: أنت حرامي، فتمالك الأخ نفسه، وقال له بكل هدوء: ولماذا؟ فقال: لأنك تأخذ أكثر من حقك، فقال له: لن آخذ منك شيئا ومع ذلك فإنك تستطيع أن تسأل أحد المهندسين من مرءوسيك فإن رأى أنني طلبت أكثر من القدر المناسب فإن عقوبتي أن أقوم بالعمل مجانا، وإن رأى أنني طلبت أقل مما يصلح أن أطلب فسأسامحك في الزيادة.
واستدعى الرجل فعلا مهندسا وسأله فقدر أن العمل يستوجب 200 قرش، فعرف المسيو سولنت وأمر الأخ حافظ أن يبتدئ العمل، فقال له: سأفعل ولكنك أهنتني فعليك أن تعتذر وأن تسحب كلمتك، فاستشاط الرجل غضبا وغلبه الطابع الفرنسي الحاد، وأخذته العزة بالإثم وقال: تريد أن أعتذر لك؟ ومن أنت؟ لو كان الملك فؤاد نفسه ما
__________
(1) الجهاد اليوم فرض عين- القرضاوي 18: 24.
اعتذرت له، فقال حافظ في هدوء أيضا: وهذه غلطة أخرى يا مسيو سولنت فأنت في بلد الملك فؤاد، وكان أدب الضيافة وعرفان الجميل يفرضان عليك ألا تقول مثل هذا الكلام وأنا لا أسمح لك أن تذكر اسمه إلا بكل أدب واحترام، فتركه وأخذ يتمشى في البهو الفسيح ويداه في جيب بنطلونه، ووضع حافظ عدته وجلس على كرسي واتكأ على منضدة وسادت فترة سكوت لا يتخللها إلا وقع أقدام المسيو السائر الحائر، وبعد قليل تقدم من حافظ وقال له: افرض أنني لم أعتذر لك فماذا تفعل؟ فقال: الأمر هين سأكتب تقريرا إلى قنصلكم هنا وإلى سفارتكم أولا ثم أترقب كل قادم من أعضاء هذا المجلس فأشكو إليه، فإذا لم أصل إلى حقي بعد ذلك استطعت أن أهينك في الشارع وعلى ملأ من الناس وأكون بذلك قد وصلت إلى ما أريد ولا تنتظر أن أشكوك إلى الحكومة المصرية التي قيدتموها بسلاسل الامتيازات الأجنبية الظالمة، ولكني لن أهدأ حتى أصل إلى حقي بأي طريقة، فقال الرجل: يظهر أنني أتكلم مع أفوكاتو لا نجار! ألا تعلم أنني كبير المهندسين في قناة السويس فكيف تتصور أني أعتذر لك؟ فقال حافظ: وألا تعلم أن قناة السويس في وطني لا في وطنك وأن مدة استيلائكم عليها مؤقتة وستنتهي ثم تعود إلينا فتكون أنت وأمثالك موظفين عندنا؟ فكيف تتصور أن أدع حقي لك؟ ... وانصرف الرجل إلى مشيته الأولى.
وبعد فترة عاد مرة ثانية وعلى وجهه أمارات الثائر وطرق المنضدة بيده في عنف مرات وهو يقول: أعتذر يا حافظ سحبت كلمتي، فقام الأخ حافظ بكل هدوء وقال: متشكر يا مسيو سولنت. وزاول عمله حتى أتمه.
وبعد الانتهاء أعطاه المسيو سولنت 150 قرشا فأخذ منها 130 قرشا ورد له العشرين.
فقال له: خذها بقشيشا، فقال: لا، لا حتى لا آخذ أكثر من حقي فكون حرامي، فدهش الرجل وقال: إني مستغرب لماذا لا يكون كل الصناع أولاد العرب مثلك؟ أنت "فاميلي محمد" فقال حافظ: يا مسيو سولنت كل المسلمين "فاميلي محمد" ولكن الكثير منهم عاشروا الخواجات وقلدوهم ففسدت أخلاقهم، فلم يرد الرجل بأكثر من أن مد يده مصافحا قائلا: متشكر، متشكر كتر خيرك وفيها الإذن بالانصراف (1).
__________
(1) مذكرات الدعوة والداعية 85: 87.
بشيء، ثم جاءت حافلة في يوم اللقاء لتقلنا إلى ديوان "شلتئيل" وأخذت وأنا في الحافلة أفكر في استعلاء هذا الرجل وهيبته في نفوس الشباب وكيفية انتزاع هذه الهيبة من نفوسهم، ولقد وطنت نفسي على فعل شيء ما ولكني لا أعلمه، ولكن كان لدي استعداد تام أن أتصدى له إذا تصرف بطريقة لا تليق، ووصلت الحافلة ودخلنا ديوانه فكان عن يميننا داخل القاعة منصة مرتفعة حوالي 30 سنتيمترا عن باقي الغرفة، وعليها عدد من الكراسي، وعن شمالنا كانت هناك عدة صفوف من الكراسي المعدة لنا، فجاء رؤساء الأقسام المختلفة وجميعهم من الحاصلين على رتب عسكرية في الجيش، ومن بينهم مسئول أحد الأقسام قد كان في الماضي نائب الحاكم العسكري لمدينة "خان يونس" وكان يعرفني مسبقا، وكان نائب "شلتئيل" أيضا يجلس على المنصة مع رؤساء الأقسام، وجلس المعتقلون المملثون لكل الفصائل على الكراسي المعدة لهم وجها لوجه مع رؤساء الأقسام تفصلنا عنهم مسافة لا تزيد على مترين، ولقد جلست في الصف الأول في الكرسي الأول الأقرب إلى باب الديوان، ثم بعد وقت قليل دخل "شلتئيل" وكان رجلا طويل القامة ضخم الجثة فالتفت بطريقة عسكرية وأشار بيده فوقف الشباب وبقيت جالسا، وكان هذا اللقاء هو اللقاء الأول بيني وبينه فلا يعرفني، فاقترب مني وقال: لماذا لا تقف؟
فقلت له: أنا لا أقف إلا لله وأنت لست إلها ولكنك مجرد إنسان وأنا لا أقف للبشر.
فقال: يجب عليك أن تقف، فأقسمت بالله يمينا مغلظا ألا أقف، فأصبح في حالة من الحرج الشديد ولم يدر ما يفعل، حاول التدخل أحد قادة فتح في المعتقل -وهو العقيد "سامي أبو سمهدانة"- ليخبره أنني إذا قررت لا أتراجع، فرفض الاستماع إليه وأصر على موقفه، ولكني أبيت بشدة، فقال نائبه: يا دكتور هنا يوجد بروتوكول يجب أن يحترم.
فقلت له: ديني أولى بالاحترام ولا يجيز لي الإسلام أن أقف تعظيما لمخلوق.
فقال: وما الحل؟
فقلت: إما أن أبقى جالسا أو أعود إلى خيمتي.

شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الذكاء

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الخميس 15 فبراير 2018 - 5:09

الذكاء
المسلم يتميز بسرعة البديهة، والعقل الراجح، والعلم الواسع، والقدرة على الاجتهاد، وحسن النظر، والحكمة والذكاء، والعلم والفطنة.
وهذه بعض مواقف الأذكياء ليتعلم منها المسلم الفطنة وحسن التصرف مع الأمور.

دار الأرقم
في بداية الدعوة إلى الإسلام، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو إلى الله سرًّا، حذرًا من قريش التي كانت متعصبة للشرك، وكانت تضطهد كل من يؤمن بالدعوة الجديدة.
لذلك اختار الرسول - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم بن أبي الأرقم ليجتمع بها مع أصحابه الكرام، فلم يكن أحد من قريش يعلم أن الأرقم كان قد أسلم، ولن يخطر على بال قريش أن يتم اللقاء في داره، وكان الأرقم من بني مخزوم الذين كانوا يحملون لواء التنافس على سيادة قريش ضد بني هاشم، وكان بعيدًا عن ذهن قريش أن يجتمع محمد وأصحابه في قلب ديار بني مخزوم. كما أن الأرقم كان في هذا الوقت صغير السن، لا يتجاوز عمره السادسة عشرة، وكان من المستبعد أن يجتمع المسلمون في منزل هذا الفتى الصغير.

المناظرة بين خليل الله والنمرود
كان النمرود بن كنعان حاكما لبلاد كنعان التي كان يعيش فيها نبي الله إبراهيم. فدعاه إبراهيم إلى الإيمان بالله بالحكمة والموعظة الحسنة، لكن النمرود لم يستمع إلى دعوة الخير، وادعى أنه إله ودار بين إبراهيم والنمرود حوار طويل، لجأ فيه إبراهيم إلى الدليل العقلي، فقال له: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} [البقرة: 258] فقال النمرود: أنا أحي وأميت، فأنا أستطيع أن آتي برجلين قد حُكم عليهما بالقتل، فأقتل أحدهما وأعفو عن الأخر فأحييه، هنا فكر إبراهيم في حجة قوية لا يستطيع النمرود إنكارها مهما عاند واستكبر، فقال: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} [البقرة: 258] فلم يستطع النمرود أن يرد على هذا الدليل القاطع الحاسم.
منهم أن يحتكموا إلى أول من يدخل عليهم، وشاءت إرادة الله أن يكون القادم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - فارتضوه حكمًا، وحكوا له القصة، فخلع النبي - صلى الله عليه وسلم - رداءه، ووضعه على الأرض، ثم أخذ الحجر الأسود ووضعه على الرداء، وطلب إلى زعماء القبائل أن يمسك كل واحد منهم بطرف من الرداء، ثم يحملوا الحجر إلى مكانه، ففعلوا. فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الحجر، ووضعه في مكانه، وبذلك ساهموا جميعًا في حمل الحجر الأسود، ونالوا ذلك الشرف.

حيلة يوسف
جاء إخوة يوسف إلى مصر لشراء القمح والطعام، فلما دخلوا على أخيهم -الذي كان وزيرًا للبلاد- عرفهم ولم يعرفوه، وأعطاهم ما أرادوا، ووعدهم أنه سيزيد لهم في العطاء في المرة الثانية، إن أحضروا معهم أخاهم من أبيهم، فإن لم يحضروه فلن يعطيهم شيئًا.
فلما جاءوا في المرة الثانية أحضروا معهم أخاهم، ففكر يوسف في حيلة ليحجز أخاه، ويستبقيه إلى جواره، فأمر رجاله أن يضعوا مكيال الملك الذهبي الذي يكيل به في أمتعة أخيه، ثم أعلن أن المكيال قد سرق. فنفى إخوة يوسف أن يكونوا قد سرقوا المكيال، فسألهم يوسف عن جزاء من يسرق في شريعتهم؛ حتى يطبق ذلك الحكم عليه إذا وجد المكيال مع أحدهم، فأخبروه أن السارق يؤخذ رهينة أو أسيرًا، مقابل ما يسرق، فأمر يوسف بالتفتيش، فوجدوا المكيال في متاع أخيه، ونجحت حيلة يوسف في أن يأخذ أخاه.

داود وسليمان
كان لرجل قطيع من الأغنام، وذات يوم دخلت هذه الأغنام حقل رجل آخر، فأكلت ما به من حرث وثمار وأفسدت الزرع، فذهب صاحب الحرث إلى نبي الله داود ليحكم في أمره، فحكم داود لصاحب الحقل أن يأخذ الأغنام نظير ما أُفسِد من حرثه، فلما علم ابنه سليمان بذلك قال: لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا، فدعاه داود وسأله: كيف تقضي بينهما؟ فحكم سليمان بأن يأخذ صاحب الحرث الأغنام فينتفع بما تلد وما تنتج من ألبانها، ويأخذ صاحب الأغنام الأرض فيزرعها ويصلحها حتى تعود كما كانت عليه أول مرة، فإذا ما أعطاها كما كانت ردت إليه أغنامه، وأخذ صاحب الحرث أرضه،
ورغم أن حكم داود كان صحيحًا ولكنه أعجب برأي ابنه سليمان.

قصة الرجل الحكيم
كان الفاروق عمر بن الخطاب جالسًا ذات يوم مع بعض أصحابه، وكان فيهم جرير بن عبد الله، فشم ريحًا كريهة، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح أن يقوم فيتوضأ، لكن جرير أراد ألا يتعرض من أخرج الريح للحرج، وفضل أن يقوم المسلمون جميعًا فيتوضأوا، فقال: يا أمير المؤمنين، أو يتوضأ القوم جميعا، فأعجب عمر بحكمة جرير وفطنته، وقال له: رحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية! ونعم السيد أنت في الإسلام!

الفطنة
لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرًا ومعه صاحبه أبو بكر سلكا طريقًا غير الذي اعتاد الناس السفر منه إلى المدينة، فاتجها نحو الساحل في الطريق المؤدي إلى اليمن، وأخذ أبو بكر يسير أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا خشي أن يهجم عليه عدو من خلفه سار وراءه، حتى وصلا إلى المدينة سالمين.
وكان أبو بكر تاجرا معروفًا، يطوف البلاد، ويتعامل مع الناس، فكان إذا لقيه الناس عرفوه، وسألوه عن الرجل الذي يسير معه، وكان أبو بكر لا يريد أن يخبر أحدًا بحقيقة صاحبه قبل وصوله إلى المدينة، وكان لا يحب أن يكذب، فكان يقول: هاد يهديني، يقصد الهداية في الدين، بينما يحسبه السائل دليلاً يدله على الطريق.
هل تتصرف في أمورك الصعبة بحكمة وفطنة؟

خالد بن الوليد في مؤتة
في غزوة مؤتة، استشهد القادة الثلاثة الذين عينهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاتفق المسلمون على أن يتولى خالد بن الوليد، فلما تولى خالد القيادة فكر في حيلة لينجو بالجيش؛ لأنه لا يمكنه التغلب على قوات الروم الكثيرة بهذا العدد القليل من المسلمين، فغير أماكن الجنود، وأمر بعض الكتائب أن تبتعد عن ساحة القتال، ثم يأتوا مندفعين أثناء المعركة وهم يكبرون، ويثيرون التراب بخيولهم، وفي الصبح فوجيء جنود الروم بوجوه جديدة من الجنود المسلمين لم يروها من قبل في الأيام الماضية، ثم جوأدى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بدني أن أفتن فيه أو يعبث بي.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ويل أمه محشى (مشعل) حرب لو كان معه رجال".
فلما بلغ المستضعفين بمكة قول الرسول- صلى الله عليه وسلم -:"محشى حرب لو كان معه رجال " إذا بهم يتبعونه بالعيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر بطريق قوافل قريش إلى الشام وكانوا سبعين رجلاً، فقطعوا الطريق على قريش وعمدوا إلى كل قرشي أو قافلة تمر فيقتلونهم، حتى كتبت قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسأله بأرحامها إلا آواهم فلا حاجة لهم بهم، فآواهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقدموا عليه المدينة.

الصنم والكلب
كان لعمرو بن الجموح صنم يعبده، فلما أسلم ابنه معاذ فكر في حيلة يهدي بها أباه، ويثبت له أن الأصنام لا تضر ولا تنفع. وذات ليلة، انتظر هو وصديقه معاذ بن جبل حتى نام أبوه، وأخذا الصنم ووضعاه في حفرة قذرة، وفي الصباح، لم يجد عمرو صنمه، فغضب وظل يبحث عنه، حتى وجده في الحفرة، فأحضره وغسل عنه النجاسة، وكرر معاذ في الليالي التالية ما فعله بالصنم، فضاق عمرو بما يحدث لصنمه، فأحضر سيفه وعلقه على الصنم، حتى يدافع به نفسه إن كان يستطيع ذلك، وجاء المعاذان ليلاً وأخذا الصنم، وربطاه في كلب ميت، وألقياهما في بئر مليئة بالقاذورات، وفي الصباح، لم يجد عمرو صنمه، فبحث عنه، فوجده في البئر مربوطًا في الكلب، فعلم أنه لا يضر ولا ينفع، وانشرح صدره للإسلام فأسلم.

الفتى الذكي
كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقرب الصحابة الذين حاربوا في غزوة بدر
من مجلسه، وكان يجلس معهم عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - فتضايق بعض القوم من ذلك
لصغر سن ابن عباس فأراد عمر أن يعرفهم علم ابن عباس ومنزلته، فدعاه ذات يوم إلى
مجلسه، وأدخله على كبار القوم، وقال لهم: ماذا تقولون في تفسير قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}؟
فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت الباقون.
فقال عمر: أكذلك تقول يا ابن عباس؟اءت الكتائب الأخرى فظنها
فقال: لا.
فقال عمر: وماذا تقول؟
قال ابن عباس: هو أجل رسول الله أعلمه الله له. فالله عز وجل يقول لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1]، وذلك علامة أجلك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3]، فعلم القوم قدر ابن عباس.

صديق الوالي
أودع رجل عقدًا ثمينًا أمانة عند عطار، فلما طلب منه أنكر العطار، فشكاه الرجل إلى الخليفة العباسي عضد الدولة، فقال له الخليفة: اذهب واقعد أمام دكان العطار، ولا تكلمه، وافعل ذلك ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع سأمر عليك أنا وبعض رجالي، وسأنزل عن فرسي، وأسلم عليك، فرد علي السلام وأنت جالس، وإذا سألتك سؤالاً أجب علي ولا تزد شيئا، وإذا انصرفت ذكر العقاد بالعقد.
وفي اليوم الرابع مر الخليفة على الرجل، ونزل عن فرسه، وسلم عليه، وقال له: لم أرك من مدة؟! فقال الرجل: سأمر عليك قريبًا.
فلما انصرف الخليفة، نادى العطار الرجل، وقال له: صف لي العقد الذي تتحدث عنه، فوصفه الرجل فقام العطار وفتش دكانه، وأحضر العقد، فأخذه الرجل، وذهب إلى الخليفة، فأحضر الخليفة العطار، وعاقبه على خيانته.

بيت أبي تمام
دخل الشاعر أبو تمام على الخليفة العتصم، وقال له قصيدة يمتدحه فيها، وشبهه في أحد أبياتها بعمرو بن معد يكرب في الشجاعة، وحاتم الطائي في الكرم، والأحنف بن قيس في الحلم، وإياس بن معاوية في الذكاء، وهؤلاء يضرب بهم المثل في هذه الصفات، فقال:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فأراد بعض الحاضرين أن يوقعوا بين المعتصم وأبي تمام، فقالوا: لقد شبهت أمير المؤمنين بصعاليك العرب. فقال أبو تمام:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس
فأسكتهم أبو تمام بذكائه، فقد وضح لهم أن تشبيهه للمعتصم لا ينقص من قدره، فالله عز وجل قد شبه نوره بنور مصباح في مشكاة.

الشاعر واللص
أراد أحد الشعراء أن يسافر لأداء أمانة إلى صديق له، وكان للشاعر ابنتان، فقال لهما: إذا قدر الله، وقُتلت في الطريق، فخذا بثأري ممن يأتيكم بالشطر الأول من هذا البيت.
ألا أيها البنتان إن أباكما ... قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما
وبينما الشاعر في الطريق قابله أحد اللصوص، وهدده بالقتل، وأخذ ما معه من أموال، فقال له الشاعر: إن هذا المال أمانة، فإذا كنت تريد مالاً فاذهب إلى ابنتيّ، وقل لهما: ألا أيها البنتان إن أباكما وسوف يعطيانك ما تريد، ولكن اللص قتله، وأخذ ما معه، ثم ذهب إلى بلدة الرجل، وقابل البنتين، وقال لهما: إن أباكما يقول لكما: ألا أيها البنتان إن أباكما فقالت البنتان: قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما.
وصاحتا، فتجمع الجيران وأمسكوا باللص القاتل، وذهبوا به إلى الحاكم، وهناك اعترف بجريمته، فقتله الحاكم جزاء فعله.

الخياط الأعور
كان أحد الشعراء يسير في شوارع الكوفة، يبحث عن خياط ليخيط له ثوبًا، وبينما هو في الطريق، قابله الأصمعي فأخذه إلى خياط أعور يسمى زيدًا، فقال الخياط للشاعر: والله لأخيطنه خياطة لا تدري أعباءة هو أم قميص.
فقال الشاعر: والله لو فعلت لأقولن فيك شعرًا لا تدري أمدح هو أم هجاء، فلما أتم الخياط الثوب أخذه الشاعر، ولم يعرف أيلبسه على أنه عباءة أم قميص فقال في الخياط شعرًا:
خاط لي زيد قباء ... ليت عينيه سواء
فاسأل الناس جميعًا ... أمديح أم هجاء
فلم يدر الخياط أيدعو عليه الشاعر بالعمى، أم يدعو أن يشفى الله عينه المريضة.

القارب العجيب
تحدى أحد الملحدين -الذين لا يؤمنون بالله- علماء المسلمين في أحد البلاد، فاختاروا أذكاهم ليرد عليه، وحددوا لذلك موعدًا.
وفي الموعد المحدد ترقب الجميع وصول العالم، لكنه تأخر. فقال الملحد للحاضرين: لقد هرب عالمكم وخاف؟ لأنه علم أني سأنتصر عليه، وأثبت لكم أن الكون ليس له إله!
وأثناء كلامه حضر العالم المسلم واعتذر عن تأخره، ثم قال: وأنا في الطريق إلى هنا، لم أجد قاربًا أعبر به النهر، وانتظرت على الشاطئ، وفجاة ظهر في النهر ألواح من خشب، وتجمعت مع بعضها بسرعة ونظام حتى أصبحت قاربًا، ثم اقترب القارب مني، فركبته وجئت إليكم.
فقال الملحد: إن هذا الرجل مجنون، فكيف يتجمع الخشب ويصبح قاربًا دون أن يصنعه أحد؟! وكيف يتحرك بدون وجود من يحركه؟! فتبسم العالم، وقال: فماذا تقول عن نفسك وأنت تقول: إن هذا الكون العظيم الكبير بلا إله؟! فبهت الملحد.

المال الضائع
يروى أن رجلاً جاء إلى الإمام أبي حنيفة ذات ليلة، وقال له: يا إمام، منذ مدة طويلة دفنت مالاً في مكان ما، ولكني نسيت هذا المكان، فهل تساعدني في كل هذه المشكلة؟
فقال له الإمام: ليس هذا من عمل الفقيه؛ حتى أجد لك حلاً، ثم فكر لحظة وقال له: اذهب، فصل حتى يطلع الصبح، فإنك ستذكر مكان المال إن شاء الله تعالى.
فذهب الرجل، وأخذ يصلي، وفجأة، وبعد وقت قصير، وأثناء الصلاة، تذكر المكان الذي دفن المال فيه، فأسرع وذهب إليه فأحضره.
وفي الصباح جاء الرجل إلى الإمام أبي حنيفة، وأخبره أنه عثر على المال، وشكره، ثم سأله: كيف عرفت أني سأتذكر مكان المال؟!
فقال الإمام: لأني علمت أن الشيطان لن يتركك تصلي، وسيشغلك بتذكر المال عن صلاتك.
العاطس الساهي
كان عبد الله بن المبارك عابدًا مجتهدًا، وعالمًا بالقرآن والسنة، يحضر مجلسه كثير من الناس؛ ليتعلموا من علمه الغزير، وفي يوم من الأيام، كان يسير مع رجل في الطريق، فعطس الرجل، ولكنه لم يحمد الله. فنظر إليه ابن المبارك؟ ليلفت نظره إلى أن حمد الله بعد العطس سنة على كل مسلم أن يحافظ عليها، ولكن الرجل لم ينتبه. فأراد ابن المبارك أن يجعله يعمل بهذه السنة دون أن يحرجه، فسأله: أي شيء يقول العاطس إذا عطس؟ فقال الرجل: الحمد لله، عنذئذ قال له ابن المبارك: يرحمك الله.

الرجل المجادل
في يوم من الأيام، ذهب أحد المجادلين إلى الإمام الشافعي، وقال له: كيف يكون إبليس مخلوقًا من النار، ويعذبه الله بالنار؟! ففكر الإمام الشافعي قليلا، ثم أحضر قطعة من الطين الجاف، وقذف بها الرجل، فظهرت على وجهه علامات الألم والغضب، فقال له: هل أوجعتك؟
قال: نعم، أوجعتني.
فقال الشافعي: كيف تكون مخلوقا من الطين ويوجعك الطين؟! فلم يرد الرجل وفهم ما قصده الإمام الشافعي، وأدرك أن الشيطان كذلك: خلقه الله تعالى من نار، وسوف يعذبه بالنار.

الشكاك
جاء أحد الموسوسين المتشككين إلى مجلس الفقيه ابن عقيل، فلما جلس، قال للفقيه: إني أنغمس في الماء مرات كثيرة، ومع ذلك أشك: هل تطهرت أم لا، فما رأيك في ذلك؟
فقال ابن عقيل: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، فتعجب الرجل وقال له: وكيف ذلك؟
فقال ابن عقيل: لأن النبي قال: "رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ" ومن ينغمس في الماء مرارا مثلك ويشك هل اغتسل أم لا، فهو بلا شك مجنون.
الخليفة والقاضي
طلب أحد الخلفاء من رجاله أن يحضروا له الفقيه إياس بن معاوية، فلما حضر الفقيه قال له الخليفة: إني أريد منك أن تتولى منصب القضاء. فرفض الفقيه هذا المنصب، وقال: إني لا أصلح للقضاء للخليفة، فقال له غاضبًا: أنت غير صادق. فرد الفقيه على الفور: إذن فقد حكمت علي بأني لا أصلح. فسأله الخليفة: كيف ذلك؟ فأجاب الفقيه: لأني إن كنت كاذبًا -كما تقول- فأنا لا أصلح للقضاء، وإن كنت صادقًا فقد أخبرتك أني لا أصلح للقضاء.

براءة
تزوجت امرأة، وبعد ستة أشهر ولدت طفلاً -والمعروف أن المرأة غالبًا ما تلد بعد تسعة أشهر أو سبعة أشهر من الحمل- فظن الناس أنها لم تكن مخلصة لزوجها، وأنها حملت من غيره قبل زواجها منه.
فأخذوها إلى الخليفة ليعاقبها، وكان الخليفة حينئذ هو عثمان بن عفان - رضي الله عنه - فلما ذهبوا إليه وجدوا الإمام عليًا موجودًا عنده، فقال لهم: ليس لكم أن تعاقبوها لهذا السبب، فتعجبوا وسألوه: وكيف ذلك؟ فقال لهم: لقد قال الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15] أي أن الحمل وفترة الرضاعة ثلاثون شهرًا، وقال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233] أي أن مدة الرضاعة سنتان. إذن فالرضاعة أربعة وعشرون شهرًا، والحمل يمكن أن يكون ستة أشهر.

القاضي والحلوى
حدث خلاف بين أحد الأمراء وزوجته حول نوعين من الحلوى؛ أيهما أطيب طعامًا؟ وذات يوم، زار أحد القضاة الأمير، فدعاه إلى تناول الطعام، وذكر له قصة خلافه مع زوجته حول نوعي الحلوى، وطلب منه أن يحكم بينهما، فقال القاضي مداعبًا: أنا لا أحكم على غائب! فأحضر الخدم نوعي الحلوى، ووضعوهما أمام القاضي، فأكل من الحلوى التي يحبها الأمير، وهو يقول: نوع جميل وطيب، ثم اقترب من الحلوى التي تحبها زوجة الأمير، وأخذ يأكل منها، وهو يقول: نوع جميل وطيب، وأخذ يأكل من هذا مرة ومن هذا مرة، حتى شبع. ثم قال: أيها الأمير، ما رأيت أعدل وأفصح منهما، كلما
أردت أن أحكم لأحدهما قدم الآخر حجته وأدلته، فضحك الحاضرون.

ما تقول في المسكر؟
جاء رجل إلى إياس بن معاوية وقال له: ما تقول في المسكر؟ قال: حرام، قال: وما وجه حرمته، وهو لا يزيد عن كونه ثمرًا وماء غليا على النار، وكل ذلك مباح لا شيء فيه؟ فقال: أفرغت من قولك؟ أبقى لديك ما تقوله؟ فقال الرجل: بل فرغت، فقال إياس: لو أخذت كفا من ماء وضربتك به أكان يوجعك. قال: لا، فقال: ولو أخذت كفًا من تراب فضربتك به أكان يوجعك؟ قال: لا، فقال: ولو أخذت كفا من تبن فضربتك به أكان يوجعك؟ قال: لا، فقال: فلو أخذت التراب ثم طرحت عليه التبن، وصببت فوقهما الماء ثم مزجتها مزجا، ثم جعلت الكتلة في الشمس، حتى يبست، ثم ضربتك بها أكانت توجعك؟ قال: نعم، وقد تقتلني، فقال: هكذا شأن الخمر، فهو حين جمعت أجزاؤه وخُمر، حرم (1).

الفراسة
عن عبد الله بن مسعود قال: أفرس الناس ثلاثة: صاحبة موسى التي قالت: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، وصاحب يوسف حيث قال: {أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} [يوسف: 21]، وأبو بكر حين استخلف عمر.

السارق الحقيقي
ذهب بعض الناس إلى قاض، وقالوا له: لقد سُرق أحد التجار، وأمسكنا هذين الرجلين، ونشك فيهما، ولا نعرف أيهما السارق، فأمر القاضي الجميع بالانتظار بحجة أنه يريد أن يشرب الماء، وطلب من خادمه أن يحضر زجاجة ماء، ولما أحضرها أخذها القاضي ورفعها إلى فمه، وبدأ يشرب، وفجأة ترك القاضي الزجاجة، فسقطت على الأرض وانكسرت، وأحدثت صوتًا مفزعًا، واندهش الحاضرون من تصرف القاضي المفاجئ، بينما أسرع القاضي نحو أحد الرجلين، وأمسكه، وقال له: أنت السارق، وأصر على ذلك، حتى اعترف الرجل ثم سأله: كيف عرفت أنني السارق؟ فقال القاضي: لأنك
__________
(1) صور من حياة التابعين 74.
لم تفزع عند سقوط الزجاجة على الأرض، واللصوص قلوبهم قاسية جامدة، أما زميلك فقد خاف وارتعد، عندئذ عرفت أنك السارق.

قمة في حسن التخلص
اقتحم الخوارج مسجد الكوفة، وهم يقتلون المسلمين ويبيحون دماءهم وأموالهم وأحاطوا بحلقة أبي حنيفة وقد جردوا سيوفهم.
واتجهوا إلى رأس الحلقة أبي حنيفة، وكان رابط الجأش كأن لم يحدث شيء، في الوقت الذي فزع الناس من حوله، فأشار أبو حنيفة إلى جلسائه بالثبات، فثبتوا، وقال رئيس الخوارج مخاطبًا أبا حنيفة: ما أنتم؟
فأجاب أبو حنيفة في سرعة: نحن مستجيرون.
فقال أمير الخوارج: دعوهم وأبلغوهم مأمنهم واقرأوا عليهم القرآن، وكان الخوارج عباد نصوص، يقرأونها ولا يفهمون روحها، فهم نظروا إلى ظاهر قوله تعالى: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] وقد فطن أبو حنيفة إلى ذلك فأجابهم بما يعلم أنه يقنعهم وينجي نفسه وأصحابه من شرهم.
عجباً لأولئك الخوارج الذين روعوا الآمنين، يقتلون المسلمين ويتركون المشركين المستجيرين، فلا بأس على أبي حنيفة حين يقول لهم: نحن مستجيرون (1).
هل تستطيع التخلص من المواقف الصعبة بحكمة؟

مروءة وذكاء
لما حج "المنصور" عرض عليه جوهر ثمين نفيس له قيمته فعرفه وقال: هذا كان لهشام بن عبد الملك بن مروان فانتقل إلى ابنه "محمد بن هشام" وما بقى من بني أمية غيره، ولا بد لي منه، ثم التفت إلى حاجبه "الربيع" وقال: إذا صليت بالناس غدًا في المسجد الحرام واجتمع الناس كلهم فأغلق الأبواب كلها ووكل بها جماعة من الثقات وافتح بابًا
__________
(1) أبو حنيفة 315.
واحدًا وقف عليه ولا تخرج أحدًا حتى تعرفه، فإذا ظفرت بمحمد بن هشام فأت به .. فلما كان الغد فعل "الربيع" ما أمره به "المنصور" وكان "محمد بن هشام" في المسجد فعرف أنه المطلوب وأيقن أنه مأخوذ مقتول فتحير وارتاب واضطرب، فبينما هو على تلك الحال إذ أقبل "محمد بن زيد بن علي بن الحسين" فرآه متحيرا -وكان لا يعرفه- فتقدم إليه وقال: يا هذا ما بالك؟
فقال: لا شيء.
فقال: خبرني ولك الأمان إن شاء الله على نفسك.
قال "محمد بن هشام": فمن أنت؟
قال: أنا "محمد بن زيد بن علي بن الحسين" فزاد خوفه وطار عقله وتحقق من الموت، فقال له: لا تجزع فلست قاتل أبي ولا جدي وليس لي عليك ثأر، وأنا أجتهد في خلاصك إن شاء الله، ولكن تعذرني فيما أنا صانع بك من مكروه وقبيح خطاب، فقال له: افعل ما شئت، فطرح رداءه على وجهه وغطى به رأسه وجذبه وسحبه إلى أن قرب من "الربيع" حاجب "المنصور" وهو على الباب، فلما وقعت عين "الربيع" عليهما لطمه "محمد بن زيد" لطمات على رأسه وجاء به إلى "الربيع" وقال: يا "أبا الفضل" إن هذا الخبيث جمال من أهل الكوفة أكراني جمالاً فلما دفعت له الكراء هرب مني وذهب، فأكرى جماله لبعض أهل "خراسان" ولي عليه شهور، وأريد منك من يوصله معي إلى القاضي ويُمسك جماله عن الذهاب مع الخراسانيين، فدفع إليه اثنين ليوصلاه إلى القاضي، و"محمد" قابض على الرداء وقد استتر وجهه به، فخرجوا جميعا من المسجد، فلما بعدوا عن "الربيع" قال له "محمد": اذهب إلى حال سبيلك فقبل "محمد بن هشام" يده ورأسه وقال: {أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124] ثم خرج له جواهر قيمتها عظيمة، وقال: بالله يا بن بنت رسول الله شرفني بقبول هذا.
فقال له: اذهب بمتاعك فنحن أهل البيت لا نقبل على اصطناع المعروف مكافأة، واحترس على نفسك من هذا الرجل إلى أن تخرج فإنه مجد في طلبك.

اتصال
اتصل بالأستاذ الهضيبي كبيران من أعوان الملك يسألانه موعدًا لزيارته، فما إن حدد
لهما موعدا -وكان بعد ثلاثة أيام- حتى أخبراه بأنهما سيحضران معهما صورة الملك لتعليقها في دار الإخوان.
وقبل الموعد ببعض ساعة هتف إلى من بداره يكلفه بصرف الرجلين إذا سألا عنه، ولما ذكر له بأن رد مثلهما بهذه البساطة سيورطه في أزمة صارخة، أعلم بألا مفر من ردهما بأية وسيلة لأنهما سيطلبان تعليق صورة الملك بالمركز العام، وهذا لا يفعله ولو قطعت يمينه، وألهم الله أخاه أن قال له: سأرسل إليك بالمنزل ولا داعي لهذا الجفاء، وما عليك إلا أن تعتذر لهما بأن الإخوان قوم متزمتون يحرمون التصوير، وسأبادر الآن إلى رفع صور الإمام الشهيد من غرف المركز العام، حتى يستقيم الاعتذار، وما إن سمعها حتى قال: يرحم الله أباك! وأنا لهما في الانتظار.

مباحث
يقول حسن البنا: أذكر أننا في إحدى الرحلات وقفنا بالقرب من ديرب نجم على مفترق طرق زراعية متشابهة لم ندر أيها نسلك، وتلفتنا لنجد أحدًا نسأله فلم نجد في الحقول ولا على رءوس هذه الطرق أحدًا، وأخيرًا تذكر أحدنا وهو الأخ الأمباشي محمد شلش -وكان بقسم روض الفرض إذ ذاك وقد رغب أن يصاحبنا في هذه الرحلة- أن معه صفارة البوليس فأخرجها ونفخ فيها فتسارع الخفراء من كل مكان، وجاء أقربهم فأخذ التعظيم العسكري ببندقيته وسأل مين يا فندم؟ فقال له الأخ شلش: مباحث، وأسر في أذنه كلامًا ثم قال له: أين الطريق؟ فدلنا الخفير عليه بكل أدب، وأخذنا وجهتنا إلى حيث نريد.
وقلت للأخ شلش: لماذا تكذب؟ فابتسم، وقال: ما كذبت فإنما نحن مباحث عن الحق وعن الخير وعن الدين ولو قلت غير ذلك لما رضى إلا بأن نصحبه إلى العمدة، ومن يدري كيف يتصرف معنا العمدة؛ فقد نحجز عنده إلى الصباح ونحن لا وقت عندنا لهذا كله.
وكانت نكتة طريفة وتخلصا أشد طرافة (1).
__________
(1) مذكرات الدعوة والداعية: 97.
فطنة في الإجابة
طالب بكلية الطب أثناء حديث الثلاثاء في المركز العام للإخوان المسلمين بالحلمية سأل المرشد سؤالاً: يا فضيلة المرشد هل الحب حلال أم حرام؟
فأجابه -رحمه الله- قائلاً: الحب الحلال حلال والحب الحرام حرام، ودُهش الطالب لهذا الرد البليغ وانضم إلى الإخوان المسلمين على الفور (1).
...
__________
(1) وعرفت الإخوان: 65.

شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

سلامة الصدر

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الخميس 15 فبراير 2018 - 14:26

سلامة الصدر
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:
ليس أروح للمرء، ولا أطرد لهمومه، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب، مبرأ من وساوس الضغينة، وثوران الأحقاد، إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد رضي بها، وأحس فضل الله فيها، وفقر عباده إليها، وذكر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:"اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر" [رواه أبو داود].
وإذا رأى أذى يلحق أحدًا من خلق الله رثى له ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه، وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة راضيًا عن الله وعن الحياة، مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى.
ونظرة الإسلام إلى القلب خطيرة -فالقلب الأسود يفسد الأعمال الصالحة ويطمس بهجتها ويعكر صفوها.
أما القلب المشرق فإن الله يبارك في قليله وهو إليه بكل خير أسرع.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟
قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان" قيل: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" [رواه ابن ماجه].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى! قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين" [رواه الترمذي].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم" [رواه الترمذي].
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:
ليس أروح للمرء، ولا أطرد لهمومه، ولا أقر لعينه من أن يعيش سليم القلب، مبرأ من وساوس الضغينة، وثوران الأحقاد، إذا رأى نعمة تنساق إلى أحد رضي بها، وأحس فضل الله فيها، وفقر عباده إليها، وذكر قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -:"اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر" [رواه أبو داود].
وإذا رأى أذى يلحق أحدًا من خلق الله رثى له ورجا الله أن يفرج كربه ويغفر ذنبه، وبذلك يحيا المسلم ناصع الصفحة راضيًا عن الله وعن الحياة، مستريح النفس من نزعات الحقد الأعمى.
ونظرة الإسلام إلى القلب خطيرة -فالقلب الأسود يفسد الأعمال الصالحة ويطمس بهجتها ويعكر صفوها.
أما القلب المشرق فإن الله يبارك في قليله وهو إليه بكل خير أسرع.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟
قال: "كل مخموم القلب صدوق اللسان" قيل: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: "هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" [رواه ابن ماجه].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى! قال: صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين" [رواه الترمذي].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم" [رواه الترمذي].
تحذيرات
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" [رواه مسلم].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من اعتذر إلى أخيه بمعذرة فلم يقبل منه كان عليه مثل خطيئة صاحب مكس" [رواه ابن ماجه] (المكس: الضريبة والجباية والإتاوة التي تؤخذ بغير حق).
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى أن يبلغ عن أصحابه ما يسوؤه، قال: "لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" [رواه أبو داود].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرًا: رجل أمَّ قومًا وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان" [رواه ابن ماجه].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تعرض الأعمال في كل اثنين وخميس: فيغفر الله عبد وجل لكل عبد لا يشرك به شيئًا إلا المتشاحنين، يقول الله للملائكة: ذروهما حتى يصطلحا" [رواه أحمد].

ابن الحنفية وأخيه الحسن
هذا محمد ابن الحنفية (محمد بن علي بن أبي طالب ولكن شاع نسبه إلى أمه) تحدث بينه وبين أخيه الحسن بن علي جفوة، فأرسل إليه يقول: إن الله فضلك عليَّ، فأمك فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمي امرأة من بني حنيفة، وجدك لأمك رسول الله وصفوة خلقه، وجدي لأمي جعفر بن قيس، فإذا جاءك كتابي هذا فتعال إليَّ وصالحني حتى يكون لك الفضل عليَّ في كل شيء، فما بلغت رسالته الحسن حتى بادر إلى بيته وصالحه (رضوان الله عليهما) (1).

التغافر خير من العتاب
من جميل ما روى أن ابن السماك الواعظ المعروف وقع بينه وبين أحد إخوانه شيء فقال له أخوه: الميعاد بيني وبينك غدًا نتعاتب.
فقال له ابن السماك: بل بيني وبينك غدًا نتغافر.
__________
(1) الطراز الرباني: 77.
وكتب أحد الشعراء لإخوانه في مثل هذا:
من اليوم تعارفنا ... ونطوي ما جرى منا
فلا كان ولا صار ... ولا قلتم ولا قلنا
وإن كان لابد ... من العتب فبالحسنى (1)

الحسد
الحسد لا يكون إلا بسبب نعمة أنعم الله بها على الإنسان، فمن كره تلك النعمة أحب أن تزول عن أخيه المسلم فهو حاسد.
تعريف الحسد: أن تكره النعمة التي أنعم الله بها على غيرك، وتحب زوالها، ولو تمكنت من إزالتها لأزلتها، فإذا لم تكرهها ولم تحب إزالتها، ولكنك تشتهي مثلها فإن هذا يسمى غبطة: "لا حسد إلا في اثنتين" والغبطة والمنافسة محمودتان، والحسد مذموم. إلا إذا كانت النعمة في يد فاجر أو فاسق فإن حب زوال النعمة الآن ليس من أجل النعمة وإنما من أجل الفساد المترتب عليها.
قال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله، قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله، يقول تعالى في بعض كتبه: "الحسود عدو نعمتي، يتسخط لقضائي، غير راض بقسمتي".
أعطيت كل الناس من نفسي الرضا ... إلا الحسود فإنه أعياني
ما إن لي ذنبًا إليه علمته ... إلا تظاهر نعمة الرحمن
وأبى فما يرضيه إلا ذلي ... وذهاب أموالي وقطع لساني
قال الأحنف بن قيس: لا راحة لحسود، ولا وفاء لبخيل، ولا صديق لملول، ولا مروءة لكذوب، ولا سؤدد لمن ليس له خلق.

عاقبة حاسد
ورد أن رجلاً ترك ولدين بعد مماته، وخلف لهما مالاً لا بأس به، فاقتسماه وتصرف كل منهما في حقه، فاستغله الابن الأصغر في التجارة، وأخلص لله في عمله، وكان كثير
__________
(1) الطراز الرباني: 78.
التصدق، لا يبخل على عباد الله بنعمة، فنمت تجارته، وزاد ماله، وأصبح ذا ثروة طائلة، ولم يكن له أعداء.
أما الابن الآخر، فقد سلك طريق الغواية حتى أهلك ثروته في الخمر والميسر والزنا، فنفدت أمواله، حتى صار فقيرًا، لا يجد ما يقتات به، ومع ذلك كان أخوه كثير العطف عليه، يؤويه ويقدم له ما يحتاج إليه.
لكن كان هذا الشرير يحسد أخاه على ما آتاه الله من فضله، وفكر في طريقة يضيع بها ثروة أخيه حتى يسير مماثلاً له في الفقر، وبذلك يطمئن قلبه، فلا يعايره الناس بفقره، فصار يجتهد في الوصول إلى حيلة ينفذ بها غرضه الدنيء حتى اهتدى إلى رجل حسود، اشتهر بحسده، وقليل من الناس من ينجو من الحسد.
ولكن هذا الحاسد ضعيف البصر، لا يكاد يرى إلا عن قرب، فذهب الأخ الأكبر إلى هذا الرجل المشهور بحسده وطلب منه حسد أموال أخيه، مقابل أجر يدفعه عند هلاك ثروته، وأخذه إلى طريق كانت تمر به تجارة أخيه، فنبه الأخ الأكبر الرجل الحسود إليها (التجارة) قائلاً: استعد فقد قربت تجارة أخي وصارت على بعد ميل واحد منا.
فقال الرجل الحسود: يا لقوة بصرك! أتراها على هذا البعد يا ليت لي بصر قوي مثل بصرك!
فشعر الرجل بألم في رأسه وأظلمت عيناه، وعمي في الحال، ومرت تجارة أخيه سالمة لم يمسها سوء.

لا تحسد أخاك
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" أو قال: "العشب" [رواه أبو داود].
اصبر على كيد الحسود ... فإن صبرك قاتله
النار تأكل بعضها ... إن لم تجد ما تأكله
وقال الحسن: يا ابن آدم: لا تحسد أخاك؟ فإن كان الذي أعطاه الله لكرامته عليه فلِمَ تحسد من أكرمه الله؟ وإن كان غير ذلك، فلِمَ تحسد من مصيره إلى النار؟
والحاسد يعتبر ساخطًا على قضاء الله تعالى في تفضيل بعض عباده على بعض.
يا حاسدًا لي على نعمتي ... أتدري على من أسأتَ الأدب
أسأتَ على الله في حكمه ... لأنك لم ترض لي بما وهب
فأخزاك ربك بأن زادني ... وسد عليك وجوه الطلب

رجل من أهل الجنة
عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنا جلوسًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه، قد علق نعليه في يده الشمال، فلما كان الغد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل مقالته أيضاً فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى. فلما قام النبي - صلى الله عليه وسلم - تبعه عبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا، فإن رأيت أن تؤوني إليك حتى تمضي فعلت، قال: نعم، قال أنس: وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعار (استيقظ من نومه) وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا. فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: يا عبد الله، إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثمَّ، ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لك ثلاث مرار:"يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فطلعت أنت الثلاث مرار، فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك، فأقتدي به، فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله؟
فقال: ما هو إلا ما رأيت، قال: فلما وليت دعاني، فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق [رواه أحمد].

المصابون بالحسد
من أوصاف اليهود الحسد لقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة: 109]، وقال تعالى:
{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54].
وإبليس هو أول من حسد، وأول من عصى بهذا الذنب: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12].
وقابيل حسد أخاه هابيل، لما خصه الله من النعم.
وهؤلاء إخوة يوسف حسدوا أخاهم يوسف لعدم قدرتهم على أن يكون لهم ما عند أخيهم.

فرق بين الحسد والغبطة والمنافسة
قد جاء في المنافسة: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا حسد (غبطة أو منافسة) إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها" [رواه البخاري].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"مثل هذه الأربعة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالاً وعلمًا فهو يعمل بعلمه في ماله ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالاً فهو يقول لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل"، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علمًا فهو يخبط (يصرفه في شهوات نفسه) في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علمًا ولا مالاً، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل"، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فهما في الوزر سواء" [رواه ابن ماجه].
فالمنافسة في الخير محمودة، وهي طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم.
الغبطة: يتمنى المؤمن أن يكون لديه ما لدى أخيه المسلم من خير وفضل، دون تمني زوال هذا الخير أو هذا الفضل من عند أخيه صاحب هذه النعمة.

نهاية مؤلمة
يروى أن رجلاً كان يجالس أحد الحكام ويصاحبه وينصحه، فحسده رجل شرير على ذلك المقام عند الحاكم، فذهب إلى الحاكم وقال له: إن هذا الذي يجالسك، ويقول ما يقول من كلام جميل، يزعم أنك أبخر (أي لفمك رائحة كريهة) فقال له الحاكم وهو
ساخط: وكيف أتأكد من ذلك؟
قال له الرجل الحاسد: تدعوه إليك، فإنه إن دنا منك وضع يده على أنفه لئلا يشم رائحة البخر منك، فقال له الحاكم: انصرف حتى أنظر، فخرج الحاسد من عند الحاكم، وذهب إلى الرجل جليس الحاكم الذي وشى به عنده ودعاه إلى منزله، فأطعمه طعامًا فيه ثوم كثير، ثم خرج ذلك الرجل وذهب كعادته إلى الحاكم وجلس بجواره لينصحه، فقال: أيها الحاكم أحسن إلى المحسن بإحسانه، أما المسيء فستكفيه إساءته، فقال له الحاكم: ادن مني. فدنا منه، فوضع الرجل يده على فمه مخافة أن يشم الحاكم منه رائحة الثوم، فقال الحاكم في نفسه: ما أرى فلانا إلا قد صدق. وكان الحاكم لا يكتب بخطه إلا صلة أو جائزة، فكتب للرجل كتابًا بخطه إلى عامل من عماله يقول فيه: إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه.
فأخذ الرجل جليس الحاكم الكتاب، وخرج به، فلقيه الرجل الواشي الذي حسده.
فقال له: ما هذا الكتاب؟
فقال: خط الحاكم لي كتابًا فيه جائزة.
فقال له: هبه لي.
قال: هو لك. فأخذه ومضى به إلى العامل، فقال له العامل: في كتابك أن أذبحك،
فقال له الرجل الحاسد بفزع: إن الكتاب ليس لي، فالله الله في أمري حتى تراجع الحاكم وتخبره بأمري.
فقال العامل: ليس لكتاب الحاكم مراجعة، فذبحه. ثم عاد الجليس الطيب إلى الحاكم كعادته، فتعجب الحاكم، وقال له: ما فعلت بالكتاب؟
فقال الرجل الطيب: لقيني فلان فاستوهبه مني فوهبته له.
قال الحاكم له: إنه ذكر لي أنك تزعم أني أبخر.
قال الرجل الطيب: ما قلت ذلك.
قال الحاكم: فلم وضعت يدك على فمك؟
قال: لأنه أطعمني طعامًا فيه ثوم فكرهت أن تشمه، عندئذ قال الحاكم لهذا الرجل
الطيب الحكيم: صدقت. ارجع إلى مكانك، فقد كفى المسيء إساءته.

علاج مرض الحسد
يكون العلاج بالرضا بالقضاء والقدر وأخذ النفس باللوم والمجاهدة.
روى هشام بن عروة بن أبيه أنه كان إذا رأى شيئًا يعجبه أو دخل حائطًا (بستانًا) من حيطانه، قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

موقف عظيم
قال الملك العادل يومًا للعز بن عبد السلام: اجعلني في حل.
فأجابه العز قائلاً: أما محاللتك فإني كل ليلة أحالل الخلق وأبيت وليس لي عند أحد مظلمة، وأرى أن يكون أجري على الله ولا يكون على الناس (1).

مثل شائع خاطيء
امسك الخشب، خمسة في عينك، خسمة وخميسة.
مثل هذه الأقوال، لن تدفع حسدًا ولن تغير من قدر الله شيئًا، بل هو من الشرك، ولا بأس من التحرز من العين والخوف مما قد تسببه من الأذى، فإن العين حق، ولها تأثير، ولكن لا تأثير لها إلا بإذن الله، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "العين حق، ولو كان شىء سابق القدر سبقته العين" [رواه مسلم].
والتحرز من العين لا يكون إلا بالرقية الشرعية، عن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك - رضي الله عنه - فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية رسول الله؟ قال: بلى، قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم رب الناس مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقمًا" [رواه البخاري].
ولا يجوز الاعتقاد بأن الخشب بذاته أو الخمسة والخميسة تدفع الضر من دون الله، فالله هو النافع والضار.

الاعتذار عند الخطأ
يقول أحد الإخوان: غاضبت الإمام الشهيد البنا مرة وانصرفت، وشعرت بخطئي
__________
(1) الوقت عمار أو دمار (2/ 66).
فعدت في اليوم التالي معتذرًا، فلم يقبل، وأمرني بالرجوع من حيث أتيت!! فعدت كاسف البال، ولكن لست ناقمًا، وما راعني إلا أني بعد عودتي إلى منزلي، أجد باب المنزل يدق، وإذا به الإمام الشهيد ومعه أحد الإخوان ويقول: جئنا نتغدى عندك! (1).

كيف تصلحان غيركما؟
يقول الأستاذ عمر التلمساني: كان الأستاذ الهضيبي -رحمه الله- صارمًا يحملك على ترك الجدال في حضرته، فإذا تخاصم لديه أخوان، بادرهما بعبارته المعروفة عنه: إذا كنتما عاجزين عن إصلاح ذات بينكما فكيف تصلحان ذات بين الآخرين (2).
إذا كنت تغضب من أخيك فكيف ستصلح بين الناس؟!

الصلح بين عائلتين
انتُدب الأستاذ التلمساني لإجراء صلح بين عائلتين كبيرتين، ببلدة دمهوج بمركز قويسنا - منوفية. وكانت إحدى العائلتين من الإخوان، والأخرى غير إخوانية، وبعد استعراض مسببات الخصام وأحداثه، تبين بشكل قاطع أن الحق إلى جانب العائلة الإخوانية، وحسب توجيهات فضيلة المرشد ضرب مثلاً عمليًا لأخلاق الإسلام التي يعيشها الإخوان، فطلب من العائلة الإخوانية التنازل عن كل حقوقها، وأن يذهب رؤوس العائلة الإخوانية لزيارة العائلة الأخرى في منازلهم، ليتعلم الناس كيف يعالج الإسلام الخصومات بين الناس، {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] (3).

ما أراد إلا الحسد
قال الشعبي: أنفذني عبد الملك إلى ملك الروم، فلما وصلت إليه جعل لا يسألني عن شيء إلا أجبته، وكانت الرسل لا تطيل الإقامة عنده، فحبسني أيامًا كثيرة حتى استحببت خروجي، فلما أردت الانصراف قال لي: من أهل بيت المملكة أنت؟
قلت: لا، ولكني رجل من العرب، فهمس بشيء، فدُفعت إليّ رقعة، وقيل لي: إذا أديت الرسائل عند وصولك إلى صاحبك أوصل إليه هذه الرقعة.
__________
(1) مائة موقف من حياة المرشدين: 69.
(2) المصدر نفسه 112.
(3) المصدر نفسه: 134.
أمثلة رائعة
صعد معاوية المنبر وشرع في خطبته، وكان قد حبس عن الناس عطاياهم شهرين، فناداه أبو مسلم وقال: يا معاوية، إن هذا المال ليس بمالك ولا مال أبيك وأمك، فبأي حق تحبسه عن الناس؟! فبدا الغضب على وجه معاوية وجعل الناس يترقبون ما عسى أن يكون منه، فما كان منه إلا أن أشار إلى الناس: أن امكثوا في أماكنكم ولا تبرحوها، ثم نزل عن المنبر وتوضأ، وأراق على نفسه شيئًا من الماء ثم صعد المنبر، فحمد الله عز وجل وأثنى عليه بما هو أهله، وقال: إن أبا مسلم قد ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا مال أبي وأمي، وقد صدق أبو مسلم فيما قال، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" [رواه أبو داود] أيها الناس: اغدوا علي أعطياتكم على بركة الله عز وجل.
جزى الله أبا مسلم الخولاني خير الجزاء، فقد كان مثلاً فذًا في الصدع بكلمة الحق، ورضي الله عن معاوية بن أبي سفيان أجزل الرضا، فقد كان نموذجًا رائعًا في الانصياع لكلمة الحق.

سلامة الصدر عند قبول النصيحة
قال قتادة: خرج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من المسجد ومعه الجارود، فإذا امرأة بارزة على الطريق، فسلم عليها، فردت عليه -أو سلمت عليه- فرد عليها.
فقالت: هيه يا عمر، عهدتك وأنت تسمى عميرًا في سوق عكاظ تصارع الصبيان فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر، ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين، فاتق الله في الرعية، واعلم أنه من خاف الموت خشي الفوت.
فبكى عمر، فقال الجارود: هيه، لقد تجرأت على أمير المؤمنين وأبكيتيه.
فقال عمر: دعها، أما تعرف هذه؟ هذه خولت بنت حكيم التي سمع الله قولها من فوق سماواته، فعمر والله أحرى أن يسمع كلامها (1).
هل تقبل النصيحة من إخوانك بصدر رحب، وإن كانت ممن هو أقل منك وأصغر؟
__________
(1) الناطقون بالحق: 331.
حتى مع الخصوم
كان صلاح الدين الأيوبي يقف بجوار خصمه أمام القضاء دون أن يرى في ذلك حرجًا أو غضاضة؛ لأن الحق في نظره أحق أن يتبع، وقد حدث أن ادعى تاجر يدعى (عمر الخلاطي) على صلاح الدين أنه أخذ منه أحد مماليكه ويدعى (سنقر)، واستولى على ما كان لهذا المملوك من ثروة طائلة بدون وجه حق، وعندما تقدم التاجر المدعي بظلامته إلى القاضي ابن شداد، أظهر صلاح الدين حلمًا كبيرًا ورضى أن يقف موقف الخصم من صاحب الدعوى، وأحضر كل من الطرفين من لديه من شهود، وما لديه من أدلة يثبت بها رأيه، حتى اتضح في النهاية -عند القاضي- كذب الرجل وادعاؤه الباطل على صلاح الدين، ومع كل هذا رفض صلاح الدين أن يترك المدعي يخرج من عنده خائنًا فأمر له بخلعة ومبلغ من المال، ليدلل على كرمه في موضع المؤاخذة مع القدرة (1).
احرص على قلوب إخوانك قبل حصولك على حقك.

من شيم الكرام
أوقع أعداء الإسلام بين ابن تيمية وسلطان مصر والشام، فنُقل إلى مصر وتمت محاكمته بحضور القضاة وكبار رجال الدولة، فحكموا عليه بالحبس سنة ونصفًا في القلعة، ثم أخرجوه من السجن، وعقدوا جلسة مناظرة بينه وبين منافسيه وخصومه، فكسب ابن تيمية المناظرة، ورغم ذلك لم يتركه الخصوم، فنفي إلى الشام، ثم عاد مرة أخرى إلى مصر وحُبس، ثم نقل إلى الإسكندرية حيث حبس هناك ثمانية أشهر، واستمرت محنة "ابن تيمية" واضطهاده إلى أن عاد إلى القاهرة حيث قرر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون براءته من التهم الموجهة إليه، وأعطاه الحق في عقاب خصومه الذين كانوا السبب في عذابه واضطهاده، لكن الإمام ابن تيمية فضل أن يعفو عنهم!! وهكذا تكون شيم الكرام (2).
__________
(1) صلاح الدين الأيوبي عبد الله ناصح علوان: 112.
(2) أعلام المسلمين: 125.
خلق رفيع
يقول الحاج أحمد أبو شادي: حدث أن كنت عائدًا من دورة المياه بعد أن قضيت حاجتي، فلمحت الأستاذ عمر متجهًا إلى الدورة وهو يسرع الخطى، فألقيت عليه التحية فلم أتلق منه ردًا، وفسرت الأمر بأنه لم يسمعني بالتأكيد، ولما عدت إلى العنبر بعد أكثر من ساعة أخبرني رفاقي أن الأستاذ عمر جاء يسأل عني أكثر من مرة، وأنه كان يبدو قلقًا، وأكد عليهم إبلاغي في أول فرصة، وما أن علمت برغبته حتى سارعت إلى لقائه، وأشد ما كانت دهشتي حين رآني وكان جالسًا فنهض واقفًا يضمني إلى صدره ويعتذر في حياء جم دونه حياء العذارى، مؤكدًا لي أنه لم يتمكن من رد التحية بسبب هجمة البول التي كانت كثيرًا ما تهاجمه، ورحت بدوري أهون عليه الأمر ذاكرًا أنني والله ما ظننت به إلا خيرًا، ولا أتصور أن مثله تفوته هذه البديهة، أو أنه قطعًا لم يسمعني، ولكن الرجل ظل ولفترة طويلة كلما لقيني يبادرني معتذرًا (1).
...
__________
(1) رحلتي مع الجماعة الصامدة: 267.

شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

حفظ اللسان

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الخميس 15 فبراير 2018 - 15:05

حفظ اللسان
عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" [رواه الترمذي].
عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من يتكفل بي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له الجنة" [رواه الترمذي].
وعن عبد الله الثقفي - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، فقال: "قل ربي الله ثم استقم" قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف على فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هذا" [رواه الترمذي].
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مرفوعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال: "إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا" [رواه الترمذي].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" [رواه البخاري].
ومن الآثار:
كان أبو بكر الصديق يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام.
ويقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان، وقال طاووس: لساني سبع إن أرسلته أكلني.
وقال سفيان الثوري: لأن ترمي إنسانًا بسهم أهون من أن ترميه بلسانك، فإن السهم قد يخطئه، واللسان لا يخطئه.
وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعل لك أذنان وفم واحد، لتسمع أكثر مما تتكلم.
عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله: ما النجاة؟ قال: "أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك" [رواه الترمذي].
عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من يتكفل بي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له الجنة" [رواه الترمذي].
وعن عبد الله الثقفي - رضي الله عنه - قلت: يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، فقال: "قل ربي الله ثم استقم" قلت: يا رسول الله، ما أخوف ما تخاف على فأخذ بلسان نفسه ثم قال: "هذا" [رواه الترمذي].
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مرفوعًا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -قال: "إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا وإن اعوججت اعوججنا" [رواه الترمذي].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت" [رواه البخاري].
ومن الآثار:
كان أبو بكر الصديق يضع حصاة في فيه يمنع بها نفسه عن الكلام.
ويقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: والله الذي لا إله إلا هو ما شيء أحوج إلى طول سجن من لسان، وقال طاووس: لساني سبع إن أرسلته أكلني.
وقال سفيان الثوري: لأن ترمي إنسانًا بسهم أهون من أن ترميه بلسانك، فإن السهم قد يخطئه، واللسان لا يخطئه.
وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: أنصف أذنيك من فيك، فإنما جعل لك أذنان وفم واحد، لتسمع أكثر مما تتكلم.
ويقول الحسن البصري: إن لسان المؤمن من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه ثم أمضاه، وإن لسان المنافق أمام قلبه، فإذا هم بشيء أمضاه بلسانه، ولم يتدبره بقلبه.
وقيل لبكر بن عبد الله المزني: إنك لتطيل الصمت؟
فقال: إن لساني سبع، إن تركته أكلني.
قد أفلح الساكت الصموت ... كلامه قد يعد قوت
ما كل نطق له جواب ... جواب ما يكره السكوت

آفات اللسان
1 - الكلام فيما لا يعنيك:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيها [رواه الترمذي].
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، قل خيرًا تغنم أو اسكت عن سوء تسلم، إن من شأن الساعي إلى الكمال على الطريق أن يقبل على كل أمر ينفعه، فالسبل المفضية إلى ما رامه وأمله، يجتنب كل أمر يعوقه ويقطع سيره، ويتأبى بنفسه عن كل ما من شأنه أن ينزل قدره، ويقضي على وقته وحياته ورأس ماله، فتراه مترفعًا عن اللهو واللغو، قد شغل نفسه بما يفيدها في حياته؛ إن رأى أمرًا من اللغو أعرض عنه وأكرم نفسه عنه، إذ زمنه عنده ثمين، فلا متسع عنده للهو أو للغو مهين.
ورحم الله بشار يوم قال متحدثًا بنعمة الله عليه: منذ ثلاثين سنة ما تكلمت بكلمة أحتاج أن أعتذر عنها.
مجالسهم مثل الرياض أنيقة ... لقد طاب منها اللون والريح والطعم
وقال مالك بن ضيغم: جاء رياح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر، فقلنا: هو نائم، فقال: أنوم في هذه الساعة؟ أهذا وقت نوم، ثم ولى منصرفًا، فاتبعناه رسولاً، فقلنا: قل له: ألا نوقظه لك؟ قال: فأبطأ علينا الرسول، ثم جاء وقد غربت الشمس، فقلنا: أبطأت جدًا، فهل قلت له؟ قال: هو كان أشغل من أن يفهم عني شيئًا، أدركته وهو يدخل
المقابر، وهو يعاتب نفسه، ويقول: قلت: نوم هذه الساعة؟ أفكان هذا عليك؟ ينام الرجل متى شاء، وقلت: هذا وقت نوم؟ وما يدريك أن هذا ليس بوقت نوم؟ تسألين عما لا يعنيك، وتتكلمين بما لا يعنيك، أما إن لله عليَّ عهدًا لا أنقضه أبدًا ألا أوسدك الأرض لنوم حولاً، إلا لمرض حائل أو لذهاب عقل زائل، سوءة لك، أما تستحيين؟ كم توبخين؟ وعن غيك لا تنتهين؟
قال: وجعل يبكي وهو لا يشعر بمكاني، فلما رأيت ذلك انصرفت وتركته (1).
2 - فضول الكلام من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع.
قال مجاهد: سمعت ابن عباس - رضي الله عنه - يقول: خمس لهن أحب إلي من الدُّهُم الموقوفة: لا تتكلم فيما لا يعنيك فإنه فضل ولا آمن عليك الوزر.
- ولا تتكلم فيما يعنيك حتى تجد له موضعًا.
- ولا تمار حليمًا ولا سفيهًا.
- واذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به.
- واعمل عمل رجل يعلم أنه مجازى بالإحسان مأخوذ بالإساءة.
3 - التفحش وبذاءة اللسان
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إياكم والفحش فإن الله تعالى لا يحب الفحش ولا التفحش" [رواه أحمد].
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" [رواه البخاري].
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه" قيل: يا رسول الله كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: "يلعن الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه" [رواه البخاري].
قال أبو الدرداء: إن ناقدت الناس ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك، وإن هربت منهم أدركوك، فالعاقل من وهب نفسه وعرضه ليوم فقره، وما تجرع مؤمن جرعة أحب إلى الله
__________
(1) خير القرون (2/ 304).
عز وجل من غيظ كظمه، فاعفوا يعزكم الله، وإياكم ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام.
وقال عبد الله بن مسعود: أعظم الخطايا الكذب، وسب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه، ومن يعف يعف الله عنه، ومن يكظم الغيظ يأجره الله، ومن يغفر يغفر الله له، ومن صبر على الرزية يعقبه الله خيرًا منها (1).
4 - اللعن
عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -: قال رسول الله:"لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه ولا بجهنم" [رواه الترمذي].
وعن عمران بن حصين قال: بينما رسول الله في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها، فسمع ذلك - صلى الله عليه وسلم - فقال: "خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة" قال عمران: فكأني أراها تمشي في الناس وما يعرض لها أحد [رواه مسلم].
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن اللعانين لا يكونون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة" [رواه مسلم].
واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى. واللعن ثلاث مراتب:
الأولى: اللعن بالوصف العام، قولك: لعنة الله على الكافرين والفاسقين.
الثانية: اللعن بأوصاف أخص، قولك: لعنة الله على اليهود والنصارى والمجوس والظلمة وآكلي الربا.
الثالثة: اللعن للشخص المعين وفيه خطر كبير كقولك: لعنة الله على زيد أو هو كافر إلا ما ثبتت لعنته شرعًا كفرعون وأبي جهل.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" [رواه البخاري].
__________
(1) بحر الدموع: 69.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لا تسبوا الأموات فإنهم أفضوا إلى ما قدموا" [رواه البخاري].
5 - الغيبة
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه" [رواه مسلم].
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: إذا أردت أن تذكر عيوب أخيك فاذكر عيوبك.
وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: تبصر القذى في عين أخيك ولا تبصر الجذع في عين نفسك.
الغيبة هى ذكرك أخاك بما يكرهه لو بلغه.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "ذكرك أخاك بما يكره" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته" [رواه مسلم].
الغيبة لا تقتصر على اللسان
عن أبي حذيفة أن عائشة رضي الله عنها حكت امرأة عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرت قصتها فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "قد اغتبتيها" [رواه أحمد].
ومن ذلك المحاكاة يمشي متعرجًا فهو أشد من الغيبة.
جاء في صحف إبراهيم عليه السلام: على العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلاً على شأنه، حافظًا للسانه.
وعن مالك بن دينار -رحمه الله- أنه قال: إذا رأيت قساوة في قلبك، أو وهنًا في بدنك، أو حرمانًا في رزقك، فأعلم أنك تكلمت بما لا يعنيك.
وقال لقمان لابنه: يا بني من رحم يُرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يفعل الخير يغنم، ومن فعل الشر يأثم، ومن لم يملك لسانه يندم (1).
ويروى أن رجلاً اغتاب الحسن البصري، فما كان منه إلا أن أرسل إليه بطبق من
__________
(1) بحر الدموع: 146.
الحلوى قائلاً له: بلغني أنك نقلت حسناتك إلى ديواني وهذه مكافأتك (1).

