منتديات أنوار المدينة
أهلاً وسهلااً بك زائرنا الكريم إذا كانت هذه زيارتك الأولى نرجو من حضرتك التسجيل
حتى تتمكن من استعمال العناوين الخارجية

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

صفحة 1 من اصل 2 1, 2  الصفحة التالية

اذهب الى الأسفل

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 14:11

موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق
(قصص تربوية من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين)
الجزء الأول
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)} [الأحزاب: 70 - 71].
أما بعد ..
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وضح النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الإيمان القوي يلد الخلق القوي حتمًا، وأن انهيار الأخلاق مرده إلى ضعف الإيمان، فالرجل الذي يؤذي جيرانه يحكم الله عليه حكمًا قاسيًا فيقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن قالوا: من ذاك يا رسول الله؟ قال: جار لا يأمن جاره بوائقه، قيل: وما بوائقه، قال:
 
شره" [رواه أحمد]، ويعلم الرسول أصحابه الإعراض عن اللغو فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" [رواه البخاري].
على أن المنتسبين للإسلام يستسهلون أداء العبادات المطلوبة، ولكنهم يعملون أعمالاً يأباها الخلق القويم، وفي هذا ورد حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - قال رجل: يا رسول الله إن فلانة يذكر من كثرة صلاتها وصيامها وصدقتها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها! قال: "هى في النار" ثم قال: يا رسول الله فإن فلانة يذكر من قلة صيامها وصدقتها وصلاتها وإنها تصدق بالأثوار من الأقط (الأثوار جمع ثور وهو القطعة من الأقط وهو اللبن المجفف) ولا تؤذي جيرانها بلسانها قال: "هى في الجنة" [أرواه أحمد].
ولقد سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه يومًا فقال: "أتدرون من المفلس؟ ".
قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
فقال: "إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار" [رواه مسلم].
ودائرة الأخلاق تشمل الجميع، فقد ذبحت شاة لابن عمر فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟

والهدف من كتابة هذه الموسوعة هو مواجهة التدهور الأخلاقي الموجود في المجتمع.
يقول محمد الغزالي: العبادات التي شرعت في الإسلام ليست طقوسًا مبهمة بل هي تمارين متكررة؛ لتعود المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، فالصلاة الواجبة عندما أمر الله بها أبان الحكمة من إقامتها.
والزكاة المفروضة ليست ضريبة، ولكنها غرس لمشاعر الحنان والرأفة لقوله تعالى:
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، ومن أجل ذلك وسع النبي - صلى الله عليه وسلم - في دلالة كلمة الصدقة فقال - صلى الله عليه وسلم - "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة، وبصرك للرجل الردئ البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو
أخيك لك صدقة" [رواه الترمذي].
وكذلك شرع الإسلام الصوم؛ فلم ينظر أنه حرمان مؤقت من بعض الأطعمة والأشربة، بل حرمان النفس من شهواتها المحظورة؛ ولذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" [رواه البخاري]، والقرآن الكريم يذكر ثمرة الصوم بقوله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
وقد يحسب الإنسان أن الحج مجرد رحلة بعيدة عن المعاني الحقيقية، وهذا خطأ، والله تعالى يقول: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197].
وهذه الموسوعة تحتوي على مجموعة من الأخلاق والصفات متضمنة القصص التربوية، وقمت بمراعاة الآتي في الموسوعة:
- قمت بالتعليق بعد معظم القصص بسؤال أو نصيحة أو توجيه تربوي لننتقل من ميدان القول إلى ميدان العمل، فليس الهدف من الموسوعة سرد القصص فحسب بل الالتزام بالمفاهيم التربوية والأخلاق الإسلامية.
- الإكثار من القصص لما لها من تأثير على النفوس، ونجد أن كثيرًا من الناس يتأثر بالقصص أكثر من الموعظة المجردة، فالهدف هو اكتساب الأخلاق، فإذا تحققت فيك هذه الصفة فاحمد الله، وإن لم تتحقق فجاهد نفسك في الالتزام بها، واستعن بالله ثم بإخوانك، ولا تتعجل في الانتقال إلى الصفة الثانية حتى تتحقق الأولى، وليس شرطًا قراءة الموسوعة من أولها، بل انظر إلى الصفة التي تجد فيها تقصيرًا في نفسك، واجتهد في الالتزام بها.
يفضل قراءة صفة واحدة يوميًا أو أسبوعيًا مع نفسك وأهلك وإخوانك وأبنائك، وابحث كيف تتحقق فينا هذه الصفة عمليًا من خلال التوجيهات التربوية، وليكن شعارنا هذا الأسبوع مثلا "الصدق" أو "الأمانة".
ننبه أن ما سيأتي من كلام ونصائح وإرشادات وتوجيهات ستبقى حبرًا على ورق ما لم تتقل إلى حيز التنفيذ، وتدخل عالم الواقع.
ولا تنس أخي الحبيب الدعاء لمن كتب هذا الكتاب المتواضع بأن يكون هذا الجهد
في ميزان حسناته، وأن يتقبله منا خالصًا لوجهه الكريم، ونسعد بتقديم ملاحظاتكم للاستفادة منها.
وسيجد القارئ بعض القصص قد تكررت في أكثر من صفة رأينا الإبقاء عليها لأهميتها ودلالتها، وهي مع ذلك قليلة العدد لا تكاد تلاحظ.
هذا هو جهد المقل، إن يكن خيرًا فلله الحمد والفضل، فما تحرك قلمي إلا بإذنه، ولا تحرك فكري إلا برزقه، وما جمعت ورتبت إلا بعونه.
وأعتذر عما قد يكون في هذا العمل من نقص، بما قال العماد الأصفهاني: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدِّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل استيلاء النقص على جملة البشر".
وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم وأنساه، وأعوذ بالله أن أكون جسرًا تعبرون عليه إلى الجنة ويلقى بي في النار، وهذا الجهد نسأل الله أن يتقبله وأن يجزي خيرًا كل من عمل فيه أو ساهم في نشره.
والله نسأل أن ينفع به كل من قرأه واطلع عليه، وأن ينفعنا بنصيحته ويفيدنا برأيه.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الإخلاص

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 14:16

الإخلاص
لقد أثبتت الأيام أننا في حاجة إلى إخلاص الأعمال لله تبارك وتعالى، وكان صحابة الني - صلى الله عليه وسلم - يحرصون على إخلاص أعمالهم لربهم، ويجددون نياتهم في كل وقت وحين، ومن ظن أن في إخلاصه إخلاصًا فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص، ولذا لابد أن يراقب كل منا نيته: ماذا أريد بأكلتي؟ ماذا أريد بكلمتي؟ فإن أراد بها وجه الله أمضاها وإلا تركها ثم جدد نيته.
وقد وردت الآيات والأحاديث التي تحض على الإخلاص نذكر منها قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5].
وقوله تعالى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 11].
وقوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر: 2]، إلى غير ذلك من الآيات.
ومن الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشهور "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرله إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" [متفق عليه].
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" [متفق عليه].
وسئل الني - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -:" من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" [متفق عليه].
قال أبو عثمان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق فقط.
قال الفضيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
فقد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان وأنوار القرآن أن لا وصول إلى السعادة إلا بالعلم والعبادة، فالناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا
العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم.
فالعمل بغير نية عناء، والنية بغير إخلاص رياء، والإخلاص من غير تحقيق هباء، قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23].
قال بعض السلف: رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية.
وقال بعض العارفين: إني أستحب أن يكون لي في كل شيء نية حتى في أكلي وشربي ونومي ودخولي إلى الخلاء.
وقال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو فيكون ذلك عونًا لي على الحق، وقال علي كرم الله وجهه: روحوا القلوب فإنها إذا أكرهت عميت.
ولقد كان معروف الكرخي -رحمه الله تعالى- يضرب نفسه ويقول: يا نفسي أخلصي تتخلصي.
وقال يعقوب المكفوف: المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.
وقال سليمان: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله تعالى.
وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى أبي موسى الأشعري: من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس وكتب بعض الأولياء إلى أخ له: أخلص النية في أعمالك يكفك القليل من العمل.
وقال أيوب السختياني: تخليص النيات على العمال أشد عليهم من جميع الأعمال.

عشرة لا ينتفع بها:
يقول ابن القيم: عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها:
علم لا يعمل به.
وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء.
ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جامعه في الدنيا ولا يقدمه أمامه في الآخرة.
وقلب فارغ من محبة الله والشوق إليه والأنس به.
وبدن معطل من طاعته وخدمته.
ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب وامتثال أوامره.
ووقت معطل عن استدراك فارط أو اغتنام به وقربة.
وفكر يجول فيما لا ينفع.
وخدمة من لا تُقربك خدمته إلى الله ولا تعود عليك بصلاح دنياك.
وخوفك ورجاؤك لمن ناصيته بيد الله وهو أسير في قبضته، ولا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
وأعظم هذه الإضاعات إضاعتان هما أصل كل إضاعة: إضاعة القلب وإضاعة الوقت، فإضاعة القلب من إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعة الوقت من طول الأمل، فاجتمع الفساد كله في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاح كله في اتباع الهدى والاستعداد للقاء، والله المستعان.