احذروا الغيبة
كان الأستاذ الهضيبي لا يصرح برأيه في جمال عبد الناصر، وكان يحسب للغيبة ألف حساب، وكان يحذر من الخوض في أعراض الناس ويقول: هل نسيتم أن الغيبة من الكبائر؟ (2).
ومر عمرو بن العاص - رضي الله عنه - على بغل ميت قد انتفخ، فوقف عليه وقال: والله لأن يأكل أحدكم من هذا حتى يملأ جوفه خير من أن يغتاب أخاه.
ويقول أبو هريرة - رضي الله عنه -: من أكل لحم أخيه في الدنيا، قُرب إليه لحمه في الآخرة، فقيل له: كله ميتًا، كما أكلته حيًا، فيأكله وينضج ويصيح ويكلح.
وقال سفيان الثوري: إياك والغيبة، إياك والوقوع في الناس، فيهلك دينك.

قصة مؤثرة
في عهد الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- كانت امرأة مغسلة تغسل امرأة ميتة، وبينما هي تصب الماء عليها إذا بها وهي تمرر يدها عليها تقول: كثيرًا ما زنى هذا الفرج، فماذا حدث؟ لقد التصقت يد المغسلة بجسد المرأة الميتة، وكان بينه وبين يد تلك المرأة مغناطيسية شديدة الجذب.
فماذا تفعل المرأة المغسلة؟ وماذا يفعل من حولها؟ إنهم يريدون أن يدفنوا الميتة، فما كان منهم إلا قاموا باستشارة العلماء، فمن قائل: تقطع يد المغسلة؛ لأن حرمة الميت كحرمة الحي، ومن قائل: نقطع شيئًا من جسد الميتة فالحي أولى من الميت، واضطربت الآراء، لكنهم قالوا: كيف نفتي وإمامنا مالك بين أظهرنا؟!
ثم ذهبوا إلى الإمام مالك، فقال لهم: قولوا للمغسلة: ماذا قلت في حق الميتة؟
فقالت المغسلة: قلت: كثيرًا ما زنى هذا الفرج.
فقال الإمام: هذا قذف، وأرى أن تجلد المرأة المغسلة ثمانين جلدة من وراء حجاب،
__________
(1) أعلام المسلمين: 21.
(2) مائة موقف من حياة المرشدين: 109.
وبالفعل جلدوا المغسلة فانفصلت يدها عن جسد الميتة (1).
إن ضعفت عن الخير فأمسك عن الشر، وإن لم تستطع أن تنفع الناس فأمسك شرك عنهم، وإن كنت لا تستطيع الصوم، فلا تأكل لحوم الناس.
وقال كعب الأحبار: قرأت في كتب السابقين: أن من مات تائبًا من الغيبة كان آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرًا عليها كان أول من يدخل النار (2).
ومر عيسى مع الحواريين على جيفة كلب. فقال الحواريون: ما أنتن ريح هذا؟!
فقال عيسى: ما أشد بياض أسنانه! (يعظهم وينهاهم عن الغيبة).

الأعذار المرخصة في الغيبة
1 - غيبة أهل الفساد:
تقص السيدة عائشة رضي الله عنها موقفًا يدل على جواز غيبة أهل الفساد فتقول: استأذن رجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ائذنوا له، بئس أخو العشرة أو ابن العشيرة" فلما دخل الرجل ألان له الكلام. قالت عائشة: يا رسول الله، قلت له الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟ فقال: "أي عائشة، إن شر الناس من تركه الناس أو ودعه الناس اتقاء فحشه" [رواه البخاري].
2 - ذكر مساويء الزوج:
تقول فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله، إن أبا جهم، ومعاوية خطباني، فقال: "أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، أنكحي أسامة بن زيد"، فكرهته، ثم قال: "أنكحي أسامة بن زيد" فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا [رواه مسلم].
3 - الغيبة عند الاستفتاء والتظلم:
هند بنت عتبة زوج أبي سفيان - رضي الله عنه -قالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل شحيح، فاحتاج أن آخذ من ماله، قال - صلى الله عليه وسلم -: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" [رواه البخاري].
__________
(1) مواقف إيمانية للنساء: 296.
(2) تنبيه للغافلين: 124.
فقد ذكرت هند صفة ذميمة في شخص زوجها في غيبته، ولم ينكر عليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأجل أنها في الحكم الشرعي لذلك.
4 - موقف أهل البدع:
قال الحسن البصري: ليس في أصحاب البدع غيبة.
وقال سفيان بن عيينة: ثلاث ليس لهم غيبة: الإمام الجائر، الفاسق المعلن بفسقه، والمبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته.
وجمع ابن أبي شر في هذه الستة في بيتين من الشعر:
الذم ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر
والمظهر فسقًا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر
كفارة الغيبة: "اللهم اغفر لنا وله".
جاء أن رجلاً قال للحسن البصري: بلغني أنك تغتابني؟
فقال: ما بلغ قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي.
5 - إفشاء السر:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهي أمانة" [رواه الترمذي].
يقول ابن الجوزي: رأيت أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر عاتبوا من أخبروا به، فواعجبًا كيف ضاقوا بحبسه ذرعًا ثم لاموا من أفشاه، ولعمري إن النفس يصعب عليها كتم الشيء، وترى بإفشائه راحة، خصوصًا إذا كان مرضًا أو همًا أو عشقًا، وهذه الأشياء في إفشائها قريبة، إنما اللازم كتمانه احتيال المحتال فيما يريد أن يحصل به غرضًا، فإن من سوء التدبير إفشاء ذلك قبل تمامه، فإذا ظهر بطل ما يراد أن يفعل، ولا عذر لمن أفشى هذا النوع، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرًا ورى بغيره (1).
6 - الوعد الكاذب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى
__________
(1) صيد الخاطر: 322 - 323.
وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أئتمن خان" [رواه أحمد].
7 - الكذب:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك به مصدق وأنت أول به كاذب" [رواه أبو داود].
فليحذر المسلم من الكذب مهما كان حتى لا يدخل في دائرة النفاق. ومن أنواع الكذب:
كذب الحكام على الشعوب
مثل أن يذكر بعض الحكام بأن هناك تنمية اقتصادية كبيرة، وأنه قد تم القضاء على الفقر، وسيتم توفير فرص العمل لكل الشباب و ... ثم لا يجد الشعب شيئًا من هذه الأمور وينخدعون بما يقال.
الكذب في دين الله
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" [رواه البخاري].
فعلى كل مسلم أن يتأكد من صحة أحاديث النبي- صلى الله عليه وسلم -.
الكذب على الأطفال
لا تكذب على أولادك بحجة إسكاتهم أو ترغيبهم، فإن ذلك يعودهم على الكذب عن طريق المحاكاة والقدوة السيئة.
عن عبد الله بن عامر - رضي الله عنه - قال: دعتني أمي يومًا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطك، فقال لها الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "وما أردت أن تعطيه؟ " قالت: أردت أن أعطيه تمرًا، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أما إنك لو لم تعطه شيئًا كتبت عليك كذبة" [رواه أبو داود]؛ لأن الإسلام يوصي أن نغرس فضيلة الصدق في نفوس الأطفال حتى يشبوا عليها.
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قال لصبي تعال هاك ثم لم يعطه فهي كذبة" [رواه أحمد].
علِّم أولادك عدم التفريق بين أنواع الكذب، فتقول: هذه كذبة بيضاء لا تؤثر، وألا
يضحك زملاءه بنكتة كاذبة يسخر فيها من أحد، ويتعلم الاعتراف بالخطأ فلا يكذب على المدرس مثلاً إن لم يقم بعمل الواجب ويقول: عندي واجبات كثيرة أو يقول: كنت أذاكر لإخوتي الصغار.
من المقولات الخاطئة
إن الله يحب عبده الفشار، ويكره عبده المكار. أو يكذب الناس ويقولون: كذبة إبريل.
ومن الناس من يعود أبناءه على الكذب فيجلس في البيت وإذا سأل عليه شخص قال لابنه: اذهب فقل له: إن أبي غير موجود بالمنزل، وبهذا يتعود الطفل الكذب.
الكذب في المدح
المدح مدرجة إلى الكذب؛ عن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند رسول الله فقال: "ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك" ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه" [رواه البخاري].
الكذب في الموعد
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدس الكلمة التي يقولها، وذلك إشارة إلى الرجولة الكاملة فعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة، فجئت فإذا هو في مكانه فقال:"يا فتى لقد شققت عليّ!! أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك" (وكان يأتي في الموعد المضروب بينهما) [رواه أبو داود].
فإذا أعطيت موعدًا فلابد أن تكون صادقًا في الالتزام به حفاظًا على أوقات الآخرين، ولا تعتذر إلا لضرورة ويكون الاعتذار مسبقًا.
الكذب في البيع والشراء
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن التجار هم الفجار" فقيل: يا رسول الله، أليس الله قد أحل البيع؟ قال: "بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون" [رواه أحمد].
وعن أبي ذر - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره" [رواه مسلم].
ومن مظاهر الكذب في البيع والشراء في الأسواق: الإعلانات التي تعطي معلومات غير صادقة، والأيمان المغلظة بأن السلعة ممتازة ولا يوجد أفضل منها أو بعدم وجود عيوب بها.
الكذب عند الضحك
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمزح مع أصحابه ولا يقول إلا صدقًا، جاء رجل يسأله أن يحمله على بعير، فقال له الرسول: "إني حاملك إلا على ولد الناقة" فقال: يا رسول الله، وماذا أصنع بولد الناقة؟! انصرف ذهنه إلى الصغير، فقال: "وهل تلد الإبل إلا النوق؟ " [رواه الترمذي].
الكذب في الشهادة
من ينتخب شخصًا في الانتخابات وهو لا يستحق فقد كذب في الشهادة، قال تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]، والحيف في الشهادة من أشنع الكذب.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا، قلنا: بلى، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وكان متكئًا فجلس وقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت [رواه البخاري].
لأن شهادة الزور تؤدي إلى الفساد الاجتماعي والاقتصادي، ولقد انتشرت شهادة الزور في الواقع المعاصر، حتى أصبحت تجارة أمام المحاكم، يأتي الظالم برجلين من عملاء الزور، ويقول لهما: اشهدا بكذا وأنا أعطيكما كذا وكذا، ويذهب الرجلان ويقفان أمام القاضي ويقسمان بأنهما سيقولان الحق، ثم يشهدان زورًا، ومن نماذج شهادة الزور في عصرنا: شهادات توثيق الميلاد أو الخبرة المزورة، وشهادات التوصية للعمل أو الترقية المزورة، والتزوير في الانتخابات وفواتير البيع والشراء المزورة.
جواز الكذب
يقول ميمون بن مهران: الكذب في بعض المواضع خير من الصدق.
وعن أم كلثوم رضي الله عنها قالت: ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث:"الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها" [رواه أحمد].
 - النميمة
قال بعض الحكماء: النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء، ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك، فقد نقل عنك، والساعي بالنميمة كاذب لمن يسعى إليه، وخائن لمن يسعى به.
وقال الشاعر:
احفظ لسانك لا تؤذ به أحدًا ... من قال في الناس عيب قيل فيه بمثله
يقول ابن الجوزي: اتق الله، واشتغل بعيوبك عن عيوب الناس، ولا تكن كمثل الذباب الذي لا يعرج على المواضع السليمة من الجسد، ولا ينزل عليها، وإنما يقع على القروح فيدميها.
فمن بحث عن مساويء الناس، واتبع عوراتهم، واشتغل بعيب غيره، وترك عيبه، سلط الله تعالى عليه من يبحث في عيبه، ومساوئه ليشهرها، ويتبع عوراته ويبديها وينشرها.
عن أبي برزة السلمي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته" [رواه أحد].
الصمت نفع والكلام مضرة ... فلرب صمت في الكلام شفاء
فإذا أردت من الكلام شفاء ... لسقام قلبك فالقرآن دواء
يقول صاحب الإحياء: كل من حُملت إليه نميمة وقيل له: إن فلانًا قال فيك كذا وكذا فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمام كذاب وفاسق، وهو مردود الشهادة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6].
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبحه؛ لقوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [لقمان: 17].
يضحك زملاءه بنكتة كاذبة يسخر فيها من أحد، ويتعلم الاعتراف بالخطأ فلا يكذب على المدرس مثلاً إن لم يقم بعمل الواجب ويقول: عندي واجبات كثيرة أو يقول: كنت أذاكر لإخوتي الصغار.
من المقولات الخاطئة
إن الله يحب عبده الفشار، ويكره عبده المكار. أو يكذب الناس ويقولون: كذبة إبريل.
ومن الناس من يعود أبناءه على الكذب فيجلس في البيت وإذا سأل عليه شخص قال لابنه: اذهب فقل له: إن أبي غير موجود بالمنزل، وبهذا يتعود الطفل الكذب.
الكذب في المدح
المدح مدرجة إلى الكذب؛ عن أبي بكرة قال: أثنى رجل على رجل عند رسول الله فقال: "ويلك قطعت عنق صاحبك، قطعت عنق صاحبك" ثم قال: "من كان منكم مادحًا أخاه لا محالة فليقل: أحسب فلانًا والله حسيبه ولا أزكي على الله أحدًا أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه" [رواه البخاري].
الكذب في الموعد
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدس الكلمة التي يقولها، وذلك إشارة إلى الرجولة الكاملة فعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ببيع قبل أن يبعث وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة، فجئت فإذا هو في مكانه فقال:"يا فتى لقد شققت عليّ!! أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك" (وكان يأتي في الموعد المضروب بينهما) [رواه أبو داود].
فإذا أعطيت موعدًا فلابد أن تكون صادقًا في الالتزام به حفاظًا على أوقات الآخرين، ولا تعتذر إلا لضرورة ويكون الاعتذار مسبقًا.
الكذب في البيع والشراء
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن التجار هم الفجار" فقيل: يا رسول الله، أليس الله قد أحل البيع؟ قال: "بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون" [رواه أحمد].
وعن أبي ذر - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان بعطيته، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره" [رواه مسلم].
ومن مظاهر الكذب في البيع والشراء في الأسواق: الإعلانات التي تعطي معلومات غير صادقة، والأيمان المغلظة بأن السلعة ممتازة ولا يوجد أفضل منها أو بعدم وجود عيوب بها.
الكذب عند الضحك
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمزح مع أصحابه ولا يقول إلا صدقًا، جاء رجل يسأله أن يحمله على بعير، فقال له الرسول: "إني حاملك إلا على ولد الناقة" فقال: يا رسول الله، وماذا أصنع بولد الناقة؟! انصرف ذهنه إلى الصغير، فقال: "وهل تلد الإبل إلا النوق؟ " [رواه الترمذي].
الكذب في الشهادة
من ينتخب شخصًا في الانتخابات وهو لا يستحق فقد كذب في الشهادة، قال تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]، والحيف في الشهادة من أشنع الكذب.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثًا، قلنا: بلى، قال: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وكان متكئًا فجلس وقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور وشهادة الزور"، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت [رواه البخاري].
لأن شهادة الزور تؤدي إلى الفساد الاجتماعي والاقتصادي، ولقد انتشرت شهادة الزور في الواقع المعاصر، حتى أصبحت تجارة أمام المحاكم، يأتي الظالم برجلين من عملاء الزور، ويقول لهما: اشهدا بكذا وأنا أعطيكما كذا وكذا، ويذهب الرجلان ويقفان أمام القاضي ويقسمان بأنهما سيقولان الحق، ثم يشهدان زورًا، ومن نماذج شهادة الزور في عصرنا: شهادات توثيق الميلاد أو الخبرة المزورة، وشهادات التوصية للعمل أو الترقية المزورة، والتزوير في الانتخابات وفواتير البيع والشراء المزورة.
جواز الكذب
يقول ميمون بن مهران: الكذب في بعض المواضع خير من الصدق.
وعن أم كلثوم رضي الله عنها قالت: ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث:"الرجل يقول القول يريد به الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها" [رواه أحمد].
8 - النميمة
قال بعض الحكماء: النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء، ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك، فقد نقل عنك، والساعي بالنميمة كاذب لمن يسعى إليه، وخائن لمن يسعى به.
وقال الشاعر:
احفظ لسانك لا تؤذ به أحدًا ... من قال في الناس عيب قيل فيه بمثله
يقول ابن الجوزي: اتق الله، واشتغل بعيوبك عن عيوب الناس، ولا تكن كمثل الذباب الذي لا يعرج على المواضع السليمة من الجسد، ولا ينزل عليها، وإنما يقع على القروح فيدميها.
فمن بحث عن مساويء الناس، واتبع عوراتهم، واشتغل بعيب غيره، وترك عيبه، سلط الله تعالى عليه من يبحث في عيبه، ومساوئه ليشهرها، ويتبع عوراته ويبديها وينشرها.
عن أبي برزة السلمي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا معشر من آمن بلسانه، ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته" [رواه أحد].
الصمت نفع والكلام مضرة ... فلرب صمت في الكلام شفاء
فإذا أردت من الكلام شفاء ... لسقام قلبك فالقرآن دواء
يقول صاحب الإحياء: كل من حُملت إليه نميمة وقيل له: إن فلانًا قال فيك كذا وكذا فعليه ستة أمور:
الأول: أن لا يصدقه؛ لأن النمام كذاب وفاسق، وهو مردود الشهادة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6].
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه ويقبحه؛ لقوله تعالى: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [لقمان: 17].
الثالث: أن يبغضه في الله لأنه بغيض عند الله ويجب بغض من يبغضه الله تعالى.
الرابع: ألا تظن بأخيك الغائب سوءًا لقوله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].
الخامس: أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس والبحث للتحقق، اتباعًا لقوله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12].
السادس: لا ترضى لنفسك ما نهيت الناس عنه، ولا تحك نميمته فتقول: فلان قد حكى لي كذا وكذا، فتكون به نمامًا ومغتابًا، وتكون قد أتيت لما عنه نهيت.
وقد جاء عن عمر بن عبد العزيز أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئًا، فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 11]، وإن شئت عفونا عنك، فقال: العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدًا.
ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبرين فقال: "إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير، بلى، إنه كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة" [رواه البخاري].
قال قتادة: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا كذلك يجب أن يمتنع عن غيبته حيًا.
وقال أحد الحكماء: لا تأمن من كذاب لك، أن يكذب عليك، ومن اغتاب عندك غيرك، أن يغتابك عند غيرك.
وقال عبد الرحمن بن عوف: من سمع بفاحشة فأفشاها فهو كالذي أتاها.
وقال الحسن: من نم لك نم عليك، وهذه إشارة إلى أن النمام يجب أن يبغض ولا يوثق بقوله ولا بصداقته، وكيف لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة والغدر والخيانة والحسد والنفاق والإفساد بين الناس والخديعة؟ وهو ممن يسعون في قطع ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض، قال تعالى: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الشورى: 42].
وجاء عن علي أن رجلاً سعى إليه برجل فقال له: يا هذا نحن نسأل عما قلت، فإن
كنت صادقًا مقتناك، وإن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن شئت أن نقيلك أقلناك.
فقال: أقلنا يا أمير المؤمنين.
وقال رجل لعمرو بن عبيد: إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر، فقال عمرو: يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي أعلمتني عن أخي ما أكره، ولكن أعلمه أن الموت يعمنا، والقبر يضمنا، والقيامة تجمعنا، والله تعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين.

شر النمام عظيم
وعلى الجملة فشر النمام عظيم ينبغي أن يتوقى.
قال حماد بن سلمة: باع رجل عبدًا وقال للمشتري: ما فيه عيب إلا النميمة.
قال: رضيت، فاشتراه، فمكث الغلام أيامًا ثم قال لزوجة مولاه: إن سيدي لا يحبك وهو يريد أن يتزوج عليك، فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى أسحره عليها فيحبك، ثم قال للزوج: إن امرأتك اتخذت خليلاً وترى أن تقتلك، فتناوم لها حتى تعرف ذلك، فتناوم لها فجاءت المرأة بالموسى فظن أنها تريد قتله فقام إليها فقتلها، فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج، ووقع القتال بين القبيلتين.
***

شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الدعوة إلى الله

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الخميس 15 فبراير 2018 - 15:27

الدعوة إلى الله
أول داع إلى الله هو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)} [الأحزاب: 45 - 46].
جميع الرسل دعوا إلى الله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 110]، هذه الآية الكريمة أفادت أمرين:
أولا: خيرية هذه الأمة.
ثانيا: أنها حازت هذه الخيرية لقيامها بوظيفة الأمر بالمعروف بخلاف المنافقين: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة: 67].
المكلف بالدعوة كل مسلم ومسلمة: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108].
وتؤدى الدعوة بصورة فردية وبصورة جماعية، قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104] يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "المقصود أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه".
وأشار أبو حنيفة إلى ضرورة التجمع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوجيه الجهود الجماعية لتحقيق هذا المقصود.

مهمة المسلم
يقول البنا: إن مهمة المسلم الحق لخصها الله تبارك وتعالى في آية واحدة في كتابه، ورددها القرآن الكريم بعد ذلك في عدة آيات، فأما تلك الآية التي اشتملت على مهمة المسلم في الحياة فهي قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ
فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)} [الحج: 77 - 78].
هذا كلام لا لبس فيه ولا غموض، والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لواضح كالصبح ظاهر كالنور، يملأ الآذان، ويدخل على القلوب بغير استئذان، أفلم يسمعه المسلمون قبل الآن؟ أم سمعوه ولكن على قلوبهم أقفالاً لا تعي ولا تتدبر؟
يأمر الله المسلمين أن يركعوا ويسجدوا وأن يقيموا الصلاة التي هي لب العبادة وعمود الإسلام وأظهر مظاهره، وأن يعبدوا الله لا يشركون به شيئا، وأن يفعلوا الخير ما استطاعوا، وهو حين يأمرهم بفعل الخير ينهاهم بذلك عن الشر، وإن من أول الخير أن تترك الشر، فما أوجز وما أبلغ! ورتب لهم على ذلك النجاح والفلاح والفوز وتلك هي المهمة الفردية لكل مسلم التي يجب أن يقوم بها بنفسه في خلوة أو جماعة (1).

نصيحة
يقول البهي الخولي: اعلم أن مثل الداعية القوي المؤمن كمثل السيل المنحدر من شواهق الجبال .. فيه منه قوة الاندفاع، وفيه منه للناس سر الانتفاع، ولكن السيل لا يعجل إلى العقبات أو الهضاب فيمزقها، بل يدور حولها ويحيط بأطرافها، ويمضي إلى ما خلفها، ويتركها معزولة عما عداها، ثم يعلو ماؤه ويغزر فيضه، فيرتفع على جوانبها بالتدريج حتى يغطي قممها، ويخضع لسلطانه برءوسها الشامخة. فرسالتك أيها الداعية قد نزلت من الماء لا من الجبل، وأنت سر اندفاعها وانتفاع قلبها، وأنت الذي يجب أن تسبح بدعوتك في كل مكان، فإذا صادفتك عقبة من قانون عتيد، أو شخصية طاغية، فلا تعرض لها بغير ما يعرض لها السيل، ادعها بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تقف عندها فذلك خرق وجهل، بل افعل ما يفعل السيل؛ در حولها، وامض في سبيلك إلى ما وراءها، وادع الناس إلى جانبك حتى تغدو منعزلة عما عداها، ويقنعها الواقع بقوة أمر الله، أو يغيبها الله عن النظار (2).
__________
(1) الرسائل: 41.
(2) تذكرة الدعاة، بتصرف 253.
الأعداء يخططون
يقول المبشر تكلي: يجب أن نشجع إنشاء المدارس على النمط الغربي العلماني، لأن كثيرا من المسلمين قد زعزع اعتقادهم بالإسلام والقرآن حينما درسوا الكتب المدرسية الغربية، وتعلم اللغات الأجنبية.
ويقول زويمر زعيم المبشرين النصارى: ما دام المسلمون ينفرون من المدارس المسيحية فلابد أن ننشيء لهم المدارس العلمانية، ونسهل التحاقهم بها، هذه المدارس التي تساعدنا على القضاء على الروح الإسلامية عند الطلاب (1).

الفعل قبل القول
يقول سيد قطب: الدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك، لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها، فهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم، لأنهم يسمعون قولا جميلا، ويشاهدون فعلا قبيحا، فتملكهم الحيرة بين القول والفعل، وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة، وينطفيء في قلوبهم النور الذي يشعله الإيمان، ولا يعودون يثقون في الدين بعدما فقدوا ثقتهم برجال الدين (2).
يقول أبو العتاهية:
يا واعظ الناس قد أصبحت متهما ... إذا عبت منهم أمورا أنت تأتيها
تعيب دنيا وناسا راغبين لها ... وأنت أشد منهم رغبة فيها
كالملبس الثوب من عري وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها (3)

الرسول قدوة في الدعوة
روى ابن إسحاق أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد إسلام خديجة رضي الله عنها، فوجدهما يصليان، فقال علي: ما هذا يا محمد؟ فقال النبي: "دين الله الذي
__________
(1) أخلاق الدعاة 140.
(2) الظلال (1: 68).
(3) أخلاق الدعاة 121.
اصطفاه لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده وإلى عبادته، وتكفر باللات والعزى".
فقال له علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاض أمرا حتى أحدث أبا طالب، فكره رسول الله أن يفشي عليه سره، قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا علي، إذا لم تسلم فاكتم"، فمكث عليّ تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله، حتى جاءه فقال: ما عرضت علي يا محمد؟ فقال له رسول الله: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد"، ففعل علي وأسلم، ومكث علي يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم إسلامه، ولم يظهر به.
وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب، مستخفيا من أبيه أبي طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، يصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوما وهما يصليان، فقال لرسول الله: يا ابن أخي، ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ فقال: "أي عم، هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم، بعثني الله رسولا إلى العباد وأنت يا عم أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني وأعانني عليه"، فقال أبو طالب: يا ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت (1).

حب الخير للناس
يقول الحاج أحمد أبو شادي: لعب الأخ إبراهيم دورا غاية في الذكاء .. دور المسلم الذي يتمنى الخير للناس جميعا، كيف وقد ذاق حلاوة الإيمان في ظل الجماعة أن يبخل على رفيق عمره بهذه المحنة؟ إنه يعلم مدى إتقاني لتلاوة القرآن الكريم وانتهزها فرصة ليصعد بي إلى المنصة، فأسر إلى الأخ المشرف على تنظيم الحفل بشيء، وبعدها انبعث صوت الميكروفون: القرآن الكريم من الأخ أحمد أبو شادي .. أخ .. وكانت مفاجأة .. إيه الورطة دي يا عم إبراهيم؟ فكلمة أخ كانت إذ ذاك ثقيلة على نفسي وسبحان الله بعد أن من الله علي بهذه الدعوة صارت هذه الكلمة وساما أفخر به ولا أود أن لي بها ألقاب سلاطين الدنيا .. ولم أر مفرا من الإذعان، وقمت متثاقلا واعتليت المنصة وشرعت في
__________
(1) علي بن أبي طالب، للصلابي (1/ 39، 40).
تلاوة صدر سورة الأنفال وفيها ذكر غزوة بدر، حتى أتيت قول الله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)} [الأنفال: 5 - 6] وأحسست أنني من الفريق الكاره الذين {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} [الأنفال: 6] (1).

بائع أشرطة الفيديو:
قصة يرويها صاحبها فيقول: أنا شاب أردني، قدمت إلى السعودية (تبوك) بحثا عن عمل، ولم أكن آنذاك مسلما حقيقيا، وإنما كنت مسلما بالوراثة كحال كثير من المسلمين في هذا الزمن العصيب. في البداية عملت في أحد المطاعم، ثم طلب مني صاحب المطعم أن أعمل في محل له لبيع أشرطة الفيديو، وما أدراك ما أشرطة الفيديو! وما فيها من الخلاعة والمجون، وفي إحدى الليالي، دخل علي شاب مشرق الوجه، بهي الطلعة، تبدو عليه علامات الصلاح والالتزام. وعجبا، ماذا يريد هذا الشاب؟ قلتها في نفسي. مد هذا الشاب يده وصافحني بحرارة، وقد علت محياه ابتسامة رائعة، تأسر القلب، وتزيل الوحشة، وتحطم الحواجز النفسية التي كثيرا ما تقف حائلا تمنع وصول الخير إلى من هم في أمس الحاجة إليه، ثم نصحني نصيحة موجزة، وحذرني من عاقبة مثل هذا العمل، وما يترتب عليه من إفساد للمجتمع، ونشر للرذيلة بين أفراده، وأن الله سيحاسبني على ذلك يوم القيامة، وبعد أن فرغ من حديثه، أهدى إلي شريطا عن "كرامات المجاهدين" .. كنت أسكن بمفردي، وأعاني من وحدة قاتلة، وقد مللت سماع الأغاني ومشاهدة الأفلام، فدفعني الفضول للاستماع لذلك الشريط .. وما إن انتهيت من سماعه حتى انتابني شعور بالخوف والندم، واكتشفت حقيقة حالي وغفلتي عن الله، وتقصيري تجاه خالقي سبحانه فانخرطت في البكاء، بكيت بكاء مرا كما يبكي الطفل الصغير من شدة الندم، لقد تحدث الشيخ عن كرامات المجاهدين وبطولاتهم وقد باعوا أنفسهم لله، وحملوا أرواحهم على أكفهم ليقدموها رخيصة في سبيل الله، فعقدت مقارنة بينهم وبين من ينشر الرذيلة والفساد، ويعيش كما تعيش البهائم لا هم له إلا إشباع شهواته البهيمية، الأدهى من ذلك أنني لم أركع لله ركعة واحدة منذ اثني عشر عاما مضت من عمري الحافل بالضياع
__________
(1) رحلتي مع الجماعة الصامدة 37، 38.
والمجون، لقد ولدت تلك الليلة من جديد، وأصبحت مخلوقا آخر لا صلة له بالمخلوق السابق، وأول شيء فكرت فيه: التخلص من العمل في ذلك المحل، والبحث عن عمل شريف يرضي الله عز وجل، ولكن، أأنجو بنفسي وأدع الناس في غيهم وضلالهم؟ فرأيت أن أعمل في محل الفيديو سنة أخرى ولكنها ليست كالسنوات السابقة، لقد كنت في تلك السنة أنصح كل من يرتاد المحل بخطورة هذه الأفلام، وأبين لهم حكم الله فيها، راجيا أن يغفر الله لي، ولم تمض الأيام حتى جاء شهر رمضان .. هذا الشهر الذي لم أشعر بحلاوته إلا في هذه السنة؛ فقد أقبلت على قراءة القرآن، أما العمل فقد كان بجوار محل الفيديو الذي كنت أعمل فيه، تلك تسجيلات لبيع الأشرطة الإسلامية وما إن مضت السنة الخامسة حتى انتقلت إلى تلك التسجيلات الإسلامية .. وشتان بين العملين .. أما صاحب المحل السابق محل الفيديو فقد قمنا بنصحه وتذكيره بالله ونحمد الله أنه استجاب وترك المحل لوجه الله (1).

تفسير آية
جلس الحسن البصري ذات يوم في مسجد البصرة الكبير يفسر قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16] ثم وعظ الناس وعظا بليغا حتى أَبكاهم وكان من بينهم شاب يقال له عتبة، فقام وقال: أيها الشيخ، أيقبل الله تعالى الفاسق الفاجر مثلي إذا تاب؟
فقال الحسن: نعم يقبل توبتك عن فسقك وفجورك، فلما سمع الشاب ذلك صاح صيحة وخر مغشيا عليه، فلما أفاق دنا الحسن البصري منه وقال له:
أيا شاب لرب العرش عاص ... أتدري ما جزاء ذوي المعاصي
سعير للعصاة لها زفير ... وغيظ يوم يؤخذ بالنواصي
فإن تصبر على النيران فاعصه ... وإلا كن عن العصيان قاصي
وفيم قد كسبت من الخطايا ... رهنت النفس فاجهر في الخلاص
__________
(1) مائة قصة وقصة، الهندي 32، 33.
مدرسا للغة العربية والتربية الدينية) لأنه يجمع الأولاد في المسجد، وهو ما لم يتعود الناس عليه، فقال له الناظر: أنا سعيد جدا بهذا المدرس وسأقدم له كتاب شكر على ذلك، فأين لنا المدرس الذي يدرس الدين عمليا في المسجد؟ وحبذا لو كان في كل مدرسة في القطاع مدرس مثله!
ولقد جاء طبيب للناظر وقال: يا عمي قبلنا أن يصلي الولد، وقبلنا أن يذهب للمسجد، أما أن يصوم اثنين وخميس من كل أسبوع فهذا أمر صعب ولا نقبل به. وكانت إجابة الناظر نفس الإجابة الأولى في الموقف السابق (1).

وصايا غالية
يقول البنا: آمنوا بالله واعتزوا بمعرفته والاعتماد عليه، والاستناد إليه، فلا تخافوا غيره ولا ترهبوا سواه، وأدوا فرائضه واجتنبوا نواهيه، وتخلقوا بالفضائل وتمسكوا بالكمالات، وكونوا أقوياء بأخلاقكم، أعزاء بما وهب الله لكم من عزة المؤمنين وكرامة الأتقياء الصالحين.
وأقبلوا على القرآن تتدارسونه، وعلى السيرة المطهرة تتذاكرونها، وكونوا عمليين لا جدليين، فإذا هدى الله قوما ألهمهم العمل، وما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، وتحابوا فيما بينكم، واحرصوا كل الحرص على رابطتكم فهي سر قوتكم وعماد نجاحكم، واثبتوا حتى يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين.
واسمعوا وأطيعوا لقيادتكم في العسر واليسر والمنشط والمكره فهي رمز فكرتكم وحلقة الاتصال فيما بينكم، وترقبوا بعد ذلك نصر الله وتأييده، والفرصة آتية لا ريب فيها {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)} [الروم: 4 - 5] (2).

فن الدعوة إلى الله
1 - البعد عن مواضع الخلافات:
يتحدث المسلم إلى الناس في الأمور المتفق عليها حتى لا يتعرض للدخول في جدال
__________
(1) شهيد أيقظ أمة 19.
(2) الرسائل: 110، 111.
لا طائل تحته، واحذر فضول الكلام، حدث محمد بن سوقة جماعة من زواره قال: ألا أسمعكم حديثا لعله ينفعكم كما نفعني؟ قالوا: بلى، قال: نصحني عطاء بن أبي رباح ذات يوم قال: يا ابن أخي: إن الذين من قبلنا كانوا يكرهون فضول الكلام، فقلت: وما فضول الكلام عندهم؟ فقال: كانوا يعدون كل كلام فضولا ما عدا كتاب الله عز وجل أن يقرأ ويفهم، وحديث رسول الله أن يروى، أو أمرا بمعروف ونهيا عن منكر، أو علما يتقرب به إلى الله، أو أن تتكلم بحاجتك ومعيشتك التي لابد لك منها، ثم حدق إلى وجهي وقال: أتنكرون {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11)} [الانفطار: 10 - 11] وأن مع كل منكم ملكين {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [ق: 17 - 18] ثم قال: أما يستحي أحدنا لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره، فوجد أكثر ما فيها ليس من أمر دينه، ولا أمر دنياه؟! (1)
2 - البدء بالأهم:
بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل - رضي الله عنه - إلى أهل اليمن، فقال له: إنك تقدم على قوم أهل
كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عادة الله عز وجل، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوقَّ كرائم أموالهم" (لا تأخذ أفضلها عندما تجمع زكاة أموالهم). [مسلم].
3 - الرفق:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا يترع منه إلا شانه" [مسلم].
وروى عن عروة بن الزبير أنه رأى رجلا يصلي صلاة خفيفة، فلما فرغ من صلاته دعاه إليه وقال له: يا ابن أخي، أما كانت لك عند ربك جل وعز حاجة؟ والله إني لأسأل ربي في صلاتي كل شيء حتى الملح (2).
__________
(1) صور من حياة التابعين 14: 16.
(2) صور من حياة التابعين 43.
4 - مخاطبة الناس على قدر عقولهم:
قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذَّب الله ورسوله.
علمني الحلاق:
نفع الله عز وجل بعلم عطاء بن أبي رباح طوائف كثيرة من الناس، منهم أهل العلم المتخصصون، ومنهم أرباب الصناعات المحترفون، ومنهم غير ذلك، حدث الإمام أبو حنيفة النعمان عن نفسه قال: أخطأت في خمسة أبواب من المناسك بمكة فعلمنيها حلاق؛ وذلك أني أردت أن أحلق لأخرج من الإحرام، فأتيت حلاقا، وقلت: بكم تحلق لي رأسي، فقال: هداك الله، النسك لا يشارط فيه، اجلس وأعط ما تيسر لك، فخجلت وجلست، غير أني جلست منحرفا عن القبلة، فأومأ إلي بأن أستقبل القبلة، ففعلت، وازددت خجلا على خجلي، ثم أعطيته رأسي من الجانب الأيسر ليحلقه، فقال: أدر شقك الأيمن، فأدرته، وجعل يحلق رأسي وأنا ساكت أنظر إليه وأعجب منه، فقال لي: ما لي أراك ساكتا؟ كبر، فجعلت أكبر حتى قمت لأذهب، فقال: أين تريد؟
فقلت: أريد أن أمضي إلى رحلي، فقال: صل ركعتين، ثم امض حيث تشاء، فصليت ركعتين، وقلت في نفسي: ما ينبغي أن يقع مثل هذا من حجام إلا إذا كان ذا علم.
فقلت له: من أين لك ما أمرتني به من المناسك؟
فقال: لله أنت، لقد رأيت عطاء بن أبي رباح يفعله، فأخذته عنه، ووجه إليه الناس (1).
5 - عدم اليأس:
قال تعالى: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]، روى أحمد عن رجل من بني مالك بن كنانة، قال: رأيت رسول الله بسوق المجاز يتخللها ولقول: "أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب، ويقول: لا يغوينكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم وتتركوا اللات والعزى، وما يلتفت إلى رسول الله.
__________
(1) صور من حياة التابعين 16، 17.
حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هداية عمه:
روى البخاري عن سعيد بن المسيب، عن أبيه أنه أخبره: لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله، فوجد عنده أبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالب: "يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله يعرضها عليه، ويعودان بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله: "أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، فأنزل الله فيه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113]. [البخاري].
دعوة على فراش الموت:
روى البخاري عن عمر بن ميمون قال: جاء شاب إلى عمر بعدما طعن، وعرف الناس أنه ميت، فقال له رجل: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله، وقدم في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت ثم شهادة، فقال عمر: وددت أن ذلك كفاف، لا عليَّ ولا لي، فلما أدبر فإذا إزاره يمس الأرض، فقال: ردوا على الغلام، فقال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربك. (البخاري).
6 - التدرج:
الدعوة تحتاج إلى تدرج، حتى يتمكن الآخرون من الاستجابة لها، فلا تكون الدعوة مباشرة وجامدة حتى لا تكون ثقيلة على القلوب فينفر منها، وقد تدرجت الشريعة الإسلامية في الدعوة إلى تحريم الخمر .. وقد نزل القرآن مفرقا، ولم ينزل جملة واحدة قال تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106].
7 - القدوة الحسنة:
قال تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44].
وقال الشاعر
يا أيها الرجل المعلم غيره ... هلاَّ لنفسك كان ذا التعليم
8 - ابدأ بأهلك:
حدث ميمون بن مهران وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز، فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك يعظه فيها وينصحه، ويبصره ويحذره، وينذره ويبشره، وكان مما جاء فيها قوله: أما بعد، فإن أحق من وعى عني وفهم قولي لأنت، وإن الله قد أحسن إلينا في صغير الأمور وكبيرها، فاذكر يا بني فضل الله عليك وعلى والديك، وإياك والكبر والعظمة، فإنها من عمل الشيطان، وهو للمؤمنين عدو مبين، واعلم أني لم أبعث إليك بكتابي هذا لأمر بلغني عنك، فما عرفت من أمرك إلا خيرا، غير أني بلغني عنك شيء من إعجابك بنفسك، ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره، لرأيت مني ما تكره.
قال ميمون: ثم التفت إليَّ عمر وقال: يا ميمون، إن ابني عبد الملك قد زين في عيني، وإني أتهم نفسي في ذلك، وأخاف أن يكون حي له قد غلب علي علمي به وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أولادهم، فسر إليه، وانظر هل ترى ما يشبه الكبر والفخر، فإنه غلام حدث، ولا آمن عليه الشيطان.
قال ميمون: فشددت الرحال إلى عبد الملك حتى قدمت عليه فاستأذنت فدخلت، فإذا غلام في مقتبل العمر .. فرحب بي، ثم قال: لقد سمعت أبي يذكرك بما أنت أهل له من الخير، إني لأرجو أن ينفع الله بك.
فقلت له: كيف تجد نفسك؟
فقال: بخير من الله عز وجل ونعمة غير أني أخشى أن يكون قد غرني حسن ظن والدي بي، وأنا لم أبلغ من الفضائل كل ما يظن، وإني لأخاف أن يكون حبه لي قد غلبه على معرفته بي، فأكون آفة عليه. فعجبت من اتفاقهما، ثم قلت له: أعلمني من أين معيشتك؟
فقال: من غلة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبيه، ودفعت ثمنها من مال لا شبهة
فيه، فاستغنيت بذلك عن فيء المسلمين.
قلت: فما طعامك؟
فقال: ليلة لحم، وليل عدس وزيت، وليلة خل وزيت، وفي هذا بلاغ.
فقلت له: أفما تعجبك نفسك؟
فقال: قد كان في شيء من ذلك، فلما وعظني أبي بصرني بحقيقة نفسي، وصغرها عندي، وحط من قدرها في عيني، فنفعني الله عز وجل بذلك، فجزاه الله من والد خيرا .. فقعدت ساعة أحدثه، وأستمتع بمنطقه، فلم أر فتى أجمل منه (1).
9 - الإخلاص:
لما بايع أهل العقبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجعوا إلى قومهم، فدعوهم إلى الإسلام سرا، وتلوا عليهم القرآن، وبعثوا إلى رسول الله معاذ بن عفراء ورافع بن مالك: أن ابعث إلينا رجلا من قبلك فليدع الناس بكتاب الله، فإنه قَمِنٌ أن يتبع، فبعث إليهم رسول الله مصعب بن عمير، فلم يزل يدعو آمنا ويهدي الله تعالى الناس على يديه، حتى قل دار من دور الأنصار إلا قد أسلم أشرافهم، فأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم، وكان المسلمون أعز أهل المدينة، فرجع مصعب إلى رسول الله وكان يدعي المقرئ.

أمنية
هذا أخ مؤذن يأسف ويحزن حزنا شديدا، إذ بلغه أن برج ساعة بيج بن الشهيرة في لندن قد مال وأنه مهدد بالانهيار، فلما سئل عن سر أسفه وحزنه قال: ما زلت أؤمل أن يعز الله المسلمين، ويفتحوا بريطانيا، وأصعد على هذا البرج كي أؤذن فوقه (2).

دعوة صادقة
خرجت أخت مسلمة من بيتها وليس لها هم سوى أن يجعلها الله سببا لهداية من حولها، وفجأة وجدت فتاة تلبس "الاسترتش" فأشفقت عليها من النار، فتقدمت وقالت
__________
(1) صور من حياة التابعين 90.
(2) علو الهمة: محمد إسماعيل المقدم.
لها بكل عطف ورحمة: إنني أستأذنك أن تأتي معي إلى الجنة، فاستجابت الفتاة وقالت: وأين هي الجنة؟ قالت: في بيت من بيوت الله، فاستجابت لها الفتاة ودخلت معها المسجد فوجدت أن الكل ينظر إليها نظرة عجيبة، فأشفقت عليها (هدى) وأسرعت إلى خارج المسجد واشترت لها حجابا، وقالت لها: البسي هذا الحجاب حتى لا ينظر إليك أحد، وبعد المحاضرة انزعيه إن شئت .. فقامت الفتاة وارتدت الحجاب لأول مرة، بل وأزالت المساحيق من على وجهها وتوضأت لأول مرة، وصلت المغرب واستمعت إلى الدرس (وكان عن وصف الجنة والنار) ثم صلت العشاء، ولما كان وقت الانصراف قالت لها هدى: الآن تستطيعين أن تنزعي الحجاب إن شئت، فقالت لها الفتاة: والله لقد ذقت حلاوة الإيمان فلن أخلع الحجاب أبدا ولن أترك الصلاة، بل سكون داعية إلى الله وسأجعل حياتي وقفا لله عز وجل.
وما هي إلا لحظات حتى خرجت من المسجد فصدمتها سيارة فماتت، وسالت الدماء الشريفة التي تحركت لدين الله واحترقت شوقا للقاء الله فرزقها الله حسن الخاتمة بعد أن كانت منذ ساعة واحدة ممن قال فيهن رسول الله: "صنفان من أهل النار لم أرهما ... "، وذكر منهما "ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها". [مسلم] (1).
10 - حب الدعوة:
راحتي في الدعوة إلى الله تعالى:
يقول الشيخ محمد إسماعيل حفظه الله:
أعرف أخا يعيش في ألمانيا، أحسبه -والله حسيبه- مجتهدا في الدعوة إلى الله غاية الاجتهاد، حتى لا يكاد يذوق طعاما لراحة، وقد استحوذت الدعوة على كل كيانه، حتى أرهق نفسه، وشغل عن بيته وأهله وولده، فرأى إخوانه أن يمنح عطلة إجبارية، وذهبوا به بصحبة أسرته إلى منتجع ناء لا يعرفه فيه أحد، ولا يعرف فيه أحدا، كي يهنأ ببعض الراحة، وواعدوه أن يعودوا لإرجاعه بعد أيام، ولما رجعوا إليه وجدوه قد أسس جمعية إسلامية في هذا المكان قوامها بعض العمال المغاربة وغيرهم ممن انقطعت صلتهم بالدين،
__________
(1) مواقف من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين 140.
ففتش عنهم في مظان وجودهم، ودعاهم إلى طاعة الله سبحانه، وألف بينهم، وأقاموا مسجدا كان فيما بعد منطلقا للدعوة إلى الله في تلك البلدة.
إنها الحركة سر شيوع دعوة الإسلام المباركة في أرجاء الدنيا، ينطلق بها جنود لا يعلمهم إلا الله {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر: 31] (1).

طرفة غالية
ويلفتنا الأستاذ محمد أحمد الراشد إلى ميزان غريب نقيس به تلك الحركة الحياتية فيقول: وقد كنت في الأيام الخوالي ألاطف إخواني فأفتش عن أحذيتهم ليس على نظافتها، وصبغها، ورونقها، كالتفتيش العسكري، بل على استهلاكها، وتقطعها، والغبار الذي عليها، وأقلبها فأرى النعل، فمن كان أسفل حذائه متهرئا تالفا فهو الناجح، وأقول له: شاهدك معك، حذاؤك يشهد لك أنك تعمل، وتغدو في مصالح الدعوة وتروح، وتطبق قاعدة: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20] وبكثرة حركتك تلف حذاؤك، فأنت المجتاز المرضي عندي.
قال صباح أحد زملائه: قد -والله- بعد عشرين سنة يأخذني تأنيب الضمير كلما رأيت حذائي لا غبار عليه، وأتذكر ذاك التفتيش.

كلمتان خفيفتان على اللسان
وها هو رجل بسيط لم يتعلم العلم الشرعي، ولكن قلبه قد امتلأ بحب الله والرغبة في نصرة دين الله، فحضر يوما درسًا لأحد الدعاة وفي أثناء الدرس قال الشيخ: قال رسول الله: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم". [البخاري].
فتحرك قلب هذا الرجل البسيط لهذه الكلمات وخرج بعد انتهاء الدرس وقد عزم على أن يدعو إلى الله بهذا الحديث فبدأ يدخل على البقال ويقول له: "كلمتان خفيفتان على اللسان .. " ثم يدخل على الجزار .. إلى أن أصبح همه كله أن يعلم الناس جميعا هذا الحديث.
__________
(1) علو الهمة 283، 284.
مسلم!! ولما فرغت من صلاتي، وقد كانت واقفة تتأملني وكان الوقت فجرا، وهي تنتظر حتى تقيس ضغط الدم وخلافه، فسألتها: لماذا قلت إنني لست مسلما؟
قالت: لأنك تصلي صلاة على غير ما تعودناه من المسلمين، فأفهمتها أن صلاتي الآن تقبل بهذه الكيفية، لأنني لا أستطيع الوقوف، فقالت: وغير ذلك فهناك أسباب أخرى كثيرة، فقد تعودنا منك أحسن المعاملة، وأجمل المشاعر، فكنت حديثنا دائما ونحن في سكننا، أما كنت ترى الكثير من الممرضات، اللاتي كن تحضرن لرؤيتك، وكنت تدعوهن جميعا إلى الدخول، وتصر على ذلك وتحرص على إعطائهن الحلوى والهدايا والورود، مما كان لديك، كنا دائما نتحدث كثيرا عنك حين نعود من عملنا.
فعرفتها أنني مسلم، وأن أخلاق المسلمين هي أن أكون معكن، كما تذكرين.
فقالت: ولكن الجميع معاملتهم ليست على طريقتك، وعلى كل حال، أريد أن تعرفني إسلامك، فسألتها ما ديانتك؟ فقالت: بوذية، ومنذ فترة أبحث عن الحقيقة وأريد الوصول إليها، حتى رأيتك، وكنت في انتظار أن تتحسن حالتك، وأتحدث معك فيما أريد، والآن حانت الفرصة وأطلب أن تحدثني عن الإسلام، وطلبت من زوجتي أن تحضر كتاب "مبادئ الإسلام بالإنجليزية للمودودي"، فأحضرت نسختين فأعطيتهما إياها وقبل أن تفرغ من قراءتها وتعرف شيئا عن الإسلام، طلبت من الأخ الفاضل الأستاذ كامل الهلباوي أن يحضر بعض المطبوعات عن الإسلام بالكورية، فأحضر لي مجموعات متكاملة بالكورية والإنجليزية وخلافه، من الندوة العالمية للشباب الإسلامي، فنظمت منها مجموعة وناولتها إلى الممرضة.
وبعد أيام جاءتني وقالت: أريد أن أسلم، فماذا أفعل؟ ومعي تسع ممرضات كلهن قرأن ويردن الإسلام، وأطلب لهن كتابا من الكتب التي أعطيتني إياها، فكونت تسع مجموعات، وطلبت مجموعة عاشرة لترسلها إلى والدها في كوريا، فأحضرت لها ما أرادت، وكانت تحضر للتدارس معي بعض الأمور في كيفية الطهارة والصلاة، وكان مما قالت: الصلاة يقرأ فيها القرآن فما هو القرآن؟ فأشرت لها إلى المصحف، ثم أحضرت لها نسخة مترجمة بالإنجليزية، فأخذتها، وبعد عدة أيام قالت: لقد نسيت كل شيء حولي وانتقلت إلى عوالم أخرى لم أكن أدري عنها شيئا وأنا الآن أعيش فقط، مع القرآن، وطلبت نسخا منه للممرضات اللاتي أخذت مني لهن مجموعات الكتب، فأخبرتها بتعذر ذلك، فعادت
وطلبت نسخة لوالدها على الأقل، فأعطيتها إياها وأسلمت "كيم" وحسن إسلامها وانتظمت في الصلاة، وتلاوة القرآن وأخبرتني بإسلام زميلاتها كذلك وانتظامهن أيضا في الصلاة، وسط دهشة باقي الممرضات في سكنهن أيضا، فعرفتها بالانتظام وعدم المبالاة بما يلقين حتى يمكن الله لدينه (1).

حال الجامعة
كانت الجامعة في بداية عهدها خالية من الإعلان بمظاهر الإسلام، حتى الصلوات كانت تؤدي تحت الأرض وفي أماكن بالية وعلى استحياء، فقال الإمام لأحد الطلاب: أذن للظهر في مكان مرئي بأعلى صوتك، واصبر، ففعل الطالب، فدهش الطلاب والفراشون، والموظفون، وكانت إحدى العجائب، فصلى السنة، ثم أقام الصلاة وصلى وحده، والجموع حوله تتعجب، وفعل في اليوم التالي مثل ما فعل بالأمس، وبعد أيام قلائل زاد العدد واحدا بعد الآخر، وهكذا لما جاء الحق وصمد زهق الباطل وفر (2).

شبهات وردود
1 - أنه غير مكلف لأنها وظيفة العلماء فقصد: يقول الرازي في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ} [آل عمران: 104] أن "من" ها هنا ليست للتبعيض لدليلين:
الأول أن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة.
والثاني أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بقول الرسول: "من رأى منكم منكرا فليغيره" وأنها للتبيين كقوله تعالى: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 30].
2 - من شروط الدعوة العلم: ولكن العلم يتجزأ، فالإنسان عالم بشيء وجاهل بشيء آخر؛ ولذا يتوافر شرط وجوب الدعوة إلى ما علمه.
3 - فهم خاطيء: وهم تسرب إلى البعض في زمن الصديق فخطب فيهم: يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ
__________
(1) مواقف إيمانية: أحمد عيد 83: 85.
(2) مائة موقف من حياة المرشدين 47.
ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه يوشك أن يعمهم بعقاب".
4 - انتشار الباطل: وقد حصلت هذه الشبهة لأقوام سالفين قص الله لنا من أخبارهم: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)} [الأعراف: 164 - 165].
والآية الكريمة تشير إلى أن أهل القرية صاروا ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المعاصي، وفرقة أنكرت عليهم ووعظتهم، وفرقة سكتت عنهم فلم تفعل ولم تنته.
5 - لا يكلف الله نفسا إلا وسعها: يتعلل البعض بأن الدعوة إلى الله تسبب له تعبا لا يستطيع تحمله، وهذه حجة الضعفاء رقيقي الدين، فالتعب ينال العبد في حصوله على ربح مادي، فأولى بهم أن يتحملوا شيئا من التعب في الدعوة إلى الله {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ} [النساء: 104] وقد جاء أن أبا سفيان ومن معه من المشركين عزموا على الخروج إلى المدينة من غزوة أحد، فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن ينادي أن رسول الله يأمركم بطلب عدوكم ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال أمس.
فخرج سعد بن معاذ من داره يأمر قومه بالمسير وكلهم جرحى.
وخرج أسيد بن حضير وبه سبع جراحات، وقال: سمعا وطاعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وخرج من بني سلمة أربعون جريحا، وخرج الطفيل بن عمرو وبه ثلاثة عشر جرحا، وبالحارث بن الصمة عشر جراحات، فقال الرسول: "اللهم ارحم بني سلمة".
6 - ليس عندي وقت: الدعوة ليس لها وقت محدد بل في كل الأوقات كقول نوح: {قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5)} [نوح: 5].
وكما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في طريق الهجرة؛ إذ لقى في الطريق بريدة بن الحصيب الأسلمي في ركب من قومه فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا .. ويوسف عندما دخل السجن لم يشغله سجنه عن الدعوة إلى الله: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39].
7 - البعض يترك الدعوة لعدم استجابة الناس: المطلوب الدعوة وليس الاستجابة {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [العنكبوت: 18] يمدح الله نبيه إسماعيل بقوله: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ} [مريم: 55] وهو غير مكلف باستجابة الآخرين.
يجب استمرار الدعوة وإن لم يستجب أحد .. نوح لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما.
يقول الإمام النووي: لا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
ويقول السيوطي: وجوب الاستمرار على الدعوة إلى الله وحرمة اليأس، واحتمال الإجابة، لأن الأمور بيد الله وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فلا يستطيع الداعي أن يقطع بعدم إجابة فيجب عليه الاستمرار بالدعوة والوعظ في الإرشاد حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.
أجر الداعي على الله لا على العباد، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" الدال على الخير كفاعله". مسلم.
وقال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 72].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم". [البخاري].
وقال أيضا: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجوره شيئا". [مسلم] (1).
وقال أيضا:"من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا". [مسلم].
لما أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل يمر بالنبي والنبيين ومعهم القوم، والنبي والنبيين ومعهم الرهط، والنبي والنبيين وليس معهم أحد.
__________
(1) الظلال (1: 68).
يقول الله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272].
ويقول سيد قطب: إن أمر القلوب وهداها وضلالها ليس من شأن أحد من خلق الله، ولو كان هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه من أمر الله وحده.
فهذه القلوب من صنعه، ولا يحكمها غيره، ولا يصرفها سواه، ولا سلطان لأحد عليها إلا الله، وما على الرسول إلا البلاغ.
فأما الهدي فهو بيد الله، يعطيه من يشاء ممن يعلم سبحانه أنه يستحق الهدى، ويسعى إليه، وإخراج هذا الأمر من اختصاص البشر يقرر الحقيقة التي لابد أن تستقر في حس المسلم ليتوجه في طلب الهدى إلى الله وحده، وليتلقى دلائل الهدى من الله وحده، ثم هي تفسح في احتمال صاحب الدعوة لعناد الضالين، فلا يضيق صدره بهم وهو يدعوهم، وبعطف عليهم، ويرتقب إذن الله لقلوبهم في الهدى وتوفيقهم إليه بمعرفته حين يريد (1).
ويقول الراشد: يا من اعتزل بزهده مع جهله، تقدم واسمع ما أقول، يا زهاد الأرض تقدموا، خربوا صوامعكم، واقربوا مني، قد قعدتم في خلوتكم من غير أصل، ما وقعتم بشيء، تقدموا، خرب صومعتك أيها الهارب الذي ترزح تحت نير الأفكار الأرضية وآراء طواغيت القرن العشرين، وخذ مكانك في صفوف دعاة دعوة الإسلام (2).
...
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (2/ 314).
(2) المنطلق 115،114.

شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الفهم

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الخميس 15 فبراير 2018 - 15:36

الفهم
الإسلام دين شامل ولا يحبذ عزل الجانب الاجتماعي عن الأخلاقي عن التعبدي، فالمجتمع الذي تجد فيه تضخم الجانب التعبدي على الجانب الأخلاقي فتلك آفة العصر لا آفة الدين، إن الدين الإسلامي ليس بعقيدة فحسب ولكنه برنامج تفصيلي لحياة الإنسان كلها، فإن بترت الرجلين واليدين من جسم رجل وقلعت عينيه وقطعت أذنيه ولسانه واستخرجت معدته وكليته ونزعت رئتيه، وأخرجت المخ وأبقيت على القلب فهل سيمكن لهذا الجزء الباقي من الجسم أن يحيا وينبض؟! وهكذا الحال مع الإسلام فالعقيدة منه بمنزلة القلب، والعبادات أعضاؤه وجوارحه، ونظم الإسلام الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بمنزلة المعدة والكلية.
الحرب على الإسلام والمسلمين مستمرة، وباتت ثمرتهم قريبة المنال بعد أن أغرقوا الشعوب الإسلامية في مستنقع الجهل، وتفسخت الأخلاق، وتلاشت القيم، ونسي الله، وهم يعملون ليل نهار على تشويه صورة الإسلام، وتقديم مفاهيم خاطئة عن الإسلام والمسلمين، مما أثر على بعض المسلمين في فهمهم لدينهم، فأخذوا يعبدون الله على جهل أو خطأ؛ ومن هنا كانت أهمية فهم الإسلام فهمًا شاملاً لكل نواحي الحياة، وأهمية فهم فقه الأولويات وترتيب الأعمال في الإسلام، حتى لا نهتم بالسنن على حساب الواجبات، ولا بالنوافل مع إهمال الفروض.
صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتركون دفن الرسول - صلى الله عليه وسلم -وكلنا يعرف مكانته في قلوبهم- من أجل اختيار خليفة للمسلمين؛ لأنهم تربوا في مدرسة النبوة على كيفية ترتيب أولوياتهم، فوجود المسلمين بدون خليفة أخطر على الإسلام من تأخير دفن الرسول، فلما انتهوا من اختيار أبي بكر خليفة للمسلمين سارعوا بدفن الرسول دون أن يخرج من بينهم صوت يندد بفعلتهم، فالكل يفهم الإسلام جيدًا، ويعرف سلم الأولويات وترتيب الدرجات معرفة صحيحة (1).
__________
(1) من فقه الأولويات في الإسلام:9.
الإسلام دين شامل ولا يحبذ عزل الجانب الاجتماعي عن الأخلاقي عن التعبدي، فالمجتمع الذي تجد فيه تضخم الجانب التعبدي على الجانب الأخلاقي فتلك آفة العصر لا آفة الدين، إن الدين الإسلامي ليس بعقيدة فحسب ولكنه برنامج تفصيلي لحياة الإنسان كلها، فإن بترت الرجلين واليدين من جسم رجل وقلعت عينيه وقطعت أذنيه ولسانه واستخرجت معدته وكليته ونزعت رئتيه، وأخرجت المخ وأبقيت على القلب فهل سيمكن لهذا الجزء الباقي من الجسم أن يحيا وينبض؟! وهكذا الحال مع الإسلام فالعقيدة منه بمنزلة القلب، والعبادات أعضاؤه وجوارحه، ونظم الإسلام الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بمنزلة المعدة والكلية.
الحرب على الإسلام والمسلمين مستمرة، وباتت ثمرتهم قريبة المنال بعد أن أغرقوا الشعوب الإسلامية في مستنقع الجهل، وتفسخت الأخلاق، وتلاشت القيم، ونسي الله، وهم يعملون ليل نهار على تشويه صورة الإسلام، وتقديم مفاهيم خاطئة عن الإسلام والمسلمين، مما أثر على بعض المسلمين في فهمهم لدينهم، فأخذوا يعبدون الله على جهل أو خطأ؛ ومن هنا كانت أهمية فهم الإسلام فهمًا شاملاً لكل نواحي الحياة، وأهمية فهم فقه الأولويات وترتيب الأعمال في الإسلام، حتى لا نهتم بالسنن على حساب الواجبات، ولا بالنوافل مع إهمال الفروض.
صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتركون دفن الرسول - صلى الله عليه وسلم -وكلنا يعرف مكانته في قلوبهم- من أجل اختيار خليفة للمسلمين؛ لأنهم تربوا في مدرسة النبوة على كيفية ترتيب أولوياتهم، فوجود المسلمين بدون خليفة أخطر على الإسلام من تأخير دفن الرسول، فلما انتهوا من اختيار أبي بكر خليفة للمسلمين سارعوا بدفن الرسول دون أن يخرج من بينهم صوت يندد بفعلتهم، فالكل يفهم الإسلام جيدًا، ويعرف سلم الأولويات وترتيب الدرجات معرفة صحيحة (1).
__________
(1) من فقه الأولويات في الإسلام:9.
يهدمها الرسول إلا في العام الحادي والعشرين من البعثة أي قبل وفاته بعامين، فلقد حرص الرسول أن يهدم الأصنام الموجودة داخل النفس البشرية قبل تحطيم الأصنام التي كانت في جوف الكعبة وعلى سطحها، بل إنه - صلى الله عليه وسلم - طاف وأصحابه حول الكعبة في عمرة القضاء والأصنام لا تزال موجودة داخل وحول الكعبة (1).
صلاة الجمعة فرضت في العهد المكي ولكن الرسول لم يجمع بالمسلمين في مكة وذلك مخافة بطش المشركين بهم، وفي الوقت نفسه جمع أسعد بن زرارة بالمسلمين في المدينة قبل قدومه.
يقول الإمام القرطبي: قال ابن سيرين: جمع أهل المدينة من قبل أن يقدم النبي المدينة، وقبل أن تنزل الجمعة وهم الذين سموها الجمعة .. فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسموه يوم الجمعة حين اجتمعوا فذبح لهم أسعد شاة فتعشوا وتغدوا منها لقلتهم، فهذه أول جمعة في الإسلام (2).

فهم الأولويات
في صلح الحديبية أرسل المشركون سهيل بن عمرو ممثلاً عنهم ليكتب بينهم وبين المسلمين كتابًا بالصلح، فلما جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي الكاتب وكان الكاتب عليًا - رضي الله عنه - فيما رواه مسلم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اكتب: باسمك اللهم"، ثم قال: "هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب: محمد ابن عبد الله، فقال رسول الله: "والله إني لرسول الله وإن كذبتموني. اكتب: محمد بن عبد الله"، وفي رواية لمسلم فأمر عليًا أن يمحوها، فقال علي: لا والله لا أمحوها، فقال رسول الله: "أرني مكانها" فمحاها، فقال له النبي: "على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف فيه"، فقال سهيل: والله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة ولكن ذلك من العام القادم.
وليس مع المسلمين إلا السيوف في قرابها فقال سهيل: وعلى ألا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، ومن جاء منكم لم نرده عليكم، فقال المسلمون: سبحان الله! كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ والتفتوا إلى رسول الله يسألونه:
__________
(1) من فقه الأولويات في الإسلام: 99.
(2) الجامع لأحكام القرآن: (9/ 6577).
أنكتب هذا يا رسول الله؟ قال: "نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجًا وخرجًا" رواه مسلم.
وفي الصحيحين أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ألست نبي الله حقًا؟ قال: "بلى"، قلت: ألست على حق وعدونا على باطل؟ قال: "بلى"، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: "بلى"، قلت: ففيم نعطي الدنية في ديننا إذن؟! قال: "إني رسول الله ولست، أعصيه وهو ناصري"، قلت: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف فيه؟ قال: "بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ " قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به"، فلم يصبر عمر بن الخطاب حتى أتى أبا بكر فسأله مثل ما سأل النبي فقال له: يا ابن الخطاب، إنه رسول الله ولن يعصي ربه ولن يضيعه الله أبدًا .. فما هو إلا أن نزلت سورة الفتح على رسول الله فأرسل إلى عمر فأقرأه إياها، فقال: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: "نعم"، فطابت نفسه [البخاري ومسلم].
لقد كانت بنود الصلح في ظاهرها، وكما ينظر الإنسان بعقله القاصر كأنها في مصلحة المشركين، ولا تحقق مصلحة للمسلمين، ولكنها في حقيقتها وآثارها كانت في مصلحة المسلمين، يقول سيد قطب: كان فتحًا في الدعوة، يقول الزهري: فما فتحٌ في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضًا، والتقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، ولم يكلم أحد في الاسلام يعقل شيئًا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تلك السنين (بين صلح الحديبية وفتح مكة)، مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر. قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف، وكان ممن أسلم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.
وكان فتحًا في الأرض، فقد أمن المسلمون شر قريش، فاتجه رسول الله إلى تخليص الجزيرة من بقايا الخطر اليهودي بعد التخلص من بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة وكان هذا الخطر يتمثل في حصون خيبر القوية التي تهدد طريق الشام، وقد فتحها الله على المسلمين، وغنموا منها غنائم ضخمة جعلها الرسول فيمن حضر الحديبية دون سواهم.
وكان فتحًا في الموقف بين المسلمين في المدينة وقريش في مكة وسائر المشركين حولها،
فلقد اعترفت قريش بالنبي والإسلام وقوتهما وكيانهما، واعتبرت النبي والمسلمين أندادًا لها، بل دفعتهم عنها بالتي هي أحسن (1).

أولوية الأعمال
قد يكون العمل المعين أفضل منه في حق غيره.
فالغنى الذي بلغ له مال كثير ونفسه لا تسمح ببذل شيء منه فصدقته وإيثاره أفضل له من قيام الليل وصيام النهار نافلة.
والشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته، وقوفه في الصف ساعة وجهاده أعداء الله أفضل من الحج والصوم والصدقة والتطوع.
والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح.
وولي الأمر الذي قد نصبه الله للحكم بين عباده جلوسه ساعة للنظر في المظالم وإنصاف المظلوم من الظالم وإقامة الحدود ونصر المحق وقمع المبطل، أفضل من عبادة سنين من غيره.
ومن غلبت عليه شهوة النساء فصومه أنفع وأفضل من ذكر غيره وصدقته.
وتأمل تولية النبي لعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما من أمرائه وعماله وترك تولية أبي ذر بل قال له: "إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تؤمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم" وأمره وغيره بالصيام وقال: "عليك بالصوم فإنه لا عدل له" رواه أحمد، وأمر آخر بأن "لا تغضب" وأمر ثالثًا "بأن لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله". ومتى أراد الله بالعبد كمالاً وفقه لاستفراغ وسعه فيما هو مستعد له كالمريض الذي يشكو وجع البطن مثلاً إذا استعمل دواء ذلك الداء انتفع به وإذا استعمل دواء وجع الرأس لم يصادف داءه، فالشح المطاع مثلاً من المهلكات ولا يزيله صيام مائة عام ولا قيام ليلها وكذلك داء اتباع الهوى والإعجاب بالنفس لا يلائمه كثرة قراءة القرآن واستفراغ الوسع
__________
(1) في ظلال القرآن: (6/ 3316).
في العلم والذكر والزهد وإنما يزيله إخراجه من القلب بضده، ولو قيل أيهما أفضل: الخبز أم الماء؟ لكان الجواب: أن هذا في موضعه أفضل، وهذا في موضعه أفضل (1).

رجل يفهم رسالته
سأل صحفي الإمام الشهيد حسن البنا عن نفسه، وطلب منه أن يوضح بنفسه عن شخصيته للناس فقال -رحمه الله-: أنا سائح يطلب الحقيقة، وإنسان يبحث عن مدلول الإنسانية بين الناس، ومواطن ينشد لوطنه الكرامة والحرية والاستقرار والحياة الطيبة في ظل الإسلام الحنيف.
أنا متجرد أدرك سر وجوده، فنادى: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، هذا أنا فمن أنت؟ (2).

فهم مشقات الطريق
يقول حسن البنا: في صباح يوم من الأيام وأنا في طريقي إلى الفصل لإلقاء الدرس الأول أو الثاني رأيت ناظر المدرسة -وكان إذ ذاك "الأستاذ أحمد عبد الهادي سابق"- على باب حجرته ينظر إليَّ نظرات فيها غرابة فدلفت إليه وقلت: السلام عليكم ورحمة الله.
فابتسم وقال: وعليكم السلام، في لهجة فهمت أن وراءها شيئًا فقلت: خيرًا إن شاء الله.
فقال: خير خير.
فقلت: إيه الحكاية؟ لازم فيه حاجة.
فقال: حاجة!! محكمة الجنايات يا أستاذ حسن .. محكمة الجنايات يا حبيبي وكلنا كده إن شاء الله بربطة المعلم.
فقلت: .. لماذا؟
فقال: عريضة من رئيس الوزراء إلى وزير المعارف تقول إنك شيوعي ضد النظام القائم وضد الملك وضد الدنيا كلها.
__________
(1) عدة الصابرين: 104، 105.
(2) حكايات عن الإخوان (1/ 76).
فقلت: بس كده؟!! الحمد لله رب العالمين والله يا بك إذا كنا برآء فاسمع قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} [الحج: 38] وإذا كنا نخدع الناس بهذا الجهاد في سبيله وهذه الدعوة إلى دينه فإن محكمة الجنايات وجهنم قليل على الذين يخدعون الناس عن الدنيا بلباس الدين، فلا تهتم ودعها لله وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، أقسم لك أنه لن يكون إلا الخير، عن إذنك فقد مضى بعض وقت الحصة وهذه مخالفة لا أحبها، وتركت الرجل في مكانه مستغربًا هذه الردود، وانصرفت إلى الدرس وكلي ثقة وطمأنينة بأن هذا عبث أطفال ولن ينتهي إلا إلى النتيجة المحتومة لمثله: إهمال ونسيان (1).

دعوتنا لكل الناس
زار الإمام الشهيد البنا محافظة سوهاج، وبعد انتهاء المؤتمر دعي إلى مائدة، وجلس بجوار أحد الإخوة، وكان هذا الأخ يتمنى أن تتاح له هذه الفرصة ليهمس في أذن الإمام الشهيد بأمر مهم، فقال له: يا أستاذ، إن الدعوات لا تقاس بالكم وإنما بالكيف، فماذا لو وضعنا ضوابط للذين يريدون الانتساب، كأن نحدد لهم قدرًا من الثقافة الإسلامية يدرسونه، ويظلون زمنًا في إطار الانتساب وتحت الاختبار، ثم ينقل الصالح منهم إلى العضوية العاملة؟
فابتسم الإمام الشهيد، وقال: يا فلان، هل تريدون مني ما لم يرده الله من أنبيائه ورسله وهم صفوة خلقه؟! إننا دعوة لكل الناس وليست لفئة محدودة، يتربى فيها كل من يريد أن يخدم الإسلام مهما كانت مكانته وثقافته .. وكل ميسر لما خلق له، ومن يدري فلعل هذه الدعوة تواجه محنًا عاتية، تعدون فيها الرجال على الأصابع .. وجاءت المحن العاصفة، وثبت كثير من الذين كنا نحسبهم بسطاء في مكانتهم وثقافتهم. ولكنهم تخلقوا بمقومات الرجولة فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وسقط آخرون من أصحاب الثقافة الواسعة، والشخصيات اللامعة، ولله في خلقه شئون.

ابحثوا عن لافتة أخرى
عندما ثارت فتنة التكفير إثر محنة 1965 م انزلق العديد من السجناء في هذا المنعطف تحت وطأة التعذيب الوحشي والاضطهاد للدعوة الإسلامية وغيرها من الأسباب.
__________
(1) مذكرات الدعوة والداعية: 99.
ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة في، ثم تسلط علي فتفعل بي هذا.
قال: فأعجب منه وأحب أن يطلقه، فقال: قبل رأسي وأطلقك.
قال: ما أفعل، قال: تنصر وأزوجك بنتي وأقاسمك ملكي.
قال: ما أفعل، قال: قبل رأسي وأطلقك وأطلق معك ثمانين من المسلمين.
قال: أما هذه فنعم، فقبل رأسه وأطلق معه ثمانين من المسلمين، فلما قدموا على عمر بن الخطاب قام إليه عمر فقبل رأسه، قال: فكان أصحاب رسول الله يمازحون عبد الله فيقولون: قبلت رأس علج، فيقول لهم: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين (1).

تأخير الصلاة بعذر
عند فتح مدينة تستر ببلاد الفرس حاصر صحابة رسول الله ومن معهم من جموع المسلمين المدينة أشهرًا، وشددوا الحصار، وأشرقت نذر الاقتحام والنصر، وأصبحت الفرصة مواتية للظفر قبل الفجر، إلا أنهم لو أقدموا على اقتناصها لفاتتهم صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، فكان اجتهاد الصحابة أن يقتنصوا الفرصة، واقتحموا الحصن، وفتحت تستر -بفضل الله ورحمته- لتصبح إحدى قلاع الإسلام، ومدائنه الشهيرة في آسيا، وصلى المسلمون الصبح يومها بعد أن طلعت الشمس وأشرقت الأرض بنور ربها (2).
وقد ذكر البخاري هذه الواقعة في (باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو).
قال أنس: حضرت عند مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة، فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار، فصلينا ونحن مع أبي موسى، ففتح لنا، وقال أنس: وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها.

الإسلام والأديان المعاصرة
يقول الدكتور زغلول النجار: في مطلع الخمسينيات -وكنت لا أزال شابًا وقتها-
__________
(1) من فقه الأولويات في الإسلام: 134 - 135.
(2) المصدر السابق 135.
وكنت في بريطانيا؛ للحصول على الدكتوراه، فدعيت إلى محاضرة عن "الإسلام والأديان المعاصرة" وكانت في مقر اتحاد للطلبة هناك، كانوا يلتقون ليلة الجمعة من كل أسبوع في حوار مفتوح على أي قضية من القضايا، فسمعوا أن هناك شابًا مسلمًا قد أتى للحصول على الدكتوراه، فدعوني لهذه المحاضرة، وبعد أن تحدثت عن الإسلام وعلاقته بالأديان الأخرى، قامت رئيسة ذلك النادي، وقالت: يا سيدي، يبدو أن مستوى دراستك في الأديان أعلى من مستوانا جميعًا، لذلك فنحن لن نستطيع مناقشتك، فهل لديك مانع في تأجيل الحوار للأسبوع القادم، حتى نتمكن من دعوة أحد القساوسة الكاثوليك، الذي قد عاش في الشرق لسنوات طويلة، وله معرفة جيدة باللغة العربية، حتى يكون الحوار به شيء من التكافؤ؟ فقبلت ذلك، وتم تأجيل الحوار للأسبوع التالي، وذهبت إلى هناك في الأسبوع التالي، وقابلت ذلك الرجل، فإذا برجل قد جاوز الستين من عمره، وقد عاش فترة طويلة في مصر والعراق وليبيا وكثير من الدول العربية.
وبدأ الحوار بيننا، والذي استمر أكثر من ساعة ونصف، قامت بعدها المرأة أيضًا قائلة له: يا سيدي يبدو أن هذا الشاب أكثر تمكنًا منك في قضية الأديان، لذلك فأنا أعتذر اليوم مرة أخرى، وأدعو لاستمرار الحوار في الأسبوع القادم وأقوم بدعوة "البيشوب" -وهو رئيس الكنيسة في منطقة مجاورة-.
وأتى هذا الرجل في الأسبوع التالي، وقامت المدينة باحتفال كبير لاستقباله، حضره الكثير من رجال الصحافة والإذاعة والتليفزيون، ثم التقيت به في حوار طال أكثر من ساعة، قامت بعدها هذه السيدة قائلة: لقد مارست الكاثوليكية مدة خمسة وعشرين عامًا، ولكنني أعترف أمام الجميع أنني ما شعرت يومًا بمعنى الألوهية كما يشعر بها هذا الشاب، ثم تركت القاعة وخرجت، ثم علمت بعد ذلك أنها أسلمت، وحسن إسلامها، وأبلت بلاء حسنًا في الدعوة إلى الله في بريطانيا (1).
هذا ما دفع بعض قياداتهم -وهو أحد العلماء الأمريكيين- يوم وقف أمام جمع من المسلمين قائلاً: يا أيها المسلمون، إنكم لن تستطيعوا أن تسايروا الغرب تقنيًا ولا علميًا ولا اقتصاديًا ولا سياسيًا ولا عسكريًا، ولكنكم تستطيعون أن تجعلوا هذا
__________
(1) الذين هدى الله: 53 - 55.
الغرب المتجبر المتعالي يجثو على ركبه أمامكم في الإسلام، ثم يضيف قائلاً: أعطوني أربعين شابًا ممن يحسنون فهم هذا الدين فهمًا دقيقًا، ويحسنون تطبيقه على أنفسهم تطبيقًا دقيقًا، ويحسنون عرضه على الناس بلغة العصر، وأنا أكفل لكم أن أفتح لهم الأمريكتين.
حقًا -والله الذي لا إله غيره- فهذا هو السلاح الوحيد الذي بقى بأيدينا الآن، أن نفهم الإسلام، ونطبقه على أنفسنا، ثم نقوم بعرضه على الناس (1).

فهم رائع
ومن المواقف الرائعة في التاريخ الإسلامي التي تبين -بما لا يدع مجالاً للشك- أهمية فهم المسلمين لدينهم فهمًا صحيحًا، وأنه قد تضطرهم الظروف فيتركون واجبًا في سبيل تحقيق واجب أهم منه، ما حدث للمسلمين في بيروت عندما أرادوا أن يستنقذوا إخوانهم المحاصرين في عكا من قبل الصليبيين فحلقوا لحاهم وتزيوا بزي الصليبيين وعلقوا الصلبان ووضعوا الخنازير على سطح السفينة التي تحمل الطعام لإخوانهم المحاصرين واستطاعوا أن يخدعوا الصليبيين وأن يمروا من بينهم دون أن يشكوا في أمرهم (2).

هكذا كان عبد الله بن المبارك
خرج عبد الله بن المبارك إلى الحج، فاجتاز بعض البلاد فمات طائر معهم، فأمر بإلقائه على المزبلة، فخرجت جارية من دار قريته، فأخذت الطائر الميت، ولفته، وأسرعت به إلى الدار، فلما سألها: لم أخذت الميتة؟ قالت إنها وأخاها فقيران لا يجدان شيئًا، ولا يعلم بهما أحد.
فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار، قال: أبق منها عشرين دينارًا، وأعط باقي الألف إلى الجارية، وعد بنا إلى مرو، فهذا أفضل من حجنا هذا العام، ورجع ولم يحج (3).
__________
(1) الذين هدى الله 57 - 59.
(2) فقه الأولويات في الإسلام: 145 - 146.
(3) مائة موقف من حياة العظماء: 128.
فهم علم من أعلام السلف
جاء رجل إلى بشر بن الحارث الزاهد -المعروف ببشر الحافي- وقال له: عزمت على الحج (تطوعًا) أفتأمرني بشيء؟ قال له: كم أعددت للنفقة؟ قال له: أعددت ألفي درهم، فقال له بشر: فماذا تريد بحجك هذا: تزهدًا أو اشتياقًا إلى البيت الحرام، أو ابتغاء مرضاة الله؟ قال: بل ابتغاء مرضاة الله، قال له بشر: فإن أصبت مرضاة الله تعالى وأنت في منزلك، وتنفق ألفي درهم، وتكون على يقين من مرضاة الله تعالى، أتفعل ذلك؟ قال: نعم، قال: فاذهب فأعط هذا المال لعشرة أنفس: مدينًا يقضي دينه، وفقيرًا ترم شعثه، ومعيلاً (صاحب عيال) يغني عياله، ومُربي يتيم يفرحه، وإن قوي قلبك تعطيها واحدًا فافعل، فإن إدخال السرور على قلب المسلم، وإغاثة اللهفان وكشف الضر، وإعانة الضعيف أفضل من مائة حجة بعد حجة الفريضة، قم فأخرجها كما أمرناك (1).

إمكانيات أعدائك ماذا أعددت لها
كشفت النشرة الدولية لأبحاث التنصير في العالم أن المبالغ التي تلقتها المنظمات التنصيرية كمعونات عام 1996، بلغت 193 مليار دولار، والجدير بالذكر أن عدد هذه المنظمات 22 ألفا و 350 منظمة تمتلك 3200 محطة إذاعة وتلفاز خاصة بها .. إلى غير ذلك من الإمكانات. فأين أعمال المسلمين لنجدة إخوانهم وتقديم النفع لهم؟
يقول البنا: من ظن أن الدين -أو بعبارة أدق الإسلام- لا يعرض للسياسة، أو أن السياسة ليست من مباحثه، فقد ظلم نفسه، وظلم علمه بهذا الإسلام، ولا أقول ظلم الإسلام فإن الإسلام شريعة الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .. وجميل قول الإمام الغزالي: اعلم أن الشريعة أصل وأن الملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع .. فلا تقوم الدولة الإسلامية إلا على أساس الدعوة، حتى تكون دولة رسالة لا تشكيل إدارة، ولا حكومة مادة جامدة صماء لا روح فيها، كما لا تقوم الدعوة إلا في حماية تحفظها وتنشرها وتبغلها وتقويها (2).
__________
(1) إحياء علوم الدين (3/ 397).
(2) الرسائل: 317.
لا أنقد حكومتي خارج وطني
يقول الأستاذ عمر التلمساني: كان مراسلو الصحف والإذاعات يأتون إليَّ لإجراء أحاديث، والظاهرة العجيبة في كل تلك الأحاديث، أن المراسلين كانوا يحاصرونني بأسئلة دقيقة رغبة منهم في أن يحصلوا مني على انتقاد أو هجوم على الحكومات القائمة، وكنت أفسد عليهم هذه المحاولات، حتى قال لي أحد المراسلين في لندن: إنك تتهرب من الإجابات عن أسئلة واضحة، فكان جوابي: إن التهرب ليس من خلقي، ولكن طباعي تأبى علي أن أنقد حكومتي خارج وطني، ولا أشنع عليها في الخارج، بل أوجه مآخذي إليها مباشرة داخل مصر، وهو مبدأ وليس سياسة (1).
...
__________
(1) مائة موقف من حياة المرشدين 149.

شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العمل للإسلام

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 7:45

العمل للإسلام
العودة إلى الإسلام أمنية عظيمة لا نصل إليها بالكلام والدعاوي، وإنما لابد من العمل، فأعداء الإسلام يعملون ليل نهار لنشر باطلهم، فالأولى بأهل الحق أن يعملوا لنشر دعوتهم وتبليغها للناس، وليحتسبوا أجرهم عند الله، وهذه قصص من المخلصين في العمل للإسلام، قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].

الأعداء يعلمون لإنجاح مخططهم
يقول الشيخ أحمد القطان عن توبته: إن في الحياة تجارب وعبرًا ودورسًا، لقد مررت في مرحلة الدراسة بنفسية متقلبة حائرة، لقد درست التربية الإسلامية في مدارس التربية ولا تربية -ثمانية عشر عامًا وتخرجت بلا دين-، وأخذت ألتفت يمينًا وشمالاً: أين الطريق؟ هل خلقت هكذا الحياة عبثًا؟ أحس فراغًا في نفسي وظلامًا وكآبة، وحدي في الظلام لعلي أجد هناك العزاء، ولكني أعود حزينًا كئيبًا وتخرجت في معهد المعلمين سنة 1969 م، وفي هذه السنة والتي قبلها حدث في حياتي حدث غريب تراكمت فيه الظلمات والغيوم، إذ قام الحزب الشيوعي باحتوائي ونشر قصائدي في مجلاتهم وجرائدهم، والنفخ فيها، وأخذوا يفسرون العبارات والكلمات بزخرف من القول يوحي بعضهم إلى بعض .. حتى نفخوا فيَّ نفخة ظننت أنني أنا الإمام المنتظر، وما قلت كلمة إلا وطبلوا وزمروا حولها .. وهي حيلة من حيلهم، إذا أرادوا أن يقتنصوا ويفترسوا فردًا، ينظرون إلى هويته وهوايته، ماذا يرغب؟ ثم يدخلون عليه من هذا المدخل. رأوني أميل إلى الشعر والأدب فتعهدوا بطبع ديواني ونشر قصائدي، وعقدوا لي الجلسات واللقاءات الأدبية الساهرة .. ثم أخذوا يدسون السم في الدسم، يذهبون بي إلى مكتبات خاصة ثم يقولون: اختر ما شئت من الكتب بلا ثمن فأحمل كتبًا فاخرة .. أوراقًا مصقولة .. طباعة أنيقة عناوينها "أصول الفلسفة الماركسية" "المباديء الشيوعية" وهكذا بدأوا بالتدريج يذهبون بي إلى المقاهي الشعبية، فإذا جلست معهم على طاولة قديمة تهتز .. أشرب الشاي بكوب قديم وحول العمال .. فإذا مر رجل بسيارته الأمريكية الفاخرة قالوا: انظر،
هذا يركب السيارة من دماء آبائك وأجدادك .. وسيأتي عليك اليوم الذي تأخذها منه بالثورة الكبرى التي بدأت وستستمر .. إننا الآن نهيئها في "فارط" ونعمل لها، وإننا نهيئها في الكويت ونعمل لها، وستكون قائدًا من قوادها، وبينما أنا أسمع هذا الكلام أحس أن الفراغ في قلبي بدأ يمتليء بشيء .. لأنك إن لم تشغل قلبك بالرحمن أشغله الشيطان، فالقلب كالرحى .. يدور .. فإن وضعت به دقيقًا مباركًا أخرج لك الطحين الطيب .. وإن وضعت فيه الحصى أخرج لك الحصى، ويقدر الله بعد ثلاثة شهور أن نلتقي برئيس الخلية الذي ذهب إلى مصر وغاب شهرًا ثم عاد. وفي تلك الليلة أخذوا يستهزئون بأذان الفجر .. كانت الجلسة تمتد من العشاء على الفجر .. يتكلمون بكلام لا أفهمه مثل "التفسير المادي للتاريخ" "والاشتراكيون والشيوعية في الجنس والمال"، ثم يقولون كلامًا أمرره على فطرتي السليمة التي لا تزال .. فلا يمر .. أحس أنه يصطدم ويصك .. ولكن الحياء يمنعني أن أناقش فأسكت، ثم بلغت الحالة أن أذن المؤذن لصلاة الفجر .. فلما قال "الله أكبر" أخذوا ينكتون على رسول الله، وهنا بدأ الانفعال الداخلي والبركان الإيماني الفطري يغلي، وإذا أراد الله خيرًا بعبده بعد أن أراه الظلمات يسر له أسباب ذلك .. إذ قال رئيس الخلية: لقد رأيت الشيوعية الحقيقية في لقائي مع ( ... ) بمصر هو الوحيد الذي يطبقها تطبيقًا كاملاً، فقلت: عجبًا .. ما علامة ذلك؟!! قال: إذا خرجنا في الصباح الباكر عند الباب فكما أن زوجته تقبله تقبلني معه أيضًا، وإذا نمنا في الفراش فإنها تنام بيني وبينه .. وهكذا يقول .. والله يحاسبه يوم القيامة .. فلما قال ذلك نزلت ظلمة على عيني وانقباض في قلبي، وقلت في نفسي: أهذا فكر؟!! أهذه حرية؟!! أهذه ثورة؟!! لا ورب الكعبة إن هذا كلام شيطاني إبليسي!! ومن هنا تجرأ أحد الجالسين فقال له: يا أستاذ ما دمت أنت ترى ذلك، فلماذا لا تدع زوجتك تدخل علينا نشاركك فيها؟ قال: إنني ما أزال أعاني من مخلفات البرجوازية وبقايا الرجعية وسيأتي اليوم الذي نتخلص فيه منها جميعًا ..
ومن هذه الحادثة بدأ التحول الكبير في حياتي إذ خرجت أبحث عن رفقاء غير أولئك الرفقاء .. فقدر الله أن ألتقي بإخوة في "ديوانية" كانوا يحافظون على الصلاة .. وبعد صلاة العصر يذهبون إلى ساحل البحر ثم يعودون .. وأقصى ما يفعلونه أنهم يلعبون "الورقة"، ويقدر الله أن يأتي أحدهم إليَّ ويقول: يا أخ أحمد، يذكرون أن شيخًا من مصر اسمه "حسن أيوب" جاء إلى الكويت ويمدحون جرأته وخطبته، ألا تأتي معي؟ قالها من باب حب
الاستطلاع .. فقلت: هيا بنا .. وذهبت معه .. توضأت .. ودخلت المسجد .. وجلست .. وصليت المغرب .. ثم بدأ يتكلم .. وكان يتكلم واقفًا لا يرضى أن يجلس على كرسي .. وكان شيخًا كبيرًا شاب شعر رأسه ولحيته، ولكن القوة الإيمانية البركانية تتفجر من خلال كلماته؛ لأنه كان يتكلم بأرواح المدافع لا بسيف من خشب، وبعد أن فرغ من خطبته أحسست أني خرجت من عالم إلى عالم آخر .. من ظلمات إلى نور .. ولأول مرة أعرف طريقي الصحيح .. وأعرف هدفي في الحياة .. ولماذا خُلقت، وماذا يراد مني، وإلى أين مصيري.
وبدأت لا أستطيع أن أقدم أو أؤخر إلا أن أعانق هذا الشيخ وأسلم عليه، ثم عاد هذا الأخ يسألني عن انطباعي؟ فقلت له: اسكت وسترى انطباعي بعد أيام .. عدت في الليلة نفسها واشتريت جميع الأشرطة لهذا الشيخ .. وأخذت أسمعها إلى أن طلعت الشمس .. ووالدتي تقدم لي طعام الإفطار فأرده .. ثم طعام الغداء .. وأنا أسمع وأبكي بكاء حارًا .. وأحس أني قد ولدت من جديد .. ودخلت عالما آخر .. وأحببت الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وصار هو مثلي الأعلى وقدوتي .. وبدأت أنكب على سيرته قراءة وسماعًا .. حتى حفظتها من مولده إلى وفاته، فأحسست أنني إنسان لأول مرة في حياتي .. وبدأت أعود فاقرأ القرآن، فأرى كل آية فيه تخاطبني أو تتحدث عني {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122].
نعم .. لقد كنت ميتًا فأحياني الله .. ولله الفضل والمنة .. ومن هنا انطلقت مرة ثانية إلى أولئك الرفقاء الضالين المضلين .. وبدأت أدعوهم واحدًا واحدًا .. ولكن {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56] أما أحدهم فقد تاب بإذن الله وفضله، ثم ذهب إلى العمرة .. فانقلبت به السيارة ومات وأجره على الله. وأما رئيس الخلية فقابلني بابتسامة صفراء وقال: يا أستاذ أحمد .. إنني أحسدك لأنك عرفت الطريق الآن .. أما أنا فاتركني .. فإن لي طريقي ولك طريقك .. ثم صافحني وانصرف .. وظل هو كما هو حتى الآن، وأما البقية فمنهم من أصبح ممثلاً، ومنهم من أصبح شاعرًا يكتب الأغاني وله أشرطة "فيديو" يلقي الشعر وهو سكران .. وسبحان الذي يخرج الحي من الميت .. من تلك اللحظة بدأت أدعو إلى الله رب العالمين (1).
هكذا الأعداء يعملون ليل نهار لنشر دعوتهم الباطلة، فأين أنت منهم؟
__________
(1) مائة قصة وقصة- الهندي: 55 - 60.
يقول الدكتور زغلول النجار: هذه طبيبة في جيش القوات الأمريكية برتبة رائد، أسلمت، ثم علمت بعد قراءتها أنها لا يحل لها أن تحيا مع زوجها غير المسلم، فأتت وقالت: أنا متزوجة وعندي أطفال، وأنا حريصة على أسرتي، فماذا أفعل؟! فنصحها الإخوة بالاتصال بزوجها، عن طريق إرسال بعض الكتيبات والأشرطة عن الإسلام، ففعلت، ولكنه لم يسلم، فجاءت تشكو، فقالوا لها: ناقشيه على الهاتف.
وبالفعل بدأت تحاوره على الهاتف، لكنه لم يسلم أيضًا، فقالت: ماذا أفعل؟! فقالوا لها: ناقشيه، ونحن بجوارك نجيب عن تساؤلاته، وتمت المناقشة على الهاتف، حتى نطق الرجل بالشهادتين على الهاتف.
ثم بعد أن عادت إلى بلادها، أرسلت خطابًا لأحد الإخوة الذين كانوا يقومون بالدعوة هنا تقول له فيه: والله لقد أصبح هذا الرجل زوجًا مثاليًا ومحبًا وأكثر حرصًا على بيته آلاف المرات منه قبل أن يسلم.
هذه بعض القيادات التي أتت إلى هنا لتنصير المسلمين فعادت بالإسلام .. وهذا هو الإسلام، وهذا هو واجبنا تجاهه.

إسلام المغول
كان بركة خان أول من أسلم من أمراء المغول، وكان رئيسًا للقبيلة الذهبية في روسيا، وقيل في سبب إسلامه: إنه تلاقى يومًا مع عير للتجار آتية من بخارى، ولما خلا بتاجرين منهما سألهما عن عقائد الإسلام، فشرحاها له شرحًا مقنعًا انتهى إلى اعتناقه هذا الدين والإخلاص له. وقيل: إن إسلام (تغلق تيمور خان) ملك كاشغر كان على يد رجل من أهل بخارى، يقال له: الشيخ جمال الدين، وكان معه جماعة من التجار، وكانوا قد اعتدوا على الأراضي التي خصصها ذلك الأمير للصيد، فأمر بأن توثق أيديهم وأرجلهم، وأن يمثلوا بين يديه، ثم سألهم في غضب: كيف جرؤوا على دخول هذه الأرض؟
فأجاب الشيخ بأنهم غرباء، ولا يعلمون أنهم يجوسون أرضًا محرمة، ولما علم أنهم من الفرس قال: إن الكلب أغلى من أي فارسي، فأجاب الشيخ: نعم قد كنا أخس من الكلب وأبخس ثمنا منه لو أننا لم ندن بالدين الحق.
وراع الأمير ذلك الجواب، وأمر بأن يقدم إليه ذلك الفارسي الجسور عند عودته من
الصيد، ولما خلا به سأله: ماذا يعني بهذه الكلمات؟ وما ذلك الدين؟
فعرض عليه الشيخ قواعد الإسلام في غيرة وحماس، انفطر لها قلب الأمير، حتى كاد يذوب كما يذوب الشمع.
قال: ولكني اعتنقت الإسلام الآن، فلن يكون من السهل أن أهدي رعاياي إلى الصراط المستقيم .. فلتمهلني قليلا، فإذا ما آلت إلي مملكة أجدادي فعد إليَّ، وقد كان، ودخل التتار في الإسلام (1).
كن متفائلاً ونشيطًا في دعوة الناس، والعمل لدين الله.

إخلاص وعمل
يقول عمر التلمساني: كنت يومًا أجلس في حديقة السلاملك الصغيرة، ومعي زوجي وأطفالي والكتاكيت تقفز من حولنا، وجاء خفير العزبة يقول: اثنان أفندية يريدان مقابلتك، قلت: من أنبأهما أنني هنا؟ قال: كنت جالسًا وبعض فلاحي العزبة فمرا علينا وألقيا علينا السلام، وقال أحدهما: هل يقيم في هذه العزبة أحد من أصحابها؟ قلنا: نعم. قالا: وفيم يعمل؟ قلنا: محاميًا أهليًا.
قالا: هل يصلي؟ قلنا: نعم، قالا: فاستأذن لنا عليه.
قلت: أحضرهما.
وحضرا وسلما وجلسا، وعرفاني بنفسيهما، ورغم تجردهما من المؤهلات الدراسية، فقد كان مستوى حديثهما يفوق مستوى كثير من ذوي المؤهلات العلمية، ولم يضيعا وقتًا، ولكنهما بدءا الحديث عما جاءا من أجله.
سألني أحدهما: ماذا تفعل خارج مهنتك؟ وبدا السؤال في نظري بعيدًا عن مألوف اللياقة.
فقلت ساخرًا: أربي كتاكيب كما ترى. فاستمر في أسلوبه بعد أن كساه شيئًا من الجدية.
قال: وهل مسلم مثلك يضيع أوقاته في تربية الكتاكيت، وهناك من هو أولى باهتمامك؟
قلت مستفسرًا: ومن هو ذلك الأولى؟
__________
(1) الدعوة الفردية: 20 - 22.
قال: وقد ازداد حماسة وجدية: إخوانك في العقيدة.
قلت: أولئك يتولى الأزهر أمرهم والحكومة معه.
قال: وهل تقوم الحكومة والأزهر بتحقيق ما تقول؟ فسكت.
ولكنه ألح علي في شيء من الخشونة .. مالك لا تجيب؟
فراوغ قائلاً: ماذا تريدان مني؟ دعوني وشأني.
فقال الآخر متلطفًا: إنك محق في ظاهر الأمر، فلتطلب منا أن ندعك وشأنك، ولكن هل ترضى لنفسك وقد منحك الله علمًا وإقبالاً عليه .. هل ترضى لنفسك ألا تهتم بشأن المسلمين؟
قلت: وقد أحسست بشيء من التجاوب: عندي الرغبة، ولكني غير متبين معالم الطريق.
قال: لا عليك في هذا .. ضع يدك في أيدينا ندلك على الطريق.
قلت: بلا روية ولا استعداد ولا تفكير.
قال: وهل حال المسلمين اليوم يرى تريثًا بعد ما ترى من سوء حالهم؟
قلت جانحًا للتعاون معهما: من أنتما؟ وما طريقة عملكما؟ وما دعوتكما؟
قالا معًا: نحن جماعة الإخوان المسلمين.
قلت: لم أسمع عن هذه الجماعة من قبل.
قالا: ما أنت قد سمعت، فما عساك فاعل؟
قلت: أعرف المنهاج.
قالا: كتاب الله وسنة رسوله.
قلت: وكيف أتصل بهذه الجماعة؟
قالا: سنزورك غدًا إن شاء الله.
وفي الغد جاءا إلى المكتب وكأنهما قد أمسكا بصيد. وقال أحدهما: ما قرارك؟
قلت: خيرًا .. إني لمست في كلامكما جدية ما لي بها من عهد، ورأيت فيما تدعوانني إليه خيرًا كثيرًا لي أولاً وللمسلمين ثانيًا.
قال: إذن سأحدد لك موعدًا تلقى فيه فضيلة المرشد العام.
وأفاض فضيلته في شرح أهداف الدعوة ووسائلها المشروعة، وكان يتكلم في صدق المخلصين وأسى المحزونين على ما يصيب المسلمين في أنحاء الأرض.
ولما أنهى حديثه سألني: هل اقتنعت؟
وقبل أن أجيب قال في حزم: لا تجب الآن .. وأمامك أسبوع تراود فيه نفسك، فإني لا أدعوك لنزهة، ولكني أعرضك لمشقات، فإن شرح الله صدرك فتعال الأسبوع القادم للبيعة، وإن تحرجت فيكفعني منك أن تكون صديقًا للإخوان المسلمين.
وعدت في الموعد .. وبايعت .. وتوكلت على الله (1).
يقول فتحي يكن: إن الداعية الحق هو الذي يعيش لسواه لا لنفسه، ويكون ديدنه الدوران حول مجتمعه وحول المسلمين وليس حول ذاته، وهو الذي يعمل على توفير الراحة للآخرين، ولو على حساب راحته .. فإذا قامت الوشائج بين الداعية والناس تحقق الوصال والاتصال، وتحقق التأثر والأثر، ونجحت المهمة، وآتت الدعوة أكلها بإذن ربها، وإن كان غير ذلك لم تكن دعوة ولا داعية (2).

الفهم الجيد للإسلام
عبد الله بن المبارك كان يرابط في سبيل الله بثغر من ثغور المسلمين يُبعث برسالة إلى أخيه الفضيل بن عياض يعاتبه فيها لأنه ترك الرباط في سبيل الله، وانقطع لعبادة الله في المسجد الحرام يقول له:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك بالعبادة تلعب
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... رهج السنابك والغبار الطيب
__________
(1) الدعوة الفردية بين النظرية والتطبيق: 23 - 26.
(2) الاستيعاب: 64.
يقول الأستاذ البهي الخولي في "تذكرة الدعاة":
ولقد كتب ابن المبارك هذا الكلام لصديقه في وقت لم يكن فيه الجهاد فرض عين، ومع هذا وصف عبادته بأنها لعب، وهي عبادة تقع في أشرف بقعة على ظهر الأرض، ترى ماذا كان يقول ابن المبارك لصديقه لو أن الجهاد فرض عين؟
وماذا كان يقول عن العبادة لو أنها كانت في غير المسجد الحرام؟!

العزيمة القوية
حدث أكثر من مرة أن قاد صلاح الدين وهو مريض، وأخذ ينظم جيوشه ويقاتل أعداءه، وهو يعاني آلام المرض، وابن شداد يتعجب من ذلك فيرد عليه صلاح الدين قائلاً: إذا ركبت يزول عني ألمها.
يقول فتحي يكن: "الداعية لا تكون دعوته بحمل الأفكار والنظريات المجردة إلى من حوله .. قبلوها أم رفضوها، وإنما أن يعيش هذه الأفكار معهم، ويترجمها لهم على أرض الواقع أفعالاً وأخلاقًا وممارسات، والداعية لا تكون دعوته بمفاصلة الناس وإقامة الحجة عليهم، وإنما بأخذ كل الأسباب التي تؤدي إلى هدايتهم.
فهو من موقع الحب لهم، والغيرة عليهم، والرحمة بهم يكابد من أجل استنقاذهم من حمأة الجاهلية وشقوتها إلى نعيم الإسلام، ولذلك فهو لا يسارع إلى مدابرتهم ومقاطعتهم ومفاصلتهم، وهذا كله يحتاج منه إلى حلم ورفق.
إن على الداعية أن يعتبر نفسه مربيًا للناس ومعلمًا لهم، وإن عليه ليكون ناجحًا في تربيته وتعليمه ألا يعاملهم كأنداد، وألا يتعامل معهم كند، وهو إن فعل ذلك أصبح مثلهم، وفقد عنصر القوامة عليهم، يقول الراشد: ولا يكون داعية اليوم إلا من يفتش عن الناس ويبحث عنهم، ويسأل عن أخبارهم، ويرحل للقائهم، ويزورهم في مجالسهم ومنتدياتهم، ومن انتظر مجئ الناس إليه في مسجده أو بيته فإن الأيام تبقيه وحده، ويتعلم فن التثاؤب (1).
__________
(1) المنطلق: 126.
لو خرجنا بواحد لكفى
يقول الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله: ذهبت مع الإمام الشهيد مرة إلى مدينة طوخ بالقليوبية، وكان الحفل حاشدًا، والهتافات عالية، وفي الطريق سألني فضيلته: ما رأيك في الحفل؟ قلت: إن الصخب شديد، والأصوات العالية لا تطمئنني كالطبل الأجوف، قال: اسمع، نحن على قدم رسول الله، كان يعرض نفسه على الناس في الأسواق، فلا يلقى إلا السخرية والإيذاء، فهلا نصبر على بطء الاستجابة، إننا لو خرجنا من هذه الآلاف بواحد فقط، فذلك خير من الدنيا وما فيها (1).
...
__________
(1) مائة موقف من حياة المرشدين: 43.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجهاد

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 7:58

الجهاد
معنى الجهاد لغة: هو استفراغ ما في الوسع والطاقة من قول أو فعل.
وفي الاصطلاح: بذل المسلم طاقته وجهده في نصرة الإسلام ابتغاء مرضاة الله.
ويقول الاستاذ سعيد البوطي: الجهاد هو بذل الجهد في سبيل إعلاء كلمة الله. والقتال نوع من أنواعه، وأما غايته فهي إقامة المجتمع الإسلامي وتكوين الدولة الإسلامية الصحيحة.

الجهاد في كتاب الله
يقول تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78].
ويقول سبحانه: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41].
ويقول عز وجل: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 95 - 96].
ويقول تعالى: {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95)} [النساء: 95].
وبقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13)} [الصف: 10 - 13].
وآيات الجهاد كثيرة.
ومن أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - نذكر منها:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله" قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور" [متفق عليه].
وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" [متفق عليه].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات أُجرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأُجري عليه رزقه، وأمن الفتان" [رواه مسلم].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض" [رواه البخاري].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله [رواه الترمذي].
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم" [متفق عليه].

جهاد النفس
كان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه: يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟
ومر حسان بن أبي سنان بغرفة فقال: متى بنيت هذه؟ ثم أقبل على نفسه، فقال: تسألين عما لا يعنيك؟ لأعاقبنك بصيام سنة فصامها.
وقال محمد بن المنكدر إنني خلفت زياد بن أبي زياد وهو يخاطب نفسه في المسجد، يقول: اجلسي، أين تريدين أن تذهبي؟ أتخرجين إلى أحسن من هذا المسجد؟ انظري إلى ما فيه، تريدين أن تبصري دار فلان، ودار فلان؟
قال: وكان يقول لنفسه: مالك من الطعام يا نفسي إلا هذا الخبز والزيت، ومالك من الثياب إلا هذان الثوبان، ومالك من النساء إلا هذه العجوز، أفتحبين أن تموتي؟
فقالت: أنا أصبر على هذا العيش.
هل تحرص على تدريب نفسك على تناول أطعمة لا تحبها، وتقلل من المشروبات المفضلة لديك؟

الجهاد بالمال
دعم أبو بكر الدعوة بالمال والرجال والأفراد، فراح يشري العبيد والإماء المملوكين من المؤمنين والمؤمنات، فقد أعتق النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، مر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا، فقال أبو بكر: كل يا أم فلان، فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما، قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
وقال: قد أخذتهما وهما حرتان أرجعا إليها طحينها. قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما.
وهنا وقفة تأمل ترينا كيف سوى الإسلام بين الصديق والجاريتين حتى خاطبتاه خطاب الند للند، لا خطاب المسود للسيد، وتقبل الصديق على شرفه وجلالته في الجاهلية والإسلام منهما ذلك، مع أن له يد عليهما يد بالعتق، وكيف صقل الإسلام الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لها طحينها يذهب أدراج الرياح، أو يأكله الحيوان والطير، ولكنهما أبتا تفضلاً، إلا أن تفرغا منه، وترداه إليها.
ومر الصديق بجارية بني مؤمل -حي من بني عدي بن كعب- وكانت مسلمة، وعمر ابن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك يضربها، حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك إني لم أتركك إلا عن ملال فتقول: فعل الله بك. فابتاعها أبو بكر فأعتقها (1).

تحويل شيك للمجاهدين
أرسلت وزارة الثقافة بدولة الإمارات دعوة للأستاذ عمر التلمساني عام 1982 م فلبى الدعوة، وألقى محاضرة في النادي الثقافي بأبي ظبي حيث جاء جمع غفير ملأ القاعة لم يأت قبله مثله. وعقد التليفزيون عدة ندوات مع الأستاذ المرشد وكذلك جريدة الاتحاد.
__________
(1) أبو بكر الصديق للصلابي: 48.
وفي نهاية الزيارة قدمت الوزارة تحية لضيفها الكبير شيكًا بخمسة وثلاثين ألف درهم، فشكر الأستاذ عمر لهم هذا الصنيع الكريم. ثم قال للأستاذ جابر رزق في الحال: حوِّل هذا الشيك إلى المجاهدين الأفغان (1).
هل أنت على استعداد أن تصرف حافزًا من حوافز عملك لإخوانك في فلسطين؟

الجهاد التعليمي
قال البخاري: لما طَعَنت في ثمان عشرة، جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وصنفت كتاب التاريخ إذ ذاك عند قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الليالي المقمرة، وقل اسم في التاريخ إلا وله قصة إلا أني كرهت تطويل الكتاب.
وقال: وما وضعت في كتابي الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعت البخاري يقول: خرجت إلى آدم بن أبي إياس، فتخلفت عني نفقتي، حتى جعلت أتناول الحشيش، ولا أخبر بذلك أحدًا، فلما كان اليوم الثالث، أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرة دنانير، وقال: أنفق على نفسك.
وقال البخاري: احفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.
وقال الفريري: أملى البخاري يومًا عليَّ حديثًا كثيرًا، فخاف ملالي، فقال: طب نفسًا، فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجارتهم، وأنت مع النبي وأصحابه.
وقال حاشد بن إسماعيل وآخر: كان أبو عبد الله البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة، وهو غلام، حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له: إنك تختلف معنا ولا تكتب، فما تصنع؟ فقال لنا يومًا بعد ستة عشر يومًا: إنما أكثرتما علي وألححتما، فأعرضا عليَّ ما كتبتما، فأخرجنا إليه ما كان عندنا، فزاد على خمسة عشر ألف حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب، حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه، ثم قال: أترون أني أختلف هدرًا، وأضيع عمري؟! فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد.
__________
(1) مائة موقف من حياة المرشدين: 136.
احرص على طلب العلم ونشره ابتغاء وجه الله.

الجهاد السياسي
عالم أزهري والخديو إسماعيل
لما وقعت الحرب بين مصر والحبشة، وتوالت الهزائم على مصر، لوقوع الخلاف بين قوادها وجيوشها، ضاق صدر الخديو لذلك، فركب يومًا مع شريف باشا، وهو محرج فأراد أن يفرج عن نفسه فقال لشريف باشا: ماذا تصنع حينما تلم لك مُلمة تريد أن تدفعها؟ فقال: يا أفندينا، إن الله عودني إذا حاق بي شيء من ذلك أن ألجأ إلى صحيح البخاري، يقرؤه لي علماء أطهار الأنفاس، فيفرج الله عني.
قال: فكلم الخديو شيخ الأزهر -وكان الشيخ العروسي- فجمع له صلحاء العلماء يتلون صحيح البخاري أمام القبة القديمة في الأزهر.
قال: ومع ذلك ظلت الهزائم تتوالى، فذهب الخديو ومعه شريف إلى العلماء، وقال محنقًا: إما إن هذا الذي تقرأونه ليس صحيح البخاري، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح، فإن الله لم يدفع بكم ولا بتلاوتكم شيئًا.
فوجم العلماء، وابتدره شيخ من آخر الصف يقول له: منك يا إسماعيل، فإنا روينا عن النبي أنه قال: "لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعو خياركم، فلا يستجاب لهم" فزاد وجم الشيوخ، وانصرف الخديو ومعه شريف، ولم ينبسا بكلمة، وأخذ العلماء يلومون القائل ويؤنبونه، فبينما هم كذلك إذا بشريف باشا قد عاد يسأل: أين الشيخ القائل للخديو ما قال؟
فقال الشيخ: أنا، فأخذه وقام، وانقلب العلماء بعد أن كانوا يلومون الشيخ يودعونه وداع من لا يأمل أن يرجع، وسار شريف بالشيخ إلى أن دخلا على الخديو في قصره، قاعد في البهو، وأمامه كرسي أجلس الشيخ عليه، قال له: يا أستاذ ما قلته لي في الأزهر؟ فأعاد عليه الشيخ كلمته، وردد الحديث وشرحه، فقال له الخديو: وماذا صنعنا حتى ينزل بنا البلاء.
قال له: يا أفندينا أليست المحاكم المختلطة فتحت بقانون يبيح الربا؟ أليس الزنا
يختاره بإذنه، ليس لهم من الأمر شيء، ولا حول ولا قوة، ولكن الله يختارهم لتنفيذ مشيئته، فيكون منهم ما يريده بإذنه، وهي حقيقة خليقة بأن تملأ قلب المؤمن بالسلام والطمأنينة واليقين (1).

وقفة
قال البنا: إن الأمة التي تحسن صناعة الموت، وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة، يهب لها الله الحياة العزيزة في الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، وما الوهم الذي أذلنا إلا حب الدنيا وكراهية الموت، فأعدوا أنفسكم لعمل عظيم واحرصوا على الموت توهب لكم الحياة.
واعلموا أن الموت لابد منه، وأنه لا يكن إلا مرة واحدة، فإن جعلتموها في سبيل الله كان ذلك ربح الدنيا وثواب الآخرة، وما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، وتدبروا جيدًا قول الله تبارك وتعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154]. فاعملوا للموتة الكبرى تظفروا بالسعادة الكاملة.

عزاء والد الشهيد
يقول الأستاذ عمر التلمساني: لقد أحيا الإمام الشهيد البنا روح الجهاد في نفوس أبناء هذا الجيل، وتأثر الإمام، وتأثر الشباب، وتأثر آباؤهم وكانت مواقف رائعة.
استشهد أحد أبناء الإخوان في فلسطين، فذهب الإمام إلى والد الشهيد ليعزيه، فسمع الناس ورأوا درسًا باهرًا، وقال الوالد للإمام: إن كنت جئت معزيًا فارجع أنت ومن معك. وأما إن كنت جئت لتهمئني فمرحبًا بك وبمن معك، لقد علمتنا الجهاد وبينت لنا ما فيه من عزة ورفعة في الدنيا، وأجر كريم في الآخرة فجزاك الله خيرًا، وإني لحريص على
__________
(1) في ظلال القرآن: (1/ 270).
مضاعفة الأجر، فها هو ولدي الثاني، أقسمت عليك لتصحبنه إلى ميادين الجهاد، فانهمرت الدموع، وعلا النشيج، وتصاعدت الزفرات (1).

الرحمة في الجهاد الإسلامي
لما كانت الغاية في الجهاد الإسلامي أنبل الغايات، كانت وسيلته كذلك أفضل الوسائل، فقد حرم الله العدوان، قال تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] وأمر بالعدل حتى مع الأعداء والخصوم، قال تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8]. وأرشد المسلمين إلى منتهى الرحمة.
فهم حينما يقاتلون لا يعتدون ولا يفجرون، ولا يمثلون ولا يسرقون، ولا ينتهبون الأموال، ولا ينتهكون الحرمات ولا يتقدمون بالأذى، فهم في حربهم غير محاربين كما أنهم في سلمهم أفضل مسالمين.
عن بريدة - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمرَّ الأمير على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى، ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال:"اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا" [رواه مسلم].
كما ورد النهي عن قتل النساء والصبيان والشيوخ والإجهاز على الجرحى، وإهانة الرهبان ومن لا يقاتل من الآمنين، فأين هذه الرحمة من غارات المتمدينين الخانقة وفظائعهم الشنيعة؟ وأين قانونهم الدولي من هذا العدل الرباني الشامل؟ اللهم فقَّه المسلمين في دينهم، وأنقذ العالم من هذه الظلمات بأنوار الإسلام.

من جهاد الأبطال
لقد اعتقل يوسف طلعت وإخوانه عام 1949م وهم في ميدان الجهاد في فلسطين، وأقيم له معسكر اعتقال بإشراف الجيش المصري، ثم نقلوا إلى معتقل الطور، وحين خرج من المعتقل لم يهدأ، بل ظل يهاجم الإنجليز في المعسكرات بقناة السويس مع أخيه محمد فرغلي والإخوان المجاهدين، حتى إن الانجليز وضعوا جائزة قيمة لمن يعثر عليه أو على أخيه الشيخ فرغلي حيًّا أو ميتًا، فما كان منه إلا أن خرج أمامهم متنكرًا في هيئة شيخ كبير السن يحمل طفلاً رضيعًا، فلم يتعرضوا له لما يتمتع به من هدوء الأعصاب، والقدرة
__________
(1) مائة موقف من حياة المرشدين:56 - 66.
على تجاوز الصعاب دون أدنى خوف أو وجل (1).
يقول نجل الشهيد عبد العزيز الرنتيسي -قبيل وفاة أبيه-: أستيقظ أبي واغتسل وتعطر، وأخذ ينشد -على غير عادته- نشيدًا إسلاميًا مطلعه: أن تدخلني رب الجنة هذا أقصى ما أتمنى، وأضاف: التفت إلى والدتي وقال لها: إنها أفضل الكلمات التي أحبها في حياتي، وحينها شعرت بالقلق (2).

المسلمون = جهاد
كلمة المسلمين "معرفة ونكرة" وردت في القرآن 41 مرة، وكذلك كلمة الجهاد بمشتقاتها وردت 41 مرة في القرآن الكريم، وفي هذا إشارة إلى أن المسلمين = جهاد، أي لا مسلمون بلا جهاد ولا جهاد بلا مسلمين، فكأن الجهاد المقدس لا يصدر إلا من مسلم، وليس هناك مسلم إلا ويجاهد لرفعة دينه (3).

حب الشهادة
في إحدى معارك 1948 م بفلسطين يقول أحمد عيد: كانت ذراع أحدهم تنزف بغزارة، تقدمت منه وحاولت أن أثنيه عن عزمه بجذبه أو هزه؛ لعله في غيبوبة فيفيق منها فنظر إليَّ بعينين براقتين، وقال: ليتها كانت القاضية يا أخي، إنني أشم رائحة الجنة فكيف تحرمني من هذا النعيم؟
دعني أمضي في سبيلي، فلم أر مناصًا من موافقته على ما أراد، وأذعن لمشيئته، ومضينا صعودًا والنيران تنهمر كأفواه القرب، غزارة ثم طيشًا، إلى غير هدف كأن أيدي خفية تصدها عنا، وتحمينا من لظاها، وكنا كلما اقتربنا من خط العدو انفرجت أساريرنا وزاد حماسنا.
فجأة ظهرنا بمجموعاتنا كاملة، وفي أيدينا خناجر، تلمح وتضيء، فتمزق أستار الليل، وتمزق جنود العدو الهارب.
ورحنا نتنادى ونتعارف، الله أكبر ولله الحمد، والمواقع تنهار، وكأنها الهشيم، وسكن
__________
(1) من أعلام الحركة الإسلامية: 555.
(2) مذكرات الشهيد الرنتيسي: 12.
بالسلوك الحميد واللمحة الطيبة والمعاملة الحسنة، علينا أن نبلغها بالدفاع عنها بالفكر والجهاد والقلم واليد واللسان، حتى تصل إلى الناس جميعًا، وحتى نؤدي واجب هذه الدعوة (1).

حزن عميق
والله إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لما حل بأمة الإسلام لمحزونون!!
أهذه هي الأمة التي زكاها ربها، وكرمها في قرآنه حين قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].
أهذه هي الأمة التي زكاها ربها بالاعتدال والوسطية، فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].
أهذه هي الأمة التي زكاها الله في القرآن بالألفة والوحدة، فقال سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92].
ألا يا نفس ويحك ساعديني ... بسعي منك في ظلم الليالي
لعلك في القيامة أن تفوزي ... بطيب العيش في تلك الفلالي

الخوف من الله دفعه للشهادة
ثابت بن قيس رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم هلعًا جزعًا ترتعد فرائصه خوفًا وخشية، فقال له: "ما بك يا أبا محمد؟! " فقال: أخشى أن أكون قد هلكت يا رسول الله. قال: "ولم؟! " قال: لقد نهانا الله عز وجل عن أن نحب أن نحمد بما لم نفعل، وأجدني أحب الحمد، ونهانا عن الخيلاء، وأجدني أحب الزهو، فما زال الرسول صلوات الله وسلامه عليه يهديء من روعه حتى قال: "يا ثابت، ألا ترضى أن تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة؟ " فأشرق وجه ثابت بهذه البشرى، وقال: بلى يا رسول الله، بلى يا رسول الله، فقال الرسول: "إن لك ذلك".
فأقبل ثابت على الجهاد، لطلب الشهادة ودخول الجنة، ومضى به الأجل إلى حروب الردة ضد مسيلمة الكذاب ومدعي النبوة، وفيها تحنط ثابت وتكفن ووقف على رءوس
__________
(1) شهيد أيقظ أمة: 85.
الأشهاد وقال: يا معشر المسلمين، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله؛ بئس ما عودتم أعداءكم من الجرأة عليكم، وبئس ما عودتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثم رفع طرفه على السماء وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك -يعني مسيلمة وقومه-، وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء -يعني المسلمين-.
ثم هب هبة الأسد الضاري كتفًا لكتف مع الغر الميامين: البراء بن مالك الأنصاري، وزيد بن الخطاب أخو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم وغيرهم من المؤمنين السابقين، وأبلى بلاء عظيمًا ملأ قلوب السلمين حمية وعزمًا، وشحن أفئدة الشركين وهنًا ورعبًا. وما زال يجالد في كل اتجاه، ويضارب بكل سلاح حتى أثخنته الجراح، فخر صريعًا على أرض المعركة، قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشره بها حبيبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلوج الصدر بما حقق الله على يديه للمسلمين من النصر.
ولم يقف بهم الشوق إلى الشهادة لنيل الجنة إلى هذا الحد، ولكنهم وجدوا ريح الجنة في مكان نيلها، وهم أحياء قبل الشهادة (1).

يا فلسطين
كيف أبدي بأحرف ما أريد ... وبماذا تراه يحكي القصيد
كل يوم تدق بابي عظات ... ويهز الفؤاد خطب جديد
لك الله يا شعب فلسطين، صراخ وعويل وأنين، وقتل وتشريد للمدنيين، هتك عرض، ونهب أرض، وهدم بيوت، وأنفس تقتل وتموت، وآلاف المعتقلين بالسجون، وجرحى ومصابون، وآخرون مشوهون ومعاقون، فإنا لله وإنا إليه راجعون (2).
كيف ننام ملء جفوننا، ونحن نرى صور الأمهات الثكالى، وهن ينتحبن بجوار جثث أبنائهن وأزواجهن. نساء ضعيفات عجائز كبيرات يرمقن الجنائز بعين الأسى والحسرة.
إلى متى تلك المجازر يا بني ... قومي أما اهتزت لكم أعراق
أوليس من قُتلوا ومن صُلبوا ... لنا أهلاً فأين البر والإشفاق
__________
(1) خير القرون: (2/ 206 - 207).
(2) عندما ينطق الحجر: 8.
إن لم يكن دين فكل فضيلة ... هدر وليس لكافر ميثاق
واضيعة الإسلام في أوطانه ... ضاقت به وبأهله الآفاق
في كل ناحية أنين ثواكل ... وأرامل تغلي بها الأعماق
أرثي لأوطاني ومن باتوا ... على غفلاتهم والغافلون أفاقوا
فمتى سينقشع الظلام ويرتقي ... علم الجهاد الظافر الخفاق

البطل الليبي
البطل الليبي "عمر المختار" الذي حارب الاستعمار الإيطالي، وجيوشه المجهزة بأحدث أسلحة عصره، بالقلة المؤمنة العزلاء، أو شبه العزلاء من جنده؛ وقف يحارب الطائرة بالحصان، والمدفع بالسيف، واستطاع أن ينزل بأعدائه ضربات موجعة، ولم يرض بالتسليم ساعة ما، رغم نفاد قوته المادية كلها، ولكنه ظل يقول للطليان: لئن كسر المدفع سيفي، فلن يكسر الباطل حقي.
وكان مريضًا بالحمى، تهز رعدتها جسده، وترتعد بها فرائصه، ورغم هذا قال لجنوده: اربطوني على ظهر جوادي بالحبال حتى لا أتخلف عن القتال معكم.
وحين ظفر به الجيش المستعمر وحكموا عليه بالإعدام تقبل الحكم برحابة صدر، وابتسامة سخرية، وقال له بعضهم -قبل تنفيذ الحكم-: اطلب العفو ونحن نطلق سراحك، فأجابهم بكل إباء وشمم: لو أطلقتم سراحي لعدت لمحاربتكم من جديد (1).

اللهم احشرني من حواصل الطير
عن أبي قدامة الشامي قال: كنت أميرًا على الجيش في بعض الغزوات فدخلت بعض البلدان فدعوت الناس إلى الغزو ورغبتهم في الثواب، وذكرت فضل الشهادة وما لأهلها، ثم تفرق الناس وركبت فرسي وسرت إلى منزلي فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس تُنادي: يا أبا قدامة، فقلت: هذه مكيدة من الشيطان. فمضيت ولم أجب. فقالت: ما هكذا كان الصالحون، فوقفت، فجاءت ودفعت إلى رقعة وخرقة مشدودة وانصرفت باكية.
فنظرت إلى الرقعة فإذا فيها مكتوب: إنك دعوتنا إلى الجهاد ورغبتنا في الثواب، ولا
__________
(1) الإيمان والحياة: 275.
قدرة لي على ذلك فقطعت أحسن ما في، وهما ضفيرتاي وأنفذتهما إليك لتجعلهما قيد فرسك، لعل الله يرى شعري قيد فرسك في سبيله فيغفر لي.
فلما كانت صبيحة القتال فإذا بغلام بين يدي الصفوف يقاتل فتقدمت إليه وقلت: يا فتى أنت غلام غر راجل ولا أمن أن تجول الخيل فتطأك بأرجلها فارجع عن موضعك هذا.
فقال: أتأمرني بالرجوع؟ وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)} [الأنفال: 15 - 16].
فحملته على هجين كان معي فقال: يا أبا قدامة ثلاثة أسهم.
فقلت: أهذا وقت قرض؟ فما زال يلح علي حتى قلت بشرط: إن من الله عليك بالشهادة أكون في شفاعتك.
قال: نعم. فأعطيته ثلاثة أسهم فوضع سهمًا في قوسه وقال: السلام عليك يا أبا قدامة. ورمى به فقتل روميًا. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك يا أبا قُدامة فقتل روميًا. ثم رمى بالآخر وقال: السلام عليك سلام مودع.
فجاءه سهم فوقع بين عينيه فوضع رأسه على قربوس (1) سرجه. فتقدمت إليه وقلت: لا تنسها.
فقال: نعم ولكن لي إليك حاجة: إذا دخلت المدينة فأت والدتي وسلم خرجي إليها وأخبرها فهي التي أعطتك شعرها لتقيد به فرسك، وسلم عليها فإنها العام الأول أصيبت بوالدي، وفي هذا العام بي ثم مات.
فحفرت له ودفنته. فلما هممنا بالانصراف عن قبره قذفته الأرض فألقته على ظهرها. فقال أصحابي: إنه غلام غر ولعله خرج بغير إذن أمه. فقلت: إن الأرض لتقبل من هو شر من هذا. فقمت وصليت ركعتين ودعوت الله عز وجل فسمعت صوتًا يقول: يا أبا قدامة أنزل ولي الله.
__________
(1) قربوس: الجزء المرتفع من مقدمة السرج.
فما برحت حتى نزلت عليه طيور فأكلته، فلما أتيت المدينة ذهبت إلى دار والدته فلما قرعت الباب خرجت أخته إلي فلما رأتني عادت وقالت: يا أماه هذا أبو قدامة ليس معه أخي، فقد أُصبنا في العام الأول بأبي، وفي هذا العام بأخي.
فخرجت أمه إلي فقالت: أمعزيًا أم مهنئًا؟
فقلت: ما معنى هذا؟
فقالت: إن كان مات فعزني، وإن كان استُشهد فهنئني.
فقلت: لا بل مات شهيدًا.
فقالت: له علامة فهل رأيتها.
قلت: نعم لم تقبله الأرض ونزلت الطيور فأكلت لحمه وتركت عظامه فدفنتها.
فقالت: الحمد لله. فسلمت إليها الخرج ففتحته فأخرجت منه مسحًا وغلاً من حديد.
وقالت: إنه كان إذا جنه الليل لبس هذا المسح وغل نفسه بهذا الغُل وناجى مولاه، وقال في مناجاته: اللهم احشرني من حواصل الطيور. فقد استجاب الله دعاءه.

صور أخرى
وذكر البنا رحمه الله صورًا وألوانًا أخرى للجهاد فقال:
1 - من الجهاد في الإسلام أيها الحبيب: عاطفة حية قوية تفيض حنانًا إلى عز الإسلام ومجده، وتهفو شوقًا إلى سلطانه، وتبكي حزنًا على ما وصل إليه المسلمون من ضعف، وما وقعوا فيه من مهانة، وتشتعل ألمًا على هذه الحال التي لا ترضي الله ولا ترضي الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
لمثل هذا يذوب القلب من كمد ... إن كان في القلب إسلام وإيمان
2 - من الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن يحملك هذا الهم الدائم والجوى اللاحق على التفكير الجيد في طريق النجاة، وتلمس سبيل الخلاص، وقضاء وقت طويل في فكرة عميقة تمحص بها سبل العمل وتتلمس فيها أوجه الحيل لعلك تجد لأمتك منفذًا أو تصادف منقذًا، ونية المرء خير من عمله، والله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
3 - ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تنزل عن بعض وقتك وبعض مالك، وبعض مطالب نفسك لخير الإسلام والمسلمين، فإن كنت قائدًا ففي مطالب القيادة تنفق،
وإن كنت تابعًا ففي مساعدة الداعين تفعل، وفي كل خير قال تعالى: {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [النساء: 95].
4 - ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تأمر بالعروف وتنهى عن المنكر وأن تنصح لله ورسوله وكتابه ولأئمة السلمين وعامتهم، وأن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وما ترك قوم التناصح إلا ذلوا، وما أهملوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا خذلوا، قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78 - 79] [المائدة: 78].
5 - ومن الجهاد في سبيل الله: أن تتنكر لمن تنكر لدينه، وأن تقاطع من يعادي الله ورسوله، فلا يكون بينك وبينه صلة، ولا مؤاكلة ولا مشاربة .. وفي الحديث: "إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض" [رواه أبو داود].
6 - ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تكون جنديًا لله تقف له نفسك ومالك لا تبقى على ذلك من شيء، فإذا هدد مجد الإسلام وديست كرامته ودوى نفير النهضة لاستعادة مجد الإسلام كنت أول مجيب للنداء، وأول متقدم للجهاد. وبذلك يتحقق ما يريد الله من نشر الإسلام حتى يعم الأرض جميعًا.
7 - ومن الجهاد في سبيل الله أيها الحبيب: أن تعمل على إقامة ميزان العدل وإصلاح شئون الخلق، وإنصاف الظلوم والضرب على يد الظالم، مهما كان مركزه وسلطانه، جاء في الحديث: "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان أو أمير جائر" الترمذي، وجاء أيضًا: "سيد الشهداء حمزة بن عبد الطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" الطبراني.
8 - ومن الجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى: إن لم توفق إلى شيء من ذلك كله أن تحب المجاهدين من كل قلبك، وتنصح لهم بمحض رأيك، وقد كتب الله لك بذلك الأجر وأخلاك من التبعة، ولا تكن غير ذلك فيطبع الله على قلبك ويؤاخذك أشد المؤاخذة.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التضحية

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 8:11

التضحية
لا جهاد بلا تضحية، فمن ظن أنه يستطيع أن يجاهد في سبيل الله وينتصر دون تضحية فقد خاب ظنه، والتضحية ألوان متعددة: بالمال، والوقت، والجهد، والأهل، والعشيرة، بل والنفس في سبيل نشر الدعوة، وإقامة الدين وحفظه، وهكذا أقيم المجتمع المسلم الأول على أكتاف رجال ضحوا بكل شيء.
إن أهل الباطل يتفانون في الدفاع عن باطلهم، ويغتنمون الفرص المناسبة للهجوم علي المعتقدات التي يرون أنها تهدد وجود باطلهم الذي يتوقف وجودهم عليه، قال تعالى: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (Cool} [ص: 5 - 8] فأين أهل الحق من التضحية من أجل دينهم؟!