من مظاهر الإخلاص:
إخفاء الطاعات:
قال رجل لتميم الداري: ما صلاتك بالليل؟ فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: والله لركعة أصليها في جوف الليل في سر أحب إلي من أن أصلي الليل كله ثم أقصه على الناس.
وعن أبي بكر المروزي قال: كنت مع أبي عبد الله (يعني الإمام أحمد) نحوًا من أربعة أشهر، فكان لا يدع قيام الليل، وقراءة النهار، فما علمت بختمة ختمها .. كان يسر ذلك.
صاحب النقب:
حاصر مسلمة بن عبد الملك حصنًا فندب الناس إلى نقب منه، فما دخله أحد حتى جاء رجل من عرض الجيش فدخله وعالج الباب فكسره، ففتحه الله عليهم. فنادى مسلمة على صحب النقب، فما جاء أحد، قال: فليدخل على ساعة يأتي.
فأتى رجل فقال للحاجب: استأذن لي على الأمير.
فقال: أنت صاحب النقب؟ قال: أنا أخبركم عنه.
فأتى مسلمة فأخبره الحاجب فأذن له فقال له: إن صاحب النقب يأخذ عليكم ثلاثًا.
- ألا تسودوا اسمه في صحيفة الخليفة.
- ولا تأمروا له بشيء.
- ولا تسألوه من هو.
فقال مسلمة: نعم، فمن هو؟ قال الرجل: أنا هو. ثم اختفى.
فكان مسلمة لا يصلي صلاة إلا قال: اللهم اجعلني مع صاحب النقب.
ويقول عمرو بن العاص: ركعة بالليل خير من عشر بالنهار.
وُيروي أن إبراهيم النخعي كان إذا دخل عليه رجل وهو يقرأ في المصحف غطاه.
الخوف من الشهرة:
قال إبراهيم بن أدهم: ما قرت عيني يومًا في الدنيا قط، إلا مرة واحدة: بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام، وكان بي البطن (مغص)، فجاء المؤذن وجرني برجلي حتى أخرجني من المسجد.
وإنما قرت عينه لأن الرجل لم يعرفه، ولذا عامله بعنف، وجره من رجله كأنه مجرم، وهو الذي ترك الإمارة والثروة لله تعالى.
وقال سليم بن حنطلة: بينما نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه، إذ رآه عمر فعلاه بالدرة، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ فقال عمر: إن هذه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع. وهي لفتة عمرية نفيسة إلى ما قد تحدثه هذه المظاهر البسيطة في بدايتها من عواقب وآثار بعيدة الغور في نفسية الجماهير التابعة، والقادة المتبوعين.
وعن الحسن قال: خرج ابن مسعود يومًا من منزله فاتبعه ناس، فالتفت إليهم، فقال: علام تتبعوني؟ فوالله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان.
وخرج أبو أيوب السختياني في سفر، فشيعه ناس كثيرون فقال: لولا أني أعلم أن الله يعلم من قلبي أني لهذا كاره لخشيت المقت من الله عز وجل.
ولا يفهم من هذه الآثار الدعوة إلى الانطوائية والعزلة، فإن الذين رُويت عنهم إنما هم أئمة ودعاة مصلحون. والشهرة في ذاتها ليست مذمومة، ولكن المذموم هو طلب الشهرة والزعامة والجاه والحرص عليها.
ويقول الجنيد: إن لله عبادًا عقلوا، فلما عقلوا عملوا، فلما عملوا أخلصوا، فاستدعاهم الإخلاص إلى أبواب البر أجمع. وقال بشر الحافي: ما اتقى الله من أحب الشهرة.
ويقول أبو حامد الغزالي في باب محاسبة النفس: (ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه ... أو ما تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلب من بعض الناس إليك، فاحسبي أن كل من على وجه الأرض سجد لك أو أطاعك، أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين أنت، ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك؟ وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك، ولا ذكر من ذكرك، كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك".
ويقول وهيب بن الورد: خالطت الناس خمسين سنة، فما وجدت رجلاً غفر لي ذنبًا فيما بيني وبينه، ولا وصلني إذا قطعته، ولا ستر عليَّ عورة، ولا أمنته إذا غضب، فالاشتغال بهؤلاء حمق كبير.
وقال الشافعي: من طلب الرياسة فرت منه، وإذا تصدر الحدث فاته علم كثير (1).
فإذا قلت: أي شهرة تزيد على شهرة الأنبياء والخلفاء الراشدين وأئمة العلماء! فكيف فاتهم فضيلة الخمول؟ فاعلم أن المذموم طلب الشهرة، فأما وجودها من جهة الله سبحانه من غير تكلف من العبد فليس بمذموم. نعم فيه فتنة على الضعفاء دون الأقوياء، وهم كالغريق الضعيف إذا كان معه جماعة من الغرقى، فالأولى به أن لا يعرفه أحد منهم فإنهم يتعلقون به، فيضعف عنهم فيهلك معهم، وأما القوي فالأولى أن يعرفه الغرقى ليتعلقوا به فينجيهم ويثاب على ذلك.
وقال ابن مسعود: كونوا ينابيع العلم مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض.
__________
(1) صفة الصفوة (1/ 478).
اتهام النفس:
عن كنانة بن جبلة السلمي قال: قال بكر بن عبد الله: إذا رأيت من هو أكبر منك، فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني.
وعن يونس قال: سمعت محمد بن واسع يقول: لو كان يوجد للذنوب ريح ما قدرتم أن تدنوا مني، من نتن ريحي.
وقال مالك بن دينار: والله لو وقف ملك بباب المسجد وقال: يخرج شر من في السجد، لبادرتكم إليه.
وقال أيضًا: خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا أطيب شيء فيها، قالوا: وما هو؟ قال: معرفة الله عز وجل.
وقال له رجل: يا مرائي، قال: متى عرفت اسمي؟ ما عرف اسمي غيرك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله: مات سفيان الثوري عندي، فلم اشتد به جعل يبكي، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، ما أراك كثير الذنوب؟ فرفع سفيان شيئًا من الأرض، فقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت.
وها هو الإمام ابن الجوزي يبكي عند الموت فيقول له تلاميذه: يا إمام ألست قد فعلت كذا وكذا؟ فقال: والله إنني أخشى أن أكون فرطت ونافقت فيحق عليَّ قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (48)} [الزمر: 47 - 48].

سوء خاتمة المرائي:
قال منصور بن عمار رحمه الله: كان لي صديق مسرف على نفسه ثم تاب، وكنت أراه كثير العبادة والتهجد ففقدته أيامًا، فقيل لي: هو مريض.
فأتيت إلى داره فخرجت إلىَّ ابنته فقالت: من تريد؟ قلت: فلانًا، فاستأذنت لي، ثم دخلت فوجدته في وسط الدار، وهو مضطجع على فراشه، وقد اسود وجهه، وأذرفت عيناه، وغلظت شفتاه، فقلت له وأنا خائف منه: يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله ففتح
عينيه فنظر إلي شزرًا، وغشي عليه، فقلت له ثانيًا: يا أخي أكثر من قول لا إله إلا الله، ثم ثالثًا، ففتح عينيه وقال: يا أخي منصور، هذه كلمة قد حيل بيني وبينها فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ثم قلت له: يا أخي، أين تلك الصلاة والصيام والتهجد والقيام؟
فقال: كان ذلك لغير الله، وكانت توبتي كاذبة، إنما كنت أفعل ذلك ليقال عني وأُذكر به، وكنت أفعل ذلك رياء للناس، فإذا خلوت إلى نفسي أغلقت الباب وأرخيت الستور، وشربت الخمور، وبارزت ربي بالمعاصي، ودمت على ذلك مدة فأصابني المرض، وأشرفت على الهلاك.

الفرق بين النسيجين:
لما أخذ دود القز ينسج الحرير أقبلت العنكبوت تتشبه وتنسج ثم نسجت وقالت: يا دودة القز لك نسج ولي نسج، ولا فرق بين النسيجين، قالت دودة القز: نسجي أردية الملوك، ونسجك شبكة الذباب، وعند مس النسيجين يتبين الفرق.
قد يتصدق اثنان: الأول بدينار واحد، والثاني بمائة دينار. ويكون الأول أسبق من الثاني وأعلى منزلة. وقد يصلي رجل ركعتين والثاني الليل كله، ويكون الأول أسبق من الثاني وأعلى منزلة فالعبرة إذن ليست بكثرة العمل ولكن بالإخلاص وعلو الهمة.
يقول الغزالي: "فالكيّس يقطع من المسافة بصحة العزيمة، وعلو الهمة، وتجريد القصد، وصحة النية، مع العمل القليل أضعاف أضعاف ما يقطعه الفارغ من ذلك، مع التعب الكثير، والسفر الشاق، فإن العزيمة والمحبة تذهب المشقة وتطيب السير والتقدم، والسبق إلى الله سبحانه إنما هو بالهمم، وصدق الرغبة، والعزيمة، فيتقدم صاحب الهمة مع سكون صاحب العمل الكثير بمراحل، فإن ساواه في همته تقدم عليه بعمله".
ولا يفهم من ذلك الاقتصار في العبادة، ولكن يجب الزيادة في العمل مع الإخلاص.

ستبعث وحدك:
يقول بعض الحكماء: خرجت من بطن أمي وحدي، ودخلت إلى قبري وحدي، وأحاسب بين يدي الله تعالى وحدي، فمالي والناس؟.
ويقول ابن الجوزي: واشوقاه إلى أرباب الإخلاص، واتوقاه إلى رؤية تلك الأشخاص. إني لأحضر ذكركم فأغيب وإني وقتي بتذكركم ليطيب.
ويقول عمر بن الخطاب: لو أن الحياة الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل واحد ثم جاءه الموت، لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره ثم استيقظ، فإذا ليس في يده شيء.

الإخلاص مسك:
يقول ابن الجوزي: الإخلاص مسك مصون في مسك القلب تنبه ريحه على حامله، العمل صورة والإخلاص روح، المخلص يعد طاعته لاحتقاره لها عرضًا وقلم القبول قد أثبتها في الجوهر خالصًا ... وعمل المرائي بصلة كلها قشور، المرائي يحشو جراب العمل رملاً فيثقله ولا ينفعه، ريح الرياء جيفة تتحاماها مسام القلوب، وما يخفى المرائي على مسانح الفطن.
وذات يوم قرأ عمر بن عبد العزيز قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61] فبكى بكًاء شديدًا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة، فجلست تبكي لبكائه، وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء عبد الملك فدخل عليهم وهم على تلك الحالة يبكون، فقال: يا أبتاه ... ما يبكيك؟ قال: خير يا بني، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني لقد خشيت أنْ أهلك، والله يا بني لقد خشيت أن أكون من أهل النار.
وقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 123]، فكل سوء عملناه جزينا به؟!
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غفر الله لك يا أبا بكر، قالها ثلاثًا: يا أبا بكر ألست تمرض؟ ألست تحزن؟ ألست تنصب؟ ألست يصيبك الأذى؟ ألست تصيبك اللأواء" (الشدة) قلت: نعم، قال: فما تجزون به في الدنيا" رواه أحمد.
وكان عثمان بن عفان إذا وقف على قبر يبكي حتى يبل لحيته، فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن القبر أول منزل من
منازل الآخرة، فمن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما رأيت منظرًا إلا والقبر أفظع منه (الترمذي).
وعن ثابت البناني قال: قال مطرف بن عبد الله: ما مدحني أحد قط إلا تصاغرت إلى نفسي.
وعن ثابت عن مطرف قال: لأن يسألني ربي عز وجل يوم القيامة فيقول: يا مطرف ألا فعلت؟ أحب إلي من قوله لم فعلت؟ وعنه قال أيضًا بعرفة: اللهم لا ترد الجميع من أجلي؟
وصلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه صلاة الفجر، ثم لبث في مجلسه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح، وقد علاه كآبة، فقال: لقد رأيت أصحاب محمد فلم أر اليوم شيئا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثًا، صفرًا، غبرًا، بين أعينهم أمثال رُكب المعزى، وقد باتوا لله سجدًا وقيامًا، يتلون كتاب الله، فإذا أصبحوا ذكروا الله، وتمادوا كما تميد الشجرة في يوم الريح، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم، والله لكأني بالقوم قد باتوا غافلين، ثم قام فما رُئى بعد ذلك ضاحكا حتى كان مقتله، - رضي الله عنه - وأرضاه.

الإخلاص لربك:
يقول ابن الجوزي: عجبت لمن يتصنع للناس بالزهد يرجو بذلك قربه من قلوبهم، وينسى أن قلوبهم بيد من يعمل له، فإن رضي عمله ورآه خالصًا لفت القلوب إليه، وإن لم يره خالصًا أعرض بها عنه، ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب إليه فقد زاحم الشرك؛ لأنه يبتغي أن يقنع بنظر من يعمل له. ومن ضرورة الإخلاص ألا يقصد التفات القلوب إليه، فذاك يحصل لا بقصده بل بكراهته، لذلك وليعلم الإنسان أن أعماله كلها يعلمها الخلق جملة، وإن لم يطلعوا عليها، فالقلوب تشهد للصالح بالصلاح، وإن لم يشاهد منه ذلك، فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله فقد مضى العمل ضائعًا، لأنه غير مقبول عند الخالق، ولا عند الخلق، لأن قلوبهم قد التفتت عنه، فقد ضاع العمل وذهب العمر.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التوبة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 14:24

التوبة
التوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط:
أولها: الإقلاع عن المعصية.
ثانيها: أن يندم على فعلها.
ثالثها: أن يعزم أن لا يعود إليها أبدًا.
فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته. وإن كانت تتعلق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة وأن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه، وإن كان حد قذف ونحوه طلب عفوه.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} [التحريم: 8]. وقال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31]، ويقول تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82].
وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11].