من أنواع التضحية
1 - تضحية بالعلاقات الاجتماعية
قال ابن إسحاق: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لما قدمنا المدينة نزلت مع عياش بن أبي ربيعة في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي بيعة، وكان ابن عمهما وأخاها لأمهما، حتى قدما علينا المدينة ورسول الله بمكة، فكلماه وقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط حتى تراك ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرقَّ لها.
وهكذا ندرك كيف يبذل دعاة الضلال من وقتهم وجهدهم وأموالهم في سبيل نصرة باطلهم، ومحاولة إخماد دعوة الحق، حيث خرج أبو جهل وأخوه من مكة إلى المدينة وتحملا عناء السفر من أجل محاولة فتنة فرد واحد عن دينه، أفلا يتحمل المسلمون مثل هذا الجهد أو أفضل منه من أجل دعوة الناس إلى الرشد واتباع الحق؟!
لقد حاول أبو جهل أن يدخل على عياش من الجانب المؤثر عليه، حيث ذكر وضع أمه ليكسب موافقته على العودة، وهو يعلم أن عياش من أهل البر والصلة.
قال عمر: يا عياش، إنه والله إن يريد القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم فوالله لو آذي أمك القمل لامتشطت، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت.
فقال عياش: أبر قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه، وهنا وقع عياش في شباك عاطفة القرابة، فقال عمر: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً فلك نصف مالي ولا تذهب معهما، قال: فأبي عليَّ إلا أن يخرج معهما، فلما أبي إلا ذلك قال: قلت له: أما إذ قد فعلت فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإن رابك من القوم ريب فانجُ عليها.
وهذه تضحية كبيرة من عمر حيث تنازل لعياش عن نصف ماله وعن ناقته، والمال من أعز المحبوبات لدي الإنسان.
قال عمر: فخرج عليها -يعني علي ناقة عمر- معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا ابن أخي، والله لقد استغلظ عليَّ بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلي، قال: فأناخ، وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه رباطًا، ثم دخلا به مكة، وفتناه فافتتن. قالا: يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا.
وفي ذلك عبرة للمسلمين حتى لا يأمنوا الكفار، وإن أظهروا لهم المودة وقدموا لهم المعونة، إن ذلك نوع من الطعم الذي يصطادون به المسلمين، قال تعالى: {يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 8].
محاولة اغتيال فاشلة
روي ابن أبي شيبة عن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: ما رأيت قريشا أرادوا قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا يومًا، ائتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عند المقام فقام إليه عقبة بن أبي معيط فجعل رداءه في عنقه ثم جذبه حتى وجب لركبتيه ساقطًا، وتصايح الناس حتى ظنوا أنه مقتول، فأقبل أبو بكر يشتد، حتى أخذ
بضبعي رسول الله من ورائه وهو يقول: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28].
ثم انصرفوا عن النبي، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلي، فلما قضي صلاته مر بهم -وهم جلوس في ظل الكعبة- فقال: يا معشر قريش: "أما والذي نفس محمد بيده: ما أرسلت إليكم إلا بالذبح، وأشار بيده إلى حلقه" فقال له أبو جهل: ما كنت جهولاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنت منهم".
وتحمل الرسول الكثير من الإيذاء من أجل دعوة الناس إلى الخير، فلا تجزع من أول بلاء وتذكر تضحية الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
إيذاء شديد:
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم (هو عقبة بن أبي معيط)، فلما سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضعه بين كتفيه، وثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة رضي الله عنها -وهي جويرية- فأقبلت تسعى، وثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ألقته عنه، وأقبلت تسبهم، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة قال: "اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش" ثم سمى: "اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشية بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد" قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب -قليب بدر- ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"وأتبع أصحاب القليب لعنة".
احذر المعوقات
يقول فتحي يكن: لقد اختارت القيادة مجموعة من الإخوة لحرب الإنجليز المحتلين في القناة سنة 1951 م، وعند السفر قال لهم أخ: أمهلوني يومًا واحدًا حتى أعود إلي المنزل أرتب أموري فحذروه، ولكنه استأذن، فغاب عنهم خمسة عشر يومًا، فلما لحق بهم سألوه، فقال لهم: لقد أحسَّت بي زوجتي فكانت كلما هممت بالخروج (صوَّتت) وجمعت على العائلة .. حتى تغفلتها وهربت.
يقول الأستاذ فتحي يكن: أعرف أخًا كان قبل زواجه مقدامًا معطاء، ولقد نكب بزوجة سيئة وضعت الموت والفقر بين عينيه، فكانت كلما رزق بغلام ذكرته بحقه (المادي) عليه، وأن عليه مضاعفة السعي من أجله .. ولما تكاثرت ذريته -وامرأته على الشاكلة- سقط في الامتحان، وأصبح عبدًا للدنيا بعد أن أصبح عبدًا للزوجة (1).
2 - التضحية بالوقت والجهد
هاجر مصعب بن عمير من مكة إلى المدينة بأمر من الرسول، فترك الوطن والأهل والمال وبذل كل وقته سعيًا بين الأوس والخزرج داعيًا إلي الله على بصيرة وبالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فمهد لهجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان خير سفير، وعاد باثنين وسبعين رجلاً وامرأتين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد أن آمنوا، وكذلك جعفر بن أبي طالب وإخوانه الذين هاجروا معه إلى الحبشة، والأمثلة كثيرة من أصحاب الهمم العالية.
3 - التضحية بالمال
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].
يأتي أبو بكر - رضي الله عنه - بكل ماله في غزوة تبوك؛ أربعة آلاف درهم، ويسأله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل أبقيت لأهلك شيئًا؟ فيقول: أبقيت لهم الله ورسوله.
لا تبخل علي إخوانك المحتاجين.
هذا لا يأخد أجرًا
انتدب الأزهر الأستاذ عمر التلمساني لإلقاء بعض المحاضرات في الشريعة والقانون بالجامعة، وكان ذلك أيام الدكتور عبد الحليم محمود، فلما جاء كشف صرف المكافآت للسادة الأساتذة المحاضرين المنتدبين، إذا بالدكتور عبد الحليم محمود يجد اسم الأستاذ عمر التلمساني مدرجًا بالكشف فقال للمسئول: ارفع اسم الأستاذ عمر من الكشف، هذا لا يأخذ أجرًا (ده مش بتاع كده) ودار حوار، ولم يرفع المسئول اسم الأستاذ عمر. ولما كان وقت صرف المكافآت، ذهب المسئول بالكشف للأستاذ عمر ليوقع، فأبى.
__________
(1) المتساقطون على طريق الدعوة: 84.
فذهب المسئول للدكتور عبد الحليم محمود، فقال الدكتور عبد الحليم محمود: ألم أقل لك أن الأستاذ عمر لا يأخذ أجرًا.
باع الجاموسة
أيام حرب فلسطين 1948 م سجل فلاح من الإخوان -اسمه حسن الطويل- اسمه في كتائب المتطوعين، وترك أهله وأرضه وكل شيء، بل باع (جاموسته) ليشتري بثمنها سلاحا، فقال له الحاج أحمد البس: يا حسن دع الجاموسة لأولادك وحسبك أنك تطوعت بنفسك، وعلى غيرك ممن لم يجاهد بنفسه أن يجاهد بماله، فرد عليه حسن قائلا: هل قال الله تعالى: وجاهدوا بأنفسكم فقط، أم قال: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [التوبة: 41]؟ هل اشترى منا النفس وحدها، أم النفس والمال ليعطينا الجنة؟ أم تريدون أن نتسلم (البضاعة) دون أن ندفع الثمن.
4 - التضحية بالنفس
عن أم حارثة بن سراقة -رضي الله عنها- أنها أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا نبي الله ألا تحدثني عن حارثة -وكان قُتل يوم بدر أصابه سهم غَرب (لا يعرف راميه) - فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء، قال: "يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" [رواه البخاري].
إن القلب ليطير فرحًا مع هذا الصحابي الذي نال الفردوس الأعلى، ألا تشتاق أن تكون معه في جنة عرضها السماوات والأرض تحت عرش الرحمن، فسارع من الآن قبل فوات الأوان.
تضحية ضمرة
استمع الصحابي ضمرة بن جندب - رضي الله عنه - إلي قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)} [النساء: 97 - 98].
فحين استمع إلى هذه الآيات وكان بمكة لم يهاجر بعد، وكان مسنًا لا يقوي على احتمال السفر، قال لبنيه: احملوني فإني لست من المستضعفين وإني لأهتدى إلى
الطريق، والله لا أبيت الليلة بمكة، فحملوه على سرير متوجهًا إلى المدينة، فمات بالتنعيم، ولما أدركه الموت أخذ يصفق بيمينه على شماله ثم قال:
"اللهم هذه لك، وهذه لرسولك، أبايعك علي ما بايعك عليه رسولك"، فمات حميدًا، فلما بلغ خبره أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: لو توفي بالمدينة لكان أتم أجرًا، وقال المشركون وهم يضحكون: ما أدرك هذا ما طلب، فنزلت الآية: {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 100].
أنها التضحية الصادقة مع الله، فرزقه الله الشهادة، فهل أنت صادق في حبك للإسلام، وعلي استعداد للتضحية من أجل نصرته؟
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر علينا أبا عبيدة ابن الجراح - رضي الله عنه - نتلقى بعيرًا لقريش، وزودنا جرابًا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة؛ نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط (ما يسقط من ورق الشجر) ثم نبله بالماء فنأكله. [رواه أبو داود].

أين التضحية؟!
عن ابن عمر قال: بلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يزيد بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- يأكل ألوان الطعام، فقال لمولى له يقال له يرفأ: إذا علمت أنه قد حضر طعامه فأعلمني، فلما حضر غداؤه جاء فأعلمه، فأتى عمر فسلم واستأذن فأذن له، فدخل فجاء بلحم فأكل عمر معه منه، ثم قرب شواء فبسط يده وكف عمر يديه ثم قال عمر: الله يا يزيد بن أبي سفيان: أطعام بعد طعام، والذي نفس عمر بيده لئن خالفتم عن سنتهم ليخالفن بكم عن طريقهم.
عليك بالتضحية بوجبة من وجباتك لإخوانك الفقراء، وليكن طعامك في هذا اليوم خشنًا، للتعود على جهاد النفس، فهو الطريق للتضحية بالنفس في سبيل الله دون تخاذل.

فهم خاطيء
عن أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا إلينا صفًا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة
بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين، على صف الروم حتى دخل بينهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس أنتم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرًّا دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله تعالى أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه ما يرد علينا ما قلناه: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحنا وتركنا الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصًا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.
إن البشر إلى فناء، وإن العقيدة إلى بقاء، ومنهج الله للحياة مستقل في ذاته، فإذا كان العمر مكتوبًا، والأجل مرسومًا، فلتنظر نفس ما قدمت لغد؟ ولتنظر نفس ماذا تريد؟ أتريد أن تقعد عن تكاليف الإيمان، وأن تحصل همها كله في هذه الأرض، وأن تعيش لهذه الدنيا وحدها؟ أم تريد أن تتطلع إلى أفق أعلى، وإلى اهتمامات أرفع، فالخوف والهلع والحرص لا تطيل أجلاً، والشجاعة والثبات والإقدام لا تقصر عمرًا، فلا نامت أعين الجبناء.

أريد أن أطأ بعرجتي في الجنة
كان عمرو بن الجموح - رضي الله عنه - أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب، يغزون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا، فلما توجهوا إلى أحد أراد أن يتوجه معهم، فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو بن الجموح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج
معك، والله إني لأرجو أن أستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه؟ لعل الله أن يرزقه الشهادة" فخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقتل يوم أحد شهيدًا.
كم كان مشتاقًا إلى دخول الجنة بالعمل لا بالقول فحسب، فالتضحية بالنفس تكون بالدعاء ليل نهار أن يرزقك الله الشهادة، وتتصف بصفات المجاهدين، وتضحي بنفسك كما فعل سحرة فرعون.
قال تعالى على لسان السحرة: {قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)} [طه: 72 - 73].
فلتعذب الأجساد ولتزهق الأرواح، وتقطع الأيدي والأرجل من خلاف، ولتصلبنا في جذوع النخل، فافعل ما تشاء. وهكذا أصحاب العقيدة يضحون بكل ما يملكون؛ لا يذلون ولا يهنون، ولا يضعفون مهما لاقوا من وسائل التعذيب، بل يظلون أوفياء للفداء، شرفاء عند الابتلاء، أقوياء يتحدون جبروت الأعداء، ومهما تكرر الوعيد أمامهم فإنهم يعتصمون بحبل الله القوي المتين قائلين: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 126].

تضحية علباء بن جحش
في موقعة القادسية برز رجل من المجوس أمام صفوف بكر بن وائل فنادى: من يبارز؟ فخرج له علباء بن جحش العجلي فضربه علباء في صدره، وشق رئتيه، وضربه الآخر فأصاب علباء في بطنه وانتثرت أمعاؤه، وسقطا معًا على الأرض، أما المجوسي فمات من ساعته، وأما علباء فلم يستطع القيام، وحاول أن يعيد أمعاءه إلى مكانها فلم يتأت له، ومر به رجل من المسلمين فقال له علباء: يا هذا أعني على بطني، فأدخل له أمعاءه، ثم زحف نحو صف العجم دون أن يتلفت إلى المسلمين وراءه، فأدركه الموت على ثلاثين ذراعًا من مصرعه وهو يقول:
أرجو بها من ربنا ثوابا ... قد كنت ممن أحسن الضرابا
من منا يستطيع أن يثبت في هذا الموقف، ويضحي بنفسه في سبيل الله؟!

وفاة خالد بن الوليد
لما حضرته الوفاة وأدرك ذلك، بكى وقال: ما من عمل أرجي عندي بعد "لا إله إلا الله" من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين، بتها وأنا متترس، والسماء تنهل عليَّ، وأنا أنتظر الصبح حتى أغير على الكفار، فعليكم بالجهاد، لقد شهدت كذا وكذا زحفًا، وها أنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، لقد
طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي.
أخي الحبيب، احرص على الموت توهب لك الحياة، ولا تجزع عند ملاقاة الأعداء.

في وقعة البويب
قال مسعود بن حارثة قائد مشاة المسلمين لجنده: إن رأيتمونا أصبنا فلا تدعوا ما أنتم فيه، فإن الجيش ينكشف ثم ينصرف، الزموا مصافكم وأغنوا غناء من يليكم، وأصيب مسعود وقواد من المسلمين، ورأي مسعود تضعضع من معه لإصابته، وهو ضعيف قد ثقل من الجراح فقال: يا معسكر بكر بن وائل ارفعوا راياتكم رفعكم الله، لا يهولنكم مصرع أخي فإن مصارع خياركم هكذا، وقاتل أنس بن هلال النميري حتى أصيب، فحمله المثني وحمل أخاه مسعودًا وضمهما إليه، والقتال محتدم على طول الجبهة، ولكن القلب بدأ ينبعج في غير صالح الفرس، وأوجع قلب المسلمين في قلب المجوس.

لا تفعل
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: مر رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بشعب -فيه عيينة- تصغير عين من ماء عذبة فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى أستأذن رسول الله، فذكر ذلك لرسول الله فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تفعل فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم، ويدخلكم الجنة؟ اغزوا في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة -هو ما بين الحلبتين من الوقت- وجبت له الجنة" [الترمذي].
احذر النكوص عن الجهاد في سبيل الله بحجة العبادة، فالتضحية بالنفس عبادة ثوابها الجنة.

أستاذ جديد في فن التضحية
إنه خبيب بن عدي - رضي الله عنه - صلبه المشركون وبدأت الرماح تنوشه والسيوف تنهش لحمه، واقترب منه أحد زعماء قريش، وقال له: أتحب أن محمدًا مكانك، وأنت سليم معافى في أهلك؟ وهنا انتفض خبيب وقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي، معي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة. وكانت كلماته هذه إيذانًا للرماح أن تبلغ من جسد البطل غايتها، وكان خبيب قد يمم وجهه شطر السماء وابتهل إلى ربه العظيم قائلا: اللهم إنا قد بلغنا رسالة رسلك فبلغه الغداة ما يصنع بنا. ونزل جثمان خبيب حيث كانت بقعة طاهرة من الأرض في انتظاره لتضمه تحت ثراها الطيب.
عز الدين القسام
هو المجاهد عز الدين عبد القادر القسام نشأ في بيئة إسلامية بعد مولده في سوريا عام 1871 م، وكان والده شيخًا لزاوية في مدينته، ثم درس بالأزهر حيث كانت مصر تموج بروح الثورة والتغير، وبذلك تتلمذ على أيدي علماء أفذاذ منهم الشيخ محمد عبده، ثم عاد إلى موطنه يحمل رسالة التعليم والثورة فكان معلمًا حاذقًا وخطيبًا مفوهًا، وواعظًا ومأذونًا للأنكحة ومجاهدًا حيث جاهد الفرنسيين الذين احتلوا سوريا حتى حكم عليه بالإعدام في اللاذقية، وواصل كفاحه في فلسطين وقام بإنزال ضربات موجعة بالإنجليز واليهود. حتى جعلوا مكافأة خمسمائة جنيه لمن يدل عليه، واستشهد في أولي عمليات الثورة 1935 م بعد أن حاصرته قوات الاحتلال هو وأصحابه. ومن مقولته التاريخية: "إنه جهاد نصر أو استشهاد" فكتب للدنيا وثيقة وعهدًا وأبى أن يوقع إلا بالدم.

الشيخ أحمد ياسين
وهو الشيخ أحمد إسماعيل ياسين، نشأ على حب الجهاد في الجنوب من قطاع غزة عام 1938 م، أصابه شلل بجميع أطرافه، وكان خطيباً ومدرسًا بمسجد غزة، أصبح رئيسًا للمجمع الإسلامي بغزة، وقد اعتقل عام 1985 ثم أنشأ حماس "حركة المقاومة الإسلامية" عام 1987؛ مما أسخط عليه قوات الاحتلال فاعتقلته عام 1989م وتم تقديمه للمحاكمة العسكرية وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، إضافة إلى خمسة عشر عامًا أخرى، ولكنه أفرج عنه عام 1997 م لأسباب صحية وقد أدت ظروف الاعتقال السيئة من تعذيب وتنكيل إلى فقدانه لبصره في العين اليمني وضعف باليسرى والتهاب مزمن بالأذن وحساسية في الرئتين، وانتقل للمستشفى أكثر من مرة.

يحيى عياش
هو يحيى عبد اللطيف عياش ولد في مارس 1966 م غرب مدينة نابلس درس في مجال الهندسة الكهربائية بعد حصوله على درجة البكالويوس من جامعة بيروت بالضفة، وجعلته الأحداث التي تمر في فلسطين رجلاً من رجال الحركة الإسلامية حيث التحق بصفوفها عام 1987م، وانضم لكتائب عز الدين القسام، وفي فجر يوم الجمعة 15/ 1/ 1996 م استشهد رمز الجهاد وشيع جنازته نحو نصف مليون في غزة وحدها، وترك لنا صفحات من النضال قبل أن يتجاوز الثلاثين من عمره.
إن فلسطين ثغر الأمة ورباط الحراسة المستمرة، إنها جراح تنزف، وتحتل منزلة خاصة فهي قبلة المسلمين الأولى وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول الكريم.
صلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إمامًا بالأنبياء بالمسجد الأقصى.
إن رسول الله سيسألك ماذا قدمت لإخوانك؟ ماذا فعلت لتنقذ المسجد الأقصى؟ ماذا فعلت لدماء الشهداء وآهات اليتامى وبكاء الثكالى ودموع الأرامل؟
إن التعاطف وحده لا يكفي، وإن ذرف الدموع لا يشفع لك عند ربك حتى تترجم هذا التعاطف والإحساس إلى عمل جاد، وإنجاز فعال.
لقد أثبتت الأحداث الأخيرة أنه لا سبيل لتحرير فلسطين واسترداد المسجد الأقصى وعودة اللاجئين إلا بالجهاد والتضحية، وهو علامة حب لله ولرسوله.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الثبات

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 8:57

الثبات
قال تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].
يقول سيد قطب: الثبات أحد تكاليف الإيمان، والإيمان ليس كلمة تقال، إنما هي حقيقة ذات تكاليف وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر واحتمال، فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا، وهم لا يتركون لهذه الدعوى حتى يتعرضوا للفتن، فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صفية عناصرهم وخالصة قلوبهم.

صور الثبات
1 - الثبات أمام الشبهات:
الشبهات سلاح قديم يشهره الباطل في وجه الحق لبلبلة الفكر وإثارة الشك واهتزاز الثقة، وقد رأينا قذائف الشبهات على مر التاريخ تطلق في كل اتجاه وتسقط في كل ميدان.
فالتشكيك في العقيدة مثلاً: رأينا أبي بن خلف يأخذ عظامًا نخرة فيفتها ويذروها في الهواء قائلاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فيرد عليه بلسان الواثق الموقن: "نعم يميتك ثم يبعثك ثم يدخلك النار" ونزل قول الله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)} [يس: 78 - 79] وذلك تأكيدًا على حرص القرآن على رصد الشبهات ودحضها.
وللتشكيك في مصدر القرآن قال المشركون: {إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ} [النحل: 103] قاصدين بذلك غلامًا أعجميًا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ربما يجلس إليه يكلمه فنزل قوله تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103].
وللتشكيك في الرسول - صلى الله عليه وسلم - قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان: 7] فنزل قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20].
وللتشكيك في الأحكام قالوا عن الذبائح: ما قتلتم أنتم بأيديكم تحلونه وما قتله الله تحرمونه؟! فأنزل الله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121].
2 - الثبات في وجه المغريات:
وهي كذلك من أسلحة الباطل المعروفة التي لا تؤثر في رجال باعوا أنفسهم وأموالهم لله، ووقفوا حياتهم لنصرة دينه ومنهجه، وأحبوا الحق وذابوا فيه فصغرت الدنيا في أعينهم بمناصبها وأموالها، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرد على قومه وقد أغروه بالمال والجاه لترك دعوته: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه".
خالد بن سعيد
بمجرد أن أسلم خالد بن سعيد - رضي الله عنه - تعرض للبلاء الشديد، فلما علم أبوه بإسلامه أرسل إليه مولاه رافعًا أخويه أبان وعمرًا، فرأوه يصلي فامتلأت قلوبهم نورًا لهذا المشهد المهيب الذي رأوه، وعاد معهم خالد إلى أبيه فلما علم بإسلامه أمره أن يترك هذا الدين العظيم فأبى خالد بكل عزة. فقال له أبوه: إذن أحرمك من رزقي، فقال له خالد: الله خير الرازقين. فطفق والده يضربه ضربًا شديدًا حتى سالت الدماء الشريفة من هذا الجسد الطيب المبارك ثم أوثقه وزج به في غرفة مظلمة ومنع عنه الطعام والشراب ثلاثة أيام. ثم جاءه في اليوم الرابع نفر من أهله وقالوا: كيف أنت يا خالد؟ فقال: إني أتقلب في نعم الله عز وجل. فقالوا: أما آن لك أن تثوب إلى رشدك، وتطيع أباك؟! فقال: أما رشدي فما فارقني وما فارقته، وأما أبي فلا أطيعه فيما يعصى الله به عز وجل، فقالوا: قل لأبيك كلمة ترضيه في اللات والعزى يفرج عنك، فقال: إن اللات والعزى حجران أصمان أبكمان، وإني لا أقول فيهما إلا ما يرضي الله ورسوله، وليفعل بي ما يشاء.
شد "أبو أُحيحة" وثاق خالد، وأمر أتباعه أن يخرجوا به كل يوم عند الهاجرة إلى بطحاء مكة وأن يلقوه بين الحجارة حتى تصهره الشمس، فكان كلما أخرجوه وألقوه في
الهاجرة يقول: الحمد لله الذي أكرمني بالإيمان، وأعزني بالإسلام، إن ذلك أهون علي من لحظة عذاب في جهنم التي أراد أن يلقيني فيها "أبو أحيحة". ثم حانت لخالد فرصة، فتفلت من سجن أبيه، ومضى إلى نبيه، ثم ما لبث أن لحقه أخواه عمرو وأبان، وانضما معه إلى موكب الخير والنور، عند ذلك أُسقط في يدي "أبي أحيحة".
وقال: واللات والعزى لأعتزلن بمالي بعيدًا عن مكة، فذلك خير لي، ولأهجرن أولئك الصباة الذين يعيبون آلهتي أربابي، ثم انتقل إلى قرية قريبة من الطائف، وظل فيها حتى مات كمدًا على الشرك.
ولما أذن الرسول - صلى الله عليه وسلم -لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة نجا إليها خالد بن سعيد بن العاص ومعه زوجته أمينة بنت خلف الخزاعية .. وقد أقام فيها بضع عشرة سنة داعيًا إلى الله، ولم يغادرها إلى المدينة إلا بعد أن فتح الله على المسلمين خيبر فسر الرسول بمقدمه أبلغ السرور، وقسم له من غنائم خيبر كما قسم للمحاربين، ثم ولاه اليمن فظل واليًا عليها إلى أن لحق الرسول الكريم بجوار ربه (1).
3 - الثبات أمام بطش الظالمين:
أسلوب البطش من حيل المجرمين المفلسين حين لا تجدي الوسائل السالفة فيفقدون صوابهم ويثورون على أهل الحق لتمزيق أجسادهم إن استطاعوا حتى تغيب عن أعينهم رموز الصلابة، ويعتبر أسلوب البطش من أكثر أساليب الباطل شيوعًا وتكرارًا على مر التاريخ.
فهذا بلال بن رباح - رضي الله عنه - يجرد من ثيابه ويلقى على نار البطحاء ويثبت مستخفًا بالظالمين، متحديًا لهم، مصرًا على مبدئه، معتزًا به مهما لاقى في سبيله.
وهذا خباب بن الأرت - صلى الله عليه وسلم - كانوا يلقونه على فحم ملتهب ويضعون الصخرة عليه حتى لا يستطيع فكاكًا من حريقه.
وهذا أفلح -مولى لبني عبد الدار- كانوا يربطونه من رجليه ويجرونه على الأرض.
وهذا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - يلفه عمه في حصير ثم يدخن عليه ليختنق بداخله.
__________
(1) صور من حياة الصحابة 455 - 457.
الإمام أحمد بن حنبل
عندما امتحن بالفتنة المشهورة في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وهي القول بخلق القرآن الذي تزعمه المعتزلة، ثبت على موقفه الحق وأصر على رأيه الصريح، ولم يغير من جوابه الذي يردده كلما أفاق من إغماءة التعذيب والتنكيل، يقول: هو كلام الله غير مخلوق، ولبث في السجن عامين ونصف العام، ولما يئسوا من إخضاعه لما يريدون، ودالت دولة الباطل، أخرج من السجن واهي القوة مريضًا مثخنًا بالآلام، ولقد كان باستطاعته أن يتجنب هذا كله لو وافقهم على ما قالوا بلسانه فقط كما فعل كثير من العلماء في عصره لينجو بنفسه، ولكن بنظرته الثاقبة وأفقه الواسع وتأييد الله له رأى الناس من حول ينتظرون إجابته، ففضل المصلحة العامة -وهي الثبات على الحق والجهر به كي لا يفق الناس- على مصلحته الخاصة، وإن أدى ذلك إلى موته ..
قال له أحد تلامذته: يا إمام، قال الله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29].
فقال: اخرج فانظر أي شيء ترى.
فقال: فخرجت إلى رحبة دار الخلاقة فرأيت خلقًا من الناس لا يحصى عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر في أذرعتهم، فقال الغلام: مكانكم، فدخل إلى الإمام أحمد، فقال: رأيت أقوامًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبون.
فقال: أفأضل هؤلاء كلهم؟ أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء.
يقول سيد قطب: آمن أنت أولاً بفكرتك، آمن بها إلى حد الاعتقاد الجاد! عندئذ فقط يؤمن بها الآخرون!! وإلا فستبقى مجرد صياغة لفظية خالية من الروح والحياة! لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، ولم تصبح كائنًا حيًا يدب على وجه الأرض في صورة بشر! كذلك لا وجود لشخص -في هذا المجال- لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها في حرارة وإخلاص (1).
ثبات في محنة
سيق الأخ الشيخ "عبد المقصود حجر" إلى السجن الحربي عام 1965 م فاستقبله العقيد شمس بدران -مع زفة من الضرب بالكرابيج والإهانات- وسأله شمس بدران:
__________
(1) أفراح الروح: 25 - 26.
أنتم عاوزين تلبسوا النسوان طرح؟
قال الشيخ عبد المقصود: نعم وهذا واجب شرعي.
قال شمس بدران: هي النسوان بتوعكم أحسن من كل النسوان؟
قال الشيخ عبد المقصود: نعم.
قال شمس بدران: وما الفرق؟
قال الشيخ عبد المقصود: لأن نسوانا حاجة ثانية!
فثار شمس بدران وأمر العسكري أن ينتف ذقن الشيخ بالكماشة!! وبعد هذا خلعوا ملابس الشيخ وأمروه أن يغطس في باكبورت المياه القذرة!! وكلما حاول الامتناع أشبعوه ضربًا حتى كرر عملية الغطس أكثر من مرة، وبعد ذلك نظر الشيخ إلى شمس بدران -عتل السجن الحربي- وقال له: وآدي غطسة كمان عشان خاطرك يا سعادة البيه.
وبعد ذلك أخرجوه من الباكبورت وألقوه على الأرض وسلطوا عليه الكلاب المتوحشة .. يقول الشيخ عبد المقصود: إن الكلاب لم تقرب منه لشدة قذارته وفظاعة رائحته، وتذكر الشيخ عبد المقصود المثل الذي يقول عند عامة الناس (دا تقرف منه الكلاب)!! (1).
رد بكل قوة
المجاهد عز الدين القسام، قام بتوعية الجيل والأمة بمخاطر هجرة اليهود إلى فلسطين، وقام بتأليف القلوب، ونشر المحبة، وإزالة الخصومات، ونبذ الأحقاد، وتعميق الوازع الديني، وكان على يقين بالنصر أو الشهادة في سبيل الله، وأرسل إليه حاكم حيفا يقول له: يا شيخ، إنك متحرك، وذو نشاط مناويء لنا، فرد عليه الشيخ بكل يقين وقد أخرج المصحف من جيبه: "هذا الكتاب العظيم يأمرنا بالجهاد ولا نخالفه".
واستجابت جموع الشباب لصحبة الشيخ الجليل، وابتدأت المنطقة تشهد أعمالاً بطولية عظيمة، وهوجمت معسكرات البريطانيين، وحاصرت قوات الاحتلال عرين البطل يوم 27 من نوفمبر عام 1935 م، وانتهت المعركة باستشهاده وهو فرح مسرور على يقين
__________
(1) حكايات عن الإخوان: (1/ 13 - 14).
بدخول الجنة، وذهب القسام إلى ربه شهيدًا يزفه عرس الشهداء، فجدد في النفوس معنى اليقين، وقوى من عزائم شعب فلسطين برغم قلة العتاد وضآلة الزاد.
فكتب للدنيا وثيقة صحوة، وأبى إلا أن يوقع بالدم.
فسلام على القسام مع الشهداء في الخالدين.
ونحن على يقين بأن تحرير المسجد الأقصى قريب، ولكن علينا بالعمل الجاد المخلص.
الشيخ أحمد ياسين
يقول الشيخ أحمد ياسين: كنت في بيت، وكان منع التجول مفروضًا من الساعة التاسعة إلى الفجر حيث كان يخرج العمال إلى العمل، فميعاد منع التجول كان يبدأ بالساعة التاسعة -بالضبط- بيتي قبلها كان ممتلئًا بالناس، فشاء الله أن ينطلقوا ويعودوا إلى بيوتهم، فوجدت الساعة خمس دقائق بعد التاسعة، وإذا بقوات الجيش الإسرائيلي تحيط بالبيت، منهم من تسلق الأسوار، ومنهم من بقى في السيارة -يعني ربما كتيبة كاملة جاءت للقبض على الشيخ أحمد ورجال المخابرات دخلوا علي -فدخلت أرتدي ملابسي، وطبعًا أنا كنت أجلس على الكرسي المتحرك وكنت جاهزًا، فقالوا لي: أين ابنك؟ قلت لهم: ها هو، قالوا: دعه يأتي معك حتى يساعدك، ثم أخذوني.
كان ابني عبد الحميد هو الذي يرافقني، كان في ذلك الوقت عمره ستة عشر عامًا، وكان لم يحصل على هويته بعد، فأخذوه وأوصلوني إلى السجن، وأجلسوني ثم بدأوا مباشرة سبًا وشتائم، بصق في الوجه وضرب على الوجه.
يعني بدأوا بالإهانة والتعذيب بشكل لا تتصوره، بصق في الوجه .. يحضرون صينية ويدقون بها فوق رأسي، كنوع من الإزعاج، يمسكون بعروق الرقبة ويجذبونها إلى أعلى بشكل سيئ ولم يكتفوا وأنا كما ترى، والضرب على صدري حتى صار صدري أزرق من شدة الضرب والتعذيب، ولم يكتفوا بذلك وإنما قاموا بإحضار الولد الذي أحضروه لخدمتي، وبطحوه أمامي في الغرفة، وركبوا عليه أربعة أخذوا يخنقونه ويضربونه، والولد يصرخ تحتهم، أعطوا له أمامي علقة ساخنة من الضرب والتعذيب، ثم أصبحوا يقولون لي: حرام عليك، ارحم ابنك، اعترف، خلاص القضية انتهت، حركة حماس انتهت، وأنت ليس هناك فائدة من إنكارك، اعترف وقل ما عندك حتى ترحم ابنك من الضرب والتعذيب، قلت لهم: أنا ليس عندي شئ لأقوله، فغابوا
ساعتين ثم أحضروا الولد مرة أخرى وبدأوا بتعذيبه أمامي، فبطحوه أرضًا، وركبوا فوقه وخنقوه، ومن شدة التعذيب على الولد الضعيف الصغير فوجئت به يثور ويقفز فجأة ويطرح الرجال الأربعة على الأرض -وهذا من شدة التعذيب يعني حرارة الروح- كان الولد يموت تحتهم، كان يختنق، بعدها أخذوه مرة أخرى من عندي (1).
ثبات ووفاء
ظل الأخ محمد الصوابي الديب متخفيًا عن أعين الظالمين بعد أن أزهقت أرواح المجاهدين منهم تحت التعذيب حتى شهر ديسمبر عام 1954 م حين ذهب الساعة الثالثة ظهرًا، وطرق باب منزل العلامة الشيخ حسنين مخلوف -مفتي الديار المصرية- الذي يقع في شارع نجيب بكوبري القبة بالقاهرة.
وحين فتح الخادم الباب عاد إلى الشيخ؛ ليخبره عن الطارق فيقول: إنه شاب طليق اللحية، رث الثياب، ويريد مقابلتك.
يقول الشيخ مخلوف: تعجبت من ذلك وظننت أنه عابر سبيل .. دخل الشاب المنزل، ولم أقابله في البداية، بل أعد له الخادم طعام الغداء فأكله بشهية كأنه لم يأكل منذ مدة طويلة .. بعد الغداء ظننت أنه سينصرف، إلا أنه أصر على مقابلتي وألح في ذلك، فذهبت إليه وما إن رأيته حتى ظننت أنه سيطلب صدقة، فقد كان رث الثياب تبدو عليه شدة التعب، بدأ حديثه بأن عرفني على نفسه: محمد الصوابي الديب طالب بكلية الشريعة بجامعة الأزهر .. ولقد اهتز بدني وأصبت برعشة عندما قال لي: "إنه كان من متطوعي الإخوان المسلمين في حرب فلسطين والقناة" فقد كان الإخوان المسلمون في ذلك الوقت -عام 1954 م- في أوج محنتهم، وكانت كلمة الإخوان المسلمين تترادف معها كلمات الاعتقال، السجن، التعذيب، المحاكمات .. إلخ.
نظر الشاب إليَّ في هدوء -والحديث للشيخ مخلوف- وقال بصوت منخفض ولكنه قوي: أنا في محنة وأحتاج إليك، فأنا مطلوب القبض عليّ، وقد مكثت أكثر من شهر هاربًا متخفيًا في المقابر نهارًا، ثم أخرج في الليل لأقتات الطعام، لقد كرهت الحياة بين الموتى وأريد أن أعيش بين الأحياء فهل تقبلني؟
__________
(1) شهيد أيقظ أمة: 44 - 46.
يقول الشيخ مخلوف: سيطر الذهول على نفسي تمامًا، ولم أفق إلا عندما قال الشاب: ما رأيك؟ استأذنت منه وذهبت إلى ابني الدكتور علي وابنتي زينب، والذهول ما زال مسيطرًا على نفسي .. لاحظ ولداي ذلك على الفور فسألاني: ما لك يا أبي؟ حصل إيه؟ أخبرتهما بالقصة، وفجأة وجدت نفسي أردد قائلاً: إنه صادق، إنه صادق، إنه صادق.
قلت لولديَّ: إنني متأكد أن هذا الشاب ليس من الشرطة أو من المباحث جاء ليختبرنا، بل إنني موقن أنه يقول الصدق فهو صادق .. وأضفت: إنني لا أستطيع أن أرد مستجيرًا في هذه المحنة، وأنا موقن أنه مظلوم، وقد قررت قبوله، ولكن الذي يقلقني هو ما ستفعله بكم أجهزة المباحث والدولة كلها إذا اكتشفوا وجوده بيننا، حيث هناك قانون أو فرمان جمهوري صدر في ذلك الوقت، يعاقب كل من يتستر على أي من الإخوان المطلوب القبض عليهم بالأشغال الشاقة لمدة خمس عشرة سنة، قال ابني علي -بعد فترة صمت-: افعل ما تراه من الناحية الإسلامية والله يتولانا جميعًا، ويضيف الشيخ مخلوف فيقول: خرجت مع ابني علي إلى الشهيد الصوابي، وعرفته بابني علي، وأخبرته بأننا قررنا قبوله عندنا، وأنه يشرفني. ذلك ارتسمت أمارات الراحة والطمأنينة على وجه الشهيد.
وسيطرت الدهشة على وجه الشهيد عندما قال له ابني الدكتور علي: لابد من أن تولد من الآن بشخصية جديدة وتدفن شخصيتك الحالية، ويضيف الدكتور علي مخلوف الذي يعمل رئيس قسم أمراض النساء والولادة بطب عين شمس: كان في اعتقادي أنه لا يمكن إخفاء الشهيد محمد الصوابي الديب، وبخاصة في منطقتنا التي كانت تشتهر بكثرة ضباط البوليس الذين يسكنونها فكان الحل أنه لابد أن يولد الشهيد الديب بشخصية جديدة تمامًا وأن أحسن طريقة لإخفاء أي شخصية هي أن تظهرها بشخصية جديدة، وتكون جميع تصرفاته طبيعية، أما الهروب والإخفاء عن أعين الشرطة والناس، فإنها طريقة فاشلة ينكشف أمرها دائمًا، عاجلاً أو آجلاً.
اتفقنا على أن يعمل الشهيد سكرتيرًا لوالدي الذي كان فعلاً في حاجة إلى سكرتير؛ فقد كان مفتيًا للديار المصرية في ذلك الوقت، وكانت ترد إليه استفسارات دينية كثيرة، بالإضافة إلى أنه يكثر من تأليف الكتب، واحترنا في الاسم الذي نطلقه عليه، وأخيرًا قال والدي للشهيد: أنت صادق في جميع تصرفاتك وأفعالك، فاسمك منذ الآن صادق
أفندي. وضحكنا جميعًا.
وفي اليوم التالي كان الشهيد محمد الصوابي الديب شخصًا آخر تمامًا، نظيف المظهر، حليق الذقن، وهو أبيض اللون، واسع العينين، متوسط الطول، نحيف الجسم.
ويقول الشيخ مخلوف: إن الخطة التي تم وضعها لإخفاء الشهيد نجحت تمامًا، فقد أعلنا على كل أفراد الأسرة أنه جاء لي سكرتير جديد اسمه صادق أفندي، ولم يعرف بالسر سوى أربعة أشخاص: أنا وابني الدكتور علي وابنتي الدكتورة زينت، وزوجة ابني الدكتورة سعاد الهضيبي، التي لم تتردد في الترحيب بالشهيد رغم أن والدها المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي وجميع إخوتها في السجن.
ويضيف الشيخ مخلوف: إن الشهيد محمد الصوابي الديب، أو صادق أفندي، كان فعلاً سكرتيرًا ممتازًا، وعاونني كثيرًا في عملي، وبخاصة في الكتب التي أخرجتها في ذلك الوقت، وكان الشهيد يصحبني دائمًا في كل مكان أذهب إليه، وقد اعتبرته فعلاً سكرتيري الخاص.
عاش صادق أفندي لمدة ثمانية أشهر مع أفراد أسرة الشيخ حسنين مخلوف كأنه واحد منهم، يأكل معهم ويعيش معهم، حيث كان الشيخ يطلب منه دائمًا الإجابة عن الاستفسارات الدينية الكثيرة التي ترد إليه باعتباره مفتيًا للديار المصرية، وكان الشهيد يسكن في حجرة منفصلة بحديقة المنزل بها صالون ومكتبة كبيرة وغرفة نوم وحمام خاص، تم تخصيصها لصادق أفندي.
يقول الشيخ حسنين مخلوف: وفي أحد أيام صيف 1955م، جاءني صادق أفندي وقال لي إنه يريد السفر إلى السعودية ليعمل هناك، وحاولت أن أثنيه عن ذلك، ولكنه أصر وأخبرني أن هناك شخصًا قد أعد له الرحلة بالباخرة عن طريق السويس إلى جدة.
إن قلبي لم يطمئن واستعنت بابني الدكتور علي لإقناعه بعدم السفر، ولكن دون جدوى، وقال: إنه يريد أن يكون نفيه هناك، ويستريح من القلق الذي يعانيه كهارب، رغم إجادته لشخصية صادق أفندي، وغادرنا الشهيد البطل بعد أن وعدنا بأن يرسل لنا برقية فور وصوله إلى السعودية لكي نطمئن، وأرسلت إلى المرحوم محمد سرور الصبان مستشار الملك سعود ليهيئ له عملاً عند وصوله إلى هناك، ولقد مضى على سفر الشهيد حوالي الشهر، ولم تصل أي برقية تفيد بوصوله هناك.
يقول الدكتور علي حسنين مخلوف: كانت الأسرة كلها قلقة، وربما أنني أكثرهم هدوءًا، فقد حاولت دائمًا أن أطمئنهم، ولكن دون جدوى، وضاع هدوء أعصابي في أحد الأيام عندما أخبرتني زوجتي الدكتورة سعاد الهضيبي أنها سمعت من إذاعة لندن أنه تم القبض على اثنين من الإخوان المسلمين في باخرة السويس، وهما في طريقهما إلى جدة، ولم تذكر الإذاعة أسماء، ولكننا شعرنا أن الشهيد محمد الصوابي الديب كان أحدهما.
ويروي الأخ وهبي الفيشاوي الذي عمل مديرًا لمطبعة مصر أن الشهيد محمد الصوابي الديب سجن معنا بعد القبض عليه في السجن رقم 4 بالسجن الحربي، وكان زبانية السجن الحربي يعذبون الشهيد تعذيبًا وحشيًا، حيث وضعوه في زنزانة تسمى "زنزانة الركن" وهي مخصصة للتعذيب الشديد، وكانوا لا يتركونه ينام أبدًا، وكان الشهيد أشدنا تعذيبًا، لا يرحمه مجرمو السجن حتى في أوقات الراحة.
وتقول الدكتورة سعاد الهضيبي: ذهبت يومًا إلى السجن الحربي لكي أسلم والدي بعض الحاجات، وعقب خروجي من مكتب مدير السجن الحربي حمزة البسيوني، شاهدت الشهيد محمد الصوابي الديب وهم يقومون بتصويره لعمل بطاقة اتهام، وكتمت صرخة كادت تنطلق منى، وأسرعت إلى المنزل وأخبرت زوجي بما شاهدته، فصاح قائلا: رحنا في داهية، وأعد زوجي د. علي حقيبته التي سيأخذها معه إلى السجن، فقد كنا نتوقع في كل لحظة أن تأتي الشرطة العسكرية والمباحث العامة للقبض علينا.
ويقول الدكتور علي: كنت خائفًا على والدي الشيخ حسنين مخلوف، فهو قد تجاوز الستين من عمره، ولا يستطيع أن يتحمل أهوال السجن الحربي، ولذلك كنت أنا وزوجتي لا نفارقه ليلاً أو نهارًا، متوقعين في أي لحظة مداهمة الشرطة لمنزلنا.
يقول الشيخ مخلوف: لم ممن أتوقع أبدًا أن يتحمل الشهيد محمد الصوابي الديب هذا التعذيب الذي لا يصدقه عقل من أجلي، لم أكن أتوقع أن يضحي بحياته من أجلي، حقًّا هذه هي تربية الإسلام الحق.
وتقول الدكتورة سعاد الهضيبي: تعجبنا جميعًا عندما مرت الأيام ولم تداهم الشرطة منزلنا كما كنا نتوقع، وفي أحد الأيام ذهبت لزيارة أبي بالسجن الحربي، وسألته عن محمد الصوابي الديب -الذي كان يعرفه لأنه من الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى أن بلدته "شبين
القناطر" مجاورة لبلدة أبي وهي عرب الصوالحة بالقليوبية- فهز والدي رأسه بطريقة تدل على الأسى، وأخبرني أنه من الشهداء، وأضاف أبي قائلاً: لقد تعجبنا له لأن الذين كانوا يقومون بتعذيبه لا يسألونه إلا سؤالأ واحدًا فقط وهو: أنت كنت فين؟ فلا يجيب إلا بآيات من القرآن الكريم، حتى كسروا عموده الفقري وبرزت عظامه وضلوعه، وكان ممرض السجن "التمرجي" يخرج من مكان تعذيبه في يده (صفيحة) مليئة بالدم.
ويقول الأخ وهبي الفيشاوي: إن بعض الإخوة المسجونين الذين كانوا يقومون بتوزيع الطعام علينا كانوا يخبروننا بأحوال السجن والمعذبين فيه، وفي أحد الأيام أخبرني أحدهم أن جراح الأخ محمد الصوابي الديب فادحة جدًا ومتقيحة، وأن حالته ساءت لدرجة أن الحشرات تسري بين جروحه، وأنه قد امتنع عن الطعام بعد أن منع عنه الماء، ولم تمض سوى أيام قليلة على هذا الحديث حتى أطفئت أنوار السجن الحربي كلها في إحدى الليالي، وشاهدت من ثقب زنزانتي حراس السجن الحربي يحملون شخصًا ملفوفًا داخل بطانية ويضعونه داخل سيارة جيب مغلقة. وعرفت أنه الشهيد محمد الصوابي الديب، وقلت في نفسي: استرحت وفزت بالجنة إن شاء الله.
ويختم الشيخ مخلوف حديثه عن الشهيد البطل قائلاً: إذا كانت تربية الشهيد من تربية الإخوان المسلمين، فأنا أضم صوتي بقوة إلى علماء الأزهر في المطالبة بعودة الإخوان المسلمين فتربيتهم هي خير تربية (1).
4 - الثبات مع كر الزمان:
فقد يفرط المرء في مبدئه وتسترخي قبضته على الحق الذي معه لا لشيء إلا لتوالي الأيام والليالي، وقد حذرنا ربنا تبارك وتعالى فقال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16].
ويعتبر كر الزمان من أخطر الأسباب الصارفة عن الطريق حيث لا يوجد عدو ماثل أمامك يريد استلاب دينك وعقيدتك فيفجر فيك طاقة التصدي والتحدي، ومن ثم اعتبر القرآن من يتصفون بهذه الصورة من صور الثبات صفوة المؤمنين فقال تعالى: {مِنَ
__________
(1) من أعلام الحركة الإسلامية: 559 - 565.
الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].
ويقول البنا عن ركن الثبات: وأريد بالثبات أن يظل الأخ عاملاً مجاهدًا في سبيل غايته مهما بعدت المدة وتطاولت السنون والأعوام حتى يلقى الله على ذلك، وقد فاز بإحدى الحسنيين: إما الغاية أو الشهادة في النهاية، والوقت عندنا جزء من العلاج والطريق طويلة المدى متعددة المراحل كثيرة العقبات ولكنها وحدها التي تؤدي إلى المقصود مع عظيم الأجر والمثوبة.
5 - الثبات أمام الضغوط والتقلبات الحياتية:
فهناك الهواتف الشاغلة من قبل النفس والأهل والمال والولد.
وقد يؤدي الاسترسال معها والاستغراق فيها إلى التخفف من أعباء الدعوة أولاً، ثم الانصراف عنها كلية بعد ذلك، ونسأل الله العافية والثبات، وفي هذا الهلاك المبين قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195] لقد نزلت هذه الآية فيمن حدثتهم أنفسهم بالقعود في أموالهم لإصلاحها بعد ضياع، وذلك بعد أن مكن الله لدينه .. وهذا الأمر هو السبب في اعتبار الأزواج والأولاد أعداء -وهم أقرب الناس منا وأحبهم إلينا- وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} [التغابن: 14].
هل تثبت على دعوتك وعقيدتك مهما كانت التقلبات والظروف الحياتية؟
6 - الثبات عند تأخر النصر:
فقد يتسلل اليأس إلى بعض النفوس حين يتأخر النصر فينصرفون عن الطريق أو يتشككون فيه، وغاب عن هؤلاء أننا نحاسب على العمل ولن نحاسب على النتائج، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55].
ثبات على المبدأ
قدم أبو بصير بن أسيد الثقفي مسلمًا مهاجرًا فاستأجر الأخنس بن شريق رجلاً
كافراً من بني عامر بن لؤي ومولى معه وكتب معهما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأله الوفاء -أي أن يرد إليهم من جاءه مسلمًا- فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا للنبي: العهد الذي جعلت لنا فيه، فدفعه رسول الله إلى الرجلين فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة فنزلوا يأكلون من تمر لهم فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك يا فلان هذا جيدًا، فاستله الآخر فقال: أجل والله إنه لجيد، لقد جربت به ثم جربت، فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه فأمكنه منه فضربه حتى برد وفر الآخر حتى أتى المدينة فدخل المسجد يعدو فقال رسول الله: "لقد رأى هذا ذعراً" فلما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قتل والله صاحبي وإني لمقتول، فجاء أبو بصير فقال: يا نبي الله قد -والله- أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم ثم أنجاني الله منهم [رواه أحمد].
7 - الثبات عند الزحف:
حين تتقابل الصفوف والرايات في ساحة من الساحات يكون الثبات أول ما يطلب من جند الحق امتثالاً لأمر الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} [الأنفال: 45].
ومن هنا نرى ثبات جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - في مؤتة فلم تسمح نفسه الأبية بتنكيس الراية حتى بعد قطع كلتا يديه، فما كان منه إلا أن احتضنها بعضديه فكان جزاؤه من مثل عمله حين أبدله الكريم عوضًا عنهما جناحين في الجنة، قال تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 16].
الجهاد
قاد يوسف طلعت معركة "دير البلح" التي استشهد فيها اثنا عشر من مجاهدي الإخوان المسلمين، وحين عقدت الهدنة لتسليم الجثث وحضرها قائد إنجليزي تفقد الجثث، فوقف مذهولاً لأنه لاحظ أن جميع الإخوان مصابون في صدورهم، ودار نقاش علم منه الإنجليزي أن من صفات المؤمنين أن يقبلوا في المعارك ولا يولوا الأدبار، فقال القائد الإنجليزي: "لو أن عندي ثلاثة آلاف من هؤلاء لفتحت بهم الدنيا" (1).
__________
(1) من أعلام الحركة الإسلامية 551.
 - الثبات عند توافر أسباب النصر:
فقد تتوافر أسباب النصر المادية الظاهرة بزيادة العدد أو قوة العتاد، وهنا قد يركن هؤلاء إلى هذه الأسباب بل قد يداخلهم الشعور بالخيلاء والغرور ويترجم هذا الشعور عبارة (لن نغلب اليوم من قلة) كما حدث في غزوة حنين فأتي الناس من هذا الباب وكان درسًا قاسيًا أفاقهم من غشاوتهم وردهم إلى جميل التوكل على الله، وعندئذ انقلبت الموازين وتحقق النصر المبين، وقد عبر القرآن الكريم عن هذا الموقف في قوله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا} [التوبة: 25].
وفي سورة الأنفال مع عظمة مناسبة يوم الفرقان ولكن الله افتتح السورة بالمعاتبة على هذه الزلة وإقالة هذه العثرة وذلك قبل سرد روائع الغزوة فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1].
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7].
يقول سيد قطب: إن الظن يذهب لأول وهلة أن تثبيت الأقدام يسبق النصر، ويكون سببًا فيه، وهذا صحيح، ولكن تأخير ذكره في العبارة يوحي بأن المقصود معنى آخر من معاني التثبيت، معنى التثبيت على النصر وتكاليفه، فالنصر ليس نهاية المعركة بين الكفر والإيمان، وبين الحق والضلال. فللنصر تكاليفه في ذات النفس وفي واقع الحياة، للنصر تكاليفه في عدم الزهو به والبطر، وفي عدم التراخي بعده والتهاون، وكثير من النفوس يثبت على المحنة والبلاء، ولكن القليل هو الذي يثبت على النصر والنعماء، فصلاح القلوب وثباتها على الحق بعد النصر منزلة أخرى وراء النصر (1).
9 - الثبات أمام أساليب مواجهة الدعوة:
من هذه الأساليب:
أ- السخرية: قال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا} [الفرقان: 41].
__________
(1) في ظلال القرآن: (6/ 3289).
إن المشركين يواجهون الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويخاطبونه باستهزاء وتهكم، فيخبره الله بما كان مع الرسل من قبله، قال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنعام: 10].
ويقال في سبب نزول الآية إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وأبي جهل بن هشام، فهمزوه واستهزأوا به، فغاظه ذلك، فأنزل الله تعالى عليه في ذلك من أمرهم، ولما ذكر الله عز وجل شجرة الزقوم تخويفًا لقريش قال أبو جهل متهكمًا ساخرًا: يا معشر قريش، هل تدرون ما شجرة الزقوم التي يخوفكم بها محمد؟ قالوا: لا، قال: عجوة يثرب بالزبد! والله لئن استمكنا منها لنتزقمنها تزقمًا (أي نبتلعها) فأنزل الله قوله: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ} [الدخان: 43 - 46]. وهذا أسلوب مستمر بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن.
وعلى المسلم ألا يهتم بنقيق الضفادع، وعواء الكلاب، وخوار البقر، ورغاء الجمال، وُيعار التيوس.
ب- الاتهام بالكذب: قال تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} [الأنبياء: 5] وما زلنا نسمع تهمًا تكال للدعاة إلى الله.
ج- الاتهام بالجنون: قال تعالى: {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] ويجتمع الطغاة جميعًا على مر العصور على وصف الدعاة بالجنون.
د- الاتهام بالسفاهة والضلالة: قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13] هذا هو منطق الفراعنة في كل زمان ومكان، منطق الطواغيت مع الرسل وأتباع الرسل.
هل الذي ينادي بتحكيم شرع الله يتهم بالسفاهة؟
هل الذي يدافع عن أرضه في فلسطين يتهم بالضلال؟
هـ- الاتهام بالسحر: قال تعالى: {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص: 4].
و- التهديد بالضرب والرجم: قال تعالى: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ
الْمَرْجُومِينَ} [الشعراء: 116] وهذا أبو جهل يحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من السجود عند الكعبة وقال له: ألم أنهك عن هذا؟
ز- التهديد بالسجن: إن أولياء الشيطان من ذوي الجاه والسلطان تدفعهم قوتهم لتهديد أولياء الرحمن وتخويفهم بالسجن، مثل تهديد فرعون لموسى: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29] ولقد أجمعت قبائل قريش على محاصرة المؤمنين في شعب أبي طالب ومعهم بنو هاشم، ثلاث سنوات، لا يتواصلون معهم، ولا يبيعونهم ولا يشترون منهم حتى أدرك المؤمنين عناء شديد، كما سجن يوسف عليه السلام ظلمًا.
ح- التهديد بالنفي: فهؤلاء قوم قوم شعيب قالوا له: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} [الأعراف: 88] ويقف لوط ينهى قومه عن الفاحشة: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56].
ط- التهديد بالقتل: قال تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26]، لقد اجتمعت قريش لقتل الرسول ليلة الهجرة.
ى- التهديد في الرزق: قال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} [القصص: 57] وهذا الأسلوب يظهر في عصرنا واضحًا.
ك- الإغراء بالمال والجاه والسلطان.
حاول ملك الروم إغراء عبد الله بن حذافة بالملك، فقال له وهو أسير عنده: تنصَّر أشركك في ملكي، فأبى - رضي الله عنه -.
ولقد حاول اليهود إغراء السلطان عبد الحميد بمبالغ طائلة للدولة العثمانية وتسديد الديون مقابل التخلي عن فلسطين فرفض.
ل- إلحاق الأذى الجسماني، مثل:
التعذيب بالنار: وكان خباب بن الأرت يلقى في النار ليرتد عن دينه.
التعذيب بالخنق: فقد خنق الرسول خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حيث أخذ بمنكبه
وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ} [غافر: 28].
إلقاء القاذورات: كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يسجد ويلقي المشركون عليه القاذورات.
الضرب: فعند ذهاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف استقبله أهلها بالحجارة حتى أدموا جسمه الشريف.
نزع اللحم عن العطم والنشر بالمنشار فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له حفرة في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسر الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" [رواه البخاري].
التغطيس في الماء: فقد لقى النبي - صلى الله عليه وسلم - عماراً وهو يبكي، فجعل يمسح عينيه ويقول: أخذك الكفار، فغطوك في الماء، فقلت كذا وكذا، فإن عادوا فقل ذاك لهم.
البصق في الوجه: طلب أبي بن خلف من عقبة بن أبي معيط -وكان قد أعلن كلمة التوحيد تأثرًا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبصق في وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقال له: وجهي من وجهك حرام إن لم تكفر به وتتفل في وجهه.
الربط بالحبال: كان أمية بن خلف يربط برجْل أبي فكيهة حبلاً ويجره في الرمضاء.
م- مصادرة الأموال: استغل المشركون رغبة صهيب الرومي - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأخذوا منه المال فنزل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] وكم من شاب حُرِمَ حق العمل في الوظائف الحكومية وغيرها لأنه يدعو إلى الله (1).

سنة الدعوات
يقول الله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186].
__________
(1) انظر كتاب الابتلاء والمحن لمحمد عبد القادر أبو فارس.
يقول سيد قطب: إنها سنة العقائد والدعوات، لابد من بلاء ولابد من أذى في الأموال والأنفس، ولابد من صبر ومقاومة واعتزام.
إنه الطريق إلى الجنة، وقد حفت الجنة بالمكاره. بينما حفت النار بالشهوات. ثم إنه هو الطريق الذي لا طريق غيره، لإنشاء الجماعة التي تحمل هذه الدعوة، وتنهض بتكاليفها. طريق التربية لهذه الجماعة، وإخراج مكنوناتها من الخير والقوة والاحتمال. وهو طريق المزاولة العملية للتكاليف، والمعرفة الواقعية لحقيقة الناس وحقيقة الحياة.
ذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودًا فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها إذن والصبر عليها، فهم عليها مؤتمنون.
وذلك لكي تعز هذه الدعوة عليهم وتغلو، بقدر ما يصيبهم في سبيلها من عنت وبلاء، وبقدر ما يضحون في سبيلها من عزيز وغال. فلا يفرطوا فيها بعد ذلك، مهما تكن الأحوال.
وذلك لكي يصلب عود الدعوة والدعاة، فالمقاومة هي التي تستثير القوى الكامنة، وتنميها وتجمعها وتوجهها، والدعوة الجديدة في حاجة إلى استثارة هذة القوى، لتتأصل جذورها وتتعمق، وتتصل بالتربة الخصبة الغنية في أعماق الفطرة.
وذلك لكي يعرف أصحاب الدعوة حقيقتهم هم أنفسهم، وهم يزاولون الحياة والجهاد مزاولة عملية واقعية ويعرفوا حقيقة النفس البشرية وخباياها، وحقيقة الجماعات والمجتمعات، وهم يرون كيف تصطرع مباديء دعوتهم، مع الشهوات في أنفسهم وفي أنفس الناس، ويعرفون مداخل الشيطان إلى هذه النفوس، ومزالق الطريق، ومسارب الضلال!
ثم لكي يشعر المعارضون لها في النهاية أنه لابد فيها من خير، ولابد فيها من سر، يجعل أصحابها يلاقون في سبيلها ما يلاقون وهم صامدون، فعندئذ قد ينقلب المعارضون لها إليها أفواجًا في نهاية المطاف!
إنها سنة الدعوات، وما يصبر على ما فيها من مشقة، ويحافظ في ثنايا الصراع المرير على تقوى الله، فلا يشط فيعتدي وهو يرد الاعتداء، ولا ييأس من رحمة الله ويقطع أمله في نصره وهو يعاني الشدائد .. ما يصبر على ذلك كله إلا أولو العزم الأقوياء.يقول الله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186].
وهكذا علمت الجماعة المسلمة في المدينة ما ينتظرها من تضحيات وآلام وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال، من أهل الكتاب من حولها، ومن المشركين أعدائها .. ولكنها سارت في الطريق، لم تتخاذل ولم تتراجع، ولم تنكص على أعقابها .. لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت، وأن توفية الأجور يوم القيامة، وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور. على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف، وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو، والأرض الصلبة المكشوفة باقية لأصحاب هذه الدعوة في كل زمان، والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان، وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها، وتتوالى القرون والأجيال، وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال .. والقرآن هو القرآن (1).

ننتصر على الغرب بثباتنا
يقول الشهيد الرنتيسي -عندما كان في مرج الزهور-: في خيمة جلس صحفي محبب إلى قلوبنا وعقد معي لقاء صحفيًا، ولقد أذهلني عندما توجه إليّ في نهاية اللقاء متسائلاً: هل أنت نبي؟ فقلت: لا، فقال: هي يتنزل عليكم وحي من السماء؟ فقلت: لا، ثم أنهى اللقاء.
وتوجهت اليه متسائلاً بعد نهاية اللقاء: لماذا سألتني هذه الأسئلة الغريبة؟
فقال: أنا أخاطب المجتمع الأمريكي، وهناك خواء روحي عجيب، وكثير منهم يعتقد أن ثباتكم بين الصخور والثلوج لا يمكن أن يكون إلا بوحي، ويعتقدون أنك نبي جديد، ولذا أردت أن أبين لهم الحقيقة. وقال لي: لو قلت إنك نبي لوجدت أعدادًا كبيرة دخلوا في هذا الدين الجديد (2).
...
__________
(1) في ظلال القرآن: (1/ 639 - 540).
(2) مذكرات الرنتيسي 59 - 60.
يقول الله تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186].
وهكذا علمت الجماعة المسلمة في المدينة ما ينتظرها من تضحيات وآلام وما ينتظرها من أذى وبلاء في الأنفس والأموال، من أهل الكتاب من حولها، ومن المشركين أعدائها .. ولكنها سارت في الطريق، لم تتخاذل ولم تتراجع، ولم تنكص على أعقابها .. لقد كانت تستيقن أن كل نفس ذائقة الموت، وأن توفية الأجور يوم القيامة، وأنه من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وأن الحياة الدنيا ما هي إلا متاع الغرور. على هذه الأرض الصلبة المكشوفة كانت تقف، وفي هذا الطريق القاصد الواصل كانت تخطو، والأرض الصلبة المكشوفة باقية لأصحاب هذه الدعوة في كل زمان، والطريق القاصد الواصل مفتوح يراه كل إنسان، وأعداء هذه الدعوة هم أعداؤها، وتتوالى القرون والأجيال، وهم ماضون في الكيد لها من وراء القرون والأجيال .. والقرآن هو القرآن (1).

ننتصر على الغرب بثباتنا
يقول الشهيد الرنتيسي -عندما كان في مرج الزهور-: في خيمة جلس صحفي محبب إلى قلوبنا وعقد معي لقاء صحفيًا، ولقد أذهلني عندما توجه إليّ في نهاية اللقاء متسائلاً: هل أنت نبي؟ فقلت: لا، فقال: هي يتنزل عليكم وحي من السماء؟ فقلت: لا، ثم أنهى اللقاء.
وتوجهت اليه متسائلاً بعد نهاية اللقاء: لماذا سألتني هذه الأسئلة الغريبة؟
فقال: أنا أخاطب المجتمع الأمريكي، وهناك خواء روحي عجيب، وكثير منهم يعتقد أن ثباتكم بين الصخور والثلوج لا يمكن أن يكون إلا بوحي، ويعتقدون أنك نبي جديد، ولذا أردت أن أبين لهم الحقيقة. وقال لي: لو قلت إنك نبي لوجدت أعدادًا كبيرة دخلوا في هذا الدين الجديد (2).
...
__________
(1) في ظلال القرآن: (1/ 639 - 540).
(2) مذكرات الرنتيسي 59 - 60.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الأخوة في الله

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 9:11

الأخوة في الله
هي منحة قدسية، ونعمة إلهية يقذفها الله عز وجل في قلوب المخلصين من عباده، والأصفياء من أوليائه، والأتقياء من خلقه، فالله تعالى يقول: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63] وقال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103].
لا أخوة بدون إيمان ولا إيمان بدون أخوة لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - بحديث يرفعه قال: "الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف" [رواه مسلم].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى"، قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: "هم قوم تحابوا بروح الله بينهم على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، والله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس" [رواه أبو داود].

الأخوة طريق الجنة
قال ابن السماك عند موته: اللهم إنك تعلم أني إذا كنت أعصيك كنت أحب من يطيعك، فاجعل ذلك قربة لي إليك.
وقال الفضيل في بعض كلامه: هاه تريد أن تسكن الفردوس وتجاور الرحمن في داره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟ بأي عمل عملته؟ بأي شهوة تركتها؟ بأي غيظ كتمته؟ بأي رحم قُطعت وصلتها؟ بأي زلة لأخيك غفرتها؟ بأي قريب باعدته في الله؟ بأي بعيد قاربته في الله؟.
وقال عبد الله بن سهل: سمعت يحيى بن معاذ يقول: ليكن حظ المؤمن منك ثلاثًا:
إن لم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمه.
وقال أبو سليمان الداراني: كنت أنظر إلى الأخ من إخواني بالعراق فأعمل على رؤيته شهرًا، ويقال: إنما الأخ الذي تعظك رؤيته قبل أن يعظك بكلامه.
ويقول البنا: إن ذلك المهاجر الذي كان يترك أهله، ويفارق أرضه في مكة، ويفر بدينه، كان يجد أمامه أبناء الإسلام من فتيان يثرب ينتظرون، وكلهم شوق إليه وحب له وسرور بمقدمه، وما كان لهم سابق معرفة ولا قديم حيلة، وما ربطهم به وشيجة من صهر أو عمومة، وما دفعتهم إليه غاية أو منفعة.
وإنما هي عقيدة الإسلام جعلتهم يحنون إليه ويتصلون به، ويعدونه جزءًا من أنفسهم، وشقيقًا لأرواحهم، وما هو إلا أن يصل المسجد حتى يلتف حوله الغر الميامين من الأوس والخزرج، كلهم يدعوه إلى بيته ويؤثره على نفسه، ويفديه بروحه وعياله، ويتشبث بمطلبه هذا حتى يؤول الأمر إلى الاقتراع، حتى روى الإمام البخاري: "ما نزل مهاجري على أنصاري إلا بقرعة".
وحتى خلد القرآن للأنصار ذلك الفضل أبد الدهر، فما زال يبدو غرة مشرقة في جبين السنين في قول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9].

أمر إلهي
يقول تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا} [آل عمران: 103].
يقول سيد قطب: "هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائمًا .. وهو هنا يذكرهم بهذه النعمة، يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية أعداء، وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد، وهما الحيان العربيان في يثرب، يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعًا، ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه، ولا تعيش إلا معه، فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام، وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلا
حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانًا (1).

حقوق الأخوة الخاصة
1 - في المال
يقول أبو حامد الغزالي في الإحياء: والحقوق في المال على ثلاث مراتب:
أدناها: أن تنزله منزلة خادمك فتقوم بحاجته من فضل مالك، فإذا سنحت له حاجة وعندك فضل عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال، فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة.
الثانية: أن تنزله بمنزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك وتسمح له بمشاطرته في المال.
الثالثة: وهي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك، وهذه مرتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين، ومن ثمار هذه الرتبة الإيثار بالنفس أيضًا.
وجاء رجل إلى أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال: إني أريد أن أؤاخيك في الله.
فقال: أتدري ما حق الإخاء؟
قال: لا.
قال: أن لا تكون أحق بدينارك ودراهمك مني.
قال: لم أبلغ هذه المنزلة بعد.
قال: فاذهب عني.
وقال علي بن الحسين للرجل: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه وكيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه؟
قال: لا، قال: فلستم بإخوان.
وقال أبو سليمان الداراني: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له، وقال أيضًا: إني لألقم اللقمة أخًا من إخواني فأجد طعمها في حلقي.
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم: (1/ 442).
ولله در علقمة العطاردي في وصيته لابنه حين الوفاة قال: يا بني! إذا عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤنة عانك، واصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى سيئة سدها، صاحب من إذا سألته أعطاك، وإن سكت ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك، اصحب من إن قلت صدق قولك، وإن حاولتما أمرًا أمرك، وإن تنازعتما آثرك.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أتى علينا زمان وما يرى أحد منا أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، وإنا في زمان الدينار والدرهم أحب إلينا من أخينا المسلم.
وقال يزيد بن عبد الملك: إني لأستحي من الله عز وجل أن أسأل الجنة لأخ من إخواني وأبخل عليه بدينار أو درهم.
وقال أحد الصالحين: وددت أن جميع إخواني أتوني فشاركوني في معيشتي حتى يكون عيشنا عيشًا واحدًا، ولوددت أن جميع إخواني أتوني في حوائجهم، وإني لأستحي من الله عز وجل أن ألقى الأخ من إخواني فأدعو له بالجنة وأبخل عليه بالدنيا، والدنيا أصغر وأحقر من أن يقال لي يوم القيامة: كنت كذابًا، لو كانت الدنيا بيدك كنت بها أبخل.
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: لعشرون درهمًا أعطيها أخي في الله أحب إليّ من أن أتصدق بمائة درهم على المساكين.
وجاء فتح الموصلي إلى صديق له يقال له: عيسى التمار فلم يجده في المنزل، فقال للخادمة: أخرجي إليّ كيس أخي، فأخرجته له فأخذ درهمين، وجاء عيسى إلى بيته فأخبرته الخادمة بمجيء فتح وأخذه الدرهمين، فقال: إن كنت صادقة فأنت حرة، فنظر فإذا هي صادقة فعتقت.
وعن الأعمش: أن خيثمة بن عبد الرحمن ورث مائتي ألف فأنفقها على إخوانه.