انتبه
يقول ابن الجوزي: يا من عمره كلما زاد نقص، يا مائلا إلى الدنيا هل سلمت من النقص؟ يا مفرطًا في عمره هل بادرت الفرص؟ يا من إذا ارتقى في منهاج الهدى ثم لاح له الهدى نكص، من لك يوم الحشر عند نشر القصص؟ عجبًا لنفس أمست بالليل هاجعة، نسيت أهوال يوم الواقعة، ولأن تقر وعظها فتصغي لها سامعة، ثم تعود الزواجر عنها ضائعة، والنفوس غدت في كرم الكريم طامعة، وليست لها في حال من الأحوال طائعة، والأقدام سعت في الهوى في طرق شاسعة، بعد أن وضحت من الهدى سبل واسعة، والهمم شرعت في مشارع الهوى متنازعة، لم تكن مواعظ للعقول لها نافعة، وقلوب تضمر التوبة إذا فزعت بزواجر رادعة، ثم تعود إلى ما لا يحل مرارًا متتابعة.
عباد الله
تدبروا العواقب واحذروا قوة المناقب، اخشوا عقوبة المعاقب، وخافوا سلب السالب، فإنه والله طالب غالب، أين الذين قعدوا في طلب المنى وقاموا، وداروا على دار الرحيل وحاموا؟ ما أقل ما لبثوا وما أوفى ما أقاموا! لقد وبخوا في نفوسهم في قعر قبورهم على ما أسلفوا ولاموا.

عتاب
يا من بأقذار الخطايا قد تلطخ، وبآهات البلايا قد تضمخ، يا من سمع كلام من لام ووبخ، يعقد عقد التوبة حتى إذا أمسي يفسخ، يا مطبقًا لسانه والملك يحصي وينسخ، يا من طير الهوى في صدره عشش وفرخ، كم أباد الموت ملوكًا كالجبال الشمخ، كم أزعج قواعد كانت في الكبر ترسخ، وأسكنهم ظلم اللحود ومن ورائهم برزخ، يا من قلبه من بدنه بالذنوب أوسخ، يا مبارزًا بالعظائم أتأمن أن يخسف بك أو تمسخ!!

استيقظ من نومك
أما والله لو علم الأنام ... لما خُلقوا لما هجعوا وناموا
لقد خلقوا لأمر لو رأته ... عيون قلوبهم تاهوا وهاموا
مُوت ثم قبر ثم حشر ... وتوبيخ وأهوال عظام
ليوم الحشر قد عملت رجال ... فصلُّوا من مخافته وصاموا
ونحن إذا أمرنا أو نهينا ... كأهل الكهف أيقاظ نيام

أيها العبد
لا شيء أعز عليك من عمرك وأنت تضيعه، ولا عدو لك كالشيطان وأنت تطيعه، ولا أضر من موافقة نفسك وأنت تصافيها، ولا بضاعة سوى ساعات السلامة وأنت تسرف فيها لقد مضى من عمرك الأطايب يا حاضر البدن والقلب غائب، اجتماع العيب والشيب من المصائب، أين البكا لخوف العظيم
وقفة مع النفس
كيف ترجو النجاة وتلهو بأسر الملاعب، إذا أتتك الأماني بظن كاذب، الموت صعب شديد مر المشارب، يلقى شره بكأس صدور الكتائب، فانظر لنفسك وانتظر قدوم الغائب، يأتي بقهر ويرمي بسهم صائب، يا آملاً أن تبقى سليمًا من النوائب.

يا معرضًا
ابن آدم كي تظن أعمالك مشيدة، وأنت تعلم أنها مكيدة؟ وكيف تترك معاملة المولى وأنت تعلم أنها مفيدة؟ وكيف تقصر في زادك وقد تحققت أن الطريق بعيدة؟ يا معرضًا عنا إلى متى هذا الإعراض؟ يا غافلاً عن الموت والعمر لا شك في انقراض.

أين من سبقك؟
أين من حصَّن الحصون المشيدة واحترس، وعمر الحدائق فبالغ وغرس، نصب لنفسه سري العز وجلس، وبلغ المنتهى ورأى الملتمس، وظن في نفسه البقاء ولكن خاب الظن في النفس، أزعجه والله هادم اللذات واختلس، ونازله بالقهر فأنزله عن الفرس، ووجه به إلى دار البلاء فانطمس، وتركه في ظلام ظلمة من الجهل والدنس، فالعاقل من أباد أيامه فإن العواقب في خلس.

القطار يسير
يا من يرحل في كل يوم مرحلة، وكتابه قد حوى حتى الخردلة، ما ينتفع بالنذير والنذر متصلة، ولا يصغى إلى ناصح وقد عذله، ودروعه مخرقة والسهام مرسلة، نور الهدى قد بدا ولكن ما رآه ولا تأمله، وهو يؤمل البقاء ويرى مصير من قد أمله، قد انعكف بعد الشيب على العيب، كن كيف شئت فبين يديك الحساب والزلزلة، ونعم جلدك فلابد للديدان أن تأكله، فيا عجبًا من فتور مؤمن موقن بالجزاء والمسألة استيقن.

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستغفر
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة" [رواه البخاري].
الله يفرح بك
عن أنس بن مالك خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها وقد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" [رواه مسلم].

الله ينادي عليك
عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله تعالى يبسط بده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها" [رواه مسلم].

التوبة واجبة على الدوام
فإن الإنسان لا يخلو من معصية، ولو خلا عن معاصي بالجوارح لم يخل عن الهم بالذنب بقلبه، فإن خلا عن ذلك لم يخل عن وساوس الشيطان بإيراد الخواطر المذهلة عن ذكر الله، ولو خلا عنه لم يخل عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله، وكل ذلك نقص ولا يسلم أحد من هذا النقص حتى تقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.

احذر استصغار الذنب
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابة وقعت على أنفه.
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الموبقات" [رواه البخاري].
وقال بلال بن سعد: لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.

لا تفرح بالصغيرة وتجهر بها
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل أمتى معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه" [رواه مسلم]
طريق التوبة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ ويحسن الوضوء ثم يصلي ركعتين ويستغفر الله عز وجل إلا غفر له" [رواه أبو داود والترمذي].

احذر التسويف
يقول ابن القيم: إن أكثر أهل النار من المسوفين كرجل احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة، فقال: أؤخرها سنة ثم أعود إليها وهو لا يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه.

راجع حساباتك
أن يرد فكرك إلى أول يوم بلغت فيه الحلم، وتفتش عما مضى من عمرك سنة سنة، وشهرًا شهرًا، ويومًا يومًا، وتنظر إلى الطاعات وإلى المعاصي وتفصل ديوان معاصيك وتتوب إلى الله وتعزم على فعل الحسنات، وينبغي أن تمحي كل سيئة بحسنة.

الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يقول ابن حجر: يحتمل أن يكون استغفاره عن اشتغاله بالأمور المباحة من أكل وشرب عن الاشتغال بذكر الله فيرى بذلك ذنبًا إلى المقام الأعلى؛ كما يفعل المصلي بعد صلاته يشرع في الاستغفار، وهل كان هو في ذنب، فاعلم أننا نحتاج إلى التوبة والاستغفار فإن لم يكن عن توبة الذنوب، فالاستغفار للتقصير في شكره، وعبادته، والتوبة أول تشريع شرع للبشر، فعندما نسي آدم وأكل من الشجرة تاب إلى ربه.

استغفر
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله تعالى بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم" [رواه مسلم].

استغفار يحتاج إلى استغفار
قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]، الاستغفار
المطلوب هو الذي يحل عقدة الإصرار، فمن قال بلسانه: استغفر الله وقلبه مصر على المعصية فاستغفاره يحتاج إلى استغفار.
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من قال: استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غُفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف" [رواه الترمذي].

أسئلة محيرة
يقول ابن القيم: هل في الدنيا شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي، فما الذي أخرج آدم من الجنة؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء؟ وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم؟ وما الذي رفع قوم لوط حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، فجعل عاليها سافلها ثم أتبعهم حجارة من السماء؟ وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه؟ وما الذي خسف بقارون وداره؟

علامات التائب
منكسر القلب .. غزير الدمع .. حي الوجدان .. قلق الأحشاء .. صادق العبارة .. جم المشاعر .. جياش الفؤاد .. مشبوب الضمير .. في قلبه حرقة .. وفي وجدانه لوعة .. وفي وجهه أسى .. وفي دمعه أسرار .. إذا هدل الحمام بكى .. وإذا صاح الطير ناح .. وإذا شدا البلبل تذكر .. وإذا لمع البرق اهتز قلبه .. خوفًا ممن يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته .. يجد للطاعة حلاوة .. ويجد للعبادة طلاوة .. يجد للإيمان طعمًا .. يجد للإقبال لذة .. يكتب من الدموع قصصًا .. وينظم من الآهات أبياتًا .. ويؤلف من البكاء خطابًا .. التائب كالأم اختلس طفلها ثم اختلست طفلها من يد الأعداء أتدري كم فرحتها! .. أتقدر سعادتها؟!
والتائب كالغائص في البحر .. إذا نجا من اللجة إلى الشاطئ .. بعد أن أيس من النجاة .. ترى الذل قد علاه .. والحزن قد وهاه .. يذم نفسه على هواه .. وبذلك صار عند الله ممدوحًا .. لأنه تاب إلى الله توبة نصوحًا.

هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم
ما خلى الله بينك وبين الذنب إلا بعد أن خذلك، وخلي بينك وبين نفسك، ولو
عصمك ووفقك لما وجد الذنب إليك سبيلاً، فقد أجمع العارفون بالله على أن الخذلان: أن يكلك الله إلى نفسك ويخلي بينك وبينه، والتوفيق أن لا يكلك إلى نفسك.

إلهي
لم يكن ما كان مني استهانة بحقك، ولا جهلاً بك، ولا إنكارًا لاطلاعك، ولا استهانة بوعيدك، وإنما كان من غلبة الهوى، وضعف القوة عن مقاومة مرض الشهوة وطمعًا في مغفرتك واتكالاً على عفوك، وحسن ظن بك، ورجاء لكرمك، وطمعًا في سعة حلمك ورحمتك، وغرني بك الغَرور والنفس الأمارة بالسوء وبسترك المرخي عليَّ، وأعانني جهلي ولا سبيل إلى الاعتصام إلا بك، ولا معونة على طاعتك إلا بتوفيقك.

اتهم توبتك
يقول ابن القيم: يجب أن يخاف العبد أن توبته لم تقبل، وأنه لم يبذل جهده في صحتها وأنها توبة علة، وأنه لا يشعر بها كتوبة أرباب الحوائج، أو أنه تاب محافظة على حاله فتاب للحال، لا خوفًا من ذي الجلال، أو أنه تاب للراحة من الكد في تحصيل الذنب أو اتقاء ما يخافه على عرضه وماله ومنصبه، أو لضعف داعي المعصية في قلبه، وخمود نار شهوته، أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرزق، ونحو ذلك من العلل التي تقدح في كون التوبة خوفًا من الله، وتعظيمًا لحرماته، وإجلالاً له، وخشية من سقوط المنزلة عنده.
ومن اتهام التوبة أيضًا ضعف العزيمة، والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة، وتذكر حلاوة مواقعته. ومن اتهام التوبة طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه قد تاب حتى كأنه أعطي منشورًا بالأمان. ومن علاماتها جمود العين واستمرار الغفلة، وأن ما يستحدث بعد التوبة أعمالاً صالحة لم تكن له قبل الخطيئة.

علامات التوبة المقبولة
- أن يكون بعد التوبة خيراً مما كان قبلها.
- أنه لا يزال الخوف مصاحبًا له لا يأمن مكر الله طرفة عين؛ فخوفه مستمر إلى أن يسمع قول الرسل لقبض روحه: {أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30].
- انخلاع قلبه وتقطعه ندمًا وخوفًا، وهذا على قدر عظم الجناية وصغرها، وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى: ({لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 110]، قال: تقطعها بالتوبة، ولا ريب أن الخوف الشديد من العقوبة العظيمة يوجب انصداع القلب وانخلاعه وهذا هو تقطعه، وهذا حقيقة التوبة لأنه يتقطع قلبه حسرة وخوفًا، تقطع في الآخرة إذا حقت الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين، فلابد من تقطع القلب إما في الدنيا وإما في الآخرة، ومن موجبات التوبة الصحيحة أيضًا كسرة خاصة تحصل للقلب لا يشبهها شيء ولا تكون لغير المذنب لا تحصل بالجوع ولا بالرياضة، وإنما هي كسرة تامة، بين يدي الرب قد أحاطت به من جميع جوانبه.
يا رب: أسألك بعزك وذلي إلا رحمتني، وأسألك بقوتك وضعفي، وبغناك وفقري إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين وابتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته ورغم لك أنفه وفاضت لك عيناه، وذل لك قلبه.

حجة باطلة:
إن كان القدر حجة لك أيها الظالم الجاهل في ترك حق ربك، فهلا كان حجة لعبدك وأمتك في ترك بعض حقك؟ بل إذا أساء إليك مسيء، وجنى عليك جان واحتج بالقدر: لاشتد غضبك عليه، وتضاعف جرمه عندك، ورأيت حجته داحضة ثم تحتج على ربك به، وتراه عذرًا لنفسك؟ فمن أولى بالظلم والجهل ممن هذه حاله؟!

عجبًا لك:
الله أعطاك السمع والبصر والفؤاد، وعرفك الخير والشر، والنافع والضار، وأرسل إليك رسوله وأنزل إليك كتابه، ويسره للذكر والفهم والعمل، وأعانك بمدد من جنده الكرام يثبتونك ويحاربون عدوك، ويريدون منك ألا تميل إليه وأنت تأبى إلا مظاهرته عليهم وموالاته دونهم، طرد إبليس عن سمائه، وأخرجه من جنته وأبعده من قربه؛ إذ لم يسجد لك وأنت في صلب أبيك آدم، لكرامتك عليه فعاداه وأبعده، ثم واليت عدوه وملت إليه وصالحته، وتتظلم مع ذلك وتشتكي الطرد والإبعاد.
بدل بيئتك:
عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإنه بها أناس يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا نَصَف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صور آدمي فجعلوه بينهم -أي حكما- فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجودوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة" متفق عليه.
وفي رواية في الصحيح: "فكان إلى القرية الصالحة بشبر فجعل من أهلها" وفي رواية في الصحيح: "فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقرَّبي وقال: قيسوا بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغفر له".

توبة صادقة:
روي أنه لحق بني إسرائيل قحط على عهد موسى عليه السلام، فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا كليم الله! ادع لنا ربك أن يسقينا الغيث.
فقام معهم وخرجوا إلى الصحراء وهم سبعون ألفًا أو يزيدون، فقال موسى عليه السلام: إلهي اسقنا غيثك وانشر علينا رحمتك وارحمنا بالأطفال الرضع والبهائم الرتع والمشايخ الركع، فما زادت السماء إلا تقشعًا والشمس إلا حرارة! فتعجب نبي الله موسى فأوحى الله إليه وقال: يا موسى فيكم عبد يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم فيه منعتكم.
فقال موسى: إلهي وسيدي أنا عبد ضعيف وصوتي ضعيف فأين يبلغ وهم سبعون ألفًا أو يزيدون؟ فأوحى الله إليه منك النداء ومني البلاغ. فقام مناديًا وقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة اخرج من بين أظهرنا فبك منعنا المطر.
فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدًا خرج فعلم أنه
المطلوب وقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم منعوا لأجلي فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله وقال:
إلهي وسيدي عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وقد أتيتك طائعًا فاقبلني، فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب.
فقال موسى: إلهي وسيدي بماذا سقيتنا وما خرج من بين أظهرنا أحد؟ فقال: يا موسى سقيتكم بالذي منعتكم. فقال موسى: إلهي أرني هذا العبد الطائع. فقال: يا موسى إني لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني.

توبة هارون الرشيد
حكي عن أبي يوسف -رحمه الله- أنه أُشهد عنده أمير من عظماء جيش أمير المؤمنين هارون الرشيد، وكان من أقربائه، فلم يقبل شهادته، فشكا إلى هارون، فقال هارون: لم رددت شهادته؟
قال: لأني سمعته يومًا بين يديك يقول: أنا عبد أمير المؤمنين، فإن كان صادقًا؛ فلا شهادة للعبد، وإن كان كاذبًا؛ فلا شهادة للكاذب.
فقال هارون: إن شهدت فهل تقبل شهادتي؟ قال: لا.
فقال: ولم؟ قال: لأنك تتكبر على الله فلا تخرج إلى الجماعة، ولا تصلي مع عامة المسلمين، وهذا تكبر على الله، ولا يليق بالعبد هذا.
فتاب هارون على ذلك، واتخذ مسجدًا للعامة على بابه، وكان يخرج إليه عند كل صلاة.

توبة مالك بن دينار
روي عن مالك بن دينار أنه سئل عن سبب توبته، فقال: كنت شرطيا وكنت منهمكا على شرب الخمر، ثم إنني اشتريت جارية نفيسة، ووقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتا، فشغفت بها، فلما دبت على الأرض ازدادت في قلبي حبا، وألفتني وألفتها، قال: فكنت إذا وضعت المسكر بين يدي جاءت إلي وجاذبتني عليه وهرقته على ثوبي، فلما تم لها سنتان ماتت، فأكمدني حزنها، فلما كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة الجمعة، بت ثملا من الخمر، ولم أصل فيها العشاء الآخرة، فرأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، ونفخ في
الصور، وبعثرت القبور، وحشر الخلائق وأنا معهم، فسمعت حسًّا من ورائي، فالتفت، فإذا أنا بتنين أعظم ما يكون أسود أزرق قد فتح فاه مشرعا نحوي، فمررت بين يديه هاربا فزعا مرعوبا، فمررت في طريقي بشيخ نقي الثوب طيب الرائحة فسلمت عليه فرد السلام، فقلت: أيها الشيخ، أجرني من هذا التنين أجارك الله، فبكى الشيخ وقال لي: أنا ضعيف وهذا أقوى مني وما أقدر عليه، ولكن مر وأسرع فلعل الله أن يتيح لك ما ينجيك منه، فوليت هاربا على وجهي، فصعدت على شُرُف من شرف القيامة، فأشرفت على طبقات النيران، فنظرت إلى هولها، وكدت أهوى فيها من فزع التنين، فصاح بي صائح: ارجع فلست من أهلها، فاطمأننت إلى قوله ورجعت ورجع التنين في طلبي، فأتيت الشيخ فقلت: يا شيخ سألتك أن تجيرني من هذا التنين فلم تفعل، فبكى الشيخ وقال: أنا ضعيف ولكن سر إلى هذا الجبل، فإن فيه ودائع المسلمين، فإن كان لك فيه وديعة فستنصرك، قال: فنظرت إلى جبل مستدير من فضة، وفيه كوى مخرمة وستور معلقة فلما نظرت إلى الجبل وليت إليه هاربا والتنين من ورائي، حتى إذا اقتربت منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور فلعل لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوه، فإذا الستور قد رفعت، فرأيت أطفالاً بوجوه كالأقمار، وقرب التنين مني فتحيرت في أمري، فصاح بعض الأطفال: ويحكم، أشرفوا وإذا أنا بابنتي التي ماتت قد أشرفت على معهم، فلما رأتني بكت وقالت: أبي والله، ثم وثبت في كفة من نور كرمية السهم حتى مثلت بين يدي، فمدت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقت بها ومدت يدها اليمنى إلى التنين فولى هاربا، ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحتي وقالت: يا أبت {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16]، فبكيت وقلت: يا بنية أخبريني عن التنين الذي أراد أن يهلكني، قالت: ذلك عملك السوء قويته فأراد أن يغرقك في نار جهنم، قلت فأخبريني عن الشيخ الذي مررت به في طريقي، فقالت: يا أبت ذلك عملك الصالح أضعفته حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء، قلت: أي بنية! وما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أسكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم، قال مالك: فانتبهت فزعًا وأصبحت فأرقت المسكر وكسرت الأنية وتبت إلى الله، وهذا كان سبب توبتي.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الصبر

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 14:30

الصبر
من سنن الكون
الانتظار والمصابرة خصال تتسق مع سنن الكون، فالزرع لا ينبت ساعة البذر، بل لابد من المكث شهورًا، والجنين يظل في بطن الحامل شهورًا حتى يستوي خلقه، وقد أعلمنا الله أنه خلق العالم في ستة أيام، وما كان ليعجز أن يقيمه في طرفة عين أو أقل. {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل: 127].
الصبر إذا كان في مصيبة سمي صبرًا وضده الجزع، وإذا كان في الحرب سمي شجاعة ومضاده الجبن، وإذا كان في كظم الغيظ سمي حلمًا ومضاده التذمر. وقد جمع الله أقسام الصبر في قوله تعالى: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ (أي المصيبة) وَالضَّرَّاءِ (أي الفقر) وَحِينَ الْبَأْسِ (أي المحاربة) أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177].

الإيمان نصفان
يقول ابن القيم: الإيمان نصفان نصف صبر، ونصف شكر.
اصبروا على النعماء، وصابروا على الباساء والضراء، ورابطوا في دار الأعداء واتقوا إله الأرض والسماء، لعلكم تفلحون في دار البقاء.

الصبر الجميل
وقد أمر الله في كتابه الكريم بالصبر الجميل وهو الذي لا شكوى فيه ولا معه، والصفح الجميل وهو الذي لا عتاب فيه، والهجر الجميل وهو الذي لا أذى فيه.