موقف مؤثر
بيعت عيادة الدكتور عبد العزيز الرنتيسي في المزاد العلني؛ لأنه رفض دفع ضرائب للاحتلال، وهذا من شجاعته لرفضه مبدأ الاحتلال، وقدر الله سبحانه أن يشتري محتويات العيادة رجل فاضل وهو ابن الداعية والمحسن الكبير الحاج "صادق الزيني"، فلما علم أنها له اتصل به ورد محتويات العيادة إليه، وأقسم أيمانًا مغلظة ألا يأخذ البلغ الذي دفعه للمزاد،
وفعلاً لم يأخذ شيئًا رغم الإلحاح الشديد من الدكتور (1).
هل تؤثر إخوانك على نفسك؟
2 - الإعانة بالنفس في قضاء الحاجات
وقضى ابن شبرمة حاجة لبعض إخوانه فجاء بهدية فقال: ما هذا؟
قال: لما أسديته لي.
فقال: خذ مالك عافاك الله، إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى.
وكان في السلف من يتفقد عيال أخيه وأولاده بعد موته أربعين سنة يقوم بحاجتهم، ويتردد كل يوم إليهم ويمونهم من ماله، فكانوا ما يفقدون من أبيهم إلا عينه، بل كانوا يرون منه ما لم يروا من أبيهم في حياته، وكان الواحد منهم يتردد إلى باب دار أخيه ويسأل ويقول: هل لكم زيت؟ هل لكم ملح؟ هل لكم حاجة؟ وكان يقوم بها حيث لا يعرفه أخوه، وبهذا تظهر الشفقة والأخوة، فإذا لم تثمر الشفقة حتى يشفق على أخيه كما يشفق على نفسه فلا خير فيها (2).
عن بسطام التيمي قال: رأيت طلحة بن مصرف يخرج من زقاق ضيق في التيم، فقلت: من أين يجيء طلحة؟
قالوا: يأتي أم عمارة بن عمير يبرها بالنفقة والكسوة والصلة، قال: وذلك بعد موت عمارة ببضع عشرة سنة.
وبالجملة فينبغي أن تكون حاجة أخيك مثل حاجتك، أو أهم من حاجتك، وأن تكون متفقدًا لأوقات الحاجة غير غافل عن أحواله كما لا تغفل عن أحوال نفسك، وتغنيه عن السؤال وإظهار الحاجة إلى الاستعانة، بل تقوم بحاجته كأنك لا تدري أنك قمت بها، ولا ترى لنفسك حقًا بسبب قيامك بها.
وعن الحسن بن كثير قال: شكوت إلى محمد بن علي الحاجة وجفاء إخواني.
__________
(1) مذكرات الشهيد الرنتيسي 33 بتصرف.
(2) من يظلهم الله (1/ 365).
فقال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيًا ويقطعك فقيرًا، ثم أمر غلامه فخرج كيسًا فيه سبعمائة درهم فقال: استنفق هذه فإذا نفدت فأعلمني.
وكان رحمه الله يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويكسوهم الثياب الحسنة، ويهب لهم الدراهم، فتقول له مولاته سلمى: ما تصنع؟ فيقول لها: يا سلمى ما يؤمل في الدنيا بعد المعارف والإخوان؟
ولقى حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما -بعدما قتل الزبير- فقال: كم ترك أخي عليه من الدين؟
قال: ألفي ألف.
قال: عليّ منها ألف ألف.
قال الحسن: كنا نعد البخيل الذي يقرض أخاه!!
وقال: ليس من المروءة أن يربح الرجل على صديقه.
وجاء رجل من السلف الصالح إلى بيت صديق له، فخرج إليه فقال: ما جاء بك؟
قال: علي أربعمائة درهم، فدخل الدار فوزنها، ثم خرج فأعطاه، ثم عاد إلى الدار باكيًا، فقالت زوجته: هلا تعللت عليه، إذا كان إعطاؤه يشق عليك؟
فقال: إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله، فاحتاج أن يقول ذلك.
وقال علي: لئن أجمع نفرًا من أصحابي على صاع أو صاعين من طعام أحب إلي من أن أخرج إلى سوقكم فأعتق نسمة (1).
ولله در أبي سليمان الداراني حين يقول، لو أن الدنيا كلها لي في لقمة، ثم جاءني أخ لأحببت أن أضعها في فيه.
ودخل مالك بن دينار ومحمد بن واسع منزل الحسن وكان غائبًا، فأخرج محمد بن واسع سلة فيها طعام من تحت سرير الحسن فجعل يأكل، فقال له مالك: كُفْ يدك حتى يجيء صاحب البيت، فلم يلتفت محمد إلى قوله وأقبل على الأكل، وكان مالك أبسط منه وأحسن خلقًا، فدخل الحسن وقال: هكذا كنا لا يحتشم بعضنا بعضًا حتى ظهرت أنت
__________
(1) من يظلهم الله (1/ 360) بتصرف.
وأصحابك، وأشار بهذا إلى أن الانبساط في بيوت الإخوان من الصفاء في الأخوة، كيف وقد قال تعالى: {أَوْ صَدِيقِكُمْ} [النور: 61] وقال: {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ} إذ كان الأخ يدفع مفاتيح بيته إلى أخيه ويفوض له التصرف كما يريد.
وكان أبو جعفر محمد بن علي يدعو نفرًا من إخوانه كل جمعة فيطعمهم الطعام الطيب، ويطيبهم، ويبخرهم، ويروحون إلى المسجد من منزله.
ولله در الإمام أحمد بن حنبل حين يقول: لو أن الدنيا جمعت في مقدار لقمة، ثم أخذها المرء المسلم فوضعها في فم أخيه المسلم لما كان مسرفًا.
وقال عبد الله بن عثمان شيخ البخاري: ما سألني أحد حاجة إلا قمت له بنفسي، فإن تمت وإلا قمت له بمالي، فإن تمت وإلا استعنا له بالإخوان، فإن تمت وإلا استعنا له بالسلطان.
ودخل علي بن زين العابدين بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد يعوده، فبكى ابن أسامة، فقال له: ما يبكيك؟
قال: عليّ دين.
قال: وكم هو؟
قال: خمسة عشر ألف دينار.
فقال: هي عليّ.
وقال الهيثم بن جميل: جاء فضيل بن مرزوق إلى الحسن بن حسين فأخبره أنه ليس عنده شيء، فقام الحسن فأخرج ستة دراهم، وأخبره أنه ليس عنده غيرها.
فقال: سبحان الله ليس عندك غيرها وأنا آخذها، فأخذ ثلاثة وترك ثلاثة.
قال ابن رجب في لطائف المعارف: كان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم، اغتنامًا لأجر ذلك: منهم: عامر بن عبد قيس، وعمرو بن عتبة بن فرقد، مع اجتهادهما في العبادة في أنفسهما، وكذلك كان إبراهيم بن أدهم يشترط على أصحابه في السفر الخدمة والأذان.
وكان رجل من الصالحين يصحب إخوانه في سفر الجهاد وغيره، فيشترط عليهم أن يخدمهم، فكان إذا رأى رجلاً يريد أن يغسل ثوبه، قال له: هذا من شرطي، فيغسله.
وروى أن جيشًا من المسلمين كان بينه وبين عدوه نهر، فأمرهم القائد أن يخوضوه فلبوا الأمر وخاضوا النهر، والعدو يشهدهم من بعيد، وفي وسط النهر سقط إناء أحدهم فصاح: قعبي قعبي، فقال الذي عن يمينه: قعبي قعبي، وقال الذي عن شماله: قعبي قعبي، حتى أخذ الجيش كله يردد: قعبي قعبي، فخاضوا جميعًا في جوف النهر ليبحثوا عن إناء أخيهم، فعرف العدو ذلك، فألقى الله الرعب في قلوبهم وقالوا: إذا كانوا يفعلون ذلك من أجل إناء سقط من أحدهم، فماذا يفعلون لو قتلنا منهم نفسًا.
3 - في اللسان
قال ابن المبارك: المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العثرات.
وقال عيسى عليه السلام للحواريين: كيف تصنعون إذا رأيتم أخاكم نائمًا وقد كشف الريح ثوبه عنه؟
قالوا: نستره ونغطيه.
قال: بل تكشفون عورته!
قالوا: سبحان الله من يفعل هذا؟
فقال: أحدكم يسمع بالكلمة في أخيه فيزيد عليها ويشيعها بأعظم منها.
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته أولاً، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه.
الدعاء للأخ في حياته وبعد مماته
كان أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقول: إني لأدعو لسبعين من إخواني في سجودي أسميهم بأسمائهم.
ويقول أحمد بن حنبل: ما صليت صلاة منذ أربعين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي رحمه الله تعالى.
فقال له ابنه عبيد الله: أي رجل كان الشافعي حتى تدعو له كل هذا الدعاء؟
فقال الإمام أحمد: يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف؟
وعن أبي عبد الله بن الخطيب قال: كان لأبي حمدون (أحد القراء المشهورين) صحيفة مكتوب فيها ثلاثمائة من أصدقائه، قال: وكان يدعو لهم كل ليلة، فتركه ليلة فنام، فقيل له في نومه: يا أبا حمدون! لِمَ لم تسرج مصابيحك الليلة؟ قال: فقعد وأسرج وأخذ الصحيفة، فدعا لواحد واحد حتى فرغ.
وقال القاضي محمد بن محمد بن إدريس الشافعي: قال لي أحمد بن حنبل: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم سحرًا.
وكان محمد بن يوسف الأصفهاني يقول: وأين مثل الأخ الصالح أهلك يقتسمون ميراثك، ويتنعمون مما خلفت، وهو منفرد بحزنك، مهتم بما قدمت وما صرت إليه، يدعو لك في ظلمة الليل وأنت تحت أطباق الثرى.
4 - الوفاء والإخلاص
ومعنى الوفاء الثبات على الحب وإدامته إلى الموت، وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإن الحب إنما يراد للآخرة.
يقال: ما تآخى اثنان في الله فتفرق بينهما إلا بذنب يرتكبه أحدهما.
وكان بشر يقول: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه.
واعلم أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين، بل الوفاء له المخالفة.
فقد كان الشافعي آخى محمد بن عبد الحكم وكان يقربه ويقبل عليه، ويقول: ما يقيمني بمصر غيره، فاعتل محمد فعاده الشافعي رحمه الله تعالى فقال:
مرض الحبيب فعدته ... فمرضت من جزعي عليه
وأتى الحبيب يعودني ... فبرئت من نظري إليه
وظن الناس من فرط محبته أنه يفوض أمر حلقته إليه بعد وفاته، فقيل للشافعي في
علته التي مات فيها: إلى من نجلس بعدك يا أبا عبد الله؟ فاستشرف له محمد بن عبد الحكم، وهو عند رأسه ليوميء إليه، فقال الشافعي: سبحان الله أيشك في هذا، أبو يعقوب البويطي؟ فانكسر لها محمد، ومال أصحابه إلى البويطي مع أن محمدًا كان قد حمل عنه مذهبه كله، لكن البويطي كان أفضل وأقرب إلى الزهد والورع، فنصح الشافعي لله وللمسلمين وترك المداهنة.
يفول ابن عباس: أكرم الناس عليَّ جليسي الذي يتخطى رقاب الناس إليّ، لو استطعت ألا يقع الذباب عليه لفعلت، وفي رواية: "إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني" (1).
5 - التخفيف وترك التكلف
قال علي: شر الأصدقاء من تكلف لك، ومن أحوجك إلى مداراة، وألجأك إلى اعتذار.
وقال الفضيل: إنما تقاطع الناس بالتكلف، يزور أحدهما أخاه فيتكلف له فيقطعه ذلك عنه.
وقالوا: من سقطت كلفته دامت ألفته، ومن خفت مؤنته دامت مودته.
وقال جعفر الصادق: أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه، وأخفهم عليَّ قلبي من أكون معه كما أكون وحدي.
وقال آخر: لا تصحب إلا من يتوب عندك إذا أذنبت، ويعتذر إليك إذا أسأت، ويحمل مؤنة نفسك ويكفيك مؤنة نفسه، وهذا منتهى الكمال وهو نادر وقليل.
وقال رجل للجنيد: قد عز الإخوان في هذا الزمان، أين أخ لي في الله؟
فأعرض الجنيد حتى أعاده ثلاثًا فلما أكثر قال له الجنيد: إن أردت أخًا يكفيك مؤنتك ويتحمل أذاك فهذا لعمري قليل، وإن أردت أخًا في الله تحمل أنت مؤنته وتصبر على أذاه، فعندي جماعة أعرفهم لك فسكت الرجل.
وقال بعضهم: إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال فقد تم أنسه به: أكله عنده، ودخول الخلاء، والصلاة، والنوم.
__________
(1) أخلاق الدعاة: 128.
لك من نعمة تربُّها، قال: لا، غير أني أحببته في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه" [رواه مسلم].
وقال محارب بن دثار سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: لقد أحببت في الله عز وجل ألف أخ كلهم أعرف اسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته، وأعرف مكان داره.
وقال أبو سليمان الداراني: قد يعملون بطاعة الله عز وجل، ويعاونون على أمره، ولا يكونون إخوانًا حتى يتزاوروا ويتباذلوا.
وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا بلغه عن شخص صلاح أو زهد، أو قيام بحق، أو اتباع للأمر، سأل عنه، وأحب أن يجري بينه وبينه معرفة، وأحب أن يعرف أحواله.
وروى الخطيب البغدادي أنه قال: بلغني أن بعض أصحاب محمد بن غالب أبي جعفر المقرئ جاء في يوم وحل وطين، فقال له: كيف أشكر هاتين الرجلين اللتين تعبتا إليَّ في مثل هذا اليوم لتكسباني الثواب؟ ثم قام بنفسه فاستقى له الماء، وغسل رجليه!.
10 - أن يبدي له اهتمامًا في قضاء حوائجه
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" [رواه مسلم].
وكان مالك بن دينار يقول: لا يتفق اثنان في عِشرة إلا وفي أحدهما صفة من الآخر، فإن أجناس الناس كأجناس الطير .. ولا يتفق نوعان من الطير إلا لمناسبة، وفي ذات يوم رأى غرابًا مع حمامة فعجب من ذلك وقال: اتفقا وليسا من شكل واحد ثم طارا فإذا هما أعرجان، فقال: من هنا اتفقا.
عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني.
11 - حفظ السر
أفشى بعضهم سرًا له إلى أخيه ثم قال له: حفظت؟ فقال: بل نسيت.
وقال أبو سعيد الثوري: إذا أردتَ أن تؤاخي رجلاً فأغضبه، ثم دس عليه من يسأله عنك، وعن أسرارك، فإن قال خيرًا وكتم سرك فاصحب.
2 - عدم الهجر
قال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب بذنبه، فإنه يرتكبه اليوم ويتركه غدًا.
وحكى عن أخوين من السلف انقلب أحدهما عن الاستقامة، فقيل لأخيه: ألا تقطعه وتهجره؟ فقال: أحوج ما كان عليَّ في هذا الوقت لما وقع في عثرته أن آخذ بيده، وأتلطف له في المعاتبة، وأدعو له بالعود إلى ما كان عليه.
والقريب ينبغي ألا يهجر من أجل معصيته، حتى يقام له بواجب النصيحة، وذلك لأجل قرابته، قال الله تعالى لنبيه في عشيرته: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 216]، ولم يقل: إني بريء منكم، مراعاة لحق القرابة ولحمة النسب، لهذا أشار أبو الدرداء لما قيل: ألا تبغض أخاك وقد فعل كذا؟
فقال: إنما أبغض عمله وإلا فهو أخي، وأخوة الدين أوكد من أخوة القرابة.
وسأل الفاروق عمر - رضي الله عنه - عن رجل كان قد آخاه ثم خرج إلى الشام، فقالوا له: ذاك أخو الشيطان، إنه قارف الكبائر حتى وقع في الخمر، فكتب إليه عمر: "من عمر بن الخطاب إلى فلان، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو إليه المصير، ثم قال لأصحابه: ادعوا لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر - رضي الله عنه - جعل يقرؤه ويردده، ويقول: غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه حتى بكى، ثم نزع (أي تاب) فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا، إذا رأيتم أخًا لكم زل زلة فسددوه ووثقوه (أي افتحوا له باب الأمل والثقة) وادعوا الله له أن يتوب عليه ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه.
13 - حسن الظن
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرًا، وأنت تجد لها في الخير محملاً.
وقال أبو بكر الكتاني: يحبني رجل وكان على قلبي ثقيلاً، فوهبت له شيئًا بنية أن يزول ثقله من قلبي فلم يزل، فلخوت به يومًا وقلت له: ضع رجلك على خدي فأبى، فقلت له: لابد من ذلك، ففعل ذلك فزال ما كنت أجد في باطني.
وعن أبي قلابة قال: إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له العذر جهدك، فإن لم تجد له عُذرًا فقل في نفسك: لعل لأخي عذرًا لا أعلمه.
وقال الربيع بن سليمان: دخلت على الشافعي وهو مريض، فقلت له: قوى الله ضعفك، فقال: لو قوى ضعفي قتلني، فقلت: والثه ما أردت إلا الخير، قال: أعلم أنك لو شتمتني لم تُرد إلا الخير.
وقال أبو معاوية السود: إخواني كلهم خير مني.
قيل: وكيف ذلك؟
قال: كلهم يرى لي الفضل عليه، ومن فضلني على نفسه فهو خير مني، ومهما رأى الفضل لنفسه فقد احتقر أخاه، وهذا في عموم المسلمين مذموم.
هل تحسن الظن بأخيك؟
13 - النصيحة
روى أحد التابعين: سمعني شريح القاضي وأنا أشتكي بعض ما غمني لصديق، فأخذني من يدي وانتحى بي جانبًا، وقال: يا ابن أخي، إياك والشكوى لغير الله عز وجل، فإن من تشكو إليه لا يخلو أن يكون صديقًا فتحزنه، وإما عدوًا فيشمت بك، ثم قال: انظر إلى عيني هذه -أشار إلى إحدى عينيه-، فوالله ما أبصرت بها شخصًا ولا طريقًا منذ خمس عشرة سنة، ولكني ما أخبرت أحدًا إلا أنت في هذه الساعة، أما سمعت قول العبد الصالح: {إنًّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]، فاجعل الله عز وجل مشكاك ومحزنك عند كل نائبة تنوبك، فإنه أكرم مسئول وأقرب مدعو.
وقد رأى ذات يوم رجلاً يسأل آخر شيئًا فقال له: يابن أخي من سأل إنسانًا حاجة فقد عرض نفسه على الرق، فإن قضاها له المسئول فقد استعبده بها، وإن
رده عنها رجع كلاهما ذليلاً (1).
احرص على تقديم النصيحة لإخوانك سرًا وبرفق.
نصح واثلة
كان واثلة بن الأسقع واقفًا في سوق، فباع رجل ناقة له بثلاثمائة درهم، فغفل واثلة، وقد ذهب الرجل بالناقة فسعى وراءه وجعل يصيح به: يا هذا اشتريتها للحم أو للظهر؟ فقال: بل للظهر، فقال واثلة: إن بخفها نقبًا -يعني جرحًا- قد رأيته، وإنها لا تتابع السير، فعاد الرجل فردها، فنقصها البائع مائة درهم، وقال لواثلة: أفسدت عليَّ بيعي رحمك الله، فقال واثلة: إنا بايعنا رسول الله على النصح لكل مسلم (2).
وقالت أم الدرداء رضي الله عنها: من وعظ أخاه سرًا فقد زانه، ومن وعظه علانية فقد شانه.
وقال سفيان: قلت لمسعر بن كدام: تحب أن يخبرك رجل بعيوبك؟
قال: أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها فلا، وإما أن يجيء ناصحًا فنعم.
ويقول أحد السلف: أخوك من عرفك العيوب، وصديقك من حذرك من الذنوب.
15 - قبول الدعوة
زار الإمام الشهيد البنا إحدى قرى الصعيد، وأقام الإخوان احتفالاً كبيرًا في هذا اليوم، وبعد انتهاء الحفل ألح أحد الفلاحين على الإمام الشهيد أن يزوره في بيته، وكان عدد الإخوان كثيرًا، وكان هناك مواعيد ولقاءات، فقبل الإمام الشهيد أمام الإصرار الشديد على الزيارة، بشرط أن يكون وحده، وألا تتجاوز الزيارة فنجان شاي، وتوجها إلى البيت، وكانت الفرحة، وطلب الرجل من زوجته إعداد فنجان شاي بسرعة، وسُر الرجل، وجعل الإمام الشهيد يشرب الشاي، وكلما أخذ رشفة تبسم وآنس الرجل، ثم
__________
(1) صور من حياة التابعين 119 - 120.
(2) الإمام أبو حنيفة: 278.
عاد إلى إخوانه المنتظرين وودعه الرجل بكل حفاوة، ثم رجع إلى بيته مسرعًا، وتناول فنجان الشاي، ليحظى بسؤره وما تبقى منه، فلم يجد سوى الأثر، ولكنه وجد عجبًا، فوجيء بأن الشاي قد أضيف إليه الملح بدل السكر (1).
16 - مراعاة الذوقيات
يقول الأستاذ عمر التلمساني: كان الإمام الشهيد البنا يتحسس في رقة ودقة كل ما يرضى الإخوان في الحدود المشروعة، في ذات يوم زاره الأخ الشاعر عمر الأميري أحد قادة الإخوان في سوريا؛ ليستأذنه في الذهاب إلى الإسكندرية مع والده في القطار الذي يغادر القاهرة غدًا في السابعة صباحًا، وذهب عمر الأميري مع والده وقبل أن يتحرك القطار بدقيقة أو دقيقتين، إذ بعمر يرى الإمام الشهيد وهو يسرع الخطى على رصيف القطار، يحمل باقة من الورود الناضرة، يقدمها تحية لوالد عمر الأميري، وكان لهذا الموقف تأثير عميق في نفس الأميري الشاعر الكبير (2).
هل تحرص على تقديم الهدية لإخوانك؟
ويقول الندوي: حدثني بعض الثقات المعمرين الذين أدركوا عهد الأشراف في الحجاز، أن تجار مكة كانوا في ذلك العهد على جانب عظيم من المواساة لزملائهم، والنظر في مصالحهم، والإخلاص والإيثار لهم، قال: كان بعض التجار إذا أتاه زبون في آخر النهار وقد باع ما يكفيه لقوت يومه وما حدده من الربح والوارد، ولم يكن زميله الجار سعيد الحظ في ذلك اليوم، قال له في لطف وهدوء: دونك هذا الدكان الذي هو بجواري! تجد عنده ما تجده عندي، وقد لاحظت قلة الزبائن عنده هذا اليوم، فهو أحق أن تشتري منه.
ويتحدث الأستاذ محمد أسد النمساوي عن مدينة إسلامية عربية كبيرة (دمشق) فيذكر انطباعاته كما يلي:
وقفت على ذلك الاستقرار الروحي في حياة سكانها، إن أمنهم الباطني كان يمكن أن
__________
(1) مائة موقف من حياة المرشدين 58 - 59.
(2) مائة موقف من حياة المرشدين 64.
يُرى في الطريقة التي كان أصحاب الدكاكين يعامل بها بعضهم بعضًا، أولئك التجار في الحوانيت الصغيرة، أولئك الذين لا ينادون على المارة، أولئك كانوا يبدون وكأنما ليس فيهم أيما قدر من الخوف، والحسد، حتى إن صاحب دكان منهم ليترك دكانه في عهدة جاره ومزاحمه، كلما دعته حاجة إلى التغيب بعض الوقت، وما أكثر ما رأيت زبونًا يقف أمام دكان غاب عنه صاحبه يتساءل فيما بينه وبين نفسه، ما إذا كان ينتظر عودة البائع، أم ينتقل إلى الدكان المجاور، فيتقدم التاجر المجاور دائمًا -للتاجر المزاحم- ويسأل الزبون عن حاجته ويبيعه ما يطلب من البضاعة -لا بضاعته هو- بل بضاعة جاره الغائب، ويترك له الثمن على مقعده.
هل في أوروبا يستطيع المرء أن يشاهد مثل هذه الصفقة (1).

نقاتل أعداءنا بالحب
روى أنه بعد الاتفاق على صلح الحديبية وقبل أن يدون في عقد، تمكن الصحابي الشاب أبو جندل بن سهيل بن عمرو من الفرار من سجن أبيه وقومه، حتى لحق بالمسلمين في الحديبية، ففرح به المسلمون وتلقوه وآووه، فأمسك به أبوه سهيل بن عمرو وهو المفاوض باسم قريش في هذا الصلح، وأخذ بتلابيبه وجعل يضرب وجهه بغصن شوك ويجره إليه، فصاح أبو جندل: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني عن ديني؟ فزاد ذلك المسلمين شرًا وحزنًا، وجعلوا يبكون لكلام أبى جندل، وهنا قال رجل من الكفار واسمه حويطب بن عبد العزى لرجل آخر اسمه مُكرز بن حفص: ما رأيت قومًا قط أشد حبًا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لحمد، وبعضهم بعضًا، أما إني أقول: لا نأخذ من محمد نصفنا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة (أي لن تنال منه شيئًا حتى يدخل مكة بالقوة) فقال مكرز: وأنا أرى ذلك.
والشاهد أن مشاعر الحب والأخوة بين المسلمين في هذا الموقف هي التي جعلت اثنين من الكفار يقرران نهاية الصراع لصالح المسلمين (2).
__________
(1) الإيمان والحياة: 236 - 237.
(2) عدة المجاهدين:87.
يقول البنا: الأخوة الإسلامية جعلت كل مسلم يعتقد أن كل شبر من الأرض، فيه أخ يدين بدين القرآن الكريم، قطعة من الأرض الإسلامية العامة التي يفرض الإسلام على كل أبنائه أن يعملوا لحمايتها وإسعادها، فكان من ذلك أن اتسع أفق الوطن الإسلامي، وسما عن حدود الوطنية الجغرافية والوطنية الدموية إلى وطنية المباديء السامية، والعقائد الخالصة الصحيحة، والحقائق التي جعلها الله للعالم هدى ونورًا، والإسلام حين يشعر أبناؤه بهذا المعنى، ويقرره في نفوسهم يفرض عليهم فريضة لازمة لحماية أرض الإسلام من عدوان المعتدين، وتخليصها من غصب الغاصبين، وتحصينها من مطامع المعتدين (1).
...
__________
(1) الرسائل: 52.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الثقة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 9:21

الثقة
الثقة من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24].

أنواع الثقة:
1 - الثقة في كلام الله
قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7] فألقت أم موسى ابنها في اليم وهو عين الثقة بالله تعالى، إذ لولا كمال ثقتها بربها لما ألقت بولدها وفلذة كبدها في تيار الماء تتلاعب به أمواجه وجريانه إلى حيث ينتهي أو يقف.
إن المسلم يوقن بأن الله لن يتركه ولن يضيعه إذا ما تخلي الجميع عنه، فثقته ويقينه بما عند الله أكبر من يقينه بما في يده، لذلك تراه دائمًا هاديء البال، ساكن النفس، إذا ما ادلهمت عليه الخطوب وازدادت الغيوم، فهو يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
وعندما فر سيدنا موسى بمن معه من فرعون فأتبعهم فرعون فأصبح البحر أمامه وفرعون خلفه، فقال له بنو إسرائيل: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)} [الشعراء: 61] ولكنه بيقين قال {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62].
وفي الهجرة عندما اقترب المشركون من غار ثور قال أبو بكر: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:"ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" [رواه البخاري]، ونزل قوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَة
اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)} [التوبة: 39 - 40].
لقد كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - على يقين بأن الله سينجيه من الكفار، فاستشعر معية الله سبحانه وتعالى.
عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)} [الروم: 1 - 5]، وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله تعالى هذه الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ} [الروم: 1 - 4]. فقال ناس من قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ -وذلك قبل تحريم الرهان- فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، قالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين؟ اقسم بيننا وبينك وسطًا ننتهي إليه، قالوا: فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت ست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، قال: فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين لأن الله قال: في بضع سنين ولم يقل في ست سنين، فأسلم عند ذلك ناس كثير [رواه الترمذي].
كان أبو بكر على يقين بما قاله الله تبارك وتعالى، فتواعد مع الكفار على موعد محدد.
الله قال هذا؟!
عن أبي عبد الله مردنيش المغربي أنه أغار يومًا فغنم غنائم كثيرة، واجتمع عليه من الروم كثر من ألف فارس، فقال لأصحابه وكانوا ثلاثمائة فارس: ما ترون؟ فقالوا: نشغلهم بترك الغنائم، قال: ألم يقل الله {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [الأنفال: 65]، فقال أصحابه: يا رئيس، الله قال هذا؟ فقال: الله يقول هذا وتقعدون عن لقائهم؟! قال: فثبتوا فهزموا الروم.
المسلمون تذكروا الآية الكريمة، فَعَلَتْ همتهم وزاد يقينهم بأن النصر حليفهم، فقاتلوا بكل شجاعة وبسالة.
2 - الثقة بالثواب
قال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121)} [التوبة: 120 - 121].
عن عمرة بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني سرقت جملاً لبني فلان فطهرني! فأرسل إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنا افتقدنا جملاً لنا، فأمر به، قال ثعلبة: لأنا أنظر إليه حين قطعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك، أردت أن تدخلي جسدي النار [رواه ابن ماجه].
إنه على يقين بأن الله غفر له وأجزل له الثواب، فالمسلم الذي يبذل مجهودًا لنشر دين لا بد أن يكون علي يقين بالثواب الجزيل من الله طالما أنه أخلص نيته.
3 - الثقة في كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -
قال الكفار لأبي بكر - رضي الله عنه -: هل لك في صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟! فقال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: إن قال ذلك فقد صدق، فقالوا: قد صدقته أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟! قال: نعم إني لأصدقه مما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء غدوه ورواحه.
لم يسبقنا أبو بكر بصلاة ولا صيام، وإنما سبقنا بشيء وقر في صدره .. هذا الشيء اسمه اليقين.
اسقه عسلاً
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رجلاً أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال: "سقه عسلاً"، ثم أتي الثانية فقال: "سقه عسلاً"، ثم أتي الثالثة، فقال: "سقه عسلاً"، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فقال: "صدق الله وكذب بطن أخيك .. اسقه عسلاً"، فسقاه، فبرأ [رواه البخاري].
وسمع أنس بن مالك - رضي الله عنه - بعض الممارين في الدين يتكلمون في الحوض، فقال لقد تركت عجائز خلفي ما تصلي واحدة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض النبي - صلى الله عليه وسلم -.
إنهم كانوا على يقين بوجود حوض النبي - صلى الله عليه وسلم -
ولقد دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنس بن مالك أكثر من مرة وكان من دعائه له: "اللهم ارزقه مالاً وولدًا، وبارك له"، وقد استجاب الله سبحانه دعاء نبيه، فكان أنس أكثر الأنصار مالا، وأوفرهم ذرية، حتى إنه رأي من أولاده وحفدته ما يزيد على المائة، وقد بارك الله له في عمره حتى عاش قرنًا كاملاً وفوقه ثلاث سنوات، وكان أنس شديد الرجاء لشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - له يوم القيامة، فكثيرًا ما كان يقول: إني لأرجو أن ألقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم القيامة فأقول له: يا رسول الله، هذا خويدمك أنس. (1)
لقد كان على يقين في البركة في رزقه وأولاده، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - دعا له بذلك. بشره بالجنة: عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حائط (بستان) من حيطان المدينة، وجاء رجل فاستفتح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له، فإذا أبو بكر، فبشرته بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: افتح له وبشره بالجنة، ففتحت له فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله، ثم استفتح رجل، فقال لي - صلى الله عليه وسلم -: افتح له وبشره بالجنة، على بلوي تصيبه، فإذا عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله ثم قال: الله المستعان [رواه البخاري].
وبالفعل كانت خلافة عثمان بن عفان - رضي الله عنه - مليئة بالفتن، وقتل شهيدًا في نهاية حياته.
ثقة عمر
كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يعلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سيُقتل، وسيلقي الله شهيدًا، قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد أحد وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم،
__________
(1) صور من حياة الصحابة 14 - 16.
فقال: "اثبت أحد، فإنما عليك نبي، وصديق، وشهيدان" [رواه البخاري].
هل أنت على يقين بأن الله سيغفر للشهيد ذنوبه مع أول دفعة من دمه؟ فهل تتمني الشهادة وتعمل لها؟
ما احترق
جاء رجل إلى أبي الدرداء - رضي الله عنه - فقال: يا أبا الدرداء احترق بيتك.
قال: ما احترق.
ثم جاء آخر فقال: يا أبا الدرداء انبعثت النار حتى انتهت إلي بيتك وطفئت.
قال: قد علمت أن الله عز وجل لم يكن ليفعل.
قال: يا أبا الدرداء! ما ندري أي كلامك أعجب؟ قولك: ما احترق، أو قولك: قد علمت أن الله لم يكن ليفعل ذلك.
قال: ذاك كلمات سمعتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قالهن حين يصبح لم تصبه مصيبة حتى يمسي: "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، عليك توكلت وأنت رب العرش الكريم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم" [البيهقي].
حافظ أخي على هذا الدعاء، وكن على ثقة ويقين بما قاله الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
إنه سيعود
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: وكلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: إني محتاج، وعلى عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه فأصبحت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " فقلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالاً فرحمته فخليت سبيله، قال "أما إنه قد كذبك وسيعود"، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرصدته، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: دعني
فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود، فرحمته فخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالاً فرحمته وخليت سبيله، قال: "أما إنه كذبك وسيعود"، فرصدته الثالثة. فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود! فقال: دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلي فراشك فاقرأ آية الكرسي: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] حتى تختم الآية، فإنها لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: "ما هي؟ " فقلت: قال لي: إذا أويت إلي فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ " قلت لا، قال: "ذاك شيطان" [رواه البخاري].
صدقت نبوءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أنه سيعود؛ ولذلك تربص به أبو هريرة، فاعلم بأن الشيطان سيعود إليك دائمًا ويوسوس لك، لتفعل المعاصي فهل تتربص به، وتنتبه لوساوسه؟
4 - الثقة في القيادة
رأينا أعداء الإسلام يستخدمون سلاح التشكيك في القيادة في كل وقت، كما حدث بعد أن أمر الرسول بإحراق نخل يهود بني النضير، فقالوا: يا محمد، قد كنت تنهي عن الفساد وقطع الشجر، فما بالك تفعله؟
فحاك ذلك في صدور بعض المسلمين فأنزل الله: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر: 5] (1).
وكان صلح الحديبية 6 هـ على خلاف أكثر الآراء والأهواء والرغبات، ولكن القيادة ذات الرؤية (الأبعد والأثقب) رأت إنفاذه، فكان من الجنود السمع والطاعة والالتزام
__________
(1) ابن كثير (4/ 333).
والانضباط، وإن كانت هناك (تساؤلات) أو (ضيق قلبي) فلا بأس بشرط ألا يكون لهما آثار بعد (القرار).
وهذه الثقة في القيادة هي التي عصمت -بفضل الله- حذيفة بن اليمان في غزوة الأحزاب من خطأ (الاجتهاد الفردي)، حيث أمره الرسول بعبور الخندق واستطلاع أخبار الأحزاب وقال: "لا تحدث شيئًا"، وفي رواية "لا تذعرهم علينا"، أي لا تهيجهم ولا تثرهم، وهناك رأي أبا سفيان -قائد جيش الكفار في هذا الوقت- يكشف ظهره ويستدفيء بالنار، فهم أن يرميه بسهم، ولكنه تذكر أمر الرسول فأعاد السهم موضعه. وما أعظمه من درس! فالمسلمون في ساعة حرب، وأبو سفيان (محارب)، بل قائد المحاربين، ويستحق وقتها القتل، وهو صيد سمين سيؤثر في نفوس جيشه لو قتل .. إلخ، ولكن (المصلحة العليا) والقيادة قررت غير ذلك! (1)
5 - الثقة في الجنود
أرسل عمر بن الخطاب إلي عمرو بن العاص مددًا فيه أربعة رجال وقال له: أرسلت إليك أربعة رجال الواحد فيهم بألف.
وكان خالد بن الوليد يقول لقادة الروم والفرس: "جئتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة".
ولما استعصي فتح الحديقة على المسلمين في معركة اليمامة ضد مسليمة الكذاب قال خالد للبراء بن مالك: إليهم يا فتى الأنصار، فكان على يديه بإذن الله. (2)
6 - الثقة في الأخوة
فزع أهل الأندلس من حملات النصارى عليهم والتهامهم بلدًا بعد الآخر، فذهب الفقهاء والعلماء والأعيان إلي المعتمد بن عباد ليري لهم حلاً فعقد مجلسًا للشوري، فاقترح بعضهم الاستعانة بيوسف بن تاشفين زعيم (المرابطين) في المغرب، فاعترض بعض الحاضرين، ومنهم الرشيد بن المعتمد الذي قال لأبيه: يا أبت أتستبدل عدواً بعدو؟!
__________
(1) عدة المجاهدين 80 - 81.
(2) عدة المجاهدين 81 - 82.
له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" [رواه البخاري].
وسأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله، أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟
فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فمن الأخطاء الشائعة أن نظن أن النصر يأتي بدون ابتلاء.
فالنصر قادم لا محالة، ولكن الله قد حدد له موعدًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر، والمهم، أين المسلمون الذين سيستقبلون هذا النصر، ويحافظون عليه؟!
وسئل عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أي المدينتين تفتح أولا: القسطنطينية أو رومية؟
فدعا عبد الله بصندوق له حِلَق، قال: فأخرج منه كتابًا، قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله نكتب، إذ سُئل رسول الله أي المدينتيين تفتح أولاً: قسطنطينية أو رومية؟ فقال: مدينة هرقل أولاً يعني قسطنطينية [رواه أحمد].

ورومية هي روما عاصمة إيطاليا الآن والقسطنطينية هي استانبول، ويفهم من السؤال أن الصحابة قد علموا قبل ذلك أن الإسلام سيفتح المدينتين، ولكن يريدون أن يعرفوا: أي المدينتين تسبق الأخرى، فأجابهم أن مدينة هرقل -القسطنطينية- ستفتح أولاً.
وقد تحقق ذلك علي يد الفاتح العثماني الطموح (محمد بن مراد) ابن الثالثة والعشرين، الذي عرف في التاريخ باسم (محمد الفاتح)، وفتحت مدينة هرقل في القرن التاسع الهجري، الخامس عشر الميلادي بالتحديد عام 857 هـ/ 1453 م.
سؤال
تسمع من يقول: ماذا نفعل ونحن مجردون من الأسباب المادية؟!
إنه تبرير الأذلاء وحجة الضعفاء، وكأن الأسباب المادية هي التي تأتي بالنصر. فماذا
كان يملك نوح عليه السلام من الأسباب المادية عندما وقف أمام قومه وقال لهم: {إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71]. ونفس الموقف يتكرر مع هود عليه السلام يقف وحده أمام قومه ويتحداهم قائلاً: {مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} [هود: 55] فإني لا أخشاكم ولا أبالي بكم، فمعي قوة لا تقهر ومعي نصير لا يغلب: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} [هود: 56] ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها، وأنتم أيها الغلاظ الشداد ما أنتم إلا دواب من تلك الدواب التي يأخذ ربي بناصيتها، فما خوفي إذًا منكم؟ إنها حقيقة الألوهية عندما تتجلي في قلوب الصفوة المؤمنين، عندها يهتف القلب على الفور: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [يوسف: 67].
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجدية والانضباط

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 9:29

الجدية والانضباط
الجدية: هي إنفاذ التكاليف الشرعية والدعوية في وقتها، مع المثابرة وتسخير الإمكانات المتاحة، والتغلب على الصعاب والعقبات، وقد حث الإسلام على الجدية والانضباط فقال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] وظهرت الجدية في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من خلال ثباته على الحق وقال لعمه: "والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه" (1) وإليك مظاهر الجدية والانضباط:

الجدية في طلب العلم:
قال بعض الفقهاء: بقيت سنين أشتهي الهريسة لا أقدر، لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس.
وقال مسلم في صحيحه: قال يحيى بن أبي كثير: لا ينال العلم براحة الجسم، وقد قيل: من طلب الراحة ترك الراحة.
ويقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: كنت أنا وجار لي من الأنصار وهو أوس بن خولى الأنصاري في بني أمية بن زيد، وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناول النزول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل يوما وأنزل يوما، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، لماذا نزل فعل مثل ذلك.
وحان الخليل بن أحمد الفراهيدي يقول: أثقل الساعات علي: ساعة آكل فيها.
وكان عثمان الباقلاوي دائم الذكر لله تعالى، فقال: إني وقت الإفطار أحس بروحي كأنها تخرج! لأجل اشتغالي بالأكل عن الذكر.
وقال عمار بن رجاء: سمعت عبيد بن يعيش يقول: أقمت ثلاثين سنة ما أكلت بيدي بالليل، كانت أختي تلقمني وأنا أكتب الحديث.
__________
(1) سيرة ابن هشام (1/ 265)، بتصرف.
وكان داود الطائي يستف الفتيت، ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية.
ويخرج من نفس المشكاة قول الإمام الجليل ابن عقيل: "وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات كلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز، لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ، توفر على مطالعة، أو تسطير فائدة لم أدركها.
بل إن أحدهم ليحزن ويصيبه المرض إذا فاته شيء من العلم، فقد ذكروا لشعبة حديثا لم يسمعه، فجعل يقول: واحزناه! وكان يقول: إني لأذكر الحديث فيفوتني، فأمرض.
عن عبد الرحمن بن تيمية قال عن أبيه: كان الجد إذا دخل الخلاء يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب، وارفع صوتك حتى أسمع (1).
هل تلزم نفسك بالقراءة اليومية في العلوم الشرعية وفي مجال تخصصك؟

الجدية في تحمل المسئولية
كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يأتي إلى مجزرة الزبير بن العوام -وكانت الوحيدة بالمدينة- ومعه الدرة، فإذا رأى رجلا اشترى لحما يومين متتابعين ضربه بالدرة، وقال له: ألا طويت بطنك لجارك وابن عمك؟!
ورأى عمر سائلا يسأل، وعلى ظهره جراب مملوء طعاما، فأخذ الطعام ونثره لإبل الصدقة، ثم قال له: الآن سل ما بدا لك.
واهتم الخليفة عمر بصحة الرعية، فكان يحذرهم من مغبة السمنة ومخاطرها، ويدعوهم إلى تخفيف أوزانهم لما فيه من القوة على العمل، والقدرة على أداء الواجبات، فكان يقول: أيها الناس، إياكم والبطنة عن الطعام، فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم، مورثة للسقم، وإن الله عز وجل يبغض الحبر السمين، ولكن عليكم بالقصد في قوتكم فإنه أدنى من الصلاح وأبعد من السرف، وأقوى على عبادة الله، ولن يهلك عبد
__________
(1) علو الهمة: محمد إسماعيل المقدم.
حتى يؤثر شهوته على دينه. ويذكر ابن الجوزي: أن عمر رأى رجلا عظيم البطن فقال: ما هذه؟ قال: بركة من الله، فقال: بل عذاب من الله (1).

تنفيذ الأوامر
استدعى أبو موسى الأشعري مجزأة بن ثور السدوسي -رضي الله عنهما- فقال له: أعني برجل من قومك له عقل وحزم، وقدرة على السباحة، فقال مجزأة: اجعلني ذلك الرجل أيها الأمير، فطلب منه أبو موسى الذهاب مع دليل فارسي لمعرفة منفذ لفتح تستر، ثم أوصاه أن يحفظ الطريق، وأن يعرف وضع الباب، وأن يحدد مكان الهرمزان، وأن يتثبت من شخصه، وألا يحدث أمرا غير ذلك.
مضى مجزأة بن ثور تحت جنح الظلام مع الدليل الفارسي، فأدخله في نفق تحت الأرض يصل بين النهر والمدينة، فكان النفق يتسع تارة حتى يتمكن من الخوض في مائه وهو ماش على قدميه، ويضيق تارة أخرى حتى يحمله على السباحة حملا، وكان يتشعب ويتعرج مرة، ويستقيم مرة أخرى، وهكذا حتى بلغ به المنفذ الذي ينفذ منه إلى المدينة، وأراه الهرمزان قاتل أخيه، والمكان الذي يتحصن فيه، فلما رأى الهرمزان هم بأن يرديه بسهم في نحره، لكنه ما لبث أن تذكر وصية أبي موسى له بألا يحدث أمرا، فكبح جماح هذه الرغبة في نفسه، وعاد من حيث جاء قبل بزوغ الفجر.
أعد أبو موسى ثلاثمائة من أشجع جند المسلمين قلبا، وأشدهم جلدا وصبرا، وأقدرهم على العوم، وأمر عليهم مجزأة بن ثور وودعهم وأوصاهم وجعل التكبير علامة على دعوة جند المسلمين لاقتحام المدينة، أمر مجزأة رجاله أن يتخففوا من ملابسهم ما استطاعوا حتى لا تحمل من الماء ما يثقلهم، وحذرهم من أن يأخذوا معهم غير سيوفهم، وأوصاهم أن يشدوها على أجسادهم تحت الثياب، ومضى بهم في الثلث الأول من الليل .. ظل مجزأة بن ثور وجنده البواسل نحوا من ساعتين يصارعون عقبات هذا النفق الخطير، فيصرعونها تارة وتصرعهم تارة أخرى، ولما بلغوا المنفذ المؤدي إلى المدينة وجد مجزأة أن النفق قد ابتلع مائتين وعشرين رجلا من رجاله وأبقى له ثمانين، وما إن وطئت أقدام مجزأة وصحبه أرض المدينة حتى جردوا سيوفهم، وانقضوا على حماة الحصن،
__________
(1) عمر بن الخطاب، للصلابي 163، 164.
فأغمدوها في صدورهم، ثم وثبوا إلى الأبواب وفتحوها وهم يكبرون، واستشهد مجزأة وأسر الهرمزان (1).

طاعة بعد الموت
مر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بامرأة مجذومة وهي تطوف بالبيت فقال لها: يا أمة الله لو قعدت في بيتك لا تؤذين الناس، فقعدت فمر بها رجل -بعد ذلك بزمن- فقال: إن الذى نهاك قد مات فاخرجي، فقالت: والله ما كنت لأطيعه حيا وأعصيه ميتا.

العزيمة
لما لحق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالرفيق الأعلى، وآلت الخلافة إلى أبي بكر - رضي الله عنه - وارتدت بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب مع المرتدين، جهز خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جيشا لحرب مسيلمة، وإعادة قومه بني حنيفة إلى دين الله، فقال وحشي بن حرب في نفسه: هذه والله، فرصتك يا وحشي فاغتنمها، ولا تدعها تفلت من يديك.
يقول: ثم خرجت مع جيوش المسلمين، وأخذت معي حربتي التي قتلت بها حمزة بن عبد المطلب، وآليت على نفسي أن أقتل بها مسيلمة أو أظفر بالشهادة، فلما اقتحم المسلمون على مسيلمة وجيشه حديقة الموت، والتحموا باعداء الله، جعلت أترصد مسيلمة فرأيته قائما والسيف في يده، ورأيت رجلا من الأنصار يتربص به مثلما أتربص به كلانا يريد قتله، فلما وقف منه موقفا أرضاه، هززت حربتي حتى إذا استقامت في يدي دفعت بها نحوه فوقعت فيه (2).

فورية التنفيذ
أعد أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - جيشا لفتح مناذر من أرض الأهواز بناء على أمر الخليفة، وجعل في الجيش الربيع بن زياد وأخاه المهاجر.
ولما رأى المهاجر أخو الربيع بن زياد أن القتل قد كثر في صفوف المسلمين عزم على أن يشري (يبيع) نفسه ابتغاء مرضاة الله، فتحنط وتكفن وأوصى أخاه، فمضى
__________
(1) صور من حياة الصحابة 163: 165.
(2) صور من حياة الصحابة 346.
الربيع إلى أبي موسى وقال: إن المهاجر قد أزمع أن يشري نفسه وهو صائم، والمسلمون قد اجتمع عليهم من وطأة الحرب، وشدة الصوم ما أوهن عزائمهم، وهم يأبون الإفطار، فافعل ما ترى، فوقف أبو موسى الأشعري، ونادى في الجيش: يا معشر المسلمين، عزمت على كل صائم أن يفطر، أو يكف عن القتال، وشرب من إبريق كان معه ليشرب الناس بشربه، فلما سمع المهاجر مقالته جرع جرعة من الماء وقال: والله ما شربتها من عطش ولكنني أبررت عزمة أميري (أمضيت قسم أميري) ثم امتشق حسامه وطفق يشق به الصفوف، فلما أوغل في جيش الأعداء أطبقوا عليه من كل جانب، وتعاورته (تداولته) سيوفهم حتى خر صريعا، ثم إنهم اجتزوا رأسه ونصبوه على شرفة مطلة على ساحة القتال، فنظر إليه الربيع وقال: طوبى لك، وحسن مآب! والله لأنتقمن لك ولقتلى المسلمين إن شاء الله، فلما رأى أبو موسى ما نزل بالربيع من الجزع على أخيه، وأدرك ما ثار من الحفيظة في صدره على أعداء الله، تخلى له عن قيادة الجيش، ومضى إلى السوس يفتحها (1).

إذن ننشيء له مدرسة
في مغاغة مدرسة خاصة تملكها جمعية قبطية، وكان ناظر المدرسة من الإخوان، وقد خدم في هذه المدرسة ثمانية عشر عاما، ولكن الإدارة بيتت أمرا خبيثا، فقد فاجأته بالاستغناء عنه قبل انتهاء الإجازة الصيفية بقليل، وقد استوفت كل المدارس حاجتها من المدرسين والنظار، فوصل الخبر للإمام الشهيد، فقال لإخوان مغاغة وهو يبتسم بثقة وطمأنينة: لا بأس إذن ننشيء له مدرسة يكون هو ناظرها وصاحبها. فتعجب الناس؟ إذ لم يبق على بدء الدراسة إلا أقل من شهر ولا يوجد رأس مال، فوضع الإمام الشهيد خطة، وأصدر الأوامر، ووزع الأعمال، وتحقق الأمل، وأنشئت المدرسة بفضل الله وعونه (2).

تسخير الإمكانات
شهد اليرموك ألف من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بينهم نحو من مائة شهدوا بدرا، وكان معاذ بن جبل يصحبه ابنه عبد الرحمن، وقبل أن يحتدم القتال كان معاذ بن جبل يطوف بين صفوف المسلمين يحرضهم على القتال، ويذكرهم بأيام الله، ويمنيهم بالجنة
__________
(1) صور من حياة الصحابة 435.
(2) الإخوان المسلمون - أحداث صنعت التاريخ (1/ 226: 262).
ونعيمها، وكان أحد قادة الروم يرقب معاذا. فلما بدأ القوم ينادي بعضهم بعضا للنزال، خرج هذا الرومي، ينادي بالمسلمين: ليخرج إليَّ فارسكم ذاك وهو يوميء بسيفه إلى معاذ، ويتقدم معاذ بن جبل من قائده أبي عبيدة ليستأذنه بالخروج لمنازلة ذلك الرومي، فيقول له أبو عبيدة: يا معاذ، سألتك بحق رسول الله أن تلزم رايتك، فوالله إن لزومك الراية أحب إلي من قتلك لهذا العلج. وينزل معاذ عند رأي قائده، وينادي في الناس: يا معشر المسلمين، من أراد فرسا يقاتل عليه في سبيل الله فهذا فرسي، وهذا سلاحي فليأخذهما، وما كاد معاذ ينهي كلامه حتى كان عبد الرحمن يقف أمامه ويقول: يا أبتاه، إني خارج إلى هذا العلج، فإن صبرت فإن المنة لله، وإن قتلني، فالسلام عليك يا أبتاه، وإن كان لك إلى رسول الله حاجة فأوصني بها. هنالك أطرق معاذ، وبدأت تحتدم في نفسه معركة بين عاطفة الأبوة التي تغريه بمنع ولده من المخاطر، وعاطفة الإيمان التي تغريه بأن يخلي بين ولده وبين ما يريد من ابتغاء مرضاة الله.
ثم لم يلبث أن يحسم الأمر، فيربت على كتف ولده وهو يقول: يا بني، دونك وما عزمت عليه، فإن رزقك الله الشهادة، ولحقت برسول الله فأقرئه مني السلام، وقل له: جزاك الله عن أمتك خيرا يا رسول الله.
وينطلق عبد الرحمن بن معاذ بن جبل -رضي الله عنهما- نحو علج الروم، فيناوشه ويصاوله، ثم يضربه ضربة سيف كادت تجندله، لولا أن الرومي قفز بعيدا فاختل توازن عبد الرحمن، فعالجه الرومي بضربة من سيفه قطعت عمامته، وشجت رأسه، وظن الرومي أنه قتل عبد الرحمن، فتراجع عنه فانكفأ عبد الرحمن إلى المسلمين، فاستقبله أبوه معاذ بن جبل يقول له: ما بك يا بني؟ فيقول عبد الرحمن: قتلني العلج يا أبتاه، فيقول معاذ: وما الذي تريد من الدنيا يا بني، وليس بينك وبين الجنة إلا خطوات؟ عد إلى العلج فقاتله. ويتحامل عبد الرحمن على جرحه العميق وينطلق من جديد ليقاتل الرومي، لكن مشيئة الله تسبق به إلى الجنة قبل أن يصل إلى الرومي (1).
هل تعمل على تسخير إمكاناتك لنصرة دين الله حتى ولو كانت التضحية بابنك؟
__________
(1) مواقف بطولة من صنع الإسلام 31: 33، بتصرف.
الالتزام بالعبادة
ذهب الإمام الشهيد البنا إلى مؤتمر بالمنزلة - دقهلية، وبعد الفراغ من المؤتمر، والذهاب إلى النوم، توجه الإمام وفي صحبته الأستاذ عمر التلمساني إلى حجرة بها سريران، ورقد كل على سريره، وبعد دقائق قال الأستاذ: أنمت يا عمر؟ قال: لا، وتكرر السؤال وتكرر الرد، وقال الأخ عمر في نفسه إذا سأل فلن أرد، وظن الأستاذ أن الأخ قد نام، فتسلل على أطراف أصابعه، وخرج من الحجرة، وأخذ نعليه في يديه، وذهب إلى دورة المياه حافيا، حيث جدد وضوءه، ثم اتجه إلى آخر الصالة، وفرش سجادة، وأخذ يتهجد (1).
هل تحافظ على قيام الليل مهما كانت الأعذار؟

قطع شجرة الرضوان
بلغ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن قوما يأتون شجرة الرضوان فيصلون عندها فتوعدهم، ثم أمر بقطعها فقطعت.
فهذا موقف لأمير المؤمنين عمر في حماية التوحيد والقضاء على موارد الفتن، حيث قام أولئك التابعون بعمل لم يعمله الصحابة، فهو أمر مبتدع، وقد يؤدي بعد ذلك إلى عبادة، فأمر بها فقطعت.

إلغاء الرحلة
أعلن الإمام الشهيد عن رحلة إلى الإسماعيلية فجاء الإخوان المشتركون في الموعد المحدد، وجاء الأتوبيس، وكان عدد الإخوان أكثر من عدد المقاعد، فلما أذن الأستاذ بصعود الأتوبيس، إذ بمجموعة من الشباب تسارع وتزاحم ليحجز كل واحد مقعدا يجلس عليه، فلما رأى الأستاذ هذا المشهد ألغى الرحلة، وكان درسا عمليا في مراعاة النظام، والتدريب على الإيثار واحترام الكبار (2).

محاسبة النفس
عاش محمد بن واسع حياته كلها في وجل من ذنوبه وإشفاق من العرض على ربه، فكان إذا قيل له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟
__________
(1) مائة موقف من حياة المرشدين 11.
(2) المصدر نفسه 56.
أجاب قائلا: أصبحت قريبا أجلي، بعيدا أملي، سيئا عملي، فإذا رأى شيئا من الدهشة يبدو على ملامح سائليه قال: ما ظنكم برجل يقطع إلى الآخرة كل يوم مرحلة.
هل تحاسب نفسك وتستعد للآخرة؟

الانضباط المالي
يروي أحد الشعراء "دكين بن سعيد الدارمي" قال: امتدحت عمر بن عبد العزيز يوم كان واليا على المدينة، فأمر لي بخمس عشرة ناقة من كرائم الإبل، كرهت أن أمضي بهن وحدي، ولم تطب نفسي ببيعهن، وفيما أنا كذلك، قدمت علينا رفقة تبتغي السفر نحو ديارنا في نجد، فسألتهم الصحبة، فقالوا: مرحبا بك، ونحن نخرج الليلة، فأعد نفسك للخروج معنا، فمضيت إلى عمر بن عبد العزيز مودعا، فلما هممت بالانصراف قال: يا دكين إن لي نفسا تواقة، فإن عرفت أنني بلغت أكثر مما أنا فيه الآن، فأتني ولك مني البر والإحسان، فقلت: اشهد لي بذلك أيها الأمير، فقال: أشهد الله تعالى على ذلك، فقلت: ومن خلقه، فقال: هذين الشيخين اللذين في مجلسي، فأقبلت على أحدهما وقلت: بأبي أنت وأمي، قل لي ما اسمك حتى أعرفك؟ فقال: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، فالتفت إلى الأمير وقلت: لقد ظفرت بشاهد مسموع الكلمة، ثم نظرت إلى الشيخ الآخر، وقلت: ومن أنت جعلت فداك؟ فقال: أبو يحيى مولى الأمير، فقلت: وهذا شاهد من أهله، ثم حييت وانصرفت بالنوق إلى ديار قومي، ثم دارت الأيام وتولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، ودخلت عليه فنظر إلى مولاه أبي يحيى نظرة طويلة، ثم التفت إليه وقال: يا أمير المؤمنين إن عندي لهذا البدوي شهادة عليك، فقال عمر: أعرفها، ثم التفت إلي وقال: ادن مني يا دكين، فلما صرت بين يديه مال علي وقال: أتذكر ما قلته لك في المدينة من أن نفسي ما نالت شيئا قط إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: وهأنذا قد نلت ما في الدنيا وهو الملك، فنفسي تتوق إلى غاية ما في الآخرة وهو الجنة، وتسعى إلى الفوز برضوان الله تعالى، ولئن كان الملوك يجعلون الملك سبيلا لبلوغ عز الدنيا، فلأجعلنه سبيلا إلى بلوغ عز الآخرة، ثم قال: يا دكين، إني -والله- ما أخذت شيئا من مال السلمين منذ وليت هذا الأمر، وإنني لا أملك إلا ألف درهم فخذ نصفها واترك نصفها لي. فأخذت المال الذي أعطانيه، فوالله ما رأيت أعظم منه بركة (1).
__________
(1) صور من حياة التابعين 326: 330، بتصرف.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القوة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 9:35

القوة
نصح الله قوم هود فأرشدهم إلى أسباب القوة الصحيحة، وكانوا عمالقة جبارين، فقال: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52].
وأراد نبي الله أن يزين الطاعات للناس، وأن يغريهم بأدائها، وأن يشرح لهم عظمة الإنسان عندما يفعل الخير ويراغم الشيطان ويسمو إلى الملأ الأعلى.

القوة في الحق
من عناصر القوة أن يكون المسلم صريحا، يواجه الناس بقلب مفتوح ومبادئ معروفة، ولا يصانع على حساب الحق بما يغض من كرامته وكرامة أنصاره، بل يجعل قوته من قوة العقيدة التي يمثلها ويعيش لها، ولا يحيد عن هذه الصراحة أبدا في تقرير حقيقة ما.
وقد كره الإسلام أن يضعف الرجل أمام العصاة من الكبراء، وأن يناديهم بألفاظ التكريم، ومن فضائل القوة أن تكون قوى العزم للوصول إلى هدفك بالوسائل الصحيحة.
والتردد في الأمور من صفات الضعيف، وليس من خلق المسلم، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].
ولو شاء الله لهزمهم بالكلام وبحفنة من التراب كما فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض طبيعة الإيمان إذا تغلغل، إنه يضفي على صاحبه قوة تنطبع في سلوكه كله، إذا تكلم كان واثقا من قوله، وإذا اشتغل كان راسخا في عمله، وإذا اتجه كان واضحا في هدفه، وما دام مطمئنا إلى الفكرة التي تملأ عقله، وإلى العاطفة التي تغمر قلبه، فقلما يعرف التردد سبيلا إلى نفسه، وقلما تزحزحه العواصف العاتية عن موقفه، بل لا عليه أن يقول لمن حوله: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (39) مَنْيَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (40)} [الزمر: 39 - 40].

استحضار نية الجهاد
أقبل ثابت بن قيس على الجهاد، لطلب الشهادة ودخول الجنة، ومضى به الأجل إلى حروب الردة ضد مسيلمة الكذاب ومدعى النبوة، وفيها تحنط ثابت وتكفن ووقف على رءوس الأشهاد وقال: يا معشر المسلمين، ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله، بئس ما عودتم أعداءكم من الجرأة عليكم، وبئس ما عودتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثم رفع طرفه إلى السماء، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك -يعني مسيلمة وقومه- وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء -يعني المسلمين- ثم هبَّ هبة الأسد الضاري كتفا لكتف مع البراء بن مالك وزيد بن الخطاب، وما زال يجالد حتى خر صريعا.

قوة بدنية فائقة
وهذا أبو أيوب الأنصاري يبلغ ثمانين سنة، ولم يمنعه ذلك من الخروج مع جيش المسلمين لفتح القسطنطينية تحت قيادة يزيد بن معاوية، لكن لم يمض غير وقت قليل على منازلة العدو حتى مرض أبو أيوب مرضا أقعده عن مواصلة القتال، فجاء يزيد ليعوده ويسأله: ألك حاجة يا أبا أيوب؟
فقال: اقرأ عني السلام على جنود المسلمين، وقل لهم: يوصيكم أبو أيوب أن توغلوا في أرض العدو إلى أبعد غاية، وأن تحملوه معكم، وأن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية. ولفظ أنفاسه المطهرة.
استجاب جند المسلمين لرغبة أبي أيوب، وكروا على جند العدو الكرَّة بعد الكرة، حتى بلغوا أسوار القسطنطينية وهم يحملون أبا أيوب معهم، وهناك حفروا له قبرا وواروه فيه، رضي الله عنهم جميعا (1).

قوة في الرمي
أقبل وهب بن قابوس ومعه ابن أخته الحارث بن عقبة بغنم لهم من مزينة فوجدا المدينة خالية، فسألا: أين الناس؟ فقالوا: بأحد، خرج رسول الله يقاتل المشركين فقالا: لا
__________
(1) الناطقون بالحق 243.
نسأل أثرا بعد عين، فأسلما ثم خرجا، فأتيا النبي بأحد، فإذا الدولة للمسلمين، فأغارا مع المسلمين في النهب، وقاتلا أشد القتال، وكانت قد انفرقت فرقة من المشركين، فقال النبي: من لهذه الفرقة؟ قال وهب: أنا، فرماهم بالنبل حتى انصرفوا، ثم رجع فانفرقت أخرى، فقال النبي: من لهذه؟ فقال المزني: أنا، فقام فذبها بالسيف حتى ولوا ورجع المزني، ثم طلعت كتيبة أخرى فقال: من يقوم لهؤلاء؟ فقال المزني: أنا، فقال: قم وأبشر بالجنة.
فقام المزني مسرورا يقول: والله لا أقيل ولا أستقيل، فجعل يقوم فيها فيضرب بالسيف حتى يخرج من أقصاهم، حتى قتلوه ومثلوا به، ثم قام ابن أخته الحارث، فقاتل كنحو قتاله حتى قتل، فوقف عليهما رسول الله، وهما مقتولان فقال: "رضي الله عنك فإني عنك راض -يعني: وهبا- ثم قام على قدميه وقد ناله ما ناله من الجرح، وإن القيام ليشق عليه، فلم يزل قائما حتى وضع المزني في لحده، فكان عمر وسعد بن مالك يقولان: ما حال نموت عليها أحب إلينا من أن نلقى الله على حال المزني (1).

قوة لرد الحق لأهله
نهب أحد الأمراء المماليك وجنوده دارا لأحد المصريين، فذهب الناس يشكون أمرهم إلى الشيخ الدرديري فنادى فيهم: أنا معكم وغدا نجمع الشعب من كل مكان في الحارات والضواحي وبولاق ومصر القديمة وأركب معكم، وننهب بيوتهم كما نهبوا بيوتنا، ونموت شهداء أو ينصرنا الله عليهم.
وبالفعل أمر بدق الطبول إيذانا بالاستعداد للقتال، وأسرع الناس نحو الأزهر ملبين للجهاد، ولما علم الأمير إبراهيم بك أرسل نائبه يعتذر للشيخ الدرديري ويطلب منه قائمة بما نهبه الأمراء لردها فوافق الشيخ (2).

الكلوب الخطير
دعى الإمام الشهيد إلى حفل في مدينة الزقازيق، وكانت الإضاءة بواسطة الكلوبات، فهوى أحدها إلى الأرض محشرجا مدخنا، يكاد ينفجر، ولو انفجر لدمر السرادق، ولكان الحريق مروعا، وهرول الناس مبتعدين عن هذا الكلوب الخطر، وفي كل بساطة، وثقة،
__________
(1) المصدر نفسه 250.
(2) مائة موقف من حياة العظماء131.
وشجاعة، وهدوء، ترك الإمام المنصة، وأخرج مدية الجوالة من جيبه، وتقدم إلى الكلوب في غير هرولة، وفصله عن السقف وحمله خارج السرادق، وعاد الهدوء والأمن واستكمل الحفل على خير وجه.

الجلوس المتعب
أثناء محاكمة المرشد الهضيبي، وقف ليواجه الاتهامات، فأشار إليه رئيس المحكمة قائد الجناح جمال سالم أن يجلس فأبى الرجل إلا أن يظل واقفا قرابة 6 ساعات قاصدا بذلك رفع الروح المعنوية للإخوان، كرر رئيس المحكمة عرضه، فأصر المرشد على أنه يستريح واقفا رغم تخطيه سن الستين.
فلم يجد رئيس المحكمة بدا من إعلان فترة استراحة ربما ليستريح هو وهيئة المحكمة، ولما استؤنفت الجلسة وجه جمال سالم إلى المرشد كلامه قائلا: لعلك استرحت!
فكان الرد البديهي أن يقول المرشد: الحمد لله كتر خيرك، لكن الرجل القائد فاجأ الجميع بما لم يكن في الحسبان، قال وكاهله ينوء بـ 65 عاما ختمت بأيام عصيبة تربو على مصاعب الستين: هيه .. الظاهر لما الواحد بيقعد بيحل عليه التعب (1).

نماذج للأقوياء
قتل علي بن أبي طالب وهو شاب في يوم بدر شيبة بن ربيعة، واشترك في قتل الوليد بن عتبة، وقتل بعدهما في بدر: العاص بن سعيد، وعامر بن عبد الله، وطعيمة ابن عدي، وزمعة بن الأسود، ونوفل بن خويلد، وعقيل بن الأسود، والنضر بن الحارث، وعمير بن عثمان، ومسعود بن أمية، وأبا القيس بن الفاكه، وحاجب بن السائب، وعبد الله بن المنذر، والعاص بن منبه، وأوس بن معير، خمسة عشر رجلاً قتلهم علي في يوم بدر.
وفي يوم أحد يقتل علي: أبا أمية بن أبي حذيفة وعبد الله بن حميد بن زهير.
وفي يوم الأحزاب يقتل عمرو بن عبد ود، فارس قريش في يوم الأحزاب "كبش الكتيبة" (2).
__________
(1) رحلتي مع الجماعة الصامدة 62.
(2) من يظلهم الله (1/ 268).
أسامة بن زيد
في سن مبكرة، لم تجاوز العشرين، أمرَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد على جيش، بين أفراده وجنوده أبو بكر وعمر، وسرت همهمة بين نفر من المسلمين لتعاظمهم الأمر، واستكثروا على الفتى الشاب إمارة جيش فيه شيوخ الأنصار وكبار المهاجرين، فقال رسول الله: "إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبله، وايم الله لقد كان خليقا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إلي، وإن هذا لن أحب الناس إلي بعده" البخاري.
بعث رسول الله أسامة على جيش المسلمين إلى حيث قتل أبوه والصحابة، وأمره أن يغير على "أُبنى" بالسراة ناحية البلقاء، وقيل إلى"آبل الزيت" بالجهة نفسها وعقد له لواء في آخر يوم من صفر سنة 11هـ، ولكن مرض الرسول مرضه الذي قبضه الله إليه فيه، فتأخر خروج الجيش حتى هلال ربيع الآخر سنة 11 هـ، وسار أسامة بجيشه "ثلاثة آلاف" يسرع السير على طريق ذي المروءة ووادي القرى في اتجاه "أبنى" و"آبل الزيت" من نواحي مؤتة، حتى إذا توسط مواطن قضاعة توقف يسيرا، وبعث فرسانه لينهضوا الثابتين منهم على إسلامهم، ويعينهم على من ارتاب، وهرب المرتدون إلى مكان بعيد .. إلى دومة الجندل من أهداف جيش أسامة، ولا على طريقه، فما إن عادت إلى خيوله، حتى مضى بجيشه إلى "الحمقتين" فأغار عليها، وكان بها بنو الضبيب من جذام، وبنو خليل من لخم فهزم من هناك حتى "آبل" في إغارة شديدة سريعة، وسبى وحرق بالنار منازلهم وحرثهم ونخلهم، حتى صارت أعاصير من الدخان، وأجال الخيل في نواحيهم، وقضى يومه في تعبئة ما أصابوا من غنائم، ثم لم يقم وإنما كر راجعا من مساء يومه، حتى قدم وادي القرى في تسع ليال، ثم قدم المدينة سالما غانما، وقد غاب عنها خمسة وثلاثين يوما، وقيل: غاب شهرين وأياما، عاد الجيش بلا ضحايا وقال عنه المسلمون يومئذ: "ما رأينا جيشا أسلم من جيش أسامة" (1).