عاقبة الصبر
نظر الله بعين الاختيار إلى آدم، فحظي بسجود ملائكته فأقامه في منزلته، وإلى إدريس فاحتال بإلهامه على جنته، وإلى نوح فنجا من الغرق بسفينته، وإلى هود فعاد على عاد شؤم مخالفته، وإلى صالح فتمخضت صخرة بناقته، وإلى إبراهيم فتبختر في حلة خلته، وإلى إسماعيل فأعان الخليل في بناء كعبته، وإلى لوط فنجاه وأهله من عشيرته، وإلى
شعيب فأعطاه الفصاحة في خطبته، وإلى يوسف فأراه البرهان في همته، وإلى موسى فخطر في مكالمته، وإلى داود فألان الحديد له على حدته، وإلى سليمان فراحت الريح في مملكته، وإلى أيوب فيا طوبى لركضته، وإلى يونس فسمع نداه في ظلمته، وإلى زكريا فقرن سؤاله ببشارته، وإلى عيسى فكم أقام ميتًا في حفرته.

لا يتنافي مع الصبر
الشكوى إلى الله عز وجل لا تنافي الصبر، فإن يعقوب عليه السلام وعد بالصبر الجميل، والنبي إذا وعد لا يخلف وقال: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] وكذلك أيوب أخبر الله عنه: أنه وجده صابرًا مع قوله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83]، إنما ينافي الصبر شكوى الله، لا الشكوى إلى الله، كما رأى بعضهم رجلاً يشكو إلى آخر فاقة وضرورة، فقال: يا هذا تشكو من يرحمك؟
وإذا عرتك بلية فاصبر لها ... صبر الكريم فإنه بكم أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما ... تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

أخاطبك على قدر عقلك
يحكي عن امرأة من العابدات أنها عثرت فانقطعت إصبعها فضحكت، فقال لها
بعض من معها: أتضحكين، وقد انقطعت إصبعك؟ قالت: أخاطبك على قدر عقلك،
حلاوة أجرها أنستني مرارة ذكرها.
لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... فقد سرني أني خطرت ببالكا

الصبر مفتاح الفرج
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ... ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها ... فرجت وكنت أظنها لا تفرج
فالصبر ضرورة دنيوية كما أنه ضرورة دينية، فلا نجاح في الدنيا، ولا فلاح في الآخرة إلا بالصبر، لولا صبر الزارع على بذره ما حصد، ولولا صبر الغارس على غرسه ما مضى، ولولا صبر الطالب على درسه ما تخرج، ولولا صبر المقاتل في ساحة الوغى ما انتصر، وهكذا
كل الناجحين في الدنيا إنما حققوا آمالهم بالصبر، واستمرأوا المر، واستعذبوا العذاب، واستهانوا بالصعاب، ومشوا على الأشواك، وحفروا الصخور بالأظافر، ولم يبالوا بالأحجار تقف في طريقهم، والطعنات تغرس في ظهرهم، وبالشرك تنصب للإيقاع بهم، وبالكلاب تنبح من حولهم، بل مضوا في طريقهم غير وانين ولا متوقفين، متذرعين بالعزيمة، مسلحين بالصبر قد يعثرون ثم لا يلبثون أن ينهضوا، وقد يخطئون ثم يوشكون أن يصيبوا، وقد يجرحون ثم لا يلبث جرحهم أن يندمل، وقد يفشلون مرة ومرة فلا يلقون السلاح ولا يستسلمون لليأس ولا يفقدون نور الأمل، لقد عرف عشاق المجد، وخطاب المعالي، وطلاب السيادة أن الرفعة في الدنيا كالفوز في الآخرة، لا تنال إلا بركوب متن المشقات، وتجرع غصص الآلام، والصبر عن كثير مما يجب.
لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

ثمن الجنة
من ظن أن طريق الإيمان مفروشة بالأزهار والرياحين، فقد جهل طبيعة الإيمان بالرسالات، وطبيعة الأعداء، يقول تعالى: {الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)} [العنكبوت: 1 - 2]،وقال أيضا: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا} [البقرة: 214] الجنة إذن لابد لها من ثمن، وهي سلعة غالية، فلا مفر من الثمن، وقد دفعه أصحاب الدعوات من قبل، فلابد أن يدفعه إخوانهم من بعد.

بيان من الله
يقول تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155].
فالبلاء هنا بلاء عام، يصيب القلوب بالخوف، والبطون بالجوع، والأموال بالنقص، والأنفس بالموت، والثمرات بالآفات، ومن لطف الله تعالى ورحمته هنا أنه جعل البلاء {بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} [البقرة: 155] وتنكير شيء هنا للتقليل والتحقير، لأن ما هو أكبر وأكثر لا يطيقون، فمسهم بشيء قليل من البلاء، تخفيفًا عنهم، وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ
أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] وصف الله الأذى المسموع من أهل الكتب والمشركين بالكثرة (أذى كثيرًا) وهذا يدل على أن حربًا كلامية ستعلن على أهل الإيمان.

لا لأخلاق الأطفال
الصبر من عناصر الرجولة الناضجة، فإن أثقال الحياة لا يطيقها المهازيل، والمرء إذا كان لديه متاع ثقيل يريد نقله، لم يستأجر أطفالاً أو مرضى إنما ينتقي له ذوي الكواهل الصلبة، ومن ثم كان نصيب القادة من العناء والبلاء مكافئ لما أوتوا من مواهب ولما أدوا من أعمال.
وهذا قائد أمريكي يقول: لا تسأل الله أن يخفف حملك، ولكن اسأل الله أن يقوي ظهرك، وإن خفة الحمل وفراغ اليد، وقلة المبالاة، صفات قد يظفر الأطفال منها بقسط كبير، لكن مشاغل العيش وهموم الواجب ومرارة الكفاح واستدامة السعي، هي أخلاق المجاهدين البنائين.

من أسماء الله الحسنى: الصبور
أي هو الذي لا يستعجل في معاقبة العاصين وتأديب المذنبين، وهو الذي لا تضره المعاصي، وهو الآخذ بالنواصي، وهو الذي إذا قابلته بالجفاء قابلك بالإحسان، وإذا واجهته بالعصيان أقبل عليك بالغفران، أما صبر المولى عز وجل على العاصي وعدم أخذه بالعقوبة العاجلة فظاهر في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس أحد أو ليس شىء أصبر على أذى يسمعه من الله، إنهم ليدعون له ولداً وإنه ليعافيهم ويرزقهم" فعبد الصبور لا يستعجل دفع الملمات وما أمره الله به من الطاعات.

غالب أعداءك
الصبر واجب لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، وصيغة المصابرة تفيد مفاعلة من جانبين، والمعنى هنا مغالبة الأعداء في الصبر، وذلك أننا إذا كنا نصبر على حقنا، فإن المشركين يصبرون على باطلهم، فلابد أن نغلبهم بصبرنا، وأن يكون صبرنا آكد وأقوى، ولذا حكى القرآن عن المشركين استمساكهم بالصبر على ضلالهم وشركهم وتواصيهم بذلك: {وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ
مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} [ص: 6] فالصبر مع نفسك، والمصابرة: بينك وبين عدوك، والمرابطة: الثبات وإعداد العدة. وكما أن الرباط لزوم الثغر لئلا يهجم منه العدو فكذلك الرباط أيضًا، لزوم ثغر القلب، لئلا يهجم منه الشيطان فيملكه أو يخربه.

عجبًا لك
عن أبي يحيى صهيب بن سنان قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" [رواه مسلم].

اتقي الله
عن أنس قال: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة تبكي عند قبر فقال:"اتقي الله واصبري" فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه فقيل لها: إنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتت باب النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوابين فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" [متفق عليه].

امرأة من أهل الجنة
عن عطاء بن أبي رباح: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي- صلى الله عليه وسلم -فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله تعالى لي قال:"إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك" فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها. [متفق عليه].

بشرى
عن أبي سعيد وأبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه" [متفق عليه].
وعن ابن مسعود قال: دخلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك فقلت: يا رسول الله إنك توعك وعكًا شديدًا قال: "أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: "أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته، وحُطت عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها" [متفق عليه].
لا تطلب الموت:
عن أنس قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لابد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي" [متفق عليه].

انظر إلى من سبقك
عن أبي عبد الله خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل منها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" [رواه البخاري].

الله يحبك
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط" [رواه الترمذي].

قصة امرأة صالحة
عن أنس قال: كان ابن لأبي طلحة -رضي الله عنه- يشتكي: فخرج أبو طلحة فقُبِض الصبي، فلما رجع أبو طلحة، قال: ما فعل ابني؟ قالت أم سُلَيم وهي أم الصبي: هو أسكن ما كان. فقربت له العشاء فتعشى ثم أصاب منها، فلما فرغ قالت: واروا الصبي، فلما أصبح أبو طلحة أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره، فقال: أعرستم الليلة؟ قال: نعم، قال: اللهم بارك لهما، فولدت غلامًا، فقال لي أبو طلحة: أحمله حتى تأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعث معه بتمرات فقال: معه شىء؟ قال: نعم تمرات، فأخذها النبي، فمضغها ثم أخذها من فيه فجعلها في في الصبي ثم حنكه وسماه عبد الله" متفق عليه.
وفي رواية البخاري: قال ابن عيينة: فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود.

عند الغضب
عن أبي هريرة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه
عند الغضب" متفق عليه.
وعن سليمان بن صرد قال: كنت جالسًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجلان يستبان، وأحدهما قد احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ذهب عنه ما يجد" فقالوا له إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "تعوذ بالله من الشيطان الرجيم" متفق عليه.
وعن معاذ بن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كظم غيظًا وهو قادر على أن ينفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤس الحلاثق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء" [رواه الترمذي].

رد الأمانة
إذا فقد الأب ولده فإن الملك استرد عبده، وإذا قال الوالد: ولدي، قال الله: عبدي، أنا قبل غيري أولى به وأحق.
روي مالك عن القاسم بن محمد: هلكت امرأة لي فأتاني محمد بن كعب القرظي يعزيني بها فقال: إنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه، عالم عابد مجتهد، وكانت له امرأة كان بها معجبًا، فماتت فوجد عليها وجدًا -أي حزنًا شديدًا- حتى دخل في بيت وأغلق على نفسه واحتجب، فلم يكن يدخل عليه أحد، فسمعت به امرأة من بني إسرائيل فجاءته فقالت: إن لي حاجة أستفتيه فيها، ليس يجزني إلا أن أشافهه بها، ولزمت بابه، فأخبر بها، فأذن لها فقالت: أستفتيك في أمر، قال: وما هو؟ قالت: إني استعرت من جارية لي حليًّا، فكنت ألبسه زمانًا، ثم إنها أرسلت تطلبه، أفأرده إليها؟ قال: نعم والله!! قالت: إنه قد مكث عندي زمانًا!! فقال: ذاك أحق لردك إياه! فقالت له: يرحمك الله، أفتأسف على ما أعارك الله ثم أخذه منك، وهو أحق به منك؟! فأبصر ما كان فيه، ونفعه الله بقولها.