مواقف بطولية
قال محمد بن سيرين: إن المسلمين انتهوا إلى حائط قد أغلق بابه فيه رجال من المشركين، فجلس البراء - رضي الله عنه - على ترس فقال: ارفعوني برماحكم فألقوني إليهم، فرفعوه
__________
(1) من يظلهم الله (273، 274).
برماحهم فألقوه من وراء الجدار، فأدركوه قد قتل عشرة منهم.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: رأيت عمار بن ياسر - رضي الله عنه - يوم اليمامة على صخرة وقد أشرف يصيح يا معشر المسلمين، أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر! أمن الجنة تفرون؟ أنا عمار بن ياسر! هلم إلي! وأنا أنظر إلى أذنه قد قطعت فهي تتذبذب وهو يقاتل أشد القتال.
وفي غزوة الطائف أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حنظلة بن الربيع - رضي الله عنه - إلى أهل الطائف يعرض عليهم الإسلام، فلما ذهب حنظلة إليهم ظل يدعوهم من خارج حصنهم فلم يستجيبوا له، واعتدوا عليه، واختطفوه، وحاولوا أن يدخلوه الحصن، فلما علم الرسول بالأمر طلب من الصحابة أن يذهب أحدهم ليخلص حنظلة من أيدي الأعداء، قال: من لهولاء، وله مثل غزاتنا هذه؟ فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب فذهب إليهم، ولحق بحنظلة وهو في أيديهم، وقد كادوا يدخلون به الحصن، فاحتضنه واختطفه من أيديهم، ولم يخش ما يقذف به من الحجارة، ورجع العباس ومعه حنظلة فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يزال يدعو لهما بالنجاة.

في وقعة الجسر
أرسل رستم جيشا كثيفا وأمر عليه ذا الحاجب بهمن جاذويه، وأعطاه راية كسرى لملاقاة المسلمين في موقعة الجسر، ووصلوا إلى المسلمين وبينهم النهر وعليه الجسر، فأرسلوا: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم، فقال المسلمون لأميرهم أبي عبيد: مرهم فليعبروا هم إلينا، فقال: ما هم بأجرأ على الموت منا، ثم اقتحم إليهم فاجتمعوا في مكان ضيق هنالك فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله، والمسلمون في نحو عشرة آلاف، وقد جاء الفرس معهم بأفيلة كثيرة عليها الجلاجل لتذعر خيول المسلمين، فجعلوا كلما حملوا على المسلمين فرت خيولهم من الفيلة، ولا يثبت منها إلا القليل على قسر، وإذا حمل المسلمون عليهم لا تقدم خيولهم على الفيلة، ورشقهم الفرس بالنبل فنالوا منهم خلقا كثيرا، وقتل المسلمون منهم مع ذلك ستة آلاف، وقد جفلت خيول المسلمين من أصوات الأجراس المعلقة بالفيلة، وصار المسلمون لا يستطيعون الوصول إليهم والفيلة تجوس فلالهم، فترجل أبو عبيد وترجل الناس معه، وتصافحوا معهم بالسيوف، وفقد المسلمون خيلهم فأصبحوا رجالة يقاومون سلاح الفيلة والفرسان والمشاة من الفرس إلى جانب الرماة
الذين أضروا بالمسلمين وهم يدفعون بخيولهم نحوهم فلا تندفع، فكان موقفا صعبا أظهر المسلمون فيه من البسالة والتضحية ما يندر أن يوجد له مثيل في التاريخ، وصمدوا للفرس رغم تفوقهم عليهم في كل وسائل القتال، وكانت الفيلة أشد سلاح واجهه المسلمون، وبدأ هو بالفيل الأبيض فتعلق بحزامه وقطعه ووقع الذين عليه، وفعل المسلمون مثل ذلك فما تركوا فيلا إلا حطوا رحله وقتلوا أصحابه، ولكن الفيلة استمرت في الهجوم لأنها كانت مدربة، وهجم أبو عبيد على الفيل الأبيض، ولكن الفيل أطاح به وقتله.
من الشجاعة ابتكار أساليب لمواجهة بطش الباطل.

فتح مصر
أرسل عمرو بن العاص إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يستمده فأمده أمير المؤمنين بأربعة آلاف رجل على كل ألف منهم رجل يقوم مقام الألف، وهم الزبير بن العوام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصامت، ومسلمة بن مخلد، وقال عمر في كتابه له: اعلم أن معك اثني عشر ألفا، ولن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة.
وقد خرج الروم مع الأقباط لمواجهة المسلمين، وجرت بينهم معركة حامية استعمل فيها عمرو بن العاص دهاءه الحربي كما صنع خالد بن الوليد في العراق، وذلك أنه جعل جيشه ثلاثة أقسام، حيث أقام كمينا للأعداء في الجبل وأقام كمينا آخر على النيل قريبا من أم دنين، وقابل أعداءه ببقية الجيش، ولما نشب القتال بين الفريقين خرج الكمين الذي في الجبل الأحمر وانقض على الروم فاختل نظامهم وانهزموا، وقابلهم الكمين الآخر فتفرق جيشهم، وهكذا كسب المسلمون المعركة.
هناك رجال في الإسلام يعد الرجل منهم بألف رجل .. هل أنت منهم؟

عبد الله بن الزبير
في السادسة والعشرين من عمره، يقتل ابن الزبير ملك إفريقية "جرجير"، فقد شهد ابن الزبير فتح إفريقية أيام عثمان بن عفان تحت لواء عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان الفتح على يديه.
سير عثمان بن عفان ابن الزبير في جماعة إلى إفريقية، سنة ست وعشرين هجريا، ليأتيه بأخبار الفتح، فسار مجدا حتى وصل إلى المسلمين هناك وأقام معهم، ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير ملك إفريقية عن الخبر، فقيل: قد أتاهم عسكر، ففت ذلك في عضده، ورأى عبد الله قتال المسلمين كل يوم من بكرة إلى الظهر، فلما أذن سمع منادي جرجير، يقول: من قتل عبد الله بن سعد فله مائة ألف دينار، وأزوجه ابنتي.
فخاف عبد الله على نفسه، فحضر ابن الزبير عند عبد الله بن سعد وقال له: تأمر مناديا ينادي: من أتاني برأس جرجير نفلته مائة ألف وزوجته ابنته، واستعملته على بلاده، ففعل فصار "جرجير" يخاف أشد من عبد الله بن سعد، ثم إن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن سعد: إن أمرنا يطول مع هؤلاء، وهم في أمداد متصلة، وبلاد هي لهم، ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم، وقد رأيت أن نترك غدا جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين، ونقاتل نحن الروم في باقي العسكر إلى أن نجد أن ينضجروا ويملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم ورجع المسلمون، ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال، وهم مستريحون، ونقصدهم على غرة، فلعل الله ينصرنا عليهم، فأحضر ابن سعد جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم فوافقوا على ذلك.
وفي صباح الغد نفذ ابن سعد خطة ابن الزبير هذه، فأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم، وخيولهم عندهم مسرجة، ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالا شديدا، وهمَّ الروم بالانصراف على العادة، لم يتركهم ابن الزبير وألح عليهم بالقتال حتى أتعبهم، ثم عاد عنهم هو والمسلمون، فكل من الطائفتين ألقى سلاحه ووقع تعبا .. عند ذلك أخذ عبد الله بن الزبير من كان مستريحًا من شجعان المسلمين، وقصد الروم، فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم، وحملوا حملة رجل واحد وكبروا فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم حتى غشيهم المسلمون، ونظر عبد الله فرأى "جرجير" وقد خرج من عسكره فأخذ جماعة من المسلمين وقصده فقتله (1).
__________
(1) من يظلهم الله (1/ 282 - 284).
أضرار عدم ممارسة الرياضة
يقول مؤلف كتاب "المؤمن القوي": من أضرار عدم ممارسة الرياضة:
1 - تؤدي قلة الحركة إلى زيادة الوزن الذي يصبح عبئا ثقيلا على أجهزة الجسم المختلف والمفاصل والأربطة.
2 - ضمور العضلات ونقص حجمها مما يجعلها غير قادرة على العمل بكفاءة.
3 - ظهور آلام الظهر والخشونة في المفاصل والعمود الفقري.
4 - يصبح القلب أصغر حجما وأقل كفاءة، فضلا عن احتمال ظهور أمراض القلب مثل ارتفاع أو انخفاض ضغط الدم.
5 - حدوث أمراض كثيرة مثل القرحة وعسر الهضم والقلق المزمن والتوتر.
6 - ينقص مخزون الطاقة الكيميائية لذلك يصبح الجسم أقل مقدرة على مواجهة المتطلبات البدنية.
7 - يقل عدد ساعات إنتاج الفرد إثر أي مجهود يقوم به.
8 - يزداد عدد ضربات القلب وكذلك سرعة التنفس عند بذل أي مجهود بدني.
9 - يصاب الفرد بالإجهاد والتعب لأي مجهود يبذله.
10 - يصبح الفرد أكثر اكتئابا وانطواء لعدم ممارسته الرياضة.
11 - تقل قدرة الجسم على امتصاص الأكسجين عنه في الفرد الرياضي مما يعني انخفاض مستوى الكفاءة البدنية.
12 - تنخفض المرونة والقوة العضلية وبالتالي يقل تحمل الفرد ومقاومته عن الفرد الرياضي.
13 - زيادة نسبة الدهون في الجسم مما يجعلها عبئا على الجسم والأجهزة الحيوية.
14 - زيادة نسبة الكوليسترول في الدم، مما يصيب الفرد بتصلب الشرايين ويجعل الجسم معرضًا للمخاطر.
15 - تدلي البطن (الكرش) الذي يؤدي إلى مشكلات عديدة معقدة (مشكلة الهضم- آلام أسفل الظهر- تقوس المنطقة السفلية من الظهر - الضغط على
الحجاب الحاجز).
16 - مشاكل في الجهاز التنفسي مثل احتقان الرئة -انسداد الشعب الهوائية- صعوبة في التنفس.
17 - اختلال وظيفة كل من المثانة والأمعاء والكبد وأجهزة الجسم الحيوية.
18 - زيادة نسبة السكر في الدم مما يؤدي إلى إصابة الشخص بأمراض كثيرة.
19 - عموما يصاب الجسم بالضعف العام وعدم الشعور بالحيوية والشباب.

نصائح لقوة الجسم:
1 - عمل كشف دوري عام كل سنة، يشمل تحاليل، وأشعات للاطمئنان المبكر على الحالة الصحية للجسد.
2 - المسارعة بالعرض على الطبيب عند المرض، والالتزام بالعلاج.
3 - عدم الاعتماد على الصيدلي في وصف العلاج، وعدم الاعتماد على نصائح المجربين في تناول الأدوية وندعوك لرفض المثل القائل: اسأل مجرب، ولا تسأل طبيبا.
4 - عدم الإسراف في استخدام الدواء إلا بتوجيه الطبيب.
5 - استعمال السواك وفرشاة الأسنان ثلاث مرات يوميا على الأقل.
6 - الالتزام بأداب الإسلام في الطعام والنوم.
7 - التعود على صيام يومين في كل أسبوع، أو ثلاثة كل شهر، والإفطار على طعام خفيف غير ثقيل.
8 - القيام قبل صلاة الفجر، ففي ذلك فوائد صحية كثيرة، وخاصة للجهاز التنفسي، لوجود نسبة عالية من الأوزون في الجو.
9 - لا تهمل وجبة الإفطار، وقلل في وجبة العشاء.
10 - عدم الإسراف في شرب الشاي والقهوة.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قادر على الكسب

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 9:40

قادر على الكسب
إن كل إنسان في مجتمع الإسلام مطالب أن يعمل، وأن يكون قادرًا على الكسب ومأمور أن يمشي في مناكب الأرض ويأكل من رزق الله.
قال تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].
وقال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105].
يقول الدكتور القرضاوي: إن الإسلام يفتح أبواب العمل أمام المسلم على مصراعيها، ليختار منها ما تؤهله له كفايته وخبرته وميوله، ولا يفرض عليه عملاً معينًا إلا إذا تعين ذلك لمصلحة المجتمع.
كما لا يسد في وجهه أبواب العمل إلا إذا كان من ورائه ضرر لشخصه أو للمجتمع -ماديًا كان الضرر أو معنويًا- وكل الأعمال المحرمة في الإسلام من هذا النوع.

الحث على العمل
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحث على التجارة: "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" [الترمذي].
وقال- صلى الله عليه وسلم - في الحث على الزراعة: "ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" [البخاري].
وحث على الصناعات والحرف فقال: "ما أكل أحد طعامًا قط ضر من أن يأكل من عمل يده" [البخاري].
وقرن الله بين العمل والجهاد، فقال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].
سُئل إبراهيم النخعي أحد أئمة التابعين عن التاجر الصدوق: أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة؟
فقال: التاجر الصدوق أحب إليّ، لأنه في جهاد، يأتيه الشيطان من طريق المكيال
والميزان، ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده.
وكان الشيخ الشعراني -وهو من دعاة التصوف- يفضل الصناع على العباد؛ لأن نفع العبادة مقصور على صاحبها، أما الحرف فنفعها لعامة الناس .. وكان يقول: ما أجمل أن يجعل الخياط إبرته سبحته، وأن يجعل النجار منشره سبحته!
يقول الراشد: شفعت مرة لداعية أن يقبله الأستاذ (فؤاد سزكين) طالبًا بمعهده في فرانكفورت، ومعهد تاريخ العلوم الإسلامية، فاشترط الأستاذ سزكين أن يشتغل الطالب ست عشرة ساعة يوميًا، ثم أراني الأستاذ سزكين من بُعد عددًا من الطلاب اليابانيين في معهده، وقد انكبوا على المخطوطات العربية يدرسونها ويبعثونها إلى الحياة وقد رضوا بهذا الشرط، فتأمل (1).
وهذا أديسون يعمل 18 ساعة يوميًا فاخترع المصباح الكهربائي بعد (9000) تسعة آلاف تجربة .. ثم واصل هذا الكفاح عشر سنوات أخرى ينفق فيها ثلاثة ملايين دولار ليخترع بطارية السيارة بعد تجارب وصلت إلى (50000) خمسين ألف تجربة (2).

فهم خاطيء
قيل لأحمد بن حنبل: ما تقول فيمن جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟
قال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي: "جُعل رزقي تحت ظل رمحي".
وقال عمر بن الخطاب: لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة.
إن التوكل على الله لا ينافي العمل والأخذ بالأسباب، وشعار المسلم ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي ترك الناق سائبة -متوكلاً على الله- فقال له: "اعقلها وتوكل" [الترمذي].
وعن الزبير بن العوام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة الحطب على ظهره، فيبيعها الله بها وجهه، خير من أن يسأل الناس، أعطوه أم منعوه" [البخاري].
__________
(1) صناعة الحياة: 111.
(2) إيقاظ الغافلين: 270.
وكان داود زرادًا (يصنع الزرد والدروع)، وكان آدم حراثًا، وكان نوح نجارًا، وكان إدريس خياطًا، وكان موسى راعيًا. (الحاكم).
والرجل غير القادر على الكسب لا تستطيع أن تستشيره.
يقول الشافعي: لا تشاور من ليس في بيته دقيق فإنه مولَّه العقل (1).
وروي أن شقيق البلخي أحد الصالحين ذهب في رحلة تجارية يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله، وقبل سفره ودع صديقه الزاهد المعروف إبراهيم بن أدهم. حيث يتوقع أن يمكث في رحلته مدة طويلة، ولكن لم تمض إلا أيام قليلة حتى عاد شقيق، ورآه إبراهيم في المسجد، فقال له متعجبًا: ما الذي عجل بعودتك؟
قال شقيق: رأيت في سفري عجبا، فعدلت عن الرحلة.
قال إبراهيم: خيرًا وماذا رأيت؟
قال شقيق: أويت إلى مكان خرب لأستريح فيه فوجدت به طائرًا كسيحًا أعمى، وعجبت فقلت في نفسي: كيف يعيش هذا الطائر في هذا المكان النائي، وهو لا يبصر ولا يتحرك؟ ولم ألبث إلا قليلاً حتى أقبل طائر آخر بحمل له الطعام في اليوم مرات حتى يكتفي، فقلت: إن الذي رزق هذا الطير في هذا المكان قادر على أن يرزقني، وعدت من ساعتي.
فقال إبراهيم: عجبًا لك يا شقيق، ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى الكسيح الذي يعيش على معونة غيره، ولم ترض لها أن تكون الطائر الآخر الذي يسعى على نفسه، وعلى غيره من العميان والمقعدين؟ أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى؟!!
فقام شقيق إلى إبراهيم وقبل يده وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق! (2)

انتبه
لا يجوز التكاسل عن العمل بحجة أخذ الصدقات لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي" [الترمذي]. ومعنى المرة: القوي، والسوي: السليم الأعضاء.
__________
(1) أخلاق الدعاة: 178.
(2) مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام: 39 - 40.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن سألاه أن يعطيهما من الزكاة: "لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب" [أحمد].
ويقول القرضاوي: لم يجعل الرسول لمتبطل كسول حقًا في صدقات المسلمين، وذلك ليرفع القادرين إلى العمل والكسب الحلال.

اجتهاد الإمام أحمد
قال ابن الجهم: كان لنا جار، فأخرج لنا في يوم من الأيام كتابًا، فقال: أتعرفون هذا الخط؟
قلنا: هذا خط أحمد بن حنبل، فكيف كتب ذلك؟
قال الجار: كنا بمحلة مقيمين عند سفيان بن عيينة، ففقدنا أحمد بن حنبل أيامًا، ثم جئنا لنسأل عنه، فإذا الباب مردود عليه، فقلنا: ما خبرك؟
قال: سرقت ثيابي. فقلت: معي دنانير، فإن شئت أخذت، وإن شئت أقرضتك، فرفض، فقلت: هل تكتب لي بأجرة؟
قال: نعم، فأخرجت دينارًا، فقال لي: اشتر لي ثوبًا، واقطعه نصفين (يعني إزارًا ورداء) وجئني بورق، فكتب لي هذا.
وقال ابن خزيمة: كنا مع أبي عبد الله في الكتاب، فكان النساء يبعثن إلى المعلم: ابعث إلينا بابن حنبل ليكتب جواب كتبهم، وكان نظير أجر زهيد، فكان إذا دخل إليهن لا يرفع طرفه أبدًا، ولا ينظر إلى امرأة منهن أبدًا.
وروي أنه اقترض من بعض الصالحين نقودًا، وذهب إليه يردها فقال له الرجل: يا أبا عبد الله! ما دفعتها إليك أنا أنوي أن آخذها منك، فاحتفظ بهذا المال لك.
فقال أحمد بن حنبل: أنا ما أخذتها إلا وأنا أنوي أن أردها عليك، فخذ مالك وشكرًا لله ثم لك.
ويقول عبد الرزاق: قدم علينا أحمد بن حنبل ها هنا سنتين إلا قليلاً يطلب العلم، فقلت له: يا أبا عبد الله خذ هذا الشيء فانتفع به، فإن أرضنا ليست بأرض ولا بكسب.
فقال أحمد: أنا بخير، ولم يقبل منه.
قال الواسطي: قدم علينا أحمد بن حنبل ومعه جماعة، فنفدت نفقاتهم فبررتهم فأخذوا، وجاءني أحمد بن حنبل بفروة، فقال: قل لمن يبيع هذه، ويجيئني بثمنها فأتسع به؟
قال: فأخذت صُرة دراهم فمضيت بها إليه، فردها، فقالت امرأتي: هذا رجل صالح، لعله لم يرضها، فضاعِفْها، فضاعَفَها، فلم يقبل، وأخذ الفروة مني وخرج.

معنى العبادة الشامل
قال أيوب السختياني: الزم سوقك، فإنك لا تزال كريمًا على إخوانك ما لم تحتج إليهم (1).
ويقول أبو سليمان الدارانى: ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يفت لك، ولكن ابدأ برغيفك فأحرزه ثم تعبد، ولا خير في قلب يتوقع قرع الباب يتوقع إنسانًا يجيئه يعطيه شيئًا.
وروى أن سلمان الفارسي اشترى وسقًا من طعام، فلقيه زيد بن صوحان ومولاه سالم، فقال له زيد: يا أبا عبد الله، تفعل هذا وأنت صاحب رسول الله؟
قال: إن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت وتفرغت للعبادة وشس منها الوسواس (2).

مكتب محاماة بالقاهرة
يقول الأستاذ عمر التلمساني: عرض عليَّ الإمام الشهيد أن أتخذ مكتبًا في القاهرة، فلم أقبل مبررًا رفضي بأني قد أنجح في المكتب ويدر على دخلاً وفيرًا، فيقول البعض: إن الإخوان هم الذين أوجدوا لي كيانًا في عالم المهنة، وهذا ما تأباه عليَّ أخلاقي ونشأتي وتربيتي.

استغل الإجازات
يقول حسن البنا: جاءت الإجازة الصيفية وكان لزامًا عليَّ أن أقضيها بالمحمودية،
__________
(1) أخلاق الدعاة: 179.
(2) صفة الصفوة: (1/ 550).
فلابد من إيجاد سبب للإقامة هناك طوال الإجازة، فعرضت على الوالد أن أذهب لأفتح دكانًا لنا هناك أعمل فيه بنفسي كساعاتي مستقل، لأتمرن تمرينًا عمليًا استقلاليًا على الصنعة، وسافرت، وفتحت الدكان، واشتغلت فعلاً بإصلاح الساعات، وكنت أجد سعادتين في هذه الحياة، سعادة الاعتماد على النفس والكسب من عمل اليد، وسعادة الاجتماع بالأخ أحمد أفندي وقضاء الوقت معه، ومع الحصافية، وقضاء الليالي معهم نذكر الله، ونتذاكر العلم في المسجد تارة، وفي المنازل تارة (1).
هل تحرص على استغلال أوقات الفراغ في أعمال مفيدة؟

هكذا كانوا
يروي بغية بن الوليد، يقول: دعاني إبراهيم بن أدهم إلى طعامه، فأتيته، فجلس، ثم قال: كلوا باسم الله. فلما أكلنا، قلت لرفيقه: أخبرني عن أشد شيء مر بك منذ صحبته.
قال: كنا صيامًا، فلم يكن عندنا ما نفطر عليه، فأصبحنا، فقلت: هل لك يا أبا إسحاق أن نأتي الرستن (بلدة بالشام كانت بين حماة وحمص) فنكري (فنؤجر) أنفسنا مع الحصادين؟
قال: نعم، قال: فاكتراني رجل بدرهم، فقلت: وصاحبي؟ قال: لا حاجة لي فيه، أراه ضعيفًا. فما زلت بالرجل حتى اكتراه بثلثي درهم، فلما انتهينا، اشتريت من أجرتي طعامي وحاجتي، وتصدقت بالباقي، ثم قربت الزاد، فبكى إبراهيم وقال: أما نحن فاستوفينا أجورنا، فليت شعري، أوفينا صاحبه حقه أم لا؟ فغضبت، فقال: أتضمن لي أنا وفيناه، فأخذت الطعام فتصدقت به.
حج هارون الرشيد ذات مرة، فسأله أحد أصحابه أن يدله على رجل يسأله، فدله على الفضيل، فذهبا إليه، فقابلهما الفضيل، وقال للرشيد: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا أناسًا من الصالحين فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء (يعني الحكم) فأشيروا عليَّ، فعد عمر الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فبكى الرشيد، فقال له صاحب الرشيد: ارفق بأمير المؤمنين.
__________
(1) مذكرات الدعوة والداعية: 51 بتصرف.
فقال الفضيل: تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا (يقصد أن عدم نصحه كقتله).
فقال له الرشيد: زدني يرحمك الله. فأخذ يعظه وينصحه، ثم قال له: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لأحد من رعيتك، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة" متفق عليه.
فبكى هارون وقال له: أعليك دين أقضيه عنك؟
فقال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي.
قال: إنما أعني من دين العباد. قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، أمر لي أن أصدق وعده وأطيع أمره.
فقال الرشيد: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك، وتقو بها على عبادة ربك.
فقال الفضيل: سبحان الله، أنا أدلك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا، سلمك الله ووفقك، ثم صمت فلم يكلمنا، فخرج الرشيد وصاحبه (1).

شيخ يعمل
مر رجل على أبي الدرداء وهو يزرع، فقال: أتغرس هذه وأنت شيخ كبير؟ هذه لا تطعم إلا في كذا وكذا عامًا.
فقال أبو الدرداء: ما علي أن يكون لي أجرها ويأكل منها غيري (2).
ويقول البنا: حرام على الأمة التي تقرأ في كتابها من الثناء على داود عليه السلام {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11)} [سبأ: 10 - 11]. وتقرأ {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)} [الأنبياء: 80]، ثم لا يكون فيها مصنع للسلاح؟ ثم تقرأ في كتابها {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا
__________
(1) أعلام المسلمين: 170، 169.
(2) الوقت عمار أو دمار: (2/ 33).
شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا (13)} [سبأ: 12 - 13]، ثم لا يكون فيها مسبك عظيم، ولا مصنع كامل للأدوات المعدنية.
ثم تقرأ {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25] ثم تهمل ما عندها من هذا المعدن هذا الإهمال، وهو من أجود الأنواع، ويكفي العالم مائتي عام كما قدر الخبراء .. حرام هذا كله!! (1)

الزهد والتجارة
قال محمد بن الحسين لابنه: يا بني إياك والكسل والضجر، فإنهما مفتاح كل شر، إنك إن كسلت لم تؤد حقًا وإن ضجرت لم تصبر على حق (2).
وأتى رجل عبد الله بن المبارك، وهو يظن أن الزهد والتجارة لا يجتمعان قائلاً لعبد الله: أنت تأمرنا بالزهد، ونراك تأتي بالبضائع من "خراسان" إلى البلد الحرام، كيف ذا؟
فقال له عبد الله بن المبارك: يا أبا علي، إنما أفعل ذا لأصون وجهي، وأكرم عرضي، وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به.
وكان عبد الله بن المبارك لا يبخل على أحد بماله، بل كان كريمًا سخيًا ينفق على الفقراء والمساكين في كل سنة مائة ألف درهم (3).
وعاش أحمد بن حنبل عيشة فقيرة، فلم يترك له والده غير منزل ضيق، مما دفعه إلى العمل وهو طفل صغير، فكان يلتقط بقايا الزروع من الحقول بعد استئذان أهلها، وينسج الثياب ويبيعها، ويضطر في بعض الأوقات أن يؤجر نفسه ليحمل أمتعة الناس في الطريق، وكان ذلك عنده أفضل من أن يمد يده إلى غيره (4).

كن أميناً في كسبك
قال بعض السلف الصالح: دخلت على مريضى وقد نزل به الموت، فجعلت ألقنه
__________
(1) الرسائل: 348.
(2) صفة الصفوة: (1/ 395).
(3) أعلام المسلمين: 164.
(4) أعلام المسلمين: 99.
الشهادة، ولسانه لا ينطق بها!
فلما أفاق قلت له: يا أخي، مالي ألقنك الشهادة ولسانك لا ينطق بها؟!
قال: يا أخي، لسان الميزان على لساني يمنعني من النطق بها.
فقلت له: بالله أكنت تزن ناقصًا؟!
قال: لا والله ولكن ما كنت أقف مدة لأختبر صحة ميزاني.
فهذا حال من لا يختبر صحة ميزانه، فكيف حال من يزن ناقصًا (1).
وقال علي بن أبي طالب: جعت مرة بالمدينة جوعًا شديدًا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا أنا بامرأة قد جمعت مدرًا، فظننتها تريد بله (المدر: الطين اليابس، تريد بله: يعني الماء) فأتيتها فقاطعتها (اتفقت معها على أجرة) كل ذنوب (دلو) على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبًا، حتى مجلت يداي (أي تورمت من العمل) ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفي هكذا بين يديها (يعني بسطهما وضمهما) فعدت لي يست عشرة تمرة، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته، فأكل معي منها. في هذا الخبر بيان لشدة الحال التي مر بها علي بن أبي طالب في المدينة، ونأخذ منه صورة من السلوك المشروع في مواجهة الشدائد، حيث خرج علي للعمل بيديه للكسب المشروع، ولم يجلس منتظرًا ما تجود به أيدي المحسنين. وصورة أخرى من قوة التحمل حيث قام بذلك العمل الشاق وهو يعاني من شدة الجوع مما يضعف قوته. وصورة أخرى من إيثار الأحبة والوفاء لهم، فهو مع ما به من شدة الجوع وبالرغم مما قام به من ذلك العمل الشاق فقد احتفظ بأجرته من التمر حتى لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأكل معه (2).

دعابة
كان الأستاذ البنا يحسن إصلاح الساعات، وتجليد الكتب، فكان يفتخر بأنه عامل، وكثيرا ما كان يداعب الإخوان ويهددهم، بأنه سيتركهم، ويفتح محلاً، ويقول مبتسمًا: صنعة في اليد أمان من الفقر (3).
__________
(1) الكبائر: 219 - 220.
(2) علي بن أبي طالب للصلابي: (1/ 98 - 99).
(3) مواقف إيمانية أحمد عيد: 30.
التوازن
عن أم سلمة قالت: خرج أبو بكر الصديق تاجرًا إلى بصرى (قرية بالشام) في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ما منع أبا بكر حبه لملازمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا منع النبي - صلى الله عليه وسلم - حبه لقرب أبي بكر عن ذلك (أي عن الخروج) لمحبتهم في التجارة (1)، وللحرص على التوازن كان عمر يتناوب النزول على النبي - صلى الله عليه وسلم - هو وجار له من الأنصار كما ثبت في البخاري ويقول القرضاوي: ورأينا كثيرًا من علماء الإسلام المشاهير أصحاب حرف، بل إنهم نسبوا إليها وعرفوا بها، ولم يعرفوا بأسمائهم ولا أسماء آبائهم، وذلك مثل البزار والزجاج والحزاز والخواص والجصاص والصبان والقطان .. إلخ (2).

بين الدنيا والآخرة
قال الإمام ابن عساكر حضرت مجلس يزيد بن هارون فأملى ثلاثين حديثًا فحفظتها، فجئت إلى منزلي أعلق، فعلقت منها ثلاثة، فجاءت الجارية وقالت: مولاي: فنى الدقيق، فنسيت سبعة وعشرين وبقيت ثلاثة (3).
...
__________
(1) الطراز الرباني: 102.
(2) مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام: 41.
(3) أخلاق الدعاة: 171.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

سليم العقيدة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 16:54

سليم العقيدة
العقيدة الصحيحة هي أساس الإيمان العميق، وكثرة الشبهات تؤثر سلبًا على عقيدة المسلم، تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 136] والإيمان يصنع المعجزات .. وإليك صور من سلامة العقيدة:

صبر علي عقيدته
لما وجد الفتي المؤمن عبد الله المزني أن صبره قد طال، وأن عمه بعيد عن الإسلام، وأن المشاهد مع رسول الله تفوته واحدًا بعد آخر، حزم أمره غير غافل عن عواقب ما أقدم عليه وأقبل على عمه، وقال: يا عم، لقد انتظرت إسلامك طويلاً حتى نفد صبري، فإن كنت ترغب في أن تسلم ويكتب الله لك السعادة، فنعم ما تصنع، وإن كانت الأخرى فأذن لي بأن أعلن إسلامي بين الناس.
ما كادت كلمات الفتى تلامس أذني عمه حتى استشاط غضبًا وقال: أقسم باللات والعزى لئن أسلمت لأنزعن من يدك كل شيء كنت أعطيته لك، ولأسلمنك للفاقة، ولأتركنك فريسة للعوز والجوع، فلم يحرك هذا التهديد في الغلام المؤمن ساكنًا، ولم يفتت من عزمه شيئًا، فاستعان عمه عليه بقومه، فهبوا يرهبونه ويرغبونه، وطفقوا يهددونه ويتوعدنه، فكان يقول لهم: افعلوا ما شئتم، فأنا والله متبعٌ محمدًا، وتارك عبادة الأحجار، ومنصرف إلى عبادة الواحد القهار، وليكن منكم ومن عمى ما يكون، فما كان من عمه إلا أن جرده من كل ما أعطاه، وقطع عنه رفده، ولم يترك له غير يحاد يستر به جسده.
مضى الفتي المزني مهاجرًا بدينه إلى الله ورسوله، مخلفًا وراءه مغاني الطفولة ومراتع الصبا، معرضًا عما في يد عمه من الثراء والنعمة، راغبًا فيما عند الله من الأجر والمثوبة، وجعل يحث الخطي نحو المدينة تحدوه إليها أشواق باتت تفري فؤاده فريًا. فلما غدا قريبًا من "يثرب" شق بجاده شقين، فاتزر بأحدهما وارتدى الآخر.
ثم مضى إلى مسجد الرسول وبات فيه ليلته تلك، فلما انبلج الفجر وقف قريبًا من باب حجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وجعل يترقب -في لهف وشوق- طلعة الرسول الأعظم من حجرته. فما أن وقع بصره عليه حتى تهللت على خديه دموع الفرح، وشعر كان قلبه يريد أن يقفز من بين جنبيه لتحيته والسلام عليه. ولما قضيت الصلاة، قام النبي - صلى الله عليه وسلم - على عادته يتصفح وجوه الناس فنظر إلى الفتى المزني، وقال: ممن أنت يا فتى؟ فانتسب له، فقال له: ما اسمك؟ فقال: عبد العزى، فقال له: بل عبد الله، ثم دنا منه وقال: انزل قريبًا منا وكن في جملة أضيافنا، فصار الناس منذ ذلك اليوم ينادونه عبد الله. ولقبه الصحابة الكرام "بذي البجادين" بعد أن رأوا بجاديه، ووقفوا على قصته. (1)

الإيمان الحق
أخرج ابن عساكر عن أنس -رضي الله عنه - قال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل المسجد والحارث بن مالك راقد، فحركه برجله وقال: ارفع رأسك فرفع رأسه، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فقال: كيف أصبحت يا حارث بن مالك؟ قال: أصبحت يا رسول الله مؤمنًا حقًا، قال: إن لكل حق حقيقة فما حقيقة ما تقول؟ قال: عزفت نفسي عن الدنيا، وأظمأت نهاري، وأسهرت ليلي، وكأني أنظر إلى عرش ربي، وكأني أنظر إلى أهل الجنة وهم يتزاورون، وإلى أهل النار يتعاوون، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت امرؤ نوَّر الله قلبك، عرفت فالزم" رواه البيهقي والحاكم.
هل نظرت إلي حقيقة إيمانك وحاسبت نفسك قبل أن تحاسب؟

رجل من أهل خيبر
جاء أن عبدًا حبشيًا لرجل من أهل خيبر كان يرعى غنمًا لهم، عمد بغنمه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلمه رسول الله ما شاء الله أن يكلمه، فقال الرجل: ماذا تقول وماذا تدعو إليه؟ قال: "أدعوك إلى الإسلام وأن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وألا تعبد إلا الله. قال العبد: وماذا يكون لي إن شهدت بذلك وآمنت بالله تعالى؟ قال رسول الله: "لك الجنة على ذلك". فأسلم العبد، وقال: يا رسول الله، إني رجل أسود اللون، قبيح الوجه،
__________
(1) صور من حياة الصحابة: 379.
منتن الريح، لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل أدخل الجنة؟ قال: "عم"، قال: يا رسول الله، إن هذه الغنم عندي أمانة فكيف بها؟ فقال رسول الله: "أخرجها من العسكر وارمها بالحصا، فإن الله عز وجل سيؤدي عنك أمانتك"، ففعل، وأعجب رسول الله كلمته، فخرجت الغنم تشد كأن سائقًا يسوقها، حتى دخلت كل شاة إلى أهلها، فعرف اليهودي أن غلامه قد أسلم، ثم تقدم العبد الأسود الصف، فأصابه سهم فقتله ولم يصل سجدة قط، فاحتمله المسلمون إلى عسكرهم فقال رسول الله: "أدخلوه الفسطاط"، فأدخلوه حتى إذا فرغ رسول الله دخل عليه ثم خرج فقال: "لقد حسن إسلام صاحبكم، وإن عنده لزوجتين من الحور العين، ولقد حسن الله وجهه، وطيب ريحه، وكثر ماله، ولقد رأيت زوجتيه من الحور العين ينزعان جبته، وينفضان التراب عن وجهه ويقولان: ترب الله من تربك، وقتل من قتلك".
أي عقيدة هذه التي جعلت العبد الأسود، الذي هو قبيح، نتن الرائحة لا مال له، جعلته وليًا لله لم يسجد لله سجدة، ورزق الشهادة. (1)

إبليس الملعون
جاء إبليس إلى عيسى، فقال له: ألست تعلم أنه لا يصيبك إلا ما كتب الله لك؟
قال عيسي: بلى.
فقال ابليس: فارم بنفسك من هذا الجبل، فإنه إن قدر لك السلامة تسلم.
فقال عيسى: يا ملعون، إن الله عز وجل يختبر عباده، وليس لعبد أن يختبر الله عز وجل.

آية ربانية
تروي إحدى الأخوات المسلمات .. فتقول: قبض على زوجي وسيق إلى الاعتقال وترك وراءه أربعة من الأطفال. وذات مساء مرض ابني الصغير (بالحمي) ووقعت في ذهول ليس لي حيلة ولا صلة وثيقة بالجيران. فاستعنت بالله أدعوه وألح في الدعاء أن ينقذني ويرحم ضعفي وغربتي .. ولم تمض ساعة أو يزيد .. حتى طُرق الباب ففتحت فإذا
__________
(1) الناطقون بالحق: 249 بتصرف.
الذي أمامي طبيب .. جاء يسأل عن المريض!! وبعد أن أتم الكشف وقدم بعض الدواء الذي يكون معه عادة، نزل بعد أن أدرك حالة الأسرة وظروفها. وحين عاد الطبيب إلى منزله دق التليفون ليستعجلوا الطبيب. فتعجب الطبيب وقال: لقد عدت من عندكم لتوي الآن. وتبين للطبيب بعد ذلك أن السكن الذي كان يقصده في نفس المنزل يقع أمام التي طرق عليها الباب خطأ. فسبحان من له الكون كله يسيره حيث يشاء. فاعتبروا يا أولي الألباب؟ (1).

عاقبة الخوف من الله
دخل ثابت بن النعمان إحدى المزارع، وكان جائعًا متعبًا، فشدته نفسه لأن يأكل وبدأت المعدة تقرقر، فأطلق عينيه في الأشجار فرأي تفاحة، فمد يده إليها ثم أكل نصفها ثم شرب من ماء النهر بجانب المزرعة، لكن انتبه بعد ذلك من غفلته بسبب الجوع وقال لنفسه: ويحك كيف تأكل من ثمار غيرك دون استئذان، وأقسم ألا يرحل حتى يدرك صاحب المزرعة ويطلب منه أن يحلل له ما أكل من هذه التفاحة، فبحث حتى وجد داره فطرق عليه الباب، فلما خرج صاحب المزرعة استفسر عما يريد، قال ثابت: دخلت بستانك الذي بجوار النهر وأخذت هذه التفاحة وأكلت نصفها، ثم تذكرت أنها ليست لي وأريد منك أن تعذرني في أكلها، وأن تسامحني عن هذا الخطأ.
فقال الرجل: لا أسامحك، ولا أسمح لك أبدًا إلا بشرط واحد.
قال ثابت: وهو ثابت بن النعمان: وما هو هذا الشرط؟
قال صاحب المزرعة: أن تتزوج ابنتي.
قال ثابت: أتزوجها.
قال الرجل: ولكن انتبه! إن ابنتي عمياء لا تبصر، خرساء لا تتكلم، وصماء لا تسمع. وبدأ ثابت بن النعمان يفكر ويقدر ماذا يفعل؟ ثم علم أن الابتلاء بهذه المرأة وتربيتها وخدمتها خير من أن يأكل الصديد في جهنم جزاء ما أكله من التفاحة. وما الأيام وما الدنيا إلا أيام معدودات، فقبل الزواج على مضض وهو يحتسب الأجر
__________
(1) حكايات عن الإخوان (1/ 23).
والثواب من رب العالمين.
وجاء يوم الزفاف وقد غلب الهم صاحبنا، كيف أدخل على امرأة لا تتكلم ولا تبصر ولا تسمع، فاضطرب حاله وتمنى أن لو تبتلعه الأرض قبل هذه الحادثة، ولكنه توكل على الله وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ودخل عليها يوم الزفاف، فإذا بهذه المرأة تقوم إليه وتقول له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فلما نظر إليها تذكر ما يتخيله عن الحور العين في الجنة. قال بعد صمت: ما هذا؟ إنها تتكلم وتسمع وتبصر، فأخبرها بما قال عنها أبوها.
قالت: صدق أبي ولم يكذب.
قال: اصدقيني الخبر.
قالت: أبي قال عني إنني خرساء لأنني لم أتكلم بكلمة حرام، ولا تكلمت مع رجل لا يحل لي، وإنني صماء لأنني صماء ما جلست في مجلس في غيبة ونميمة ولغو، وإنني عمياء لأني لم أنظر إلى أي رجل لا يحل لي. فانظر واعتبر بحال هذا الرجل التقي، وهذه المرأة التقية وكيف جمع الله بينهما. (1)

يؤثرون على أنفسهم
كان شيخ كريم، فقير في حاله، لكنه لا يرد سائلاً قط، ولطالما لبس الجبة أو الفروة، فلقي بردان يرتجف، فنزعها فدفعها إليه، وعاد إلى البيت بالإزار، وطالما أخذ الطعام من بين أولاده ليعطيه للسائل، وفي يوم من أيام رمضان وقد وضعت المائدة انتظارًا للأذان فجاءه سائل يقسم أنه وعياله بلا طعام، فابتغى الشيخ غفلة من امرأته وفتح له، وأعطاه الطعام كله، فلما رأت ذلك امرأته صرخت وأقسمت من الغضب أنها لا تبقي عنده، بينهما هو ساكت، ولم تمر نصف ساعة حتى قرع الباب وجاء من يحمل أطباقًا فيها ألوان الطعام والحلوى والفاكهة، فسألوا: ما الخبر؟ وإذا هو أحد الأغنياء كان قد دعا بعض الكبار فاعتذروا، فغضب وحلف ألا يأكل أحد من الطعام، وأمر بحمله كله إلى دار الشيخ الفقير الكريم.
__________
(1) قصص وعبر (2/ 19 - 21).
أخي الحبيب: أنفق ولا تخش الفاقة، قد قال جل وعلا: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)} [سبأ: 39] (1).

توقف مع القرآن
يقول الدكتور زغلول النجار: هذا أستاذ مصري للقانون، يعمل بإحدى الجامعات الأمريكية .. يقول: كنا في حوار قانوني، وكان معنا أحد أساتذة القانون من اليهود، فبدأ يتكلم، ثم بدأ يخوض في الإسلام وتندر بالإسلام والمسلمين، فأردت أن أسكته، فسألته: هل تعلم حجم قانون المواريث في الدستور الأمريكي؟
قال: نعم، أكثر من ثمانية مجلدات.
فقلت له: إذا جئتك بقانون للمواريث فيما لا يزيد علي عشرة سطور، فهل تصدق أن الإسلام دين صحيح؟
قال: لا يمكن أن يكون هذا. فأتيت له بآيات المواريث من القرآن الكريم، وقدمتها له، فجاءني بعد عدة أيام يقول لي: لا يمكن لعقل بشري أن يحصي كل علاقات القربى بهذا الشمول الذي لا ينسى أحدًا، ثم يوزع عليهم الميراث بهذا العدل الذي لا يظلم أحداً. ثم أسلم هذا الرجل. فكانت آيات المواريث وحدها سبيلاً إلي اقتناع هذا الرجل اليهودي بالإسلام (2).
ويقول أيضاً: التقيت بشاب بريطاني، كان يعمل بجامعة الملك فهد، يقول: ظللت ثلاثة عشر عامًا، وأنا أقرأ عن الإسلام، ومع ذلك ما كنت قادرًا على اتخاذ القرار بشأن إشهار إسلامي وإعلان شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بسبب الضغوط الاجتماعية والمعيشية، والمجتمع العام، ومشاكل الحياة المختلفة.
يقول: إنه في يوم تطهر وأوي إلي فراشه، ودعا ذلك الخالق العظيم أن يلهمه الصواب، وأن يشرح صدره للطريق الصحيح يقول: وإذا بمنادٍ يناديه في المنام: "يايها الذين آمَنوا آمِنوا بالله الواحد، الذي خلقكم وخلق هذا الكون وكل ما فيه" فقام من
__________
(1) قصص وعبر (2/ 18 - 19).
(2) الذين هدى الله (48، 49).
منامه منتفضًا، وهو يبكي ويقول: هذه علامة من الله أنه هو الطريق الصحيح، ولم ينم حتى اتصل بالمركز الإسلامي بأوكسفورد، وأعلن إسلامه على الفور. (1)

احذر المعصية
ذهب رجل إلى إبراهيم بن أدهم، وقد كان من أطباء القلوب، وقال له: إني مسرف على نفسي، فأعرض على ما يكون زاجرًا لها.
فقال له إبراهيم: إن قدرت على خمس خصال لن تكون من العصاة.
فقال الرجل -وكان متشوقًا لسماع موعظته-: هات ما عندك يا إبراهيم.
فقال: الأولى: إذا أردت أن تعصي الله فلا تأكل شيئا من رزقه، فتعجب الرجل ثم قال متسائلا: كيف تقول ذلك يا إبراهيم، والأرزاق كلها عند الله؟
فقال: إذا كنت تعلم ذلك فهل يجدر بك أن تأكل رزقه وتعصيه.
قال: لا، يا إبراهيم هات الثانية.
فقال إبراهيم: إذا أردت أن تعصى الله فلا تسكن بلاده، فتعجب الرجل أكثر من تعجبه السابق ثم قال: كيف تقول ذلك يا إبراهيم؟ والبلاد كلها ملك الله.
فقال له: إذا كنت تعلم ذلك فهل يجدر بك أن تسكن بلاده وتعصيه؟
قال: لا، يا إبراهيم هات الثالثة.
فقال إبراهيم: إذا أردت أن تعصي الله فانظر مكانًا لا يراك فيه فاعصه فيه.
قال: كيف تقول ذلك يا إبراهيم؟ وهو أعلم بالسرائر ويسمع دبيب النملة على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.
فقال له إبراهيم: إذا كنت تعلم ذلك فهل يجدر بك أن تعصيه؟
قال: لا، يا إبراهيم هات الرابعة.
__________
(1) المصدر نفسه (49 - 50).
فقال إبراهيم: إذا جاءك ملك الموت ليقبض روحك فقل له: أخرني إلي أجل معدود.
فقال الرجل: كيف تقول ذلك يا إبراهيم؟ والله تعالى يقول: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].
فقال له: إذا كنت تعلم ذلك فكيف ترجو النجاة.
قال: نعم. هات الخامسة يا إبراهيم.
فقال: إذا جاءتك الزبانية -وهم ملائكة جهنم- ليأخذوك إلي جهنم فلا تذهب معهم، فما كاد الرجل يستمع إلى هذه الخامسة حتى قال باكيًا: كفى يا إبراهيم، أنا أستغفر الله وأتوب إليه، ولزم العبادة حتى فارق الحياة. (1)

زيادة الإيمان بالتفكر
في إيران أنهار عندما تلتقي بمياه البحر ترجع مياهها عائدة إلى مجاريها التي أتت منها.
ونهر الأمازون يجعل مياه المحيط الأطلسي عذبة لمئات الكيلو مترات من مصبه فيه، فلا يختلط بمياه المحيط الأطلسي.
وتلتقي مياه المحيط الأطلسي بمياه البحر الأبيض، فتبقي مياه البحر الأبيض أسفل لثقلها، ولكثرة ملحها، وتعلو مياه المحيط لخفتها ... وكل في مجراه، وكذلك لا تختلط مياه البحر الأسود بمياه البحر الأبيض عندما تلتقيان، بل تشكلان بحرين متلاصقين فوق بعضهما البعض، فمياه الأسود تجري في الأعلى نحو البحر الأبيض، لأنها أخف ومياه البحر الأبيض تجري في الأسفل، متجهة نحو البحر الأسود لأنها أثقل. (2)

التجرد لله
دعا الإمام البنا أحمد محمد حسنين باشا رئيس الكشافة المصرية لحضور استعراض لكشافة الإخوان المسلمين، فحضر الرجل وشاهد الاستعراض، ولاحظ وجود تشكيلة
__________
(1) قصص وعبر (1/ 40 - 42).
(2) دعوة للتأمل 51 - 52.
من الشباب والرجال والعجائز وذوي اللحى وكان عددهم كبيرًا يتقدمهم حملة المصاحف الكبرى.
فقال أحمد حسنين باشا للشيخ حسن البنا: بالله عليكم كيف جمعتم كل هؤلاء من أقصي البلاد؟ إننا في الكشافة المصرية نقدم لهم كل التسهيلات والملابس والنفقات، ومع ذلك لا يجتمعون علينا إلا بشق النفس، فماذا فعلت مع كل هؤلاء؟
فضحك الإمام البنا وقال لرئيس الكشافة المصرية: شيء يسير جدًا .. قلنا لهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فجاءوا وعلى نفقتهم الخاصة .. فسكت الرجل. (1)
يقول البنا: لقد آمنا إيمانًا لا جدال فيه ولا شك معه، واعتقدنا عقيدة أثبت من الرواسي، وأعمق من خفايا الضمائر، بأنه ليس هناك إلا فكرة واحدة هي التي تنقذ الدنيا المعذبة، وترشد الإنسانية الحائرة، وتهدي الناس سواء السبيل، وهي لذلك تستحق أن يضحي في سبيل إعلانها والتبشير بها وحمل الناس عليها بالأرواح والأموال، وكل رخيص وغال، هذه الفكرة هي الإسلام الحنيف الذي لا عوج فيه، ولا شر معه، ولا ضلال لمن اتبعه {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18]، {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].
ففكرتنا لهذا إسلامية بحتة، علي الإسلام ترتكز، ومنه تستمد، وله تجاهد، وفي سبيل إعلاء كلمته تعمل، لا تعدل بالإسلام نظامًا، ولا ترضي سواه إمامًا، ولا تطيع لغيره أحكامًا {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].

لا تحزن والله معك
قال محمد بن أبي عمران: سأل رجلٌ حاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا في التوكل على الله؟
قال: على خصال أربع:
- علمت أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمأنت به نفسي.
__________
(1) مائة موقف من حياة العظماء: 108.
وعلمت أن عملي لن يعمله غيري فأنا مشغول به.
- وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره.
- وعلمت أني لا أخلو من عين الله حيث كنت فأنا مستحيي منه. (1)
وعن عبد الله بن سهل قال: سمعت حاتم الأصم يقول: اختلفت إلى شقيق ثلاثين سنة، فقال لي يومًا: أي شيء تعلمت؟
فقدت: رأيت رزقي من عند ربي فلم أشتغل إلا بربي، ورأيت الله تعالى وكل بي ملكين يكتبان عليَّ كل ما تكلمت به فلم أنطق إلا بالحق، ورأيت أن الخلق ينظرون إلى ظاهري والرب تعالي ينظر إلى باطني، فرأيت مراقبته أولي وأوجب فسقطت عني رؤية الخلق، ورأيت أن الله مستحثًا يدعو الخلق إليه فاستعددت له. (2)

صلاح الدين
كان صلاح الدين سليم العقيدة، متوكلاً على الله، حذره المنجمون يومًا من أن فتح القدس سيؤدي -حسب زعمهم وتنجيمهم- إلى فقد إحدى عينيه فقال: رضيت أن أعمي وتفتح القدس، ففتحها بعد أن كانت بأيدي الفرنج أكثر من تسعين سنة، وأبطل تخرصات المنجمين. (3)

ذاك هو الله
سأل رجل أحد السلف عن الله، فقال له: ألم تركب البحر؟
قال: بلي.
قال: فهل حدث لك مرة أن هاجت بك الريح عاصفة؟
قال: نعم.
قال: وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة؟
قال: نعم.
__________
(1) صفة الصفوة (2/ 360).
(2) المصدر نفسه (2/ 360).
(3) عدة المجاهدين: 73.
قال: فهل خطر ببالك وانفتح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء؟
قال: نعم.
قال: فذاك هو الله. (1)

التمسك بالعقيدة الصحيحة
يقول سيد قطب: لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتشدد مع أصحابه في أمر التلقي في شأن العقيدة والمنهج، بقدر ما كان يفسح لهم في الرأي والتجربة في شئون الحياة العملية المتروكة للتجربة والمعرفة كشئون الزرع، وخطط القتال، وأمثالها في المسائل العملية البحتة التي لا علاقة لها بالتصور الاعتقادي، ولا بالنظام الاجتماعي، ولا بالارتباطات الخاصة بتنظيم حياة الإنسان .. وفرق بين هذا وذلك بيِّنٌ، فمنهج الحياة شيء، والعلوم البحتة والتجربيية والتطبيقية شيء آخر.
والإسلام الذي جاء ليقود الحياة بمنهج الله، هو الإسلام الذي وجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجه للحياة.
روي الإمام أحمد قال: جاء عمر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أني أمرت بأخ يهودي من بني قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة. ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله، قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا تري ما وجه رسول الله؟ قال عمر: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً. قال: فسُري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسي عليه السلام ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين".
هؤلاء هم أهل الكتاب، وهذا هو هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التلقي عنهم في أي أمر يختص بالعقيدة والتصور، أو بالشريعة والمنهج .. ولا ضير -وفق روح الإسلام وتوجيهه- من الانتفاع بجهود البشر كلهم في غير هذا من العلوم البحتة علمًا وتطبيقًا .. مع ربطها بالمنهج الإيماني: من ناحية الشعور بها، وكونها من تسخير الله للإنسان. ومن ناحية توجيهها والانتفاع بها في خير البشرية، وتوفير الأمن لها والرخاء.
__________
(1) دعوة للتأمل: 54.
وشكر الله على نعمة المعرفة ونعمة تسخير القوي والطاقات الكونية .. شكره بالعبادة، وشكره بتوجيه هذه المعرفة وهذا التسخير لخير البشرية.
فأما التلقي عنهم في التصور الإيماني، وفي تفسير الوجود، وغاية الوجود الإنساني، وفي منهج الحياة وأنظمتها وشرائعها، وفي منهج الأخلاق والسلوك أيضًا .. أما التلقي في شيء من هذا كله فهو الذي تغير وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأيسر شيء منه. وهو الذي حذر الله الأمة المسلمة عاقبته. وهي الكفر الصراح (1).

دخل في الإسلام حديثًا
رئيس الأساقفة التنزاني "جون موايبوبو" الذي أقنع خمسة آلاف شخص بالدخول في الإسلام من الذين كانوا يترددون على الكنيسة، وسمي نفسه أبو بكر، وحدث أن قام بعض المتطرفين النصارى بإحراق منزله، وراح ضحية لهذا الحريق طفلاه التوءم. كما تعرض منزله لحريق آخر تم خلاله إحراق جميع الأشرطة التي سجل عليها مراحل حياته من الرهبانية إلى الإسلام، وتعرض للموت أكثر من ثلاث مرات، ومع ذلك يردد قائلا: "أنا أشعر براحة واطمئنان، لأنني أشعر -الآن- أن الله معي". (2)

أسلم بعقيدة سليمة
الدبلوماسي الألماني السفير د. مراد هوفمان سفير ألمانيا في الجزائر بدأت فطرة الحق التي فطر الله عز وجل الناس عليها تستيقظ داخل نفسه، وتاقت إلى الإيمان الصحيح بالله عز وجل، ولاسيما أنه يذكر حادثين مؤثرين، أحدهما: عندما كان يعمل في قنصلية بلاده في الجزائر عام 1961 .. فبينما كانت شوارع العاصمة الجزائرية تموج بطلقات الرصاص لتخمد المقاومة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي، فاجأت آلام المخاض زوجته، فخرج مهرولاً ليبحث عن سيارة تقل زوجته إلى المستشفي، واليأس يعصر نفسه، كيف سيجد سيارة إسعاف وسط هذا الجو الملبد بدخان البنادق وطلقاتها، وأجساد القتلى والجرحى.
غير أنه يذكر أن هاتفًا كان يصرخ داخله: ثق بالله .. ثق بالله، ولم يصدق نفسه وهو يري أمامه سيارة إسعاف، وكأنما أرسلتها العناية الإلهية لإنقاذ زوجته التي كتبت لها حياة
__________
(1) في ظلال القرآن (1/ 439 - 440).
(2) صحيفة المسلمين 19/ 6/ 1992 السر الخفي وراء إسلام هؤلاء (1/ 158).
جديدة من حيث لا يدري.
والحادث الآخر: وقع في العام نفسه في أثناء سيره في أحد شوارع الجزائر يرافقه شخص فرنسي، إذ انطلق فجأة وابل من الرصاص نحوهما سقط رفيقه على إثره غارقًا في دمائه في حين لم يصب هو بأي أذي. وبالفعل عزم على إعلان إسلامه عام 1980. (1)
المسلم على يقين دائم بأن الله سينصره وسيدافع عنه، وسيقف معه في وقت المحن، فلا يحزن ولا يخاف.

اعتراف الغرب
يقول سميث أحد الباحثين الغربيين المنصفين: تكمن قوة الإسلام في قوة العقيدة التي يمنحها، فالمسلم يعتقد في إله واحد، وتتردد صدي الإعلان المؤثر عن الإيمان في الدعوة إلى الصلاة "الله أكبر".

الله ينتقم لدينه
تقول صحيفة "جسكياتاف كوبو" النيجيرية العدد رقم 4007 في الصفحة الاولى، إن واعظًا مسيحيًا من المكذبين بالقرآن وقف ساخرًا من القرآن في تحدٍ سافر فقال: "إن كان القرآن والدين الإسلامي حقًا فأنا أسأل الله ألا أرجع إلى بيتي حياً" ويشاء رب العالمين أن يثبت له أن القرآن ودينه الإسلامي الذي ارتضاه لعباده حق وصدق، حيث حدث بمجرد خروجه من الكنيسة وبينما هو في طريقة إلى بيته إذ عثر برخام قناة صغيرة حينما أراد أن يعبرها، فوقع ميتًا في القناة الصغيرة، وحينما تدخل رجل لإنقاذه مات هو الآخر في اليوم التالي مباشرة، والغريب حين حمله أتباعه وأشياعه بعد الحادث وذهبوا به إلى المستشفى، وهناك أخبرهم الطبيب بأنه مات، فلم يقتنعوا بتشخيصه، فأخذوه إلى مستشفى آخر، فأخبروهم بأنه مات بالفعل، فلم يصدقوا، وأخيرا انتهي بهم المطاف إلي مستشفى خاص بالجماعة التنصيرية، حيث أثبت الأطباء المنصرون بأنه قد مات فعلا، وبمجرد انتشار الخبر في ولاية "جونجولي" شمالي نيجيريا اعتنق سكان أربع قرى الإسلام.
...
__________
(1) السر الخفي وراه إسلام هؤلاء (1/ 36).


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صحيح العبادة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 17:09

صحيح العبادة
لابد من تصحيح المفاهيم الخاطئة عن العبادة، ومطاردة الأفكار الضالة، ومعرفة معنى العبادة، وهي الخضوع والذل، يقال: طريق معبد، والتعبيد بمعنى التذليل، ولذا فالعبادة هي الإذعان الكلي والخضوع الكامل، والطاعة المطلقة لله تبارك وتعالى.

الفهم الشامل
يقول البنا: قد يرى الناس الأخ المسلم في المحراب خاشعًا متبتلاً يبكي ويتذلل، وبعد قليل يكون هو بعينه واعظًا مدرسًا يقرع الآذان بزواجر الوعظ، وبعد قليل تراه نفسه رياضيًا أنيقًا يرمي بالكرة أو يدرب على العدو أو يمارس السباحة، وبعد فترة يكون هو بعينه في متجره أو معمله يزاول صناعته في أمانة وفي إخلاص.
هذه مظاهر قد يراها الناس متنافرة لا يلتئم بعضها ببعض، ولو علموا أنها جميعًا يجمعها الإسلام ويأمر بها الإسلام ويحض عليها الإسلام لتحققوا فيها مظاهر الالتئام ومعاني الإنسجام (1).

روح الصلاة
كان الإمام حسن البنا في رحلة في صعيد مصر، وفي المساء جاء وقت العشاء، قال البنا للشيخ إسماعيل حمدي: "إحنا تعبانين وعاوزينك تصلي بنا" فتقدم الشيخ إسماعيل للصلاة ولكنه صلى بالسور القصيرة فلما انتهت الصلاة قال له حسن البنا: كيف تصلي بنا بالسور القصيرة؟ قال: لأن فضيلتكم قلت: إننا تعبانين، ولهذا رأيت أن أخفف عنكم.
قال الأستاذ البنا: يا أخي سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال - رضي الله عنه -: "أرحنابها يا بلال" ولم يقل: أرحنا منها يا بلال (2).
__________
(1) الرسائل: 123.
(2) حكايات عن الإخوان (1/ 78).
الخوف من فساد الأعمال
كان أكثر كلام الحسن في خواطر القلوب، وفساد الأعمال، ووساوس النفس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس، وقد قيل له: يا أبا سعيد إنك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك، فمن أين أخذته؟ قال: من حذيفة بن اليمان، وقيل لحذيفة: نراك تتكلم بكلام لا يسمع من غيرك من الصحابة فمن أين أخذته؟ قال: خصني به رسول الله: كان الناس يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه، وعلمت أن الخير لا يسبقني علمه (1).

العلم طريق الوصول
عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا شاب قلت لشاب من الأنصار: يا فلان، هلم فلنسأل أصحاب رسول الله ولنتعلم منهم، فإنهم كثير.
قال: العجب لك يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفي الأرض من ترى من أصحاب رسول الله؟ قال: فتركت ذلك وأقبلت على المسألة، وتتبع أصحاب رسول الله، فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله، فأجده قائلاً (راقدًا في وقت القيلولة) فأتوسد ردائي على بابه، تسفي الريح على وجهي حتى يخرج، فإذا خرج قال: يا ابن عم رسول الله: مالك؟
فأقول: بلغني حديث عنك أنك تحدثه عن رسول الله، فأحببت أن أسمعه منك.
قال: فيقول: أنا أحق أن آتيك. فكان الرجل بعد ذلك يراني وقد ذهب أصحاب رسول الله واحتاج الناس إليَّ فيقول: كنت أعقل مني (2).
قال إسماعيل بن يحيى المزني: قيل للشافعي: كيف شهوتك للعلم؟
قال: أسمع بالحرف مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا تتنعم به مثلما تنعمت به أذناي.
قيل له: فكيف حرصك عليه؟
__________
(1) الإحياء (1/ 131).
(2) أخلاق الدعاة: 99.
قال: حرص الجموع المنوع في بلوغ لذته للمال.
قيل له: فكيف طلبك له؟
قال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس لها غيره (1).
يقول البنا: نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة، تنتظم شئون الناس في الدنيا وفي الآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتنارل الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن، فالإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف.
والقرآن الكريم ينطق بذلك كله، ويعتبره من لب الإسلام ومن صميمه ويوصي بالإحسان فيه جميعه، وإلى هذا تشير الآية الكريمة: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77] (2).

العبادة الصحيحة
كان علي بن الحسين يقول: إن قومًا عبدوا الله عز وجل رهبة؛ فتلك عبادة العبيد، وآخرين عبدوه رغبة؛ فتلك عبادة التجار، وقومًا عبدوا الله شكرًا؛ فتلك عبادة الأحرار (3).
ويقول البنا: هل رأيت منشورًا عسكريًا في كتاب مقدس يتلى في الصلاة والذكر والعبادة والمناجاة كهذا المنشور الذي يبتديء بالأمر المنجز في قوله تعالى: {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} [النساء: 74] ثم يبين الجزاء بعد ذلك {وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء74] ثم يتلو ذلك باستثارة أنبل العواطف في النفوس، وهي استنقاذ الأهل والوطن فيقول: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75].
ثم يوضح لهم شرف غايتهم، ودناءة غاية عدوهم، ليبين لهم أنهم يجودون بثمن
__________
(1) أخلاق الدعاة: 99 - 100.
(2) الرسائل: 119.
(3) صفة الصفوة: (1/ 386).
غال هو الحياة، على سلعة غالية تستحقه وتربو عليه، وهي رضوان الله، على حين يقاتل غيرهم لغير غاية، فهو أضعف نفوسًا وأخزى أفئدة، فذلك قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76].
ثم يندد بالذين جبنوا عن أداء الواجب، وأخذوا التكاليف السهلة وتركوا تكاليف البطولة، ويبين لهم خطأ موقفهم هذا، وأن الإقدام لن يضرهم شيئًا بل سيكسبون به الجزاء الأكبر، والإحجام لا يغنيهم شيئًا، فالموت من ورائهم لا محالة، فيقول بعد الآيات السابقة مباشرة: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء: 77 - 78].
بربك أي منشور عسكري في هذه القوة، وفي هذا الوضع يبعث في نفس الجندي كل ما يريد القائد من همة وعزة وإيمان؟ وإذا كان قوام الحياة العسكرية في عرفهم أمرين، هما النظام والطاعة، فقد جمعهما الله في آيتين في كتابه، فقال تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4]، كما قال تعالى: {فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ} [محمد: 20 - 21] (1).

ومن أنواع العبادات:
العدل عبادة
مشى عمر بن الخطاب - صلى الله عليه وسلم - مرة في سكك المدينة، فإذا بصبية تطيش هزالاً، تقوم مرة وتقع أخرى، فقال عمر: أي حوبتها! يا بؤسها! من يعرف هذه منكم؟
فقال ابنه عبد الله: أما تعرفها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا. قال: هذه إحدى بناتك!
قال عمر: وأي بناتي هذه؟
قال: هذه فلانة بنت عبد الله بن عمر (أي ابنته).
__________
(1) الرسائل: 279 - 280.
فقال عمر: ويحك وما صيَّرها إلى ما أرى؟ قال له ابنه: منعك ما عندك.
فقال عمر: إنك والله ما لك عندي غير سهمك في المسلمين وسعك أو أعجزك! هذا كتاب الله بيني وبينكم (1).
غض البصر عبادة
قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} [النور: 30] مِنْ للتبعيض؛ لأن من النظر ما يباح.
وكره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته، وزمانه خير من زماننا هذا!! وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرم نظر شهوة يرددها (2).
وخرج عطاء بن يسار وسليمان بن يسار حاجين من المدينة، ومعهم أصحاب لهم حتى إذا كانوا بالأبواء نزلوا منزلاً.
فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجاتهم، وبقي عطاء قائمًا في المنزل يصلي، فدخلت عليه امرأة من الأعراب جميلة، فلما رآها عطاء ظن أن لها حاجة، فأوجز في صلاته، ثم قال: ألك حاجة؟
قالت: نعم.
قال: ما هي؟
قالت: قم فأصب مني.
فقال: إليك عني لا تحرقيني ونفسك بالنار.
ونظر إليها فوجدها امرأة جميلة، فجعلت تراوده عن نفسه، وتأبى إلا ما تريد.
وظل عطاء يبكي ويقول: ويحك! إليك عني، واشتد بكاؤه، فلما نظرت المرأة إليه وما دخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه، فجعل يبكي والمرأة بين يديه تبكي.
فبينما هو كذلك جاء سليمان من حاجته، فلما نظر إلى عطاء يبكي، والمرأة بين يديه تبكي في ناحية البيت، بكى لبكائهما لا يدري ما أبكاهما، وجعل أصحابهما يأتون رجلاً
__________
(1) من روائع حضارتنا: 51 - 52.
(2) تفسير القرطبي: (7/ 292).
رجلاً كلما أتاهما رجل فرآهما يبكيان جلس يبكي لبكائهما، لا يسألهما عن أمرهما حتى كثر البكاء وعلا الصوت. فلما رأت الأعرابية ذلك قامت فخرجت وهي نادمة تائبة (1).
هل تحرص على غض البصر؟
الصبر عبادة
روى ابن شداد أن صلاح الدين كان له ابن اسمه (إسماعيل)، فجاءه خبر وفاته فتجلد وصبر واحتسب، ولم يحدث أحدًا، ولم يظهر عليه شيء من الألم سوى دمعة ذرفت من عينيه، يقول ابن شداد: فانظر إلى هذا الصبر والاحتساب، وإلى أي غاية بلغ هذا الرجل، اللهم إنك ألهمته الصبر والاحتساب، ووفقته فلا تحرمه ثوابه يا أرحم الراحمين (2).

الحلم عبادة
يروي ابن شداد أنه حدث أثناء الصراع بين صلاح الدين وريتشارد حول يافا أن عصى بعض عساكر صلاح الدين الأوامر، وانصرف كالمغضب حتى خُيل لمن رآه أنه قاتل جماعة من العساكر في ذلك، لما أتوه من أعمال وأقوال، ولم يزل صلاح الدين سائرًا حتى وصل إلى قيادته وحوله الأمراء يرعدون خيفة، وكل منهم يعتقد أنه مسخوط عليه، حتى ابن شداد مع عظم مكانته عند صلاح الدين، يقول ابن شداد: لم تحدثني نفسي بالدخول عليه خيفة منه حتى استدعاني، فلما دخل ابن شداد على صلاح الدين طلب منه أن يجمع الأمراء ليشاركوه في أكل كمية من فاكهة كانت قد وصلته من دمشق، فحضر الأمراء وهم خائفون، فوجدوا من بشره وانبساطه ما أحدث لهم الطمأنينة والأمن والسرور، وانصرفوا على عزم الرحيل للقتال كأن لم يحدث شيء أصلاً (3).

الصدق عبادة
روى ابن عيينة عن رجل قال: كلم عمر بن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء، فقال له: كذبت، فقال عمر: ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه.
__________
(1) غض البصر: 75 - 76.
(2) صلاح الدين الأيوبي- عبد الله ناصح علوان: 115.
(3) صلاح الدين علوان: 116 - 117.
الورع عبادة
عن وهب بن الورد قال: بلغنا أن عمر بن عبد العزيز اتخذ دارًا لطعام المساكين والفقراء وابن السبيل. وتقدم إلى أهله وقال: إياكم أن تصيبوا من هذه الدار شيئًا من طعامها، فإنما هي للفقراء والمساكين وابن السبيل.
فجاء يومًا فإذا مولاة له معها صحفة فيها غرفة من لبن فقال لها: ما هذا؟
قالت: زوجتك فلانة حامل كما قد علمت، واشتهت غرفة من لبن، والمرأة إذا كانت حاملاً فاشتهت شيئًا فلم تؤت به تخوفت على ما في بطنها أن يسقط، فأخذت هذه الغرفة من هذه الدار.
فأخذ عمر بيدها فتوجه بها إلى زوجته وهو عالي الصوت وهو يقول: إن لم يمسك ما في بطنها إلا طعام المساكين والفقراء فلا أمسكه الله. فدخل على زوجته فقالت له: مالك؟
- قال: تزعم هذه أنه لا يمسك ما في بطنك إلا طعام المساكين والفقراء، فإن لم يمسكه إلا ذلك فلا أمسكه الله.
قالت زوجته: رديه ويحك، والله لا أذوقه. قال: فردته.
هل تحرص على المال الحلال في رزقك؟
التقوى عبادة
كان عمر بن عبد العزيز يقول: ليس تقوى الله بصيام النهار، وقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك. ولكن تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير.
وقال القرشي: وحدثني محمد بن يزيد الآدمي قال: قال عمر بن عبد العزيز: معادن التقوى قلوب المؤمنين، وخير معادنها أتقاها لله عز وجل، وأتقاها لله أحسنها عقلاً.

تقديم النصيحة عبادة
جاء أن أبا مسلم الخولاني دخل على معاوية، فرآه يتصدر مجلسًا من مجالسه العامرة.
وقد حف به رجال دولته، وقادة جيشه، ووجوه قومه، ورأى الناس يبالغون في إعظامه
النهي عن المنكر عبادة
عن الأصمعي قال: دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان وهو جالس على سريره، وحواليه الأشراف من كل بطن، وذلك بمكة في وقت حجه في خلافته، فلما بصر به قام إليه، وأجلسه معه على السرير، وقعد بين يديه، وقال له: يا أبا محمد ما حاجتك؟
فقال: يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله، فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتق الله في أهل الثغور فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسئول عنهم، واتق الله فيمن على بابك، فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم.
فقال له: أجل أفعل، ثم نهض وقام. فقبض عليه عبد الملك فقال: يا أبا محمد، إنما سألتنا حاجة لغيرك. وقد قضيناها، فما حاجتك أنت؟
فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة، ثم خرج فقال عبد الملك: هذا وأبيك الشرف (1).
حوار حول اللحية
كان الإمام الشهيد البنا راكبًا الترام ذات مرة عائدًا إلى بيته، فحرص أحد الشباب الذين يهزأون بالسنيين والملتحين من الدعاة والوعاظ، أن يكون جلوسه إلى جانب الإمام الشهيد.
وبدأ الشاب في استئذانه بسؤال محرج، ورجا الأستاذ أن يجيبه معتذرًا عن هذا السؤال!
فأجاب الإمام الشهيد مرحبًا كل الترحيب بما يسأل الشاب، ووعده ألا يكون لسؤاله من أثر في نفسه غير الرضا والارتياح.
فبدأ الشاب سؤاله بقوده: لماذا أطلقت لحيتك يا أستاذ؟
فأجاب الاستاذ: اسمح لي أن أقول لك بأن سؤالك ليس في موضعه، وما كان لك أن تسأل هذا السؤال، وإنما الذي من حقه هذا السؤال هو أنا: لماذا حلقت لحيتك أنت يا أخي؟
وهكذا تحول الأستاذ من موقع المدافع إلى موقف المهاجم!
__________
(1) إحياء علوم الدين (3/ 345).
فعجب الشاب من براعة الأستاذ في إجابته التي لم يكن يتوقعها من المشايخ والوعاظ، وأجاب الشاب: إني أحلق لحيتي لأني أعتبرها قذارة يجب التخلص منها.
فقال الأستاذ: ولماذا لا تحلق بقية شعرك؟ شعر الرأس والحاجبين والشارب ما دام الشعر في نظرك قذارة؟
فأجاب الشاب: لا يا أستاذ ليس كل الشعر في مستوى واحد، فأنا أحلق شعر عانتي وإبطي بحكم الشرع الشريف باعتباره قذارة.
فقال الإمام: الحمد لله .. فقد اعتبرت لحيتي من نوع شعر الرأس والشارب، وأما لحيتك فقد اعتبرتها من نوع عانتك!!
وهكذا كان هذا الجواب البارع صفعة أخرى لهذا الشاب الساخر، ما كان ينتظرها، وشعر بالخزي والخجل، وقال: حقًا إنك أظرف سُني رأيته في حياتي .. لقد أردت أن أسخر منك فسخرت أنت مني.
فأجابه الأستاذ قائلاً: إن الإسلام قضيته أكبر من اللحية التي تتكلم عنها، وأنتم معشر الشباب لا تفهمون من الإسلام إلا اللحية والصلاة والصيام، ولكن الإسلام رسالة عامة، تتناول الدين والدنيا، ونظام الحياة، ومنهاجها الكامل في كل شئون الحياة .. وتحدث له الأستاذ عن عظمة الإسلام وآفاقه العليا بصورة موجزة .. فأعجب الشاب من هذا التصوير الجديد (1).

رد الجميل عبادة
كان من نعم الله عز وجل على عليَّ بن أبي طالب، وما وضع الله له، وأراد به من الخير أن قريشًا أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله للعباس عمه -وكان من أيسر بني هاشم- يا عباس، إن أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد ترى ما أصاب الناس في هذه الأزمة، فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله، آخذ من بنيه واحدًا وتأخذ واحدًا، فنكفيهما عنه. فقال العباس: نعم .. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس
__________
(1) رحلتي مع الجماعة الصامدة: 160 - 161.
ما هم فيه، فقال لهما: إن تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله عليًّا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرًا - رضي الله عنه - فضمه إليه، فلم يزل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - مع رسول الله حتى بعثه الله نبيًا، فاتبعه عليّ، فأقر به وصدقه، ولم يزل جعفر عند العباس حتى أسلم واستغنى عنه.
ونلاحظ أن الرسول أراد أن يرد الجميل والمعروف لعمه أبي طالب الذي كفله بعد وفاة جده عبد المطلب (1).
...
__________
(1) علي بن أبي طالب للصلابي (1/ 38).


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الانتفاع بالوقت

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 17:24

الانتفاع بالوقت
إن الإحساس بالوقت يلدغ الذين توهموا الخلود في الأرض وربطوا مصيرهم بترابها، ولكنه إحساس مخدوع مضلل لمن مرت به الأيام والشهور والدهور وغدا وراح، وتعب واستراح، ومع ذلك فهو في غفلة عن يومه وغده، ظل يعبث ويسترسل في عبثه حتى إذا استرخت أجفانه على عينيه، ودخل ظلام الموت تيقظ بعنف، وهيهات!! لقد صحا بعد فوات الأوان.
إن من الخداع أن يحسب المرء نفسه واقفا والزمن يسير، إنه خداع النظر كما يخيل لراكب القطار أن الأشياء تجري من حوله وهو جالس، والواقع أن الزمن يسير بالإنسان إلى مصيره المحتوم.

صديق ودود أو عدو لدود
إن عمرك رأس مالك الضخم، ولسوف تسأل عن إنفاقك منه لقول رسول الله: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ " [رواه الترمذي].
ومن الحكم التي تغيب عن بال الناس:" الواجبات أكثر من الأوقات" الزمن لا يقف محايدا فهو إما صديق ودود أو عدو لدود.

جريمة سرقة
من المؤسف أن العوام لا يبالون بإضاعة أوقاتهم سدى ويضمون إلى هذه الجريمة السطو على أوقات الآخرين لإراقتها على التراب، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" [رواه الترمذي].
ومن وسائل الإسلام لاستغلال الوقت الحث على مداومة العمل وإن كان قليلاً، وكراهيته للكثير المنقطع، وذلك أن استدامة العمل القليل مع اطراد الزمن وسيره المتواصل يجعل من التافه الضئيل زنة الجبال من حيث لا يشعر المرء.
إن الإحساس بالوقت يلدغ الذين توهموا الخلود في الأرض وربطوا مصيرهم بترابها، ولكنه إحساس مخدوع مضلل لمن مرت به الأيام والشهور والدهور وغدا وراح، وتعب واستراح، ومع ذلك فهو في غفلة عن يومه وغده، ظل يعبث ويسترسل في عبثه حتى إذا استرخت أجفانه على عينيه، ودخل ظلام الموت تيقظ بعنف، وهيهات!! لقد صحا بعد فوات الأوان.
إن من الخداع أن يحسب المرء نفسه واقفا والزمن يسير، إنه خداع النظر كما يخيل لراكب القطار أن الأشياء تجري من حوله وهو جالس، والواقع أن الزمن يسير بالإنسان إلى مصيره المحتوم.

صديق ودود أو عدو لدود
إن عمرك رأس مالك الضخم، ولسوف تسأل عن إنفاقك منه لقول رسول الله: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟ " [رواه الترمذي].
ومن الحكم التي تغيب عن بال الناس:" الواجبات أكثر من الأوقات" الزمن لا يقف محايدا فهو إما صديق ودود أو عدو لدود.

جريمة سرقة
من المؤسف أن العوام لا يبالون بإضاعة أوقاتهم سدى ويضمون إلى هذه الجريمة السطو على أوقات الآخرين لإراقتها على التراب، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" [رواه الترمذي].
ومن وسائل الإسلام لاستغلال الوقت الحث على مداومة العمل وإن كان قليلاً، وكراهيته للكثير المنقطع، وذلك أن استدامة العمل القليل مع اطراد الزمن وسيره المتواصل يجعل من التافه الضئيل زنة الجبال من حيث لا يشعر المرء.
البركة في البكور
ومن محافظة الإسلام على الوقت حثه على التبكير ورغبته في أن يبدأ المسلم أعمال يومه نشيطا طيب النفس مكتمل العزم، فإن الحرص على الانتفاع من أول اليوم يستتبع الرغبة القوية في ألا يضيع سائره سدى.
ونظام الحياة الإسلامية يجعل ابتداء اليوم من الفجر، ويفترض اليقظة الكاملة قبل طلوع الشمس، ويمنع السهر الذي يؤخر صلاة الصبح عن وقتها المسنون، وفي حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم بارك لأمتي في بكورها" [رواه أبو داود].
وعن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: مر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مضطجعة متصبحة، فحركني برجله، ثم قال: "يا بنيد قومي فاشهدي رزق ربك ولا تكوني من الغافلين، فإن الله يقسم أرزاق الناس ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس" [رواه البيهقي].

نظرة خاطئة
والناس ينظرون إلى الأحداث ويذهلون عن مرسلها، ويذوقون السراء والضراء، ويجهلون من يذيقهم طعومها، فإذا ضاقوا ذرعا بأمرها لعنوا الأيام، وذلك ضرب من الجهل بالله والغفلة عن أقداره، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" [رواه أبو داود].
والسفهاء من الناس تمر بهم الأحوال الحسنة والسيئة، فلا يستفيدون من اختلافها شيئًا وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن المنافق إذا مرض ثم أعفى كان كالبعير، عقله أهله ثم أرسلوه، فلم يدر لم عقلوه ولم يدر لم أرسلوه" [رواه أبو داود].
وطبيعة البشر أن يعرفوا ربهم ساعة الشدة وأن يلجأوا إليه عندما تستحكم الأزمات قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [يونس: 12].

الوقت في القرآن
يقول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان: 62] أي جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، فمن فاته عمل في
أحدهما، حاول أن يتداركه في الآخر، وأقسم الله تعالى في مطالع سور عديدة من القرآن المكي بأجزاء معينة من الوقت مثل: الليل والنهار والفجر والضحى والعصر .. ومن المعروف لدى المفسرين أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه فذلك ليلفت أنظارهم إليه.

خصائص الوقت
1 - سرعة انقضائه:
فهو يمر مر السحاب ويجري جري الريح، سواء أكان زمن مسرة وفرح أم كان زمن اكتئاب وترح، وإن كانت أيام السرور تمر أسرع، وأيام الهموم تسير ببطء، لا في الحقيقة ولكن في شعور صاحبها، ومهما طال عمر الإنسان في هذه الحياة الدنيا فهو قصير، ما دام الموت هو نهاية كل حي، ورحم الله الشاعر الذي قال:
وإذا كان آخر العمر موتا ... فسواء قصيره والطويل
ويحكي عن شيخ المرسلين نوح عليه السلام أنه جاءه ملك الموت ليتوفاه بعد أكثر من ألف سنة عاشها قبل الطوفان وبعده، فسأله: يا أطول الأنبياء عمرا، كيف وجدت الدنيا؟ فقال: كدار لها بابان؛ دخلت من أحدهما، وخرجت من الآخر.
يا من باع الدرر واشترى الخزف!
يقول ابن الجوزي: كأنك بالموت وقد خطف ثم عاد إلى الباقي وعطف، فتنبه لنفسك يا ابن النطف، فقد حاذى الرامي الهدف، إلى كم تسير في أسف؟ ليت هذا العزم وقف، تؤخر الصلاة ثم تسيئها كالبرق إذا خطف، أتجمع سوء كيلة مع حشف؟ الجسد أتى والقلب انصرف، يا من باع الدرر واشترى الخزف، ابسط بساط الحزن على رماد الأسف، عليك حافظ وضابط، ليس بناس ولا غالط، يكتب الألفاظ السواقط، وأنت في ليل الظلام خابط.
2 - أن ما مضى منه لا يعود ولا يعوض:
قال الحسن البصري: "ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة".
ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب
الزمان أنصح المؤدبين، وأفصح المؤذنين، فانتبهوا بإيقاظه، واعتبروا بألفاظه.
3 - أنفس ما يملك الإنسان:
يذكر القرآن موقفين للإنسان يندم فيهما على ضياع وقته، حيث لا ينفع الندم.
الموقف الأول: ساعة الاحتضار {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [المنافقون: 10] وكان الرد على هذه الأمنية الفارغة قاطعا: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 11].
الموقف الثاني: في الآخرة حيث توفى كل نفس ما عملت {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا} [فاطر: 36] وانقطعت حجتهم بهذا السؤال التقريعي: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ} [فاطر: 37].
إذا كان عمر الإنسان ستين عاما فانظر كيف نقضي بعضها:
النشاط الوقت الكلي في 60 عام
ربطة الأحذية ... 8 أيام
انتظار إشارات المرور ... شهر
الوقت الذي تقضيه عند الحلاق ... شهر
ركوب المصاعد في المدن الكبرى ... 3 شهور
تنظيف الأسنان بالفرشاة ... 3 شهور
انتظار الحافلات في المدن ... 5 شهور
الوقت الذي تقضيه في الحمام ... 6 شهور
قراءة الكتب ... سنتان
وقت الأكل ... 4 سنوات
اكتساب الرزق ... 9 سنوات
النوم ... 20 سنة
سواء اتفقنا على هذا الجدول أم لم نتفق إلا أننا ندرك جيدا أن الوقت يمر سريعا (1).
__________
(1) انظر كتاب: كيف تدير وقتك؟
من علامات المقت إضاعة الوقت
يقول أحدهم: من كان يومه كأمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون، ويقول ابن مسعود: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي! وقال آخر: كل يوم يمر بي لا أزداد فيه علمًا يقربني من الله عز وجل فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم، وقال الشاعر:
إذا مر بي يوم ولم أقتبس هدى ... ولم أستفد علما فما ذاك من عمري

جريمة انتحار
ما يدري هؤلاء المساكين أن من قتل وقته فقد قتل في الحقيقة نفسه، فهي جريمة انتحار ترتكب على مرأى ومسمع من الناس، ولا يعاقبهم عليها أحد، وكيف يعاقب عليها من لا يشعر بها ولا يدري مدى خطرها؟

انتبه!
الفراغ لا يبقى فراغا أبدا، فلابد أن يملأ بخير أو شر، ومن لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل، فطوبى لمن ملأه بالخير والصلاح! وويل لمن ملأه بالشر والفساد! ويقول بعض الصالحين: فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى وانجر في قيادة الشهوات، شوش الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما كان يجد من صفاء قلبه.

البدار البدار:
قال الشاعر:
ولا أؤخر شغل اليوم عن كسل ... إلى غد، إن يوم العاجزين غد!!
أمر القرآن الكريم باستباق الخيرات والمسارعة إليها {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 148] ويقول معقبا على أهل الكتاب وما أنزل عليهم: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [المائدة: 48] وقال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21] وأثنى الله على بعض أنبيائه بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}
[الأنبياء: 90] ومدح الصالحين من أهل الكتاب بأنهم {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114] وذم الله المنافقين بقوله: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى} [النساء: 142] وعن أبي هريرة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"بادروا بالأعمال سبعا: هى تنظرون إلا غنى مطغيا، أو فقرا منسيًا، أو مرضا مفسدا، أو هرما (الضعف بسبب الكبر) مفندا أو موتا مجهزا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر؟! " (مفندا: موقعا في الفتنة وهو كلام المخرف) [رواه الترمذي].

الاعتبار بمرور الأيام
في كل يوم يمر بل في كل ساعة تمضي بل في كل لحظة تنقضي تقع في الكون والحياة أحداث شتى، منها ما يرى ومنها ما لا يرى، من أرض تحيا، وحبة تنبت، ونبات يزهر، وزهر يثمر، وثمر يقطف، وزرع يصبح هشيما تذروه الرياح، أم من جنين يتكون، وطفل يولد، ووليد يشب، وشاب يكتهل، وكهل يشيخ، وشيخ يموت!

لكل وقت عمله
جاء في وصية أبي بكر - رضي الله عنه - لعمر حين استخلفه: اعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار.
وليس المهم -إذن- أن يعمل الإنسان أي شيء في أي زمان، بل المهم أن يعمل العمل المناسب في الوقت المناسب، ولذلك وقَّت الله الكثير من العبادات والفرائض بمواقيت محددة، لا يجوز التقدم عليها، ولا التأخر عنها ليعلمنا بذلك أن الشيء لا يقبل قبل أوانه، ولا بعد أوانه، قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] وفي الصوم: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وفي الزكاة: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وفي الحج: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].

فضل الله بعض الأيام على بعض
فكما فضل الله بعض الأشخاص على بعض، وبعض الأنواع على بعض، وبعض الأمكنة على بعض، فضل كذلك بعض الأزمنة على بعض: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] وقال بعض السلف: عجبت لمن يصلي الصبح بعد طلوع الشمس كيف يرزق، وعن أبي حارثة الخشني قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وإن من ورائكم أياما، الصبر
فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله "، قيل: يا رسول
الله، أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: "بل أجر خمسين منكم" [رواه الترمذي].

احذر هؤلاء
عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، قال: قلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن"، قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر"، قلت فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال: "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" [رواه البخاري].

كم عمرك؟
يقول القرضاوي: العمر الحقيقي للإنسان ليس هو السنوات التي يقضيها من يوم الولادة إلى يوم الوفاة، إنما عمره الحقيقي بقدر ما يكتب له في رصيده عند الله من عمل الصالحات وفعل الخيرات.
فقد تجد إنسانا عاش أكثر من مائة سنة، ولكن رصيده من تقوى الله ونفع عباده صفر أو ما دون الصفر، أي أن رصيده مدين إذا تحدثنا بلغة المصارف.
وقد يموت إنسان آخر شابا، ولكن رصيده في سنينه القلائل بعد سن التكليف حافل عامر بجلائل الأعمال، وإذن يستطيع الإنسان أن يطيل عمره بمقدار ما يوفق إليه من عبادة الله تعالى، والإحسان إلى خلقه، وكلما توافر لعمله الإخلاص والإتقان كان فضله وأجره كبيرًا، وعلى قدر ما يكون لعمله من الفائدة والتأثير في حياة الآخرين تكون قيمته ومنزلته، كأن يدلهم على هدى أو ينقذهم من ردى، أو يفرج عنهم كربة أو يرفع عنهم ظلما، أو يدفع عنهم عدوا أو غير ذلك من الأعمال التي يتعدى نفعها إلى أفراد أو جماعات من الناس أو إلى أمة بأسرها ومن هنا كان عمل مثل الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله في قمة الأعمال مكانة عند الله تعالى (1).
__________
(1) الوقت في حياة المسلم.
ماذا فعلت لما بعد الموت؟
يستطيع الإنسان الذي رزق التوفيق في إنفاق وقته أن يطيل عمره، ويمد حياته إلى ما شاء الله بعد موته، فيحيا وهو ميت، ويؤدي رسالة الأحياء وهو مقبور، وإنما يكون ذلك إذا ترك وراءه ما ينتفع الناس به بعده من علم نافع أو عمل صالح أو أثر طيب أو سنة حسنة اقتدى بها أو مؤسسة خيرية ظلت تؤتي ثمارها من بعده أو ذرية صالحة أحسن تربيتها فكانت امتدادًا لحياته وحسن سيرته، عن أبي هريرة عن النبي قال: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [رواه مسلم].
دقات قلب المرء قائلة له: ... إن الحياة دقائق وثوان
فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها ... فالذكر للإنسان عمر ثان

وقفة
فرق كبير بين من يموت والقلوب عليه ولهى، والأعين عليه باكية، والألسنة كلها تثني عليه بالخير وتدعو له بالرحمة، ومن يموت ولا تبكي عليه عين، ولا يحزن لفراقه قلب، ولا يترحم عليه إنسان، شأن الذين عاشوا في الحياة سلبيين، أو ظالمين متجبرين، كذلك الذي قال فيه الشاعر:
فذاك الذي إن عاش لم ينتفع به ... وإن مات لم تحزن عليه أقاربه
وإذا كان من سن سنة حسنة له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، فإن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، وإذا كان من ترك علما نافعا لم ينقطع عمله الصالح، فإن من ترك أثرا سيئا وفكرا مضللاً لم ينقطع أيضا عمله الطالح.
طوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه، وويل لمن يموت وذنوبه باقية من بعده.

هكذا استغلوا أوقاتهم
نقل عن ابن الجوزي أن براية أقلامه التي كتب بها الحديث جمعت فحصل منها شيء كثير وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففعل ذلك فكفت وفضل منها.
وهذا ابن تيمية، كان لا يفوت ساعة من وقته دون تعليم أو تأليف أو عبادة، حتى بلغت مؤلفاته المئات، بل لم يمكن حصرها.
وقال ابن شاكر: إن تصانيفه تبلغ ثلاثمائة مجلد، وقال الذهبي: وما يبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد.
قال ابن القيم: وقد شاهدت من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية في كلامه، وإقدامه، وكتابته، أمرا عجبا فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة أو أكثر، قال ابن العطار تلميذ النووي: ذكر لي شيخي -رحمه الله تعالى- أنه كان لا يضيع له وقتا، لا في ليل ولا في نهار، إلا في الاشتغال بالعلم حتى في الطريق يكرر أو يطالع، وأنه دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق، وكان لا يأكل في اليوم والليلة إلا أكلة بعد عشاء الآخرة، ويشرب شربة واحدة عند السحر، ويمتنع عن أكل الفواكه والخيار، ويقول: أخاف أن يرطب جسمي ويجلب لي النوم.
أما الإمام الفقيه مكتشف الدورة الدموية ابن النفيس فقال عنه الإمام برهان الدين إبراهيم الرشيدي: كان العلاء بن النفيس إذا أراد التصنيف توضع له الأقلام مبرية، ويدير وجهه إلى الحائط، ويأخذ في التصنيف إملاء من خاطره، ويكتب مثل السيل إذا انحدر، فإذا كلَّ القلم وحفي رمى به وتناول غيره، لئلا يضيع عليه الزمان في بري الأقلام.
أخي الحبيب: هكذا كانت الهمم العالية في استغلال أوقاتهم فأين همتك؟! (1)

تربية الأبناء
قال عبد الملك بن مروان -رحمه الله-: كنا مع أبينا في موكبه فقال: سبحوا حتى تأتوا تلك الشجرة، فنسبح حتى نأتيها، فإذا رفعت لنا شجرة أخرى، قال: كبروا حتى تأتوا تلك الشجرة، فكان يصنع ذلك بنا.
وروى في مقدمة ابن خلدون أن هارون الرشيد -رحمه الله- لما دفع ولده الأمين إلى المؤدب قال له: "أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره
__________
(1) يا شباب، الوقت هو الحياة 28: 30.
بمواقع الكلام، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته".
ثم قال له موجها: "ولا تمرن بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه".

أنت والمصحف
يقول صاحب القصة:
طفلي الصغير صحته ليست على ما يرام، عندما عدت مساء هذا اليوم من عملي قررت الذهاب به إلى المستشفى، رغم التعب والإرهاق، إلا أن التعب لأجله راحة.
حملته وذهبت، لقد كان المنتظرون كثيرًا .. ربما نتأخر أكثر من ساعة .. أخذت رقما للدخول على الطبيب وتوجهت للجلوس في غرفة الانتظار.
وجوه كثيرة مختلفة .. فيهم الصغير وفيهم الكبير .. الصمت يخيم على الجميع، يوجد عدد من الكتيبات الصغيرة استأثر بها بعض الإخوة.
أجلت طرفي في الحاضرين .. البعض مغمض العينين لا تعرف فيم يفكر، وآخر يتابع نظرات الجميع، وآخرون تحس على وجوههم القلق والملل من الانتظار.
يقطع السكون الطويل صوت المنادي برقم كذا، الفرحة على وجه المنادى عليه يسير بخطوات سريعة، ثم يرجع الصمت للجميع.
لفت نظري شاب في مقتبل العمر لا يعنيه أي شيء حوله، لقد كان معه مصحف جيب صغير يقرأ فيه، لا يرفع طرفه .. نظرت إليه ولم أفكر في حاله كثيرًا لكني عندما طال انتظاري لساعة كاملة تحول مجرد نظري إليه إلى تفكير عميق في أسلوب حياته ومحافظته على الوقت.
ساعة كاملة من عمري ماذا استفدت منها وأنا فارغ بلا عمل ولا شغل، بل انتظار ممل.
أذن المؤذن لصلاة المغرب .. ذهبنا للصلاة.
في مصلى المستشفى حاولت أن أكون بجوار صاحب المصحف .. بعد أن أتممنا الصلاة، سرت معه وأخبرته مباشرة بإعجابي به من محافظته على وقته.
وكان حديثه يتركز على كثرة الأوقات التي لا نستفيد منها إطلاقا وهي أيام وليال تنقضي من أعمارنا دون أن نحس أو نندم.
قال: إنه أخذ مصحف الجيب هذا منذ سنة واحدة فقط عندما حثه صديق له على المحافظة على الوقت.
وأخبرني أنه يقرأ في الأوقات التي لا يستفاد منها كثيرا أضعاف ما يقرأ في المسجد أو في المنزل، بل إن قراءته في المصحف -زيادة على الأجر والمثوبة إن شاء الله- تقطع عليه الملل والتوتر، وأضاف محدثي قائلا: إنه الآن في مكان الانتظار منذ ما يزيد على الساعة والنصف.
وسألني: متى ستجد ساعة ونصفًا لتقرأ فيها القرآن؟
تألمت كم من الأوقات تذهب سدى! كم لحظة في حياتك تمر ولا تحسب لها حسابًا!
بل كم من شهر يمر عليك ولا تقرأ القرآن!
أجلت نظري .. وجدت أني محاسب والزمن ليس بيدي .. قطع تفكيري صوت المنادي .. ذهبت إلى البيت.
أريد أن أحقق شيئا الآن، بعد أن خرجت من المستشفى، أسرعت إلى المكتبة، اشتريت مصحفا صغيرًا، قررت أن أحافظ على وقتي .. فكرت وأنا أضع المصحف في جيبي.
كم من شخص سيفعل ذلك، وكم من الأجر العظيم للدال على ذلك! (1)

إضاعة الوقت
يقول ابن الجوزي: رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا، إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزاة وسمر، وإن طال النهار فبالنوم، وهم في أطراف النهار على دجلة أو في الأسواق فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة وهي تجري بهم، وما عندهم خبر، ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة
__________
(1) مائة قصة وقصة 282 - 284.
الزاد والتأهب للرحيل، إلا أنهم يتفاوتون، وسبب تفاوتهم قلة العلم وكثرته بما ينفق في بلد الإقامة (1).

ليس لدي فراغ
سئل الشيخ أحمد ياسين يوما: كيف تقضي وقتك؟
فأجاب: طوال عمري في العمل حتى حينما أكون في بيتي فأنا في العمل، ليس لدي ساعة فراغ واحدة، يأتيني المسلم يشكو من شيء فأسعى لحل شكواه، يأتيني الفقير يشكو، ويأتيني أبو السجين أو أهله يشكون، تأتيني المطلقة تشكو شكواها، فبيتي مفتوح لكل الناس، وعلى كل مستوياتهم، للأرملة والفقير والتعبان والمريض والذي يريد العلاج، والذي لديه مشكلة، والذي يريد أن يزور منطقة، والذي يبحث عن عمل .. العمل يأخذ كل وقتي.
...
__________
(1) صيد الخاطر 190.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

النظام

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 17:33

النظام
يقول تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40].
هل فكرت يوما في هذه السيارات المنطلقة، أعني هذه الكواكب، التي تخترق أعماق الجو والتي تلتزم مدارا واحدا ولا تنحرف عنه؟ أليس هذا من تنظيم الله لهذا الكون؟
والله قد نظم لنا كيفية الموازنة بين الدنيا والآخرة فقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [القصص: 77].

خلية النحل
انظر إلى خلية النحل الذي هو مخلوق صغير ضئيل من مخلوقات الله الكثيرة الجميلة، ستجد نظاما جميلا، فيصنع هذا المخلوق الصغير أشكالا جميلة من الشمع، من علّمه هذا؟ إنه الله، ولو علمت كيف يقوم النحل داخل الخلية بالعمل لوجدت أن كل نحلة تقوم بواجبها من أجل نظافة الخلية وإنتاج العسل الشهي، والدفاع عنها، ستعرف أن الله أبدع ونظم كل شيء فيالدنيا حتى خلية النحل الصغيرة، يقول تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)} [النحل: 68 - 69].

النمل
ربما لم تتمكن من رؤية النحل ولكنك بالتأكيد رأيت النمل، أرأيت كيف يتحرك النمل في نظام وخطوط شبه مستقيمة؟ كل نملة تعرف دورها وتعمل بنظام من أجل جمع الغذاء وتخزينه لفصل الشتاء، فيخرج النمل في فصل الصيف يبحث عن غذائه ثم يأتي النمل في نظام وترتيب عجيب فيحمل الغذاء ويتعاون معا عندما يكون الغذاء كبير الحجم يحتاج لمجهود مجموعة كبيرة من النمل، وتستمر جماعات النمل المنظمة حتى ينتهي فصل الصيف ويدخل الشتاء فينعم النمل بحصيلة ما جمعه طوال الصيف، ألا يدل ذلك
على أن الله يريد أن يعلمنا أنه بالنظام والعمل الجاد تستطيع مخلوقات الله أن تعيش.
من علم النملة الفرق بين الصيف والشتاء؟ ومن علمها أن تحسب حاجاتها في الصيف وتدخرها في الشتاء؟ ومن علمها أن تستكشف أماكن الطعام؟ ومن علمها أن ترتب حركتها وهي تنقل الطعام؟ إننا نتعلم من هذا المخلوق الصغير النظام والادخار (1).

الله يحب النظام
والنظام يبدو في الصفوف، ومن الصفوف التي يحبها الله صفوف القتال المتراصة: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} [الصف: 4] وصفوف الملائكة: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165)} [الصافات: 165] أي المصففين للطاعة.

هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم -
- انظر إلى التخطيط الدقيق من النبي - صلى الله عليه وسلم - للهجرة:
* جاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر حتى لا يراه أحد.
* إخفاء شخصيته أثناء مجيئه فقد جاء الرسول ملثما.
* أمر أبا بكر أن يُخرج مَن عنده.
* لم يبين إلا الأمر بالهجرة دون تحديد الاتجاه.
* كان الخروج ليلا.
* كان الخروج من باب خلفي في بيت أبي بكر.
* اتخذا طرقا غير مألوفة للقوم.
* استعان الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالمشرك عبد الله بن أريقط لأنه كان واثقا منه وعلى خلق، وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها.
* انتقاء شخصيات عاقلة لتقوم بالمعاونة وكلها ترتبط برباط القرابة.
* وضع كل فرد من الأفراد في عمله المناسب: عبد الله بن أبي بكر صاحب
__________
(1) تربية الأبناء على التخطيط والنظام 24، 25.
المخابرات الصادقة، وأسماء بنت أبي بكر حاملة التموين من مكة إلى الغار، وعامر ابن فهيرة الراعي البسيط يبدد آثار أقدام المسيرة التاريخية بأغنامه كي لا يتفرسها القوم.
إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعد كل الأسباب، ولكنه في الوقت نفسه يدعو ربه فانصرف القوم عن الغار، ورسخت فرس سراقة في الأرض.
اعلم أخي الحبيب أننا إذا أخذنا بكل الأسباب لنصرة دين الله فإن الله سينصرنا لا محالة.
فكرة نوم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في فراشه فكرة جيدة ضللت القوم، فلقد ظلت أبصارهم معلقة بفراش الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وما كانوا يشكون أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ما زال نائما، والنائم هو علي بن أبي طالب.
هل تقوم بتنظيم شئون حياتك؟

في غزوة بدر
دفع الرسول - صلى الله عليه وسلم - لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض وقسم جيشه إلى كتيبتين:
1 - كتيبة المهاجرين، وأعطي علمها علي بن أبي طالب.
2 - كتيبة الأنصار، وأعطي علمها سعد بن معاذ.
وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو، وكانا هما الفارسين الوحيدين في الجيش، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة وظلت القيادة العامة في يده - صلى الله عليه وسلم - كقائد أعلى للجيش (1).
كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعدل الصفوف في غزوة بدر، وبينما هو يعدلها وقع أمر عجيب، فقد كان في يده قدح يعدل به، وكان سواد بن غزية مستنصلا من الصف، فطعن في بطنه بالقدح وقال: "استو يا سواد"، فقال سواد: يا رسول الله أوجعتني فأقدني، فكشف عن بطنه، وقال:" استقد"، فاعتنقه سواد، وقبل بطنه، فقال: "ما حملك على هذا يا سواد؟ " قال:
__________
(1) الرحيق المختوم 195.يا رسول الله قد حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله بخير (1).
وانظر إلى حرص الرسول على النظام وتسوية الصفوف.

في غزوة أحد
قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - جيشه إلى ثلاث كتائب:
1 - كتيبة المهاجرين، وأعطي لواءها مصعب بن عمير العبدري.
2 - كتيبة الأوس من الأنصار، وأعطي لواءها أسيد بن حضير
3 - كتيبة الخزرج من الأنصار، وأعطي لواءها الحباب بن المنذر.

في اليرموك
خرج خالد بن الوليد - رضي الله عنه - بأسلوب جديد لم يستخدمه العرب من قبل ذلك هو الكراديس فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى أربعين ورتب جيشه كالتالي:
فرقا: وفيها من عشرة إلى عشرين كردوسا ولها قائد وأمير.
كراديس: ألف مقاتل وله قائد وأمير.
وقسم جيشه إلى أربعين كردوسا كما يلي:
فرقة القلب مؤلفة من 18 كردوسا بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ومعه عكرمة بن أبي جهل والقعقاع بن عمرو.
فرقة الميمنة مؤلفة من 10 كراديس بقيادة عمرو بن العاص ومعه شرحبيل بن حسنة.
فرقة الميسرة مؤلفة من 10 كراديس بقيادة يزيد بن أبي سفيان.
فرقة الطليعة (المقدمة) من الخيالة.
فرقة المؤخرة مؤلفة من 5000 مقاتل (5 كراديس) بقيادة سعيد بن زيد ومهمتها قيادة (الأمور الإدارية) وكان القاضي (أبو الدرداء)، وعبد الله بن مسعود مهمته تأمين
__________
(1) الرحيق المختوم 204.
أمور الإعاشة وجمع الغنائم، والمقداد بن الأسود يدور على الناس ويقرأ سورة الأنفال وآيات الجهاد لرفع المعنويات، وخطيب الجيش أبو سفيان بن حرب وهو يطوف على الصفوف يحث الجند على القتال.
إنه النظام المحكم قبل المعركة (1).

عدم النظام من عوامل الهزيمة
خالف بعض المسلمين النظام وأوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكان ذلك في غزوة أحد عندما كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعد أرض المعركة لقتال الكفار، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - مجموعة من الرماة بأن يظلوا فوق جبل أحد ويرموا الكفار بالنبال وألا يتركوا أماكنهم مهما كانت الأسباب حتى يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنزول، ماذا حدث؟ لم يلتزم بعض الرماة بالنظام وعصوا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فنزلوا من فوق الجبل وتركوا أماكنهم لجمع ما تركه الكفار وهم يفرون من المعركة، واستغل خالد بن الوليد الفرصة -وكان يومها لا يزال مشركا- وهاجم المسلمين من الخلف، وخسر المسلمون وأصيب الرسول بسبب أن بعض المسلمين خالفوا النظام الذي وضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في المعركة.

نظام أبي بكر
انظر إلى سيرة أول الخلفاء الراشدين الصديق أبي بكر - رضي الله عنه -؛ عندما تولى الخلافة وجد أجزاء كبيرة من الجزيرة العربية قد ارتدت أو قررت منع الزكاة بسبب أن الإيمان لم يستقر في قلوبهم، وكان أبو بكر مثالا في النظام قال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وأرسل أبو بكر الجيوش لقتال المرتدين ومانعي الزكاة للمحافظة على نظام وأحكام الإسلام.
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عبقرية فذة في الإدارة والنظام، فقد استطاع أن يبني دولة إسلامية منظمة، ودوَّن الدواوين.
ووضع التقويم الهجري ليكون للمسلمين تاريخهم الذي يحسبون به السنين بدءا من الهجرة.
لا تخف من الفشل، كثير من الناس يتجنب التخطيط ووضع الأهداف مخافة الفشل، ولو حاولوا لنجحوا، بل إن من يحاول تزداد خبرته ولو لم ينجح، فالمعرفة والخبرة التي
__________
(1) أبو بكر الصديق للصلابي 439، 440.
ستكتسبها في سعيك لتحقيق هدف ما يمكن أن تساعد على تحقيق هدف ربما أكبر من السابق.

الأسقف الأمريكي الذي أسلم بسبب النظام
كان مسئولا عن إعداد برامج التوجيه الديني في ولاية نيوجرسي ..
يقول: حين حضرت إلى مصر في شهر رمضان شاهدت المجتمع المصري منتظما في أسلوب حياته القائم على أساس من الدين فالناس يذهبون إلى المسجد عند سماع الأذان، ويتطهرون بماء الوضوء ثم يقفون في صفوف منتظمة، وعند الإفطار تخلو الشوارع من المارة، وظننت في بداية الأمر أن هناك قانونا يقضي بحظر التجوال بعد الغروب، ولكنني عرفت السبب بعد ذلك.
فالجتمع إذن منظم على أساس الدين، يكفي أنه قد شد انتباهي الأمن والأمان السائدان في شوارع القاهرة، فالناس يسيرون في أمان في حين أن عندنا في نيويورك مثلا يوجد كل يوم ثمانية قتلى في الشوارع، مع أن الأمريكيين لا يسيرون في الشوارع ليلا خوفا على حياتهم.
إنه برغم اقتناعي الكامل بالإسلام كدين خاتم يجب أن يؤمن به الناس جميعا، فإنني ترددت أربعة أشهر قبل أن أعلن إسلامي، لأنه من الصعب على الإنسان أن يغير دينه.
وفي نبرة سعادة خفية قال: وفي لحظة اعتناقي للإسلام شعرت أنني أدخل عالما نورانيا يسمو بالروح والنفس وذلك حينما تسلمت شهادة إشهاري للإسلام، فقد شعرت بأنني حصلت على أعلى شهادة في الدنيا وأحسست في الوقت ذاته أنني ألقي عن كاهلي عبئا ثقيلا من الهموم والقلق والشكوك والشقاء .. نعم شعرت بسعادة غامرة لم أشعر بها من قبل (1).

انضباط في المواعيد
في عام 1953 م زار الأستاذ الهضيبي طهطا بسوهاج وكان في البرنامج زيارة المعهد الديني، وكان موعد حضور السيارة الساعة الثامنة صباحا، وفي تمام الثامنة كان الأستاذ المرشد عند البوابة، فقال الإخوان: إن السيارة لم تأت يا أستاذ، فأجاب: هيا إلى المعهد، وسار على قدمه مع كبر سنه ليحضر في موعده (2).
__________
(1) صحيفة اللواء الإسلامي 27/ 10/ 1988: الجانب الخفي وراء إسلام هؤلاء (1/ 150).
(2) مائة موقف من حياة المرشدين 113، 114.
هكذا كانوا
أبو بكر بن الأنباري قال: كان أبو عبيد القاسم بن سلام يقسم الليل ثلاثا: فيصلي ثلثه، وينام ثلثه، ويضع الكتاب ثلثه.
وكان الشافعي قد جزأ الليل ثلاثة أجزاء: الثلث الأول يكتب، والثلث الثاني يصلي، والثلث الثالث ينام.
خط رسول الله الخندق وجعل لكل عشرة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا، وقالت الأنصار: لا، بل سلمان منا، فقال رسول الله: "سلمان منا أهل البيت".

آفات قاتلة للنظام
الغفلة:
يدين القرآن أولئك الذين يهتمون بظاهر العلم دون حقيقته فيقول تعالى: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)} [الروم: 6 - 7].
التسويف:
لأنك لا تضمن أن تعيش إلى غد .. دعا أحد الأمراء رجلا إلى الطعام فاعتذر بأنه صائم فقال الأمير: أفطر وصم غدا، قال: وهل تضمن لي أن أعيش إلى الغد؟
تزود من التقوى فإنك لا تدري ... إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من سليم مات من غير علة ... وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى يمسي ويصبح آمنا ... وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

إياك والعقوق!
اعلم أن لكل وقت واجباته. قيل لعمر بن عبد العزيز وقد بدا عليه الإرهاق من العمل: أخر هذا إلى الغد، فقال: لقد أعياني عمل يوم واحد، فكيف إذا اجتمع علي عمل يومين؟! واعلم أخي الحبيب أن العمل هو مهمة الإنسان الحي فالمرء الذي لا يعمل لا يستحق الحياة.
نعيب زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنب ... ولو نطق الزمان بنا هجانا
يقول الحسن البصري: أدركت أقواما كان أحدهم أشح على عمره منه على درهمه، وقال حكيم: من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه أو فرض أداه أو مجد أثله (ورثه) أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عق يومه وظلم نفسه.

فن الراحة
من تنظيم الوقت أن يكون فيه جزء للراحة والترويح، فإن النفس تسأم بطول الجد، والقلوب تمل كما تمل الأبدان، فلابد من قدر من اللهو والترفيه المباح كما قال علي: روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلب إذا أكره عمي.
ينبغي للإنسان المؤمن أن ينظم وقته بين الواجبات والأعماق المختلفة، دينية كانت أو دنيوية، حتى لا يطغى بعضها على بعض، ولا يطغى غير المهم على الأهم، ولا غير الموقوت على الموقوت، فما كان مطلوبا بصفة عاجلة يجب أن يبادر به ويؤخر ما ليس له صفة العجلة، وما كان له وقت محدد يجب أن يعمل في وقته.
وأحوج الناس إلى تقسيم الوقت وتنظيمه هم المشغولون من الناس من أصحاب المسئوليات، لتزاحم الأعباء عليهم، حتى إنهم ليشعرون أن الواجبات أكثر من الأوقات.
ولا يحسن بالإنسان أن يرهق نفسه بالعمل إرهاقا يضعف من قوته، ويحول دون استمرار مسيرته، ويحيف عن حق نفسه، وحق أهله، وحق مجتمعه، ولو كان هذا الإرهاق في عبادة الله تعالى صياما وقياما وتنسكا وزهدا.

حوار مع لحظة
جلست يوما بين يدي الله تعالى نادما على أوقات قد سلفت من عمري واستدعيت لحظة من لحظات حياتي ..
فقلت لها: أريدك أن ترجعي إلي حتى أستغلك بالخير.
قالت: إن الزمان لا يقف محايدا أبدا.
قلت: يا لحظة، أرجوك ارجعي إلي حتى أنتفع بك، وأعوض تقصيري فيك.
قالت: وكيف أرجع وقد غطتني صفحات أعمالك.
قدت: افعلي المستحيل وارجعي، فكم من اللحظات قد ضيعتها بعدك؟
قالت: لو كان الأمر بيدي لرجعت، ولكن لا حياة لمن تنادي، وقد طويت صحائف أعمالك، ورفعت إلى الله تعالى.
قلت: وهل يستحيل رجوعك إلي وأنت تخاطبينني؟
قالت: إن اللحظات في الحياة إما صديقة ودودة تشهد لصاحبها وإما عدوة لدودة تشهد عليه، وأنا من اللحظات التي هي من أعدائك والتي تشهد عليك يوم القيامة، فكيف يجتمع الأعداء؟
قلت: يا حسرتي على ما ضيعت من عمري من لحظات! ولكنني أرجوك ارجعي إلي حتى أعمل فيك صالحا فيما تركت ..
وسكتت اللحظة.
فقلت: يا لحظة، ألا تسمعينني؟ أجيبي أرجوك.
قالت: يا غافلا عن نفسه، يا مضيعا لأوقاته، ألا تعلم أنك الآن من أجل إرجاع لحظة قد ضيعت لحظات من عمرك، فهل عساك أن ترجعها كذلك، ولكن لا أقول إلا: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] فبادر يا ... واعمل واجتهد واتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن (1).

كيف تنظم وقتك
1 - ضع خطتك الأسبوعية في متناول يدك وأنت تعد قائمة أعمالك اليومية.
2 - ضع قائمتك في نفس الوقت من كل يوم .. اقض بضع دقائق بعد نهاية اليوم أو قبل ابتداء العمل في اليوم التالي في وضع القائمة.
3 - لا تضع أكثر من قائمة، قائمة واحدة فقط تكفي واجعل القائمة صغيرة يمكن
__________
(1) الوقت عمار أو دمار، ج 2.
الاحتفاظ بها في جيبك.
4 - الصيغة التي تكتب بها القائمة لا تهم كثيرا، المهم إعداد القائمة.
5 - يجب أن تحتوي القائمة على كل مهامك التي تريد إنجازها.
6 - قسم وقتك على مهامك اليوم حسب الأولية.
7 - خصص لكل مهمة وقتا محددا لإنجازها.
8 - راجع مهامك اليومية مرة أخرى بإلغاء غير الضروري وتفويض ما يمكن تفويضه.
9 - لا تجدول كل دقيقة في وقتك، لابد أن تكون خطتك مرنة.
10 - تعامل جيدا مع الأمور الطارئة.
11 - اترك وقتا في برنامجك اليومي للراحة والاسترخاء.
12 - تذكر في النهاية، لا تفرط كثيرا في التنظيم، أنت تضع القائمة لتحافظ على وقتك لا لتضيعه.

نصائح لتنظيم مكان العمل
1 - حافظ على تنظيم جيد للحجرة لا تضع على مكتبك إلا ما تقوم به الآن أو ما ستحتاجه خلال اليوم.
2 - حافظ على إضاءة جيدة فوق مكتبك.
3 - تأكد من ترتيب الكتب بشكل جيد في مكتبتك.
4 - رتب أدواتك في أماكنها.
5 - رتب خزانتك جيدا.
6 - سلة المهملات مهمة جدا للتخلص من أي شيء ليس له أهمية ولن تحتاجه بعد ذلك.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

نفع الآخرين

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 17:41

نفع الآخرين
حث الإسلام على تقديم النفع للآخرين، وجعله قربة لله عز وجل، وإرضاء له، وبلوغ أعلى المنازل في الجنة، بهذا أخبرنا الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان معتكفًا في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتاه رجل فسلم عليه ثم جلس، فقال له ابن عباس: يا فلان أراك مكتئبًا حزينًا؟ فقال: نعم يابن عم رسول الله، لفلان علي حق ولاء، وحرمة صاحب هذا القبر ما أقدر عليه، فقال ابن عباس: أفلا أكلمه فيك؟ قال: إن أحببت، قال: فانتعل ابن عباس ثم خرج من المسجد، فقال له الرجل: أنسيت ما كنت فيه؟ -يقصد الاعتكاف- قال: لا، ولكني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب -ودمعت عيناه- يقول: "من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيرًا من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يومًا ابتغاء وجه الله تعالى جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق أبعد ما بين الخافقين" [البيهقي].

أحب الناس إلى الله
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلاً جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله: أي الناس أحب إلى الله؟ فقال: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشى مع أخ في حاجة أحب إليَّ من أن أعتكف في هذا السجد -يعني مسجد المدينة- شهرًا، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه يوم القيامة رضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجته حتى يقضيها له، ثبت الله قدميه يوم تزول الأقدام" [الأصبهاني].
وعن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدخل على أهل بيت من السلمين سرورًا لم يرض الله له ثوابًا دون الجنة" [الطبراني].
وقال - صلى الله عليه وسلم -:"من نفَّس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر في الدنيا يسر الله عليه في الدنيا والآ خرة، ومن ستر مسلمًا ستر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" [رواه مسلم].
الرسول قدوة
عندما نزل الوحي على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعاد إلى السيدة خديجة وقال لها: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا، والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة ابن نوفل.
هل تحرص على صلة الرحم، ومساعدة الضعيف، والإحسان إلى الفقراء؟

الصديق يحلب للحي:
كان أبو بكر - رضي الله عنه - يحلب للحي أغنامهم، فلما استخلف -أي أصبح خليفة للمسلمين - قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله، وكانت عادة العرب أن يحلب الرجال الأغنام وغيرها، ويرون عيبًا أن يحلب النساء.

هجرة أبي بكر
قالت عائشة -رضي الله عنها-: خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى برك الغماد فلقيه ابن الدغنة -وهو سيد القارة- فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.
قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخُرج، ولا يخُرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.

لفتات طيبة
في يوم تلقى الأستاذ البنا برقية من أحد الإخوان يخبره فيها بأنه رزق بمولودة بعد عقم دام سنين، وأنه يرغب من الأستاذ في اختيار اسم لها، وقرأ الأستاذ البرقية على أعضاء مكتب الإرشاد فقال بعض الحاضرين: احنا فاضيين للكلام ده.
فما كان من الإمام إلا أن قال: هذا من صميم دعوتنا. ثم تناول ورقة وقلمًا وحرر برقية نصها: الأخ فلان بارك الله لك في مريم وأنبتها نباتًا حسنًا وأمر بإبلاغها على الفور (1).
__________
(1) رحلتي مع الجماعة الصامدة (350، 351).
هل تحرص على الوقوف مع إخوانك وقت الشدة والفرح؟ اجعل منصبك لنفع الناس جميعًا.

فكرة للأستاذ مصطفى أمين حول الأستاذ الهضيبي
عرفت الأستاذ حسن الهضيبي أول ما عرفته في عام 1939 وكنت رئيسًا لتحرير مجلة آخر ساعة، وأرسلت المفوضية الألمانية بالقاهرة خطابًا إلى وزير الخارجية تحتج عليَّ لأنني كتبت مقالا قلت فيه: إن هتلر ديكتاتور، وإن هذه إهانة للفوهرر، وقانون العقوبات المصري يمنع مهاجمة رؤساء الدول الأجنبية، وطلب الوزير الألماني تقديمي إلى محكمة الجنايات، واتصل وزير الخارجية بوزير العدل، واتصل وزير العدل بالنائب العام، وقرر النائب العام تكليف رئيس النيابة الأستاذ الهضيبي بمقابلتي، واستقبلني رئيس النيابة مقابلة ودية لم أتعود أن ألقاها من رؤساء النيابة الذين يحققون معي في قضايا الصحف.
وبدأ حديثه وسألني عن أي نوع من القهوة أود أن أشرب، وطلبت "قهوة مضبوط" فطلب لي رئيس النيابة القهوة، ثم طلب واحد ليمون وبعد ذلك قال لي: أنت متهم بأنك أهنت الهر أدولف هتلر رئيس دولة ألمانيا، قالها بهدوء، وبنفس النبرة التي طلب بها واحد قهوة وواحد ليمون، وكأنه يقول: أهلا وسهلا وحشتنا وآنستنا، قلت له: أنا لم أهن هتلر، أنا قلت عنه الحقيقة. قال الهضيبي: أنت قلت إنه ديكتاتور وطاغية وأنه قضى على حقوق الإنسان في ألمانيا؟ وسألت رئيس النيابة: وهل هو ديكتاتور أم لا؟ قال ضاحكًا: المفروض أنني أنا الذي أسألك لا أنت تسألني! قلت: المفروض أن يقول وزير ألمانيا المفوض أنني نسبت إلى هتلر أنه قضى على حرية الصحافة بينما أن الصحافة حرة في ألمانيا، وأنه ملأ بلاده بالمعتقلات، وأنشأ المحاكم الاستثنائية بينما الحقيقة أنه لا معتقلات هناك ولا محاكم استثنائية.
قال الأستاذ الهضيبي: اطمئن إنني لن أقدمك لمحكمة الجنايات لأنني أعتقد معك أنه ديكتاتور، وذمتي لا تقبل أن أقدم بريئًا إلى المحاكمة، وكل المطلوب منك أن تقول في التحقيق أنك لا تقصد إهانة هتلر.
وأمر الأستاذ حسن الهضيبي بفتح المحضر، وسألني هذا السؤال وأملى على كاتب
التحقيق الإجابة، وأمرني بالانصراف ولم يطلب مني أن أدفع كفالة كما طلب النائب العام.
ولاحظت وأنا أتحدث إلى الهضيبي أنه رجل قليل الكلام، نتوهم أنه صارم بينما هو رجل رقيق، هادئ، فيه طيبة ممتزجة بالذكاء الحاد، قوي الملاحظة، ثم عرفته بعد ذلك في سجن ليمان طره. حيث كانت زنزانته بجوار زنزانتي.
جذبني صموده وقوة احتماله، يقابل البطش بابتسامة سخرية، ويرد على الظلم بالإيمان، يناقشك بهدوء، لا يغضب، ولا يحتد ولا يشكو، حرموه عدة شهور من أن يتلقي أي خطاب من زوجته وبناته، وكان أولاده مسجونين في سجن آخر، وكلفت إحدى تلميذاتي أن تتصل بابنته المدرسة بكلية طب القصر العيني لتقول لها: إن والدها بخير، وهذه هي الرسالة الوحيدة التي رضي أن أحملها لأسرته (1).

من المواقف المؤثرة
كان ذلك عام 1945 قبل عيد الفطر بأسابيع، إذ تقدم أخ فقال لإخوانه: أيكم يحتاج إلى أي شيء بمناسبة العيد؟ فقال له الأخ: أنا أحتاج إلى بدلة وأريد أن ترشدني إلى ترزي يفصل لي بدلة بالتقسيط، فقال له الأخ: غدا أرشدك، ثم ذهب الأخ المسئول إلى ترزي له صلة بالإخوان وقال له: إن الأخ سوف يأتيك كي تقوم بتفصيل بدلة له، فلا تأخذ منه أي شيء، وسوف أقوم أنا بتسديد قيمة البدلة لك، ولى الأخ البدلة في العيد، وسأله الإخوان من أين اشتريت القماش ومن الذي قام بالتفصيل، فيقول: من عند الترزي فلان، فيذهب الإخوان لهذا الترزي ويطلبون مثل ما طلب الأخ، ولكنهم يكتشفون أن هذا الترزي لا يفصل بالتقسيط، وأن الأخ المسئول قام بدفع القيمة كاملة ثم أخذ من الأخ المبلغ على دفعات دون أن يعرف حقيقة الأمر، وكانت هذه القصة دليلاً صارخًا على أسمى معاني الحب والإيثار (2). فهل تحرص على إيثار إخوانك بمالك؟

كريم رغم الفقر
كان العز بن عبد السلام رغم فقره كريمًا كثير الصدقات، فيحكي أنه لما كان بدمشق،
__________
(1) حكايات عن الإخوان (2/ 17 - 19)، والأخبار 12 يونيو 1986 م.
(2) حكايات عن الإخوان (1/ 24) بتصرف.
وحدثت ضائقة، وعانى الناس من قلة المال، وانخفضت أسعار البساتين فأعطته زوجته مصاغها، وقالت: اشتر لنا بثمنه بستانًا نصيف فيه، فأخذ المصاغ وباعه وتصدق بثمنه، فسألته زوجته: هل اشتريت لنا بستانا؟
قال: نعم، بستانًا في الجنة، إني وجدت الناس في شدة فتصدقت بثمنه.
فقالت: جزاك الله خيرًا (1).

مساعدة عاجلة
يقول أحد تلامذة الشيخ أحمد ياسين (د. عبد الله محمد): كنت أزوره في بيته يومًا مع بعض الزملاء، وقد كان مجلسه ممتلئًا بالضيوف كالعادة، يطرقون بابه باستمرار لزيارته أو استشارته في أمورهم الخاصة والعامة أو الفصل بينهم فيما اختلفوا فيه من مسائل، واستمرت الجلسة إلى ساعة متأخرة من الليل، وقد بدا على الشيخ التعب والإرهاق، فهو يستقبل الناس من بعد صلاة الفجر إلى ما بعد منتصف الليل أحيانا، وإذا بالباب يطرق بشدة ويدخل بعض الأشخاص يستنجدون بالشيخ أن يساعدهم لأن قريبًا لهم في حاجة إلى عملية جراحية عاجلة، وليس لهم إلا الشيخ ليتوسط لدى الطبيب المختص الموجود في مدينة خان يونس، ويستأذن الشيخ من الحضور ويذهب معهم ليطمئنهم ويواسيهم، وكان بإمكانه أن يرسل معهم ورقة توصية للطبيب أو أن يدعو لهم ويتركهم يذهبون وحدهم، وهو المريض الذي يحمله أصحابه للركوب في السيارة أو النزول منها.
...
__________
(1) أعلام المسلمين: 121.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الخاتمة ويوم القيامة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 17:56

الخاتمة ويوم القيامة
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة" [البخاري].
وكان أئمة السلف يخافون من مكر الله تعالى بهم، ويسألونه حسن الخاتمة، ويستعيذونه من سوء الخاتمة.
قال الحافظ ابن رجب: وكان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق.
وقال سفيان الثوري لبعض الصالحين: هل أبكاك قط علم الله فيك؟
فقال الرجل: تركني لا أفرح أبدًا.
وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم، فكان يبكي ويقول: أخاف أن أسلب الإيمان.
وكان مالك بن دينار يظل طول ليله قابضًا على لحيته ويقول: يا رب، قد علمت ساكن الجنة من ساكن النار ففي أي الدارين دار مالك.
وقال ابن القيم: أما خوف أوليائه من مكره فحق، فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم فيصيروا إلى الشقاء، فخوفهم من ذنوبهم ورجاؤهم لرحمته. وقوله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ} [الأعراف: 99] إنما هو في حق الفجار والكفار، ومعنى الآية: فلا يعص ويأمن مقابلة الله له على مكر السيئات بمكره أن يؤخر عنهم عذاب الأفعال، فيحصل منهم نوع الاغترار، فيأنسوا بالذنوب فيجيئهم العذاب على غرة (1).
فهذه رسالة مختصرة في حسن وسوء الخاتمة، ليعمل كل منا لآخرته، ونسأل الله أن يحسن خاتمتنا.
__________
(1) الفوائد: 214.
وفاة الرسول:
الرسول - صلى الله عليه وسلم - في اللحظه الأخيرة يقول: بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، عندما خيره ملك الموت بين الدنيا وبين لقاء الله.

وفاة أبي بكر الصديق:
أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عندما جاءه الموت بكت السيدة عائشة وأخذت تقول الشعر، فقال لها: ما هكذا يا بنيتي بل اقرئي: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق: 19]. يعني يقدم النصيحة وقت موته.

وفاة عمر بن الخطاب:
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ضعوا خدي على التراب لعل رب عمر يرحم عمر، ويدخل شاب يجرجر ملابسه، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك .. فنصحه عمر: يا بني ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك وأطهر لثوبك.

وفاة عثمان بن عفان:
رأى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - رؤيا قال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: أتحب أن تفطر عندنا الليلة، فقال: نعم يا رسول الله، فأصبح صائمًا ويموت وهو يقرأ القرآن.

وفاة علي بن أبي طالب:
استُشهد علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في صلاة الفجر وقال عن قاتله: أطعموه واسقوه وأحسنوا إساره، فإن صححت فأنا ولي دمي أعفو إن شئت وإن شئت استقدت.
وفي رواية: إن مت فاقتلوه ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين.

وفاة معاوية بن أبي سفيان:
معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - يبكي ويقول: أتذكر الله الآن يا معاوية، اللهم ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي.

وفاة معاذ بن جبل:
لما حضرت معاذ بن جبل - رضي الله عنه - الوفاة قال: اللهم إني كنت أخافك، وأنا اليوم أرجوك،
اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات، ومزاحمة العلماء عند حلق الذكر.
ولما اشتد به النزع قال: اللهم إنك تعلم أن قلبي يحبك.

وفاة بلال بن رباح:
لما حضرت بلال الوفاة: قالت امرأته: واحزناه.
فقال: بل واطرباه! غدًا ألقى الأحبة، محمدًا وصحبه.

وفاة الأصيرم:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط، فإذا لم يعرفه الناس سألوه: من هو؟
فيقول: أصيرم بني عبد الأشهل، عمرو بن ثابت بن وقش. قال الحصين: فقلت لمحمود بن أسد: كيف كان شأن الأصيرم؟
قال: كان يأبى الإسلام على قومه. فلما كان يوم خرج رسول الله إلى أحد بدا له في الإسلام فأسلم، ثم أخذ سيفه، فعدا حتى دخل في عرض الناس، فقاتل حتى أثبتته الجراح. وقال: فبينا رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به، فقالوا: والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الحديث، فسألوه ما جاء به؟ فقالوا: ما جاء بك يا عمرو؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي، فغدوت مع رسول الله، ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني، ثم لم يلبث أن مات في أيديهم، فذكروه لرسول الله، فقال: "إنه لمن أهل الجنة".
الله أكبر، ما جاء بك يا أصيرم؟ جاء بي أني أعلنت الحق وصرت جنديًا من جنوده، فجئت للموت في سبيله، فاستحق - رضي الله عنه - هذا الوسام من سيد الأولين والآخرين: "إنه لمن أهل الجنة".

وفاة سعد بن أبي وقاص:
سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - عمًّر طويلاً وأفاء الله عليه من المال الشيء الكثير، لكنه حين أدركته الوفاة دعا بجبة من صوف بالية وقال: كفنوني بها، فإني لقيت بها المشركين
يوم بدر، وإني أريد أن ألقى بها الله عز وجل أيضًا.

وفاة عروة في الزبير:
عاش عروة بن الزبير واحدًا وسبعين عامًا مترعة بالخير، حافلة بالبر، مكللة بالتقى، فلما جاءه الأجل المحتوم أدركه وهو صائم، ولقد ألح عليه أهله أن يفطر فأبى، لأنه كان يرجو أن يكون فطره على شربة من نهر الكوثر في قوارير من فضة بأيدي الحور العين.

وفاة أبي هريرة:
لما مرض أبو هريرة - رضي الله عنه - مرض الموت بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة؟
فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكنني أبكي لبعد السفر وقلة الزاد، لقد وقفت في نهاية طريق يفضي بي إلى الجنة أو النار، ولا أدري في أيهما أكون.
وقد عاده مروان بن الحكم، فقال له: شفاك الله يا أبا هريرة.
فقال أبو هريرة: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي، وعجل لي فيه. فما كاد يغادر مروان حتى فارق الحياة.

وفاة عبد الملك بن مروان:
لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة نظر إلى غسال بجانب دمشق فقال عبد الملك: ليتني كنت غسالاً آكل من كسب يدي يومًا بيوم، ولم أل من أمر الدنيا شيئًا، فبلغ ذلك أبا حازم فقال: الحمد لله الذي جعلهم إذا حضرهم الموت يتمنون ما نحن فيه، وإذا حضرنا الموت لم نتمن ما هم فيه.
وقيل لعبد الملك بن مروان في مرضه الذي مات فيه: كيف تجدك يا أمير المؤمنين؟
قال: أجدني كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ} [الأنعام: 94].

وفاة عمر بن عبد العزيز:
لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟ أبشر فقد أحيا الله بك سننًا وأظهر بك عدلاً!
فبكى ثم قال: أليس أُوقف فأُسال عن أمر هذا الخلق، فوالله لو عدلت فيهم لخفت
على نفسي ألا تقوم بحجتها بين يدي الله إلا أن يلقنها الله حجتها، فكيف بكثير مما ضيعناه، وفاضت عيناه.
ولما قرب موته، قال: أجلسوني! فأجلسوه، فقال: أنا الذي أمرتني فقصرت. ونهيتني فعصيت ثلاث مرات.

وفاة هارون الرشيد:
حكى عن هارون الرشيد أنه انتقى أكفانه بيده عند موته، وكان ينظر إليها ويقول: ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه.

وفاة المأمون:
قال المأمون عندما حضرته المنية: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.

وفاة ابن المنكدر:
لما حضرت ابن المنكدر الوفاة بكى، فقيل له: ما يبكيك؟
فقال: والله ما أبكي لذنب أعلم أني أتيته، ولكني أخاف أني أتيت شيئًا حسبته هينًا وهو عند الله عظيم.

وفاة عامر في عبد القيس:
لما حضرت عامر بن عبد القيس الوفاة بكى، فقيل: ما يبكيك؟
قال: ما أبكي جزعًا من الموت ولا حرصًا على الدنيا، ولكني أبكي على ما يفوتني من ظمأ الهواجر وعلى قيام الليل في الشتاء.