كمال الرضا عن الله
كان للتابعي الجليل عمر بن ذر الهمداني ولد فمات، وجاء أهل بيته يبكونه أشد البكاء وينتحبون عليه أشد النحيب، ورآهم عمر فقال لهم: ما لكم. إنا والله ما ظلمنا ولا قهرنا ولا ذهب لنا بحق ولا أخطئ بنا ولا أريد غيرنا وما لنا على الله معتب.
وسمع أصحابه بموت ولده فقالوا: الآن يضيع الشيخ فقد كان ابنه بارًا لوالديه أشد البر مطيعًا لهما لأجمل ما تكون طاعة الوالد فسمعهم الشميخ فبقى متعجبًا يتمتم: أنا أضيع؟
حتى إذا واراه التراب وقف على قبره يقول: رحمك الله يا بني، والله لقد كنت بي بارًا، ولقد كنت عليك حدبًا، وما بي إليك من وحشة، وما إلى أحد بعد الله فاقة، ولا ذهبت لنا بعز، ولا أبقيت علينا من ذلك، ولقد شغلني الحزن لك عن الحزن عليك.
يا ذر لولا هول المطلع ومحشره لتمنيت ما صرت إليه فليت شعري يا ذر ما قيل لك وماذا فعلت.
اللهم إنك وعدتني الثواب بالصبر على ذر اللهم فعلى ذر صلواتك ورحمتك، اللهم إني قد وهبت ما جعلت لي من أجر على ذر لذر صلة مني، فتجاوز عنه فإنك أرحم به مني وأكرم. فلما ذهب لينصرف قال: يا ذر قد انصرفنا وتركناك ولو أقمنا ما نفعناك.
يقول عمرو بن جرير فبقى القوم متعجبين مما ظنوا بالشيخ ومما رأوا من رضاه عن الله وتسليمه له.

من لطائف الأدب
في نداء أيوب لربه أنه لم يسأله شيئًا معينًا كالشفاء، إنما اكتفى بأن ذكر نفسه بالحاجة والضعف وذكر ربه بما هو أهله: {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83].

فهم خاطيء
ويظن بعض الناس أن الإسلام يمجد الآلام لذاتها ويكرم الأوجاع، وهذا خطأ، فعن أنس بن مالك قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيخًا يهادى بين ابنيه، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله عن تعذيب هذا لغني، وأمره أن يركب [رواه البخاري].
وعن ابن عباس أن أخت عقبة نذرت الحج ماشية، وذكر عقبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها لا تطيق ذلك، فقال رسول الله: "إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتَهْدِ بدنة" [رواه أبو داود].
{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147].
وإنما يحمد الإسلام لأهل البلايا وأصحاب المتاعب رباطة جأشهم وحسن يقينهم.

لا تلعنها
فقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على امرأة مريضة فوجدها تلعن الداء وتسب الحمى، فكره منها
هذا المسلك وقال لها مواسيًا: "إنها -أي الحمى- تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد" [رواه مسلم].

محن في طيها منح
من الخطأ أن يحسب المسلم أن تلاحق الأذى عليه آية على نسيان الله له، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده أو ماله، أو في ولده، ثم صبر على ذلك حتى يبلغه المنزلة التي سبقت له من الله عز وجل" [رواه أحمد].

هل رأيت حبيبًا يعذب حبيبة؟!
قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 146] إنما هو سبحانه يبتلي عباده ليضع عنهم الأوزار، ويصرف عنهم عذاب النار، والصبر عطاء، فعن أبي سعيد: قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "وما أعطى أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر" [متفق عليه]. وهو علامة حب، عن أنس: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة" [رواه الترمذي].
ما حظي الدينار بنقش اسم الملك، حتى صبرت سبيكته على التردد على النار، فنفت عنها كل كدر، ثم صبرت على تقطيعها دنانير، ثم صبرت على ضربها على السكة، فحينئذ ظهر عليها رقم النقش (كتب في قلوبهم الإيمان).

ابتسم في مقابلة المحن
لعل قطعة الخشب كانت معذورة وهي تشكو للمسمار الذي يفلقها، ويدخل في أحشائها قائلة له: مهلا يا عزيزي المسمار كف عن الصراخ والشكوى .. ارحمني من عنفوان الاختراق.
فقال لها باسما: اعذريني فأنا مكره ومضطر من كثرة الدق على رأسي بالمطرقة.
الخطوة الأولى في مقابلة المحنة هي الابتسامة مع الصبر، فعندما يتأخر القطار لا تلعن الأقدار وارض بما حدث وحاول الابتسام.
الفرج بعد الشدة
حج رجل عَلوي فلما طاف بالبيت وأدى نسكه وأراد الخروج إلى "منى" أودع رحله وما كان معه بيتًا وقفل بابه، فلما عاد وجد الباب مفتوحًا والبيت فارغًا.
قال: فتحيرت ونزلت بي شدة ما رأيت مثلها فاستسلمت لأمر الله، ومضى علي ثلاثة أيام ما طعمت فيها شيئًا.
فلما كان اليوم الرابع بدأ بي الضعف وخفت على نفسي وذكرت قول جدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ماء زمزم لما شُرب له" [رواه ابن ماجه] فخرجت حتى شربت منها ورجعت لأستريح فعثرت في الطريق بشيء فأمسكته فإذا هو هميان (1) داخله ألف دينار، فجلست في الحرم وناديت: من ضاع منه شيء فليأتني بعلامة ويأخذه.
وانقضى يومي ولم يأتني أحد، فغدوت إلى الصفا والمروة في اليوم الثاني فوقفت عندهما يومي فلم يأتني أحد.
فضعفت ضعفًا شديدًا فجئت على باب "إبراهيم" فقلت قبل انصراف الناس: قد ضعفت عن النداء فمن رأيتموه يطلب شيئًا قد ضاع فأرشدوه إلي.
فلما كان وقت المغرب إذا أنا بخراساني ينشد ضالته فصحت به وقلت: صف ما ضاع منك. فأعطاني صفة الهميان بعينه وذكر وزن الدنانير وعِدتها فقلت: إن أرشدتك إليه تعطيني مائة دينار. قال: لا.
قلت: فخمسين. قال: لا.
فلم أزل أنازل إلى أن بلغت إلى دينار واحد فقال: لا، إن رده من هو عنده إيمانًا واحتسابًا وإلا فهو الضر، ثم ولى لينصرف فخفت الله وأشفقت إن يفوتني الخراساني فصحت به: ارجع، فأخرجت الهميان ودفعته له، فمضى وجلست ومالي قوة على المشي إلى بيتي.
فما غاب عني حينًا حتى عاد إلي فقال: من أي البلاد أنت ومن أي الناس أنت؟
قلت: وما عليك من أمري هل بقى لك عندي شيء؟
__________
(1) كيس جلدي، على شكل المنطقة أو الحزام تجعل فيه النفقة ويشد على الوسط.
فقال: أسألك بالله لا تضجر.
فقلت: من أهل الكوفة ومن ولد"الحسين بن علي" وقصصت عليه قصتي.
فقال: يا هذا خذ هذا بأسره بارك الله لك فيه، إن الهميان ليس لي فما كان يجوز لي أن أعطيك منه شيئًا قل أو كثر، وإنما أعطانيه رجل وسألني أن أطلب بالعراق أو الحجاز رجلاً حسينيًا فقيرًا مستورًا، ولم تجتمع لي هذه الصفة في أحد إلا فيك لأمانتك وعفتك وصبرك.

صبر على الطاعة
حدث هشام بن عروهّ عن أبيه قال: دخلت على أسماء ذات النطاقين -رضي الله عنها- وهي تصلي فسمعتها وهي تقرأ الآية: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27]، فاستعاذت من النار، فقمت وهي تستعيذ، فلما طال عليّ قيامي ذهبت إلى السوق ورجعت وهي ما زالت تستعيذ باكية.
فالمرأة المسلمة يجب أن تصبر على طاعة الله، وعلى قيام الليل، وتجاهد نفسها في قراءة الورد القرآني اليومي، ولا تدعي الانشغال بأمور البيت، فالقرآن زادها إلى الجنة، وكذلك طاعة الزوج، وعليها بالتوازن المحمود.

فداء بالمال
أخرج ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- لما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخرج معه أبو بكر، أي في الهجرة، احتمل أبو بكر ماله كله معه، خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فانطلق بها معه، قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه!! قالت: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، قالت: وأخذت أحجارا فوضعتها في كوة البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليه ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس، إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاع لكم، تقول أسماء: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكت الشيخ بذلك" رواه أحمد.
إنه الصبر على ضيق المعيشة من أجل نصرة دعوة الحق.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الصدق

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 14:36

الصدق
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
قال أبو سليمان: اجعل الصدق مطيتك والحق سيفك والله تعالى غاية طلبتك.
قال الثوري: عن قوله تعالى: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر: 60] هم الذين ادعوا محبة الله تعالى ولم يكونوا بها صادقين.
وليس صدق الوعد خلة تافهة، ولكنها محمدة ذكرها الله في مناقب النبوة: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا} [مريم: 54].

الصدق يهدي إلى الجنة
عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا" [متفق عليه].

الصدق طمأنينة
عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة" [رواه الترمذي].
وقوله: "يريبك" بفتح الياء وضمها معناه: اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا تشك فيه.

لا تجحد نعمة ربك
خطب الحجاج بن يوسف يومًا، فأطال الخطبة، فقال أحد الحاضرين: الصلاة! فإن الوقت لا ينتظرك، والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه وزعموا أن الرجل مجنون، فقال الحجاج: إن أقر بالجنون خلصته من سجنه، فقال الرجل: لا يسوغ لي أن أجحد نعمة الله التي أنعم بها عليَّ، أثبت لنفسي صفة الجنون التي نزهني الله عنها، فلما رأى الحجاج صدقه خلى سبيله. فالمتأمل يرى أن صدق الرجل كان سببًا في خروجه من السجن.
موقف مع البخاري
روى البخاري أنه خرج يطلب الحديث من رجل فرآه قد هربت فرسه، وهو يشير إليها بردائه كأن فيه شعيرًا فجاءته فأخذها، فقال البخاري: أكان معك شعير؟ فقال الرجل: لا، ولكن أوهمتها، فقال البخاري: لا آخذ الحديث ممن يكذب على البهائم، فكان هذا مثالاً عاليًا في تحري النقل عن الصادقين، ولهذا اعتبر كتابه أصدق كتاب في الأحاديث النبوية.

أنواع الصدق
1 - صدق النية:
في يوم اليمامة أغلقت بنو حنيفة -أنصار مسيلمة الكذاب- الباب عليهم، وأحاط بهم الصحابة، فقال البراء بن مالك: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم في الحديقة فاحتملوه على ترس على أسنة رماحهم، فاقتحم عليهم الحديقة وشد عليهم وقاتل حتى فتح باب الحديقة، فجرح يومئذ بضعة وثمانين جرحًا، ولذلك قام عليه خالد بن الوليد شهرًا يداوي جرحه.
شهيد ثار الكون من أجله:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -قال: أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية وأمر عليهم عاصم بن ثابت -وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب- فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتفوا آثارهم حتى أتوا منزلا نزلوه، فوجدوا فيه نوي تمر من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه جاء القوم فأحاطوا بهم، فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل وبعثت قريش إلى عاصم ليأتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل منهم عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء، وفي رواية ابن إسحاق: كان عاصم بن ثابت أعطى لله عهدًا ألا يمسه مشرك ولا يمس مشركًا أبدا، فكان عمر يقول لما بلغه الخبر: يحفظ الله العبد المؤمن بعد وفاته كما حفظه في الدنيا.
يقول ابن الجوزي: عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح له من اسمه نصيب، عصمه ربه وثبته فأفلح، حفظ الله فحفظه الله، ثار الكون كله من أجله يوم استشهد؛ الدبابير خرجت نهارًا تحميه، والسيل انهمر ليلاً يفديه، فما استطاع أحد من الشركين مس شعرة منه، غاظ عاصم أعداءه، لأنه في الأصل فاعل ليس مفعولاً به، والفاعل دائمًا مرفوع لا يكسره شيء.
ذو الجناحين
جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فآتاه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء، ويقال: إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين.
صدق مع الله فأعطاه جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء.
ما لي أراك تكرهين الجنة؟
في غزة مؤتة لما رأى المسلمون كثرة الأعداء قالوا: نكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنخبره بعدد عدونا؛ فإما أن يمدنا وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، فشجع عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - قومه وقال: يا قوم إن الذي تكرهون للذي خرجتم له تطلبون .. الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما الظهور، وإما الشهادة. وبعد مقتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب - رضي الله عنهما- قال عبد الله بن رواحة لنفسه وقد تردد:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه
ما لي أراك تكرهين الجنة ... إن أجلب الناس وشدوا الرنة
لطالما كنت مطمئنة ... هل أنت إلا نطفة في شنة
ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قُتل.
صدق الله فصدقه
عن شداد بن الهادي: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - بعض أصحابه، فلما كانت غزاة غنم النبي - صلى الله عليه وسلم -
سبيًا فقسم وقسم له، فأوصى أصحابه ما يقسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه فأخذه فجاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما هذا؟ قال: "قسمت لك"، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمي إلى ها هنا، وأشار إلى حلقه، فأموت فأدخل الجنة، فقال:"إن تصدق الله يصدقك"، فلبثوا قليلاً فأُتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - يحُمل قد أصابه سهم حيث أشار فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: "صدق الله فصدقه الله" ثم كفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في جبته ثم قدمه فصلى عليه فكان مما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا أنا شهيد على ذلك" [رواه النسائي].
كل منا يتمنى الشهادة، ولكن الله لن يرزق أحدًا هذا المنزلة إلا إذا كان صادقًا في طلبها، وعمل من أجلها.
2 - صدق الإيمان
يقول خيثمة -وكان ابنه قد استشهد يوم بدر-: لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت والله عليها حريصًا حتى ساهمت ابني في الخروج، فخرج سهمه فرُزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها يقول: الحق بنا ترافقنا في الجنة، وقد كبرت سني، ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعد في الجنة، فدعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فقتل بأحد شهيدًا.
اختبار صعب
كان ملك الروم يسمع عن صدق الصحابة، فوقع عبد الله بن حذافة السهمي - رضي الله عنه - أسيرًا فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد فأراد أن يختبره فقال: هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف مالي؟ قال: لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما تملك العرب ما رجعت عن دين محمد طرفة عين، قال: إذًا أقتلك، قال: أنت وذاك. فأُمر به فصُلب، وقال للرماة: ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى، فأنزله ودعا بقدر فصب فيه ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى، ثم بكى عبد الله فقيل للملك: إنه بكى، فظن أنه قد جزع فقال: ردوه، وقال له: ما أبكاك؟ قال: هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب، فكنت أشتهي أن
يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله، فقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك، فقال له عبد الله: وعن جميع الأساري؟ قال: نعم، فقبل رأسه وقدم بالأسارى على عمر فأخبره خبره، فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ، فقبل رأسه.
إنه صدق في الإيمان لا يتزعزع في الشدائد، ولا يلين للمغريات، ولا تفتنه الدنيا، ولا ينشغل بها عن دينه ودعوته، فليحذر كل مسلم مغريات وشهوات الدنيا.
3 - صدق العمل
في معركة نهاوند في عهد سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جاء السائب بن الأقرع إلى سيدنا عمر بخمس الغنائم فقال له عمر: ما وراءك يا سائب؟ قال: خيرًا يا أمير المؤمنين، فتح الله عليك بأعظم الفتح، استشهد النعمان بن مقرن، فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم بكى عمر ثم قال: ومن؟ قال: فلان وفلان حتى عد له أناسًا كثيرين، ثم قال السائب: والله يا أمير المؤمنين أصيب أناس لا تعرفهم فقال عمر وهو يبكي: المستضعفون من المسلمين لا يضرهم ألا يعرفهم عمر، لكن الذي أكرمهم بالشهادة يعرفهم.
أخي الحبيب لا تهتم بمعرفة الناس لك، ولا تسع إلى الشهرة وتكفيك معرفة الله لك.
4 - صدق اللسان
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدس الكلمة التي يقولها وذلك إشارة إلى الرجولة الكاملة، فعن عبد الله بن أبي الحمساء قال: بايعت رسول الله ببيع قبل أن يبعث، فبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثم ذكرت بعد ثلاثة فجئت فإذا هو في مكانه فقال: "يا فتى لقد شققت عليَّ! أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك" [رواه أبو داود] وكان يأتي في الموعد المضروب بينهما.
فإذا أعطيت موعدًا فلابد أن تكون صادقًا في الالتزام به حفاظًا على أوقات الآخرين ولا تعتذر إلا لضرورة ويكون الاعتذار مسبقًا.
الكذب على الأعداء
في معركة أجنادين، احتاج عمرو بن العاص - رضي الله عنه - إلى معرفة شيء عن جيش الروم، فقرر الذهاب إلى قائد الروم على أنه رسول من قائد المسلمين إليه، ولما انتهى عمرو من مهمته، وقام ليخرج فأرسل القائد إلى حراسه أن يقتلوا عمرًا عند خروجه، وأثناء خروج عمرو ناداه رجل كان يعرفه، وحذره من غدر الروم، قائلاً: أحسنت الدخول فأحسن الخروج، ففهم عمرو، ورجع إلى القائد، وقال له: إني قد سمعت كلامك وسمعت كلامي، وإني واحد من عشرة أرسلنا عمر بن الخطاب لنكون مع عمرو بن العاص قواد جيشه، وقد أحببت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك، ففرح القائد بذلك، ووجدها فرصة ثمينة ليقتل عشرة من المسلمين، فقال لعمرو: اذهب وأحضرهم، وأرسل للحراس ألا يتعرضوا له بسوء، فنجا عمرو وعاد إلى جيشه سالمًا، فلما علم قائد الروم بهذه الحيلة، قال: خدعني الرجل، هذا والله أدهى العرب.

أبو سفيان
ذهب أبو سفيان بن حرب ومعه بعض القرشيين إلى الشام للتجارة، فأرسل إليهم هرقل ملك الروم يطلب حضورهم، فلما جاءوا إليه دال لهم: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبًا، فقال هرقل: أدنوه مني واجعلوا أصحابه خلفه، ثم قال لهم: إني سائل هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، فقال أبو سفيان: لولا الحياء أن يروا علي كذبًا لكذبت، فأخذ هرقل يسأله عن صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - ونسبه وأصحابه وأبو سفيان لا يقول إلا صدقًا حياء.

أنكحك الصدق
كان لسيدنا بلال بن رباح الحبشي، مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخ يريد الزواج من امرأة من قبيلة مخزوم، وهي قبيلة عريقة في حسبها ونسبها، ولم تكن ترضى بمثل بلال صهرًا لها، فلما أصر أخوه على أن يخطب هذه المرأة رضخ بلال لقوله، وتوجه معه إلى أشراف مخزوم، وعرض عليهم رغبة أخيه في مصاهرتهم، وقال لهم: يا قوم، نحن من قد عرفتم، كنا عبيدًا فأعتقنا الله، وكنا ضالين فهدانا الله، وكنا فقراء فأغنانا الله، وإني أخطب منكم ابنتكم لأخي، فإن تنكحوها له فالحمد لله، وإن تردونا عن قصدنا، فسوف يغنينا الله.
فرحب به القوم، وأكرموا وفادته، وقبلوا شفاعته، وقالوا: مرحبا بمؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم زوجوه ابنتهم، فلما خرجا من عندهم أقبل عليه أخوه يلومه ويعنفه، ويقول: يا بلال، هلا ذكرت لهم مواقفنا في الإسلام، فقد أبلينا مع رسول الله بلاء حسنًا، فقال له بلال: اسكت يا هذا، فقد أنكحك الصدق.

أموت ولا أكذب
حين استعرت نيران الثورة ضد الإنجليز في الهند كان المسلمون هناك يتصدرون الصفوف الأولى للثورة، ويقضون مضاجع المستعمرين الإنجليز بشجاعتهم النادرة وإقبالهم على الاستشهاد دفاعًا عن دينهم وبلادهم.
وفي يوم من أيام عام 1857م، ألقت السلطات الإنجليزية القبض على العالم المؤمن الشيخ رضا الله البدواني بتهمة الاشتراك في الثورة ضد الإنجليز.
وجيء بالعالم الشيخ ليحاكم أمام ضابط إنجليزي كبير، وكان هذا الضابط يكبر في الشيخ جرأته وشجاعته، فأراد أن يلتمس للشيخ مبررًا قانونيًا يطلق به سراحه فأوعز لبعض أصدقاء الشيخ أن ينصحوه بأن ينكر التهمة أمام المحاكم.
وجيء بالشيخ أمام المحكمة العسكرية فقال له الضابط الإنجليزي:
علمت أيها الشيخ أنك لم تكن مشتركًا في الثورة ضدنا، فإن كان هذا الذي سمعته حقًا، أطلقت سبيلك في الحال .. ؟
وابتسم الشيخ المؤمن وهو يجيب الضابط الإنجليزي: لا والله أيها الحاكم لا أجحد شرف المشاركة في حربكم، ووالله لو أطلقت سراحي الآن لعدت إليك بعد ساعات بنفس التهمة التي تحاكمني بها الآن.
ولم يجد الحاكم الإنجليزي بدًا من الحكم بإعدام الشيخ المؤمن رضا الله البدواني.
وسيق العالم الثائر إلى خشبة الإعدام ومشى الحاكم الإنجليزي إلى جانبه، والشيخ المؤمن لا ينفك يذكر الله ويثني عليه، حتى إذا اقترب موكب الموت من خشبة الإعدام قال الحاكم الإنجليزي للعالم المؤمن:
أيها الشيخ ما زال أمامك متسع من الوقت لتنقذ نفسك من الشنق، قل لي الآن أنك
لم تشارك في الثورة ضدنا فأؤجل تنفيذ الحكم، ثم أعمل على براءتك وإطلاق سراحك.
ونظر الشيخ إلى حبل المشنقة وهو يبتسم ابتسامة تهزأ بالموت ثم نظر إلى الضابط الإنجليزي وقال: أتريد أن أكذب لأنجو من الموت اليوم فيحبط عملي، فإذا مت بعد ذلك لقيت الله وقد حبط عملي كله .. ؟ لا أيها الحاكم لن أكذب أبدًا، لقد اشتركت في الثورة ضدكم لأن ديني يأمرني بذلك فافعل ما بدا لك.
وما هي إلا لحظات إلا وجسد العالم الثائر رضا الله البدواني يتأرجح في الهواء شهيدًا في سبيل الله.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

المراقبة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 14:41

المراقبة
المراقبة: هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه.
يقول إبراهيم الخواص: المراقبة هي خلوص السر والعلانية لله عز وجل، وقد حث الإسلام على المراقبة، فقال تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} [الأحزاب: 52].
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
وقال: {فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 117].
وها هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يراقب ربه فيقول: "إني أرى ما لا ترون، أطت السماء وحُق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى" [الترمذي].
وسئل ذو النون: بم ينال العبد الجنة؟ قال: بخمس:
استقامة ليس فيها روغان.
واجتهاد ليس معه سهو.
ومراقبة لله في السر والعلانية.
وانتظار الموت بالتأهل له.
ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب.
إذا أراد المؤمن أن يتذكر مراقبة الله فعليه أن يتعبد باسم الله السميع، فلا يسمع ربه منه فحشًا ولا عصيانًا، ويتعبد باسم الله البصير، فلا يرى ربه منه معصية ولا يقع منه ما يغضبه عز وجل.

من أسماء الله الحسنى: الرقيب
الرقيب: اسم من أسماء الله الحسنى ورد ذكره في حديث المصطفى الشامل للأسماء الحسنى، كما ورد ذكره في القرآن الكريم.
والرقيب: هو الذي لا يغفل ولا ينام، أحاط بصره بكل شيء، أدنى حفيظ وأقرب شهيد، وهو الذي من الأسرار قريب، وعند الاضطرار يجيب، وهو المطلع على الضمائر، الشاهد على الأسرار، وهو الذي يعلم ويرى ولا يخفى عليه السر والنجوى، وهو تعالى الذي يسبق علمه جميع المحدثات وتتقدم روايته جميع المكونات، الحاضر الذي لا يغيب، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235].
وقال عز وجل: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]، وقال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14] وقال عز وجل: {فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48] وقال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]، إلى غير ذلك من الآيات.
مظاهر اسمه تعاله الرقيب
الله عز وجل رقيب على السماوات وما فيهن من كواكب ونجوم، يحفظها من أن يخرج منها جرم عن موضعه الذي أقامه فيه، أو ينقص من سرعته التي أجراها بها وأداره عليها، أو ينحرف عن اتجاهه الذي وجهه إليه، لا تشغله الرقابة على كبارها عن الرقابة على صغارها، ولا يعوقه حفظ قريبها عن حفظ بعيدها، وهو سبحانه رقيب على كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، يرقب أشعة الشمس في اختلاط ألوانها حتى لا يطغى بعضها على بعض، وحتى يظل الظاهر منها ظاهرًا والخفي منها خفيًا.
يرقب الأرض في دورتها حول نفسها أمام الشمس حتى لا تنحرف عن مدارها الذي رسمه، وحتى تحتفظ بالسرعة التي خصها بها، يرقبها في إنبات نباتها وجريان أنهارها، ويرقب الأجرام السماوية أن تقع على الأرض، إذ لو وقع أصغر جرم منها على الأرض لدكها دكًّا وصيرها هباء منثورا، ويرقب البحار أن تطغى على اليابسة إذ لو طغت عليها لأصبحت الكرة الأرضية كلها بحرا يعج عجاجه وتصطخب أمواجه، ويرقب الأجنة في بطون أمهاتها وتطورها في خلقها ونموها وتغذيتها وتمامها وخروجها من ظلمات الأرحام.
وهو عز وجل يرقب القلوب في نبضاتها، وتوزيعها الدم في دورته في الأجسام وتحول الدم إلى أنسجة وخلايا.
وهو عز وجل يرقب خطرات الأفكار وخلجات الأنفس وهجسات الضمائر،
لا يغيب عن رقابته شيء (1).

ثمار المراقبة:
1 - الورع:
كانت فاطمة بنت عبد الملك بنت خليفة، وزوجة خليفة، وأخت أربعة من الخلفاء، خرجت من بيت أبيها إلى بيت زوجها يوم زفت إليه وهي مثقلة بأثمن ما تملكه امرأة على وجه الأرض من الحلي والجوهرات، ومن فضول القول أن أشير إلى أن عروس عمر بن عبد العزيز كانت في بيت أبيها تعيش في نعمة لا تعلو عليها عيشة امرأة أخرى في الدنيا في ذلك العهد، ولو أنها استمرت في بيت زوجها تعيش كما كانت تعيش قبل ذلك لتملأ بطنها كل يوم، وفي كل ساعة بأدسم المأكولات وأندرها وأغلاها، وتنعم نفسها بكل أنواع النعيم الذي عرفه البشر، لاستطاعت ذلك .. إلا أن الخليفة الأعظم عمر بن عبد العزيز اختار -في الوقت الذي كان فيه أعظم ملوك الأرض- أن تكون نفقة بيته بضعة دراهم في اليوم، ورضيت بذلك زوجة الخليفة التي كانت بنت خليفة وأخت أربعة من الخلفاء، فكانت مغتبطة بذلك، لأنها تذوقت لذة القناعة، وتمتعت بحلاوة الاعتدال، فصارت هذه اللذة وهذه الحلاوة أطيب لها وأرضى لنفسها من كل ما كانت تعرفه قبل ذلك من صنوف البذخ وألوان الترف، بل اقترح عليها زوجها أن تترفع عن عقلية الطفولة، فتخرج عن هذه الألاعيب والسفاسف التي كانت تبهرج بها أذنيها وعنقها وشعرها ومعصميها، مما لا يسمن ولا يغني من جوع، ولو بيع لأشبع بثمنه بطون شعب برجاله ونسائه وأطفاله، فاستجابت له، واستراحت من أثقال الحلي والمجوهرات واللآليء والدرر التي حملتها معها من بيت أبيها، فبعثت بذلك كله إلى بيت مال المسلمين.
وتوفي أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ولم يخلف لزوجته وأولاده شيئًا، فجاءها أمين بيت المال، وقال لها: إن مجوهراتك يا سيدتي لا تزال كما هي، واعتبرتها أمانة لك، وحفظتها لذلك اليوم، وقد جئت أستأذنك في إحضارها.
فأجابته بإنها وهبتها لبيت مال المسلمين طاعة لأمير المؤمنين، ثم قالت: وما كنت لأطيعه حيًا، وأعصيه ميتًا (2).
__________
(1) النور الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى (256 - 257).
(2) مواقف من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين (681 - 682).
 - السماحة:
جاء أحد جلساء أبي حنيفة إليه، وقال: إني بحاجة إلى ثوب خز يا أبا حنيفة.
فقال له: ما لونه؟ فقال: كذا وكذا.
فقال: اصبر حتى يقع لي فآخذه لك، فما إن دارت الجمعة حتى وقع له الثوب المطلوب، فمر به صاحبه، فقال له أبو حنيفة: قد وقعت لي حاجتك .. وأخرج إليه الثوب فأعجبه وقال: كم أدفع لغلامك ثمنه؟ فقال: درهمًا، فقال الرجل في استغراب: درهمًا واحدًا؟ فقال أبو حنيفة: نعم، فقال له الرجل: ما كنت أظنك تهزأ بي يا أبا حنيفة، فقال أبو حنيفة: ما هزئت بك، وإنما اشتريت هذا الثوب وآخر معه بعشرين دينارًا ذهبًا، ودرهم من الفضة، وقد بعت أحد الثوبين بعشرين دينارًا ذهبًا، وبقي عليَّ هذا بدرهم واحد، وما كنت أربح على جليسي (1).

3 - تذكر الموت:
لقي الفضيل بن عياض رجلاً فقال له الفضيل: أيها الرجل كم عمرك؟
قال الرجل: ستون سنة.
قال الفضيل: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى الله يوشك أن تلقاه.
قال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الفضيل: هل تعلم معنى تلك الكلمة.
قال الرجل: نعم أعلم أني لله عبد وأني إليه راجع.
قال الفضيل: يا هذا من علم أنه لله عبد، وأنه إليه راجع فليعلم أنه بين يديه موقوف، ومن علم أنه بين يديه موقوف فليعلم أنه بين يديه مسئول، ومن علم أنه بين يديه مسئول فليعد للسؤال جوابًا.
قال الرجل: فما الحيلة يرحمك الله؟
قال الفضيل: أن تتقي الله فيما بقي يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقي (2).
__________
(1) صور من حياة التابعين (487 - 488).
(2) مواقف من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين (720).
4 - الأمانة:
عن أسلم مولى عمر -رضي الله عنهما- قال: بينما أنا مع عمر بن الخطاب، وهو يعس بالمدينة إذ عيى، فاتكأ على جاذب جدار في جوف الليل، وإذا امرأة تقول لابنتها: يا بنتاه قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه بالماء.
قالت: يا أماه أو ما علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين؟
قالت: وما كان عزمته؟
قالت: إنه أمر مناديه فنادى لا يشاب اللبن بالماء.
فقالت لها: يا بنية قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء، فإنا بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر.
فقالت الصبية: والله ما كنت لأطيعه في الملأ، وأعصيه في الخلا، وعمر يسمع كل ذلك.
فقال: يا أسلم علِّم الباب واعرف الموضع، ثم مضى في عسسه فلما أصبح: قال: يا أسلم امض في الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها، وهل لهم من بعل؟ فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا بعل لها، فأتيت عمر فأخبرته، فدعا ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه؟ ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية، فقال عبد الله: لي زوجة، وقال عبد الرحمن: لي زوجة، وقال عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني، فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت له بنتًا، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز.
وهكذا كان عمر يتفقد الرعية بنفسه، ويعس في الليل ويقوم بواجبه نحو رعيته محتسبًا عند الله تعالى أجره، كما كان لمراقبة تلك الفتاة لربها وأمانتها الأثر الجميل والخير العميم في حياتها وفي آخرتها إن شاء الله.

أمانة في البيع والشراء
حُكي عن محمد بن المنكدر -رحمه الله- أنه كان له شقاق -جنس من الثياب- بعضها بخمسة، وبعضها بعشرة. فباع غلامه في غيبته شقة من الخمسيات بعشرة. فلما حضر ابن المنكدر، وعلم بذلك، صار يطلب المشتري طول النهار حتى وجده، وقال له: إن الغلام غلط، فباعك خمسة بعشرة.
فقال المشتري: يا هذا، قد رضيت.
فقال ابن المنكدر إن رضيت أنت؛ فأنا لا أرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات، وإما أن نرد عليك خمسة، وإما أن ترد علينا شُقتنا وتأخذ دراهمك.
فقال: أعطني خمسة، فدفعها إليه، فانصرف الأعرابي وهو يسأل، ويقول: من هذا الشيخ؟
فقيل له: هذا محمد بن المنكدر.
فقال الأعرابي: لا إله إلا الله، هذا الذي نستقي به في البوادي إذا قُحطنا.

عمر يختبر الراعي
قال عبد الله بن دينار خرجت مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى مكة فانحدر بنا راع من الجبل، فقال له عمر ممتحنًا له: يا راعي بعني شاة من هذه الغنم.
فقال عمر: إنني مملوك.
فقال عمر: قل