وفاة الجنيد:
قيل للجنيد: قل لا إله إلا الله.
قال: ما نسيته فاذكره.
قال الجريري واصفًا وفاة الإمام الجنيد: كنت واقفًا على رأس "الجنيد" في وقت وفاته وهو يقرأ القرآن فقلت له: ارفق بنفسك.
فقال لي: يا أبا محمد، أرأيت أحدًا أحوج إليه مني في هذا الوقت، وها أنا ذا تطوى
صحيفتي وكان قد ختم القرآن الكريم ثم بدأ بالبقرة فقرأ سبعين آية ثم مات رحمه الله.

وفاة أحد التابعين:
أحد التابعين وهو يموت قال: وضئوني ثم نسوا خلخلة الماء في لحيته، وهي سنة، فقال: انتظروا وأتوني بالماء، وخلل الماء في لحيته ليحافظ على سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقيل لبعض الصالحين عند موته: ما يبكيك؟
قال: إنما يتقبل الله من المتقين.
وفاة أثناء السجود: توفى أبو الحسن علي بن مسلم بن محمد الفقيه وهو ساجد في صلاة الفجر في ذي القعدة سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
احرص على كثرة السجود لعل الله يكرمك فتموت بعدها أو خلالها.
وفاة أثناء الصيام: قال أبو إسحاق النيسابوري لابنه إسحاق حين وفاته: يا إسحاق، ارفع الستر. قال: يا أبت الستر مرفوع. قال: أنا عطشان، فجاءه بماء. قال: غابت الشمس؟ قال: لا، قال: فردوه ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون ثم خرجت روحه.
احرص على صيام النوافل

أحس باقتراب أجله
روى أن أحد الصالحين حين أحس بدنو أجله قام فاغتسل وتطيب وصلى ركعتين، وما هي إلا برهة حتى دخلوا عليه فوجدوه قد مات مستقبل القبلة، وعند رأسه ورقة كتب فيها هذه الأبيات:
قل لإخوان رأوني ميتًا ... فبكوني ورثوني حزنا
أتظنون بأني ميتكم؟ ... ليس هذا الميت والله أنا
أنا في الصور وهذا جسدي ... كان ثوبي وقميصي زمنا
أنا عصفور وهذا قفصي ... طرت عنه وبقى مرتهنا
أحمد الله الذي خلصني ... وبنى لي في المعالي سكنا
لا تظنوا الموت موتًا ... إنه ليس إلا نقلة من ها هنا!
قال يونس بن محمد المؤدب: مات حماد بن سلمة في الصلاة في المسجد.
رحم الله من كانت خاتمته في الصلاة في المسجد.

وفاة محمد في واسع:
لما مرض محمد بن واسع الأزدي مرض الموت، تكاثر الناس على عيادته حتى غص منزله بالداخلين عليه والخارجين، والقائمين في منزله والقاعدين، فمال بشقه على أحد خواصه وقال: أخبرني ما يغني عني هؤلاء إذا أخذنا غدًا بالنواصي والأقدام؟ وما ينفعوني إذا ألقيت في النار؟
ثم أقبل على ربه وجعل يقول: اللهم إني أستغفرك من كل مقام سوء قمته، ومن كل مقعد سوء قعدته، ومن كل مدخل سوء دخلته، ومن كل مخرج سوء خرجته، ومن كل عمل سوء عملته، ومن كل قول سوء قلته، اللهم إني أستغفرك من ذلك كله، فاغفره لي وأتوب لك منه، فتُبْ عليَّ، وألقى إليك السلام قبل أن يكون لزامًا، ثم فاضت روحه.

خاتمة الصالحين:
أبو شامة صلى الظهر، وجعل يسأل عن العصر، توضأ ثم تشهد وهو جالس، وقال: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، لقنني الله حجتي وأقال عثرتي ورحم غربتي. ثم قال: وعليكم السلام، فعلمنا أنه حضرت الملائكة، ثم انقلب ميتا.
وقال أحدهم عند موته: يا سيدي أمهلني، أنا مأمور وأنتم مأمورون، ثم سمع المؤذن للعصر، فقلت: يا سيدي المؤذن يؤذن، فقال: اجلسوني، فجلس فأحرم بالصلاة، ووضع يده على الأخرى وصلى، ثم توفى من ساعته.
وهذا الربيع بن زياد يتولى أمر خراسان بأمر معاوية بن أبي سفيان، وهو غير منشرح الصدر، وبعد إحدى المعارك يرسل إليه زياد بن أبيه أحد ولاة بني أمية كتابًا يقول: إن أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان يأمرك أن تستبقي الأصفر والأبيض من غنائم الحرب لبيت مال المسلمين، وتقسم ما سوى ذلك بين المجاهدين.
فكتب إليه يقول: إني وجدت كتاب الله عز وجل يأمر بغير ما أمرتني به على لسان أمير المؤمنين، ثم نادى في الناس: أن اغدوا على غنائمكم فخذوها، ثم أرسل الخمس إلى دار الخلافة في "دمشق".
ولما كان يوم الجمعة الذي تلا وصول هذا الكتاب، خرج الربيع بن زياد إلى الصلاة في ثياب بيض، وخطب الناس خطبة الجمعة، ثم قال: أيها الناس إني قد مللت الحياة، وإني داع بدعوة، فأمنوا على دعائي، ثم قال: اللهم إن كنت تريد بي خيرًا فاقبضني إليك عاجلاً غير آجل، فأمن الناس على دعائه، فلم تغب شمس ذلك اليوم حتى لحق الربيع ابن زياد بجوار ربه.
وها هو الشيخ أحمد ياسين استشهد بعد أداء صلاة الفجر في المسجد جماعة بالرغم من مرضه الشديد والشلل الكامل، وهكذا رزقه الله حسن الخاتمة.
وفي سنة إحدى وثلاثين وتسعمائة خرج السلطان مظفر الحليم الكجراتي على مصلى العيد للاستسقاء وتصدق، وتفقد ذوي الحاجة على طبقاتهم، وسألهم الدعاء، ثم تقدم للصلاة، وكان آخر ما دعا به: اللهم إني عبدك ولا أملك لنفسي شيئًا، فإن تكن ذنوبي حبست القطر عن خلقك فهذه ناصيتي بيدك! فأغثنا يا أرحم الراحمين، قال هذا ووضع جبهته على الأرض واستمر ساجدًا يكرر قوله: يا أرحم الراحمين، فما رفع رأسه إلا وهاجت ريح، ونشأت بحرية ببرق ورعد ومطر، ثم سجد لله شكرًا، ورجع من صلاته بدعاء الخلق له وهو يتصدق بالمال يمينًا وشمالاً.
وكان رحمه الله يقول: نظرت فيما أوثر به أولي الاستحقاق من الإنفاق، فإذا أنا بين إفراط في صرف بيت المال وتفريط في منع أهله، فلم أدر إذا سئلت عنهما بم أجيب.
وفي آخر أيامه وكان يوم الجمعة قال: أما صلاة الظهر فأصليها عندكم، وأما صلاة العصر فعند ربي في الجنة إن شاء الله تعالى، ثم أذن للحاضرين في صلاة الجمعة واستدعى مصلاه وصلى، ودعا الله سبحانه بوجه مقبل عليه وقلب منيب إليه، دعاء من هو مفارق القصر مشرف على القبر، ثم كان آخر دعائه: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، وقام من مصلاه وهو يقول: أستودعك الله، واضطجع على سريره وهو مجتمع الحواس ووجهه يلتفت إلى القبلة وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفاضت نفسه والخطيب على المنبر يدعو له، وفي ذلك عبرة لمن ألقى السمع وهو شهيد (1).
__________
(1) من يظلهم الله: (1/ 226).
سوء الخاتمة
عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - التقى هو والمشركون فاقتتلوا، فلما مال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله رجل لا يدع شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقيل: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان! فقال الرسول: "أما إنه من أهل النار"، فقال رجل من القوم: أنا صاحبه .. قال: فخرج معه، كلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، قال: فجُرح الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على نفسه، فقتل نفسه، فخرج الرجل رفيقه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أشهد أنك رسول الله، فقال الرسول: "ما ذاك" قال: الرجل الذي ذكرت آنفًا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحًا شديدًا فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه.
وقد ارتد عن الإسلام في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض من آمن، ومنهم عبيد الله بن جحش، الذي أسلم وهاجر إلى الحبشة مع أوائل من هاجروا، فارتد عن دينه، وتنصر ومات على نصرانيته.
وربيعة بن أمية بن خلف وكان من عداد الصحابة، ثم شرب الخمر فحده عمر ثم نفاه إلى خيبر، ففر هاربًا إلى هرقل، وارتد عن دينه ودخل في النصرانية.

وفاة مرتد
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رجل نصرانيًا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران،
فكان يكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - فعاد نصرانيًا فكان يقول: ما يدري محمد إلا ما كتبت له، فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه لما هرب منهم، نبشوا عن صاحبنا فألقوه. فحفروا له فأعمقوا، فأصبح وقد لفظته الأرض، فقالوا: هذا فعل محمد وأصحابه، نبشوا عن صاحبنا لما هرب منهم فألقوه خارج القبر، فحفروا له وأعمقوا له في الأرض ما استطاعوا، فأصبح قد لفظته الأرض فعلموا أنه ليس من الناس فألقوه. [البخاري ومسلم].
خاتمة عبيد الله بن جحش
تقول أم المؤمنين أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان: رأيت في النوم عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ صورة وأشوهه، ففزعت، فقلت: تغيرت والله حاله، فإذا هو يقول حيث أصبح: يا أم حبيبة، إني نظرت في الدين فلم أر دينًا خيرًا من النصرانية.
فقلت: والله ما خير لك، وأخبرته بالرؤيا التي رأت له، فلم يحفل بها، وأكب على الخمر حتى مات، فأُري في النوم كان آتيًا يقول: يا أم المؤمنين، ففزعت فأولتها أن رسول الله يتزوجني.

وفاة العصاة
قال عبد العزيز بن أبي رواد: حضرت رجلاً عند الموت يلقن الشهادة لا إله إلا الله، فقال في آخر ما قال: أنا كافر بما تقول ثم مات على ذلك. قال: فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر.
قيل لآخر: قل لا إله إلا الله فجعل يغني.
ومن سنوات جرت حادثة في القصيم بالسعودية، وحاصلها أن رجلاً في حال احتضاره ظهر عليه من الاعتراض على ربه ما ظهر، فجاء بعض أصحابه ممن كان يصلي معهم في المسجد والله أعلم بما في القلوب، وقال: يا عبد الله، هذا المصحف الذي كنت تقرأ فيه، فاتق الله في نفسك، ولقنه كلمة التوحيد، فقال: أنا كافر بالمصحف وبلا إله إلا الله، وختم له على ذلك الحال.

وفاة الزناة
يقول راوي القصة: صحبنا على ظهر سفينة نجول بها حول البلدان طلبًا للرزق شاب صالح، نقي السريرة، طيب الخلق، كنا نرى التقوى في قسمات وجهه، والنور والبشر يرتسمان على محياه، لا تراه إلا متوضئًا مصليًا، أو ناصحًا مرشدًا، وإن حانت الصلاة أذن لنا وصلى بنا، فإن تخلف أحد عنها أو تأخر عاتبه وأرشده.
وألقى بنا البحر إلى جزيرة من جزر الهند فنزلنا إليها، وكان مما تعود عليه البحارة أن يستقروا أيامًا يرتاحون فيه، ويستجمون بعد عناء السفر الطويل، يتجولون في أسواق
المدينة ليشتروا أغرب ما يجدون فيها لأهلهم وأبنائهم ثم يرجعون إلى السفينة في الليل، وكان منهم نفر ممن وقع في الضلال، يتيم بأماكن اللهو والهوى ومحال الفجور والبغاء، وكان ذلك الشاب الصالح لا ينزل من السفينة أبدا، بل يقضي هذه الأيام يصلح في السفينة ما احتاج منها إلى إصلاح، فيفتل الحبال ويلفها، ويقدم الأخشاب ويشدها ويشتغل بالذكر والقرآن والصلاة وعينه ترقرق بالدموع وتنحدر على لحيته.
وفي إحدى السفرات وبينما كان الشاب منشغلاً بأعماله تلك إذا بصاحب له في السفينة ممن اتبع نفسه هواها وانشغل بطالح الأمور عن صالحها، وبسافل الأخلاق عن عاليها يهامسه ويقول: صاحي، لم أنت جالس في السفينة لا تفارقها؟ لم لا تنزل حتى ترى دنيا غير دنياك؟ ترى ما يشرح الخاطر ويؤنس النفس! أنا لم أقل لك تعال إلى أماكن البغاء وسخط الله، ولا إلى البارات وغضب الله، هيهات يا صاحبي، لكن تعال؛ فانظر إلى مُلاعب الثعابين كيف يتلاعب بها ولا يخافها، وإلى راكب الفيل كيف يجعل من خرطومه له سلمًا ثم يصعد برجليه ويديه حتى يقيمه على رجل واحدة، وآه لو رأيت من يمشي على المسامير أنى له الصبر، ومن يلقم الجمر كأنما هو تمر، ومن يشرب ماء البحر فيسيغه
كما يسيغ الماء الفرات، يا أخي انزل وانظر الناس!
فتحركت نفس الشاب شوقًا لما سمع، فقال: وهل في هذه الدنيا ما تقول.
قال صاحب السوء: نعم، وفي هذه الجزيرة، فانزل تَرَ ما يسرك، ونزل الشاب الصالح مع صاحبه، وتجولا في أسواق المدينة وشوارعها حتى دخل به إلى طرق صغيرة ضيقة، فانتهى بهما الطريق إلى بيت صغير فدخل الرجل البيت وطلب من الشاب أن ينتظره وقال: سآتيك بعد قليل ولكن! إياك إياك أن تقترب من الدار. جلس الشاب بعيدًا عن الباب يقطع الوقت قراءة وذكرًا، وفجأة إذا به يسمع قهقهة عالية ليفتح الباب وتخرج منه امرأة قد خلعت جلباب الحياء والمروءة، أواه إنه الباب نفسه الذي دخل فيه الرجل.
تحركت نفس الرجل فدنا من الباب ويصيخ سمعه لما يدور في البيت، إذا به يسمع صيح أخرى، فنظر من شق الباب ويتبع النظر أختها لتتواصل النظرات منه وتتوالى، وهو يرى شيئًا لم يألفه ولم يره من قبل، ثم رجع إلى مكانه ولما خرج صاحبه بادره الشاب مستنكرًا: ما هذا؟! ويحك، هذا أمر يغضب الله ولا يرضيه.
فقال الرجل: اسكت يا أعمى يا مغفل، هذا أمر لا يعنيك.
ورجعا إلى السفينة في ساعة متأخرة من الليل، وبقى الشاب ساهرًا ليلته تلك، مشتغل الفكر فيما رآه، قد استحكم سهم الشيطان من قلبه، وامتلكت النظرة زمام فؤاده، فما إن بزغ الفجر وأصبح الصباح حتى كان أول نازل من السفينة، وما في باله إلا أن ينظر فقط، ولا شيء غير أن ينظر، وذهب إلى ذلك المكان، فما أن نظر نظرته الأولى وأتبعها الثانية، حتى فتح الباب وقضى اليوم كله هناك، واليوم الذي بعده كذلك، فافتقده ربان السفينة وسأله عنه: أين المؤذن؟ أين إمامنا في الصلاة؟ أين ذلك الشاب الصالح، فلم يجبه من البحارة أحد، فأمرهم أن يتفرقوا للبحث عنه فوصل إلى علم الربان ممن ذهب به إلى ذلك المكان فأحضره وزجره وقال له: ألا تتقي الله؟ ألا تخشى عقابه؟ عجل اذهب فأحضره، فذهب إليه مرة دون مرة ولكن دون جدوى، فلم يستطع إحضاره لأنه كان يرفض ويأبى الرجوع معهم، فلم يكن من قائد السفينة إلا أن أمر عدة رجال أن يحضروه قسرًا، فسحبوه بالقوة وحملوه إلى السفينة.
وأبحرت السفينة راجعة إلى البلاد ومضى البحارة إلى أعمالهم، وأخذ ذلك الشاب في زاوية من السفينة يبكي ويئن حتى لتكاد نياط قلبه أن تتقطع من شدة البكاء، ويقدمون له الطعام فلا يأكل، وبقى على حاله البائسة هذه بضعة أيام، وفي ليلة من الليالي ازداد بكاؤه ونحيبه، ولم يستطع أحد من أهل السفينة أن ينام، فجاءه ربان السفينة وقال له: يا هذا اتق الله، ماذا أصابك؟ لقد أقلقنا أنينك فما نستطيع أن ننام، ويحك ما الذي بدل حالك؟ ويلك ما الذي دهاك؟
فرد عليه الشاب وهو يتحسر: دعني فإنك لا تدري ما الذي أصابني؟
فقال الربان: وما الذي أصابك؟ عند ذلك كشف الشاب عن عورته، وإذا الدود يتساقط من سوأته، فأنزعج ربان السفينة وارتعش لما رأى وقال: أعوذ بالله من هذا، وقام عنه الربان، وقبيل الفجر قام أهل السفينة على صيحة مدوية أيقظتهم وذهبوا إلى مصدرها فوجدوا ذلك الشاب قد مات وهو ممسك خشب السفينة بأسنانه، استرجع القوم وسألوا الله حسن الخاتمة، وبقيت قصة هذا الشاب عبرة لمن يعتبر.
وفاة أليمة
شاب كان يلهو مع أصدقائه فاكتشفوا أنهم نسوا الخمور، فقال لهم: أنا ذاهب لأحضرها، وتأخر كثيرًا، فذهب آخر فوجد الشاب في سكرات الموت بعد أن اصطدم بسيارته في حادث.
ورجل على طائرة جاءته سكرات الموت، والراكب بجواره يقول له: قل لا إله إلا الله.
فيرد عليه: هات الشنطة.
فيقول ده: قل لا إله إلا الله فيكرر عليه نفس الرد، حتى صرخ فيه بعنف وقال له: قل لا إله إلا الله أنت تموت. قال: البتاعة دي مش عارف أقولها.

وفاة مدخن
قال محمد بن البرزنجي المدني الشافعي: رأيت من يشرب الدخان يقولون أمامه عند النزع أي عند الموت وخروج الروح: لا إله إلا الله.
فيقول: هذا تتن حار!! والتتن: هو الدخان، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم أحسن ختامنا وتوفنا مسلمين (1).
وعن محمد الفلاني المغربي: أن رجلاً في المدينة المنورة أخبره أن أخاه احتضر، فجعل يلقنه الشهادة، فقال له: يا أخي إن الملك أمسك بلسانك ويقول: لا أدعك تنطق بالشهادة، لأنك كنت تؤذيني بالتتن (السجائر).
فاعمل أخي المدخن ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين (2).

وفاة المفسدين
في سنة 550 هـ كان أحمد بن الحريزي يعذب الناس بين يديه، يعلق الرجال بأرجلهم والنساء بأثدائهن، ويوميء إلى الجلاد: الرأس والوجه.
فهذه هي أعماله السيئة، فقد كان في سباق إلى الشيطان، الذي يخطط له ويزين له
__________
(1) السيجارة مقبرة المدخنين: 34.
(2) المصدر نفسه: 35.
أعماله، فينفذ هذا الظالم تلك المخططات ويحسب أنه يحسن صنعًا، حتى توفي وفاة سيئة، وخسف الله بقبره.
ودخل أحمد الحريزي الحمام فدخل عليه ثلاثة فضربوه بالسيف حتى قطعوه، فحمل إلى بغداد ودفن بها، فأصبح وقد خسف بقبره (1).

أي موتة هذه؟
في الكويت كان شاب همه الكأس والغانية، ثم تطور حاله إلى الحشيش والمخدرات، فجاء اليوم الذي ودع فيه الحياة، فشرب في ذلك اليوم شربًا كثيرًا حتى سكر، فلم يكد يميز بين سماء أو أرض، وزاد في شربه حتى تناول المخدر، وأخذ يلتهم منه حتى تقيأ ما في بطنه كله، ومات بعد ذلك. فأي موتة هذه؟! (2)

وجهه أسود
شخصية كويتية دائمة السفر إلى بلاد جنوب آسيا كل صيف، وبالأخص إلى دولة "تايلاند" وقد كان متزوجًا ولديه أطفال، وعمره لم يناهز الثلاثين عامًا .. إلا أنه ما زال على عادته القديمة، لا يفكر إلا في شهوته وملذاته، سواء كانت في الحلال أم في الحرام .. لقد سافر من دولة الكويت ووجهه أبيض من بياض البيض، وكله شباب وقوة، وفي إحدى الليالي الساهرة هناك تعرف على راقصة عاهرة فرافقها إلى إحدى الشقق وكان بانتظاره "ملك الموت"، فما إن قرب منها وجاءت اللحظة الحاسمة. نادى المنادي: الرحيل .. الرحيل .. فقبضه ملك الموت ورجع إلى بلده محملاً بالتابوت، وفتح التابوت وإذا بالمفاجاة الكبرى .. وهي أن وجهه أصبح لونه أسود من سواد القار (3).

وفاة تارك الصلاة
قال أحد الفضلاء: كنا في رحلة دعوية إلى الأردن، وفي ذات يوم وقد صلينا الجمعة في أحد مساجد مدينة الزرقاء، وكان معنا بعض طلبة العلم، وعالم من الكويت، وبينما نحن جلوس في المسجد وقد انصرف الناس، إذا بقوم يدخلون باب المسجد بشكل غير
__________
(1) الوقت عمار أو دمار (2/ 88 - 89).
(2) الوقت عمار أو دمار (2/ 90).
(3) الوقت عمار أو دمار: (2/ 90، 91).
طبيعي، وهم يصيحون: أين الشيخ؟!! أين الشيخ؟!!
وجاءوا إلى الشيخ الكويتي، فقالوا له: يا شيخ، عندنا شاب توفي صباح هذا اليوم عن طريق حادث مروري، وإننا عندما حفرنا قبره ووضعناه فيه إذا بنا نفاجأ بوجود ثعبان عظيم في القبر. ونحن الآن لم نضع الشاب وما ندري كيف نتصرف؟
يقول الراوي: فقام الشيخ وقمنا معه، وذهبنا إلى المقبرة، ونظرنا في القبر فوجدنا فيه ثعبانًا عظيمًا قد التوى رأسه من الداخل وذنبه من الخارج، عينه بارزة يطالع الناس.
يقول الراوي: فقال الشيخ: دعوه، واحفروا له مكانًا آخر، يقول: فذهبنا إلى مكان آخر بعد القبر الأول بمائتين متر تقريبًا، فحفرناه، وبينما نحن في نهايته إذا بالثعبان يخرج، فقال الشيخ: انظروا القبر الأول، فذهبنا إلى الأول فإذا بالثعبان قد اخترق الأرض وخرج من القبر الأول مرة أخرى.
قال الشيخ: لو حفرنا ثالثًا ورابعًا، سيخرج الثعبان، فما لنا حيلة إلا أن نحاول إخراجه.
فجئنا بأسياخ وعصي فانحمل معنا، وخرج من القبر، وجلس على شفيره، والناس كلهم ينظرون إليه، وأصاب الناس ذعر وخوف، حتى إن بعضهم حصل له إغماء، فحملته سيارة الإسعاف.
وحضر رجال الأمن ومنعوا الاتصال بالقبر إلا عن طريق العلماء وذوي الميت.
يقول الراوي: وبينما جيء بالجنازة، وأدخلت القبر إذا بذلك الثعبان يتحرك حركة عظيمة ثار على أثرها الغبار، ثم دخل من أسفل القبر، فهرب الذين داخل القبر من شدة الخوف، والتوى الثعبان على ذلك الميت، بدأ من رجليه حتى وصل إلى رأسه، ثم اشتد عليه فحطمه، يقول الراوي: إنا كنا نسمع تحطيم عظامه كما تحطم حزمة الكراث.
ثم لما هدأت العبرة وسكن الأمر جئنا لننظر في القبر، وإذا الحال كما هي عليه من تلوي ذلك الثعبان على الميت، وما استطعنا أن نفعل شيئًا، وقال الشيخ: اردموه، فدفناه، ثم ذهبنا إلى والده فسألناه عن حال ابنه الشاب؟ فقال: إنه كان طيبًا مطيعًا إلا أنه كان لا يصلي!! نعوذ بالله تعالى من سوء الخاتمة.
وفاة أثناء سماع الأغاني
قال الراوي: حدثني أحدهم قال: كنت مسافرًا في دراسة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كان شأني شأن كثير من الشباب الذين يقضون الليل في الملهى والرقص، وذات يوم كنا آيبين من لهونا وعبثنا، وتقدم بعضنا إلى الإسكان، أما واحد منا فقد استبطانأه وقلنا: لعله يأتي بعد سويعة، ولم نزل ننتظره لكنه لم يأت، فنزلنا نبحث عنه يمينًا وشمالاً، ثم قلنا أخيرًا: لابد أنه في الموقف الذي يجعل للسيارة تحت البناء، فدخلنا الموقف فوجدنا أن محرك السيارة ما زال مشتغلاً وصاحبنا ساكن لا يتحرك، والموسيقى لا تزال ترن منذ آخر الليل حتى اللحظة التي فتحنا فيها باب السيارة، فتحنا الباب، ونادينا: يا أخانا، يا صاحبنا، فإذا به قد انقطع عن الدنيا منذ اللحظة التي وقفت فيها سيارته في ذلك الموقف، وكانت هذه النهاية المحزنة لذلك الشاب قد أشعلت في قلوب الكثير من أولئك الشباب يقظة وتوبة وإنابة إلى الله تعالى، فعادوا إلى الله تائبين وما شربوا بعدها وما فجروا، بل استكانوا وأنابوا بفضل الله ثم بتدبرهم لحال صاحبهم الذي مات على معصية الله، وكانت نهايته موعظة لمن يريد الاتعاظ.

وفاة في سجدة باطلة
وها هو شاب من أولئك المنحرفين الذين كانوا يسافرون إلى "بانكوك" للفسق والدعارة، بينما كان في سكره وغيه ينتظر خليلته، وقد تأخرت عليه فما هي إلا لحظات حتى أقبلت عليه، فلما رآها خر ساجدًا لها تعظيمًا، ولم ينهض من تلك السجدة الباطلة إلا وهو محمول على الأكتاف قد فارق الحياة، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة.

وفاة في المرقص
وها هم أربعة من الشباب، كانوا يعملون في دائرة واحدة، مضت عليهم سنين وهم يجمعون رواتبهم، فإذا سمعوا ببلد يفعل الفجور طاروا إليه، وبينما هو في ذات يوم جالسين إذ سمعوا ببلاد لم يذهبوا إليها، وعقدوا العزم أن يجمعوا رواتبهم هذه المرة ليسافروا إلى تلك البلاد التي حددوها، وجاء وقت الرحلة وركبوا طائرتهم ومضوا إلى ما يريدون، ومر عليهم أكثر من أسبوع في تلك البلاد وهم بين زنا وخمور، وفعال لا ترضي الرحمن، بينما هم في ليلة من الليالي، وفي ساعة متأخرة من الليل، يجاهرون الله تعالى بالمعصية والفجور، نعم بينما هم في غمرة اللهو والمجون إذا بأحد الأربعة يسقط مغشيًا عليه، فيهرع إليه أصحابه الثلاثة فيقول
له أحدهم في تلك الليلة الحمراء، يقول له: يا أخي قل: لا إله إلا الله، فيرد عليه الشاب -عياذًا بالله- إليك عني، زدني كأس الخمر، تعالي يا فلانة، ثم فاضت روحه إلى الله على تلك الحال السيئة، نسأل الله تعالى السلامة والعافية.
ثم كان حال الثلاثة الآخرين لما رأوا صاحبهم وما آل إليه أمره أنهم أخذوا يبكون، وخرجوا من المرقص تائبين، وجهزوا صاحبهم، وعادوا به إلا بلاده محمولاً في تابوت، ولما وصلوا المطار فتحوا التابوت ليتأكدوا من جثته، فلما نظروا إلى وجهه فإذا عليه كدرة وسواد.

سوء خاتمة رجل عاص
كان يقف رجل بإزاء داره، وكان باب داره يواجه باب الحمام، فمرت جارية لها منظر، فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب.
فدخلت الدار، ودخل وراءها، فلما رأت نفسها في داره وعلمت أنه خدعها أظهرت له البشرى والفرح باجتماعها معه، وقالت: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا.
فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين، وخرج وتركها في الدار ولم يغلقها، فأخذ ما يصلح ورجع، فوجدها قد خرجت وذهبت، ولم تخنه في شيء، فهام الرجل وأكثر الذكر لها، وجعل يمشي ويقول:
يا رب قائلة يومًا وقد تعبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب
فبينما هو يقول ذلك إذا بجارية أجابته:
هلا جعلت سريعًا إذ ظفرت بها ... حرزًا على الدار أو قفلاً على الباب
فازداد هيمانه واشتد، ولم يزل على ذلك حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا، فعندما أتاه ملك الموت قيل له: قل: لا إله إلا الله، جعل يقول: أين الطريق إلى حمام منجاب (1).

نعوذ بالله من سوء الخاتمة
ذكر ابن الجوزي: أن عبده بن عبد الرحيم كان من المجاهدين كثيرًا في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم، إذ نظر إلى امرأة
__________
(1) الداء والدواء: 200 - 201.
من نساء الروم في ذلك الحصن فهويها، فراسلها: ما السبيل إلى الوصول إليك؟
فقالت: أن تتنصر، وتصعد إلي، فأجابها إلى ذلك، فما أراع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غمًّا شديدًا، وشق عليهم مشقة عظيمة، فما كان بعد مدة مروا عليه، وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، فقالوا: يا فلان، ما فعل القرآن معك؟! ما فعل صيامك؟! ما فعلت صلاتك؟! ما فعل قرآنك؟! ما فعل علمك؟! ما فعل جهادك؟!
فقال: اعلموا أني أنسيت القرآن كله إلا قوله: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)} [الحجر: 2 - 3].
وقد صار لي فيهم مال وولد!! توفي ذلك المرتد القبيح في سنة ثمان وسبعين ومائتين.

عاقبة تأخير الصلاة
يروي عمار بن دينار فيقول: كان رجل من أهل المدينة له أخت فماتت، فجهزها وحملها إلى قبرها، فلما دفنت ورجع إلى أهله، تذكر أنه نسى كيسًا كان معه في القبر، فاستعان برجل من أصحابه، فأتيا القبر، فنبشاه، فوجدا الكيس.
فقال للرجل: تنح حتى أنظر على أي حال أختي؟
فرفع بعض ما على اللحد، فإذا القبر يشتعل نارًا، فرده، وسوى القبر، ورجع إلى أمه، فسألها عن حال أخته، فقالت: كانت تؤخر الصلاة عن وقتها، ولا تصلي فيما أظن بوضوء، وتأتي أبواب الجيران فلتقم أذنها أبوابهم، فتخرج حديثهم (1).
احذر تأخير الصلاة عن وقتها، وخاصة صلاة الفجر.

أهوال يوم القيامة
يقول الغزالي في الإحياء: تفكر في ازدحام الخلائق واجتماعهم، حتى ازدحم على الموقف أهل السموات السبع والأرضين السبع من ملك وجن وشيطان ووحش وسبع وطير، فأشرقت عليهم الشمس وقد تضاعف حرها، وتبدلت عما كانت عليه من خفة
__________
(1) الكبائر: 23.
شقة في أمر بمعروف ونهي عن منكر- فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة ويطول فيه الكرب. ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب العرق في تحمل مصاعب الطاعات أهون أمرًا وأقصر زمانًا من عرق الكرب والانتظار في القيامة، فإنه يوم عظيمة شدته، طويلة مدته.
 أمرها، ثم أدنيت من رءوس العالمين كقاب قوسين، فلم يبق على الأرض ظل إلا ظل رب العالمين، ولم يمكن من الاستظلال به إلا المقربون، فمن بين مستظل بالعرش وبين مضح لحر الشمس، قد صهرته بحرها، واشتد كربه وغمه من وهجها، ثم تدافعت الخلائق ودفع بعضهم بعضًا لشدة الزحام واختلاف الأقدام، وانضاف إليه شدة الخجلة والحياء من الافتضاح والاختزاء عند العرض على جبار السماء، فاجتمع وهج الشمس وحر الأنفاس واحتراق القلوب بنار الحياء والخوف، ففاض العرق من أصل كل شعرة حتى سأل على صعيد القيامة، ثم ارتفع على أبدانهم على قدر منازلهم عند الله، فبعضهم بلغ العرق ركبتيه، وبعضهم حقويه، وبعضهم إلى شحمة أذنيه، وبعضهم يكاد يغيب فيه، قال ابن عمر: قال رسول الله: "يوم يقوم الناس لرب العالمين، حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" (1)، وقال أبو هريرة: قال رسول الله: "يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين باعًا ويلجمهم ويبلغ أذقنهم (2) " ... واعلم أن كل عرق لم يخرجه التعب في سبيل الله -من حج وجهاد وصيام وقيام وقضاء حاجة مسلم وتحمل مشقة في أمر بمعروف ونهي عن منكر- فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة ويطول فيه الكرب. ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب العرق في تحمل مصاعب الطاعات أهون أمرًا وأقصر زمانًا من عرق الكرب والانتظار في القيامة، فإنه يوم عظيمة شدته، طويلة مدته.

أرض المحشر
انظر كيف يساقون بعد البعث والنشور حفاة عراة على أرض بيضاء قاع صفصف، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)} [طه: 105 - 107].
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرص النقي ليس فيها معلم لأحد" (3) وعفراء: بياضها غير ناصع، وقوله: كقرص النقي: أي النقي عن القشر والنخالة، والمعلم: هو البناء.
__________
(1) الكبائر: 23.
(2) البخاري: 6532.
(3) مسلم (17/ 134) صفة القيامة.
من أسماء يوم القيامة: يوم القيامة ويوم الحسرة ويوم الزلزلة ويوم الواقعة ويوم القارعة ويوم الغاشية ويوم الراجفة ويوم الطامة ويوم الصاخة ويوم التلاق ويوم الجزاء ويوم الوعيد ويوم العرض ويوم الفصل و ...

الحساب
قال تعالى: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65]. عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" (1).

الميزان
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله عز وجل يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مد البصر، تم يقول: أفلك عذر أو حسنة؟ قال: فيهاب الرجل فيقول: لا يا رب، فيقول: بلى، لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، فيقول: أحضروه فيقول: يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل شيء مع بسم الله الرحمن الرحيم" (2).

الصراط
قال تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)} [مريم: 85 - 86] من استقام في الدنيا على الصراط المستقيم خف على صراط الآخرة ونجا، ومن ثقلت أوزاره في الدنيا فسوف يتعثر على الصراط في الآخرة، ويقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً! يا ليتني لم أتخذ فلانًا خليلاً! يا ليتني كنت نسيًا منسيًا! ليت أمي لم تلدني.
فتذكر هذه الأهوال واستعد لها من الآن.
...
__________
(1) مسلم (16/ 132).
(2) الترمذي (10/ 107).


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

المراجع

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الجمعة 16 فبراير 2018 - 18:11

المراجع
القرآن وعلومه:
1) القرآن الكريم.
2) صفوة التفاسير- محمد علي الصابوني- دار الصابوني- الطبعة الأولى 1997.
3) المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم- محمد فؤاد عبد الباقي- دار المعرفة بيروت- الطبعة الرابعة 1994.
4) المفردات في غريب القرآن- الأصفهاني- دار المعرفة بيروت- الطبعة الثانية 1999.
هـ) تفسير القرآن العظيم- ابن كثير- مكتبة الصنادقية.
6) الجامع لأحكام القرآن- القرطبي- دار القلم.
7) في ظلال القرآن الكريم- سيد قطب- دار الشروق- الطبعة الرابعة والعشرون 1995.
Cool التصوير الفني في القرآن- سيد قطب- دار الشروق- الطبعة العاشرة 1988.
9) تفسير سورة النور- المودودي- دار الاعتصام.
10) كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟ - القرضاوي- دار الشروق- الطبعة الثالثة 2000.

السنة وعلومها:
11) صحيح مسلم- النووي- المطابع الأميرية- 1996.
12) جامع العلوم والحكم- ابن رجب الحنبلي- دار التوزيع والنشر الإسلامية-1998.
13) إيضاح المعاني الخفية في الأربعين النووية- محمد تاتاي- دار الوفاء- الطبعة الأولى 1998.
14) الأحاديث القدسية- المكتبة التوفيقية.
15) دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين- محمد الشافعي- دار الفكر.
16) توجيهات نبوية- السيد محمد نوح- دار الوفاء- الطبعة التاسعة 1995.
17) رياض الصالحين- النووي- مكتبة الصنادقية.
18) الإعجاز العلمي في السنة النبوية- زغلول النجار- الطبعة الثالثة 2004.

التاريخ السير والتراجم:
19) البداية والنهاية- ابن كثير- دار المنار- الطبعة الأولي 2001.
20) سير أعلام النبلاء- الإمام الذهبي- مكتبة الصفا- الطبعة الأولي 2003.
21) مائه موقف من حياة العظماء- محمد سعيد مرسي، قاسم عبد الله- دار اقرأ- الطبعة الأولي 2003.
22) كبرى المعارك والفتوحات الإسلامية- محمد سعيد مرسي- دار اقرأ- الطبعة الأولي 2003.
23) عظماء الإسلام- محمد سعيد مرسي- دار اقرأ- 2003.
24) كل شيء عن اليهود- محمد سعيد مرسي- دار اقرأ- 2003.
25) عبقرية عمر- العقاد- دار الشعب.
6) صور من حياة التابعين- عبد الرحمن رأفت الباشا- دار الأدب الإسلامي- الطبعة الخامسة عشرة -1997.
27) الرحيق المختوم- صفي الرحمن المباركفوري- الإيمان- الطبعة الأولي-1993.
28) السيرة النبوية- طى محمد الصلابي- دار الإيمان 2002.
29) أبو بكر الصديق- على محمد الصلابي- دار الإيمان-2002.
30) عمر بن الخطاب- على محمد الصلابي- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولي- 2002.
31) عثمان بن عفان- على محمد الصلابي- دار الإيمان- 2002.
32) على بن أبي طالب- على محمد الصلابي- دار الفجر- الطبعة الأولى- 2004.
33) الحركة السنوسية في ليبيا- علي محمد الصلابي- دار الإيمان- 2004.
34) الدولة العثمانية- على محمد الصلابي- دار الإيمان- 2003.
35) قصص الأنبياء- محمد بكر إسماعيل- دار المنار- الطبعة الثانية 1997.
36) قصص الأنبياء- حسن أيوب- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 1997.
37) من ذاكرة الأمة- محمود سمير المنير- زهرة المدائن- الطبعة الأولى 2001.
38) رجال حول الرسول- خالد محمد خالد- دار المقطم- الطبعة الأولى 2003.
39) وقفات تربوية مع السيرة النبوية- أحمد فريد- المكتبة التوفيقية- 2000.
40) زاد المعاد في هدي خير العباد- ابن القيم- المكتبة القيمة.
41) أعلام النبوة- الماوردي- دار الفرجاني.
42) الانتصارات العربية العظمي في صدر الإسلام- محمد عبد الحليم أبو غزالة-1983.
43) صفة الصفوة- ابن الجوزي- دار ابن خلدون- الأولي- 1994.
44) ليس لليهود حق في فلسطين- جمال عبد الهادي، وفاء محمد رفعت- دار الوفاء.
45) الطريق إلي بيت المقدس (القضية الفلسطينية) - جمال عبد الهادي- وفاء محمد رفعت- دار التوزيع والنشر- الثانية- 2001.
46) فتح مصر- جمال عبد الهادي- دار التوزيع والنشر الإسلامية- 1999.
47) إتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصا- أحمد رمضان أحمد- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1984.
48) الثمار والرياحين في قصص القرآن الكريم- أحمد بن محمد طاحون- دار هجر- الأولى 2001.
49) الثلاثون المبشرون بالجنة- مصطفي مراد- دار الفجر- الأولي 1999.
50) أباطيل يجب أن تمحى من التاريخ- إبراهيم شعوط- 1403 هـ.
51) مسلمون ثوار- محمد عمارة- دار الشروق- الطبعة الثالثة 1988.
52) الرسول- سعيد حوى- مكتبة وهبة.
53) قصص القرآن- سعد يوسف- دار الفجر- الطبعة الأولى- 1999.
54) فقه السيرة- محمد سعيد البوطي- دار الفكر- الطبعة السابعة- 1978.
55) السيرة النبوية- مصطفي السباعي- دار السلام- الطبعة الخامسة 2004.
6) هؤلاء أنزل الله فيهم قرآنا- حازم إسماعيل السيد- دار التقوي- الطبعة الأولى- 2001.
57) صلاح الدين الأيوبي- عبد الله ناصح علوان- دار السلام- الطبعة الثانية عشرة- 2002.
58) أعلام المسلمين- أطفالنا- 1998.
59) حياة الصحابة- حلمي عبد المنعم صابر.
60) سيدنا يوسف- عمرو خالد- دار أريج- الطبعة الأولى 2003.
61) فتح القسطنطينية- فتحي شهاب الدين- دار البشير- الأولى 1998.
62) عين جالوت- فتحي شهاب الدين- دار البشير- الأولى 1998.
63) فلسطين والقلب- أسامة جادو-2002.
64) القدس- عبد الحميد الكاتب- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1998.
65) رجال من التاريخ- على الطنطاوي- دار البشير- الطبعة الأولى 1998.
66) أبو حنيفة النعمان- حمزة النشرتي، عبد الحفيظ فرغلي، عبد الحميد مصطفى- المكتبة القيمة.
67) عمر بن عبد العزيز- القرضاوي- مكتبة وهبة- الأولى 2001.
68) حسن الهضيبي المرشد الثاني- نبيه عبد ربه- دار الضياء الأردن- الطبعة الأولى 1987.
69) الإسلام والداعية- أسعد سيد أحمد- دار الأنصاري بالقاهرة- الطبعة الأولى 1977.
70) الإخوان السلمون في حرب فلسطين- كامل الشريف ومصطفي السباعي- دار التوزيع والنشر
الإسلامية- 1986.
71) من أعلام الحركة والدعوة الإسلامية المعاصرة- المستشار عبد الله العقيل- مكتبة المنار الإسلامية- الطبعة الأولى 2001.
72) مذكرات الشهيد الدكتور الرنتيسي- عامر شماخ- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2004.
73) شهيد أيقظ أمة- عامر شماخ- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2004.
74) معارك الرسول مع اليهود- محمد على قطب- دار السيرة- الأولى 1984.

تزكية وأخلاق وعقائد:
75) أسباب الرزق الحلال- محمود المصري- أولاد الشيخ.
76) مواقف من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين- محمود المصري- دار التقوى- 2000.
77) قصص وعبر- محمود المصري- مؤسسة قرطبة- الأولى 2002.
78) الطريق إلى حسن الخاتمة- محمود المصري- مؤسسة قرطبة- الأولى 2001.
79) اقتربت الساعة- محمود المصري- أولاد الشيخ- الأولى 1999.
80) قلب موصول بحب الرسول- محمود المصري- مؤسسة قرطبة- الطبعة الأولى 2004.
81) هل تريد بيتًا في الجنة؟ - محمود المصري- مؤسسة قرطبة- الطبعة الأولى 2001.
82) تذكير الأمة المنصورة بالسنن المهجورة- محمود المصري- الطبعة الأولى 2001.
83) الوقت هو الحياة- محمود المصري- مؤسسة قرطبة- الطبعة الأولى- 2003.
) 40 صفة ممن أخلاق النبي- محمود المصري- مؤسسة قرطبة- الطبعة الأولى 03 20.
85) في التكوين الفردي من خلال ركن العمل- محمد عبد الله الخطيب- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 1993.
86) القائد والمربي- محمد عبد الله الخطيب- دار المنار- طبعة 2003.
87) الشورى في الإسلام- محمد عبد الله الخطيب- دار التوزيع والنشر الإسلامية- طبعة 1999.
88) من فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- محمد عبد الله الخطيب- دار المنار.
89) بحر الدموع- ابن الجوزي- مكتبة الإيمان.
90) المدهش- ابن الجوزي- المكتبة التوفيقية.
91) صيد الخاطر- ابن الجوزي- دار الفجر- الطبعة الأولى 2003.
92) المواعظ والمجالس- ابن الجوزي- مكتبة الإيمان- الطبعة الأولى 1986.
93) دمعة تائب- إبراهيم الدويش- مكتبة العلم- الطبعة الأولى 2003.
94) عندما ينطق الحجر- إبراهيم الدويش- مكتبة العلم 2002.
95) روائع الأسحار- إبراهيم الدويش- مكتبة العلم.
96) اتهم نفسك - إبراهيم الدويش- مكتبة العلم- الطبعة الأولى 2002.
97) الأماني والمنون- إبراهيم الدويش- مكتبة العلم 2002.
98) حين يجد المؤمن حلاوة الإيمان- عبد الله ناصح علوان- دار السلام- الثانية عشرة 2002.
99) دور الشباب في حمل رسالة الإسلام- عبد الله ناصح علوان- دار السلام- الطبعة الرابعة 1992.
100) الإسلام شريعة الزمان والمكان- عبد الله ناصح علوان- دار السلام- الطبعة السادسة 2002.
101) محاضرة تكون الشخصية الإنسانية عبد الله ناصح علوان دار السلام الطبعة السادسة 1996.
102) الأخوة الإسلامية- عبد الله ناصح علوان- دار السلام- السادسة 1997.
103) حتى يعلم الشباب- عبد الله ناصح علوان- دار السلام- الطبعة التاسعة 1998.
104) الصبر والثبات على الطريق- أحمد جاد- زهرة المدائن- الطبعة الأولى 2002.
105) الطريق إلى الربانية- مجدي الهلالي- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2003.
106) فقه الأولويات في الإسلام- مجدي الهلالي- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 1994.
107) ركائز الدعوة- مجدي الهلالي- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الثانية 1995.
108) حطم صنمك- مجدي الهلالي- دار اقرأ- 2004.
109) رسالة إلى أخي في الله- مجدي الهلالي- دار التوزيع والنشر والإسلامية- 1993.
110) العودة إلى القرآن- مجدي الهلالي- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2003.
111) الإيمان أولا- مجدي الهلالي- دار التوزيع والنشر الإسلامية 2000.
112) أضواء على طريق الدعوة- مجدي الهلالي- دار البشير- 1990.
113) هلموا إلى ربكم- مجدي الهلالي- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2004.
14) الإيمان والحياة- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الثالثة عشرة 2002.
115) شمول الإسلام- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الثالثة 2003.
116) أولويات الحركة الإسلامية- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الرابعة 1992.
117) مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام- مكتبة وهبة- الطبعة السادسة 1995.
118) الإسلام والفن- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الأولى 1996.
119) حقيقة التوحيد- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة السابعة 1998.
120) المبشرات بانتصار الإسلام- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الأولى 1996.
121) ظاهرة الغلو في التكفير- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الثالثة 1990.
22 1) أين الخلل؟ - القرضاوي- دار الرسالة- الطبعة السابعة 1993.
123) الرسول والعلم- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الأولى 1999.
124) الحياة الربانية والعلم- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الأولى 1995.
125) ملامح المجتمع المسلم- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الأولى 1993.
126) مكانة المرأة في الإسلام- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الأولى 1996.
127) الثقافة العربية والإسلامية بين الأصالة والمعاصرة- القرضاوي- مكتبة وهبة- الطبعة الأولى 1994.
128) العبادة في الإسلام- القرضاوي- مكتب وهبة- الطبعة الرابعة والعشرون 1995.
129) حول ركن الإخلاص- القرضاوي- دار التوزيع والنشر الإسلامية 1993.
130) حكمة الابتلاء- ابن القم- دار السلام- الطبعة الثانية 1984.
131) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين- ابن القيم- دار القلم.
132) الفوائد- ابن القيم- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2000.
133) كتاب الروح- ابن القيم- دار الفجر- الطبعة الأولى 1999.
134) الداء والدواء- ابن القيم- دار التقوى- الطبعة الأولى 2003.
135) مدارج السالكين- ابن القيم- دار الفجر.
136) ذم الهوى واتباعه- ابن القيم- دار ابن المبارك.
137) إغاثة اللهفان- ابن القيم- مكتبة الصفا- الطبعة الأولى 2001.
138) إيقاظ الغافلين- خالد عبد المعطي- مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة- 2004.
139) مواقف بكى فيها الرسول والصحابة- مجدي محمد الشهاوي- المكتبة التوفيقية.
140) الزيارة- اعتماد زغلول- سما للنشر- الأولى 1999.
141) التوهم- الحارث المحاسي- مكتبة القدس- الأولى- 1994.
142) باطن الإثم- محمد سعيد البوطي- دار الأسماء.
143) 33 سببًا للخشوع في الصلاة- محمد صالح المنجد.
144) مفهوم الحكمة في الدعوة- صالح بن عبد الله.
145) فضل الجهاد والمجاهدين- ابن باز- 1411 هـ.
146) أخلاقنا- وحيد الدين خان- الأولى 1992.
147) الإنفاق وأثره في بناء شخصية المسلم- أحمد عبد الخالق- القادسية- الأولى 2000.
48 1) قضية التوحيد- الحبر يوسف- دار النذير- الأولى 1987.
149) الخائفون من الإسلام لماذا؟ - محمد نعيم ياسين- دار الوفاء- الرابعة 1992.
150) من معجزات النبي- مصطفي العدوى- مكتبة الإيمان.
151) الله والعلم الحديث- عبد الرازق نوفل- الهيئة المصرية العامة للكتاب 1998.
152) الجهاد الاقتصادي- حسين شحاتة- الطبعة الثالثة 2002.
153) شرعية العمل الجماعي- عصام البشير- دار النذير- الطبعة الأولى 1990.
154) الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية- صادق أمين- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
155) كيف تدير وقتك؟ - صلاح الدين محمود.
156) العائدون إلى الله- محمد بن عبد العزيز المسند- الطبعة الأولى 1412 هـ.
157) التفكير فريضة إسلامية- العقاد- الهيئة المصرية العامة للكتاب- 1998.
158) التدخين بين الطب والقرآن والسنة- محمد السيد أرناؤوط- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
159) المنطلق- محمد أحمد الراشد.
160) الدعاء المستجاب- أحمد عبد الجواد- مكتبة مصر.
161) صفات الداعية- زهرة المدائن- الأولى 1994.
162) على الطريق- على القرني- مكتبة أولاد الشيخ- الأولى 2000.
163) إدارة الأزمات الاقتصادية- حسين شحاتة- دار الكلمة- الأولى 2000.
164) الرشوة في ميزان الشريعة الإسلامية- حسين شحاتة- دار المنار- الطبعة الأولى 2002.
165) البعد الاقتصادي في حياة الرسول حسين شحاتة- دار الكلمة- الأولى 2002.
166) الاستدانة - عبد الخالق حسن الشريف- الأولى 2002.
167) الصدق- وجدي غنيم- دار المنار- الأولى 2000.
168) الأمانة- وجدي غنيم- دار المنار- 2002.
169) الوفاء- وجدي غنيم- دار المنار- 2002.
170) دعوة للتأمل- على القرني- مكتبة العلم- الأولى 2003.
171) العادة السرية- محمد صالح المنجد- مكتبة العلم.
172) هناك حيث يطفأ نور الإيمان- عبد الملك القاسم- دار القاسم- الأولى 1418 هـ.
173) الذوق سلوك الروح - عباس السيسي- دار التوزيع والنشر الإسلامية-1998.
174) احذر أقوالاً وأفعالاً واعتقادات خاطئة- طلعت زهران- دار العقيدة- الثانية 1998.
175) أختاه كيف تنفقين؟ - أحمد عبد الخالق- دار القادسية- الأولى 2000.
176) محرمات استهان بها الناس- محمد صالح المنجد- الثانية 1419 هـ.
177) إيقاظ الهمم قبل يوم الندم- عبد الحميد هنداوي- دار الهدي- الأولى 1997.
178) قواعد الدعوة إلى الله- همام عبد الحميد سعيد- دار الوفاء- الثالثة 1992.
179) فقه النصر والتمكين- على محمد الصلابي- دار الإيمان 2002.
180) في واحة الإسلام- على متولي.
181) فقه المراقبة- أحمد جاد- دار الكلمة- الأولى 1999.
182) فقه النصيحة- أحمد جاد- دار الكلمة- الأولى 1999.
183) ربانية لا رهبانية- أبو الحسن الندوي- الأولى 2000.
184) صلاة الفجر مصنع الرجال- عبد العظيم رمضان- دار التوزيع والنشر الإسلامية- 2002.
185) مقاطعة اليهود- الشحات الطحان- دار الكلمة.
186) صناعة الحياة- محمد أحمد الراشد- الثالثة 1994.
187) نحو المعالي- محمد أحمد الراشد- دار البشير- الطبعة الثالثة 1994.
188) تقرير ميداني- محمد أحمد الراشد- دار البشير.
189) هو الله- ياسين رشدي- نهضة مصر.
190) صفات وسلوكيات تربوية- محمد عبد الحليم حامد- دار التوزيع والنشر الإسلامية- 1998.
191) أهوال جهنم ونعيم أهل الجنة- علي الطهطاوي- دار الروضة 1996.
192) لقاء الجماهير- أكرم رضا- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الأولى 2001.
193) الدعوة في موكب الأنبياء- علي متولي- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
194) شخصية المسلم بين الفردية والجماعية- محمد السيد نوح- دار الوفاء- الطبعة الرابعة 1993.
195) المتغيرات الدولية- فتحي يكن- مؤسسة الرسالة- الطبعة الأولى 1993.
196) العالم الإسلامي والمكائد الدولية- فتحي يكن- مؤسسة الرسالة.
197) الحياء- فتحي عبد الستار- سما للنشر- الطبعة الأولى 2000.
198) الإسلام والعلم- أحمد عبد الحميد غراب- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
199) مع الله- حسن أيوب- دار الأنصار- الطبعة الخامسة 1982.
200) الإيجابية في حياة الداعية- عادل الشويخ- دار البشير- الطبعة الثانية 1993.
201) وهكذا أسلمن- وفاء سعداوي- دار الإبداع- الطبعة الثانية 2003.
202) صور من تسبيح الكائنات لله- زغلول النجار- نهضة مصر- الطبعة السادسة 2003.
203) معراج المؤمنين- علاء الدين محرم- دار التوزيع والنشر الإسلامية- 2003.
204) معركة الوجود بين القرآن والتلمود- عبد الستار فتح الله- الطبعة السادسة 1415 هـ.
205) مبشرات النصر والتمكين- سيد العفاني- الطبعة الأولى 2000.
206) لا لن يمحى الأقصى- خيري مكاوي.
207) صلاة الصالحين وقصص العابدين- أحمد مصطفي الطهطاوي- دار الفضيلة.
208) مائة قصة وقصة في التوبة وحسن وسوء الخاتمة- محمد عبد الله الهندي- مكتبة الإيمان.
209) 100 قصة من ذكاء الصحابيات- منصور عبد الحكيم- المكتبة التوفيقية.
210) الوقت عمار أو دمار- جاسم محمد بدر المطوع- دار الوفاء- الطبعة السادسة 1992.
211) فن التعامل مع الآخرين- محمد سعيد مرسي- دار البشير- الطبعة الأولى 2001.
212) المصطفى من صفات الدعاة- عبد الحميد البلالي- دار الكلمة- الطبعة الأولى 2000.
213) عقيدة المسلم- محمد الغزالي- دار الدعوة- الطبعة الثالثة.
214) مختصر منهاج القاصدين- ابن قدامة المقدسي- دار التراث.
215) سمير الصالحين وأنيس المتقين- أحمد الشهاوي- سعد شرف الدين- المكتبة التوفيقية.
216) البحر الرائق في الزهد والرقائق- أحمد فريد- المكتبة التوفيقة.
217) تنبيه الغافلين- السمرقندي- مكتبة الصفا الطبعة الأولى 2002.
218) لطائف المعارف- ابن رجب الحنبلي- مكتبة الإيمان الطبعة الأولى 1999.
219) رحلتي مع الجماعة الصامدة- أحمد أبو شادي- دار التوزيع والنشر الإسلامية 1998.
220) حكايات عن الإخوان- عباس السيسي- دار التوزيع والنشر الإسلامية 1998.
221) الإعجاز العلمي في الإسلام- محمد كامل عبد الصمد- الدار المصرية اللبنانية- الطبعة الثالثة 1996.
222) الابتلاء والمحن- محمد عبد القادر أبو فارس- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
223) النور الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى- سليمان سامي- الطبعة الأولى 1995.
224) إحياء علوم الدين- أبو حامد الغزالي- دار الفجر- الطبعة الأولى 1996.
225) أصول الدعوة- عبد الكريم زيدان- مؤسسة الرسالة- الطبعة الثامنة 1998.
226) علو الهمة- محمد أحمد إسماعيل المقدم- المكتبة التوفيقية.
227) لا تحزن- عائض القرني- مكتبة البلد الأمين- الطبعة الثالثة 2000.
228) التضحية والفداء -جمعة أمين عبد العزيز- دار الدعوة- الطبعة الثانية 2001.
229) رياض الصائمين- عبد الرحمن البر- دار الوفاء- الطبعة الأولى 1994.
230) من مبادئ الإسلام- علي لبن- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2003.
231) مداوة النفوس- ابن حزم- دار الصحابة- الطبعة الثانية 1992.
232) ومضات من النور- عصام أحمد خيري- الطبعة الأولى 1996.
233) مجالس الإيمان في رحاب القرآن- علاء الدين محرم- 2002.
234) زادنا في رمضان- منير جمعة.
235) رحلة البحث عن اليقين- خالد أبو شادي- دار الراية- الطبعة الأولى 2002.
236) الأرزاق بين بركة الطاعات ومحق السيئات- حسين شحاتة- دار النشر للجامعات- الطبعة الأولى 2000.
237) العبادات وأثرها في بناء الفرد والمجتمع- صلاح سلطان.
238) مواقف إيمانية للنساء- محمد عبد العاطي بحيري- المكتبة التوفيقية- 2002.
239) خير القرون (صور إيمانية من حياة الصحابة والتابعين) - مصطفي أبو المعاطي- شروق- الطبعة
الأولى 2002.
240) العقل والإيمان في الإسلام- صابر طعيمة- دار الجبل- الطبعة الأولى 1979.
241) الأخلاق بين الفلاسفة وعلماء الإسلام- مصطفي حلمي- دار الدعوة- الطبعة الثانية 1993.
242) المنافقون في القرآن الكريم- محمد يونس عبد بن حسن- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
243) الكبائر- الذهبي- مكتبة الصنادقية.
244) الولاء والبراء- سعيد القطحاني- المكتبة التوفيقية 2003.
245) تربيتنا الروحية- سعيد حوى- الطبعة الرابعة 1995.
246) تيسير العزيز الحميد- سليمان عبد الله.
247) الزهد- أحمد بن حنبل- دار عمر بن الخطاب.
248) منهاج المسلم- أبو بكر جابر الجزائري- مكتبة الدعوة- الطبعة الثامنة 1976.
249) السلوك الاجتماعي في الإسلام- حسن أيوب- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
250) حياة الصحابة- محمد يوسف الكاندهلوي- دار الكتاب الإسلامي.
251) الصحابة والصالحون على فراش الموت- مجدي فتحي السيد- المكتبة التوفيقية.
252) بر الوالدين- رضا المصري- دار الدعوة- الطبعة الأولى 2002.
253) ترطيب الأفواه بذكر من يظلهم الله- سيد حسين العفاني- دار العفاني- الطبعة السادسة 2003.
254) كيف نحب رسول الله؟ - نبيل حامد المعاز- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2001.
255) الطراز الرباني- نبيل حامد المعاز- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2001.
256) صفات ومقومات المسلم- محمد فوزي- دار المنار- الطبعة الأولى 2002.
257) مواقف بطولة من صنع الإسلام- زياد أبو غنيمة- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
258) عدة المجاهدين- نبيل حامد المعاز- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2003.
259) رجل المحراب- جمال حامد- دار الكلمة- الطبعة الأولى 2001.
260) كونوا على الخير أعوانًا- محمد صالح المنجد- مكتبة العلم.
261) القرآن شرعتنا- موسي السعيد جبارة.
262) حقوق الإنسان في الإسلام- محمود غزلان- دار التوزيع والنشر الإسلامية 2002.
263) آفات على الطريق- السيد محمد نوح- دار الوفاء- الطبعة السادسة 1992.
264) تذكرة دعاة الإسلام- المودودي- دار الكنوز- الطبعة الأولى 1994.
265) الآفات العشرون- عبد القادر أحمد عبد القادر- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الثانية.
266) غض البصر- عبد العزيز الغزولي- دار المنار- 2001.
267) حب النبي ودلائله- عبد الرحيم عبد السلام- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2002.
268) التخطيط للهجرة- أحمد عبد العظيم- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2003.
269) دروس تربوية من الهجرة النبوية- عبد الحي الفرماوي- دار الكلمة- الطبعة الأولى 2000.
270) كلكم راع- فؤاد الهجرسي- دار الكلمة- الطبعة الأولى 1999.
271) المؤمن القوي- طه الساعي- دار التوزيع والنشر الإسلامية- 2001.
272) التجرد- محمد الكاتب- دار الكلمة- الطبعة الأولى 2001.
273) رجل عفيف- جمال حامد- دار الكلمة- الطبعة الأولى 2001.
274) مراتع الخير- بلال وهب- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2003.
275) قادة الغرب يقولون دمروا الإسلام أبيدوا أهله- عبد الودود يوسف- دار السلام- 1993.
276) وقبل الوداع كانت حقوق الإنسان- أحمد عبد الخالق- القادسية- الطبعة الأولى 2000.
277) كفالة اليتيم- محمد خلف يوسف- مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة- الطبعة الأولى 2004.
278) الإيجابية- أحمد عبد الخالق- دار القادسية- الطبعة الثانية 2002.
279) كيف تحافظ على صلاة الفجر؟ - راغب السرجاني- دار اقرأ 2004.
280) عداء اليهود للحركة الإسلامية- زياد أبو غنيمة- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
281) مقومات التصور الإسلامي- سيد قطب- دار الشروق.
282) الطريق إلى جماعة المسلمين- حسين بن محسن بن علي- دار الوفاء- الطبعة السابعة 2002.
283) ماذا يعني انتمائي للإسلام؟ - فتحي يكن- مؤسسة الرسالة- الطبعة الخامسة والعشرون 2003.
284) بروتوكولات حكماء صهيون- ترجمة محمد خليفة التونسي- دار التراث.
285) مائة موقف من حياة المرشدين- محمد عبد الحلبم حامد- دار التوزيع والنشر الإسلامية 2002.
286) الدعوة الفردية بين النظرية والتطبيق- عبد الحليم الكناني- تقديم الشيخ محمد عبد الله الخطيب - مؤسسة اقرأ.
287) رحلتي مع الإخوان المسلمين- أبو الفتوح عفيفي- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2003.
288) شاهد على جهاد الإخوان المسلمين في حرب فلسطين- علي مصطفى نعمان- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2002.
289) مجموعة رسائل حسن البنا- دار التوزيع والنشر الإسلامية- 1992.
290) حول أساسيات المشروع الإسلامي- عبد الحميد الغزالي- دار التوزيع والنشر الإسلامية 2000.
291) أيام من حياتي- زينب الغزالي- دار الشروق- الطبعة الثالثة عشرة 1992.
292) خصائص التصور الإسلامي- سيد قطب- دار الشروق- الطبعة التاسعة 1987.
293) العدالة الاجتماعية في الإسلام- سيد قطب- دار الشروق- الطبعة الحادية عشرة 1988.
294) نحن والحضارة الغربية- أبو الأعلى المودوي- 1987.
295) تأملات إيمانية في سورة يوسف- ياسر برهامي- دار الإيمان- 2004.
296) للعاقلات فقط- جمال عبد الرحمن- دار طيبة- مكة- الطبعة الخامسة 2003.
297) عظماء الأطفال- جمال عبد الرحمن- دار طيبة- مكة- الطبعة الثانية 2002.
298) مختصر عيش السعداء بين الخوف والرجاء- سيد عفاني- دار العفاني- الطبعة الأولى 2003.
299) فضل الرضا وأخبار ساداته- سيد عفاني- دار عفاني 2003.
300) عمارة الأوقات بعمل الصالحات- سيد عفاني- دار العفاني 2003.
301) علاج الهموم- محمد صالح المنجد- المكتبة المحمودية- 2000.
302) أين نحن من الخاشعين والخاشعات؟ - أبو بكر فراج- الكتبة المحمودية- 2002.
303) مواقف إيمانية- أحمد عيد- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 1993.
304) فهم الإسلام في ظلال الأصول العشرين- جمعة أمين عبد العزيز- دار الدعوة.
305) طريق السعادة- أحمد فريد- مكتبة ابن تيمية- الطبعة الأولى 1999.
306) الجانب الخفي وراء إسلام هؤلاء- محمد كامل عبد الصمد- الطبعة الأولى 1995.

البيت المسلم:
307) تحفة العروس- محمود مهدي الاستانبولي- العالمية للنشر والتوزيع.
308) صديق الأسرة السعيدة- شوقي محمد يوسف- دار الفضيلة.
309) آداب الخطبة في الإسلام- حسين شحاتة- دار المنار- الطبعة الأولى 2002.
310) الأسرة المسلمة مشكلات وحلول- أحمد عبد الخالق- دار القادسية- الطبعة الأولى 2000.
311) 100 حل للمشكلات الزوجية- محمود المصري- مؤسسة قرطبة- الطبعة الأولى 2003.
312) عوامل إصلاح المجتمع- ابن باز- الطبعة الأولى 1992.
313) الوسائل المفيدة للحياة السعيدة- عبد الرحمن بن ناصر- 1998.
314) أواصر المجتمع المسلم- محمود الجوهري- دار التوزيع والنشر الإسلامية.
315) الشباب في مرآة الإسلام- عبد الخالق حسن الشريف- 2002.
316) الشباب ألم وأمل- إبراهيم الدويش- أولاد الشيخ- الطبعة الأولى 1999.
317) الإسلام والجنس- عبد الله ناصح علوان- دار السلام- الطبعة الخامسة 1995.
318) إلى كل فتاة تؤمن بالله- محمد سعيد البوطي.
319) التبرج- نعمت صدقي- دار الاعتصام.
320) مع الأخت المسلمة في واحة الحجاب- علي متولي- دار الأرقم- الطبعة الأولى 1993.
321) 40 نصيحة لإصلاح البيوت- محمد صالح المنجد- مكتبة العلم.
322) فن التعامل مع الأزواج- عبد الجبار أحمد عبد الجبار- دار الطلائع 1996.
323) كيف نعيش حياة زوجية سعيدة؟ - عادل فتحي عبد الله- دار الإيمان- الطبعة الأولى 1999.
324) الوسائل المفيدة للحياة السعيدة- عبد الرحمن بن ناصر السعدي- دار الوطن.
325) آداب الزفاف- ناصر الألباني.
326) البيت محراب عبادة- محمد حسين- سما للنشر- الطبعة الأولى 2000.
327) كيف تسعد زوجتك؟ - محمد عبد الحليم حامد- دار المنار- الطبعة الثالثة 1996.
328) كيف تسعدين زوجك؟ - محمد عبد الحليم حامد- دار المنار- الطبعة الثالثة 1996.
329) الرجل والبيت- حسين شحاتة- دار المنار- الطبعة الأولى 2000.
330) كيف تبنين بيتًا سعيدًا- أكرم رضا- سما للنشر- الطبعة الأولى 2001.
331) فن صناعة الحب ومعاملة الرجال- خالد السيد عبد العال- دار التوزيع والنشر الإسلامية- الطبعة الأولى 2000.
332) العشرة الطيبة مع الرجل- محمد حسين- المدائن- الطبعة الثانية.
333) سلسلة البيت المسلم- محمد حسين- دار الدعوة- الطبعة الأولى 2003.
334) خطوط رئيسية في الاقتصاد الإسلامي- محمود أبو السعود- الاتحاد الإسلامي العالمي 1991.

أدب - لغة:
335) المعجم الوجيز- مجمع اللغة العربية- وزارة التربية والتعليم 2000.
336) ديوان هاشم الرفاعي- مكتبة الإيمان- الطبعة الأولى 1996.
337) المسلمون قادمون- القرضاوي- دار الوفاء.
338) الفروق اللغوية- أبو الهلال العسكري- المكتبة التوفيقية.
339) ديوان الشافعي - دار ابن زيدون- بيروت.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1885
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

صفحة 2 من اصل 2 الصفحة السابقة  1, 2

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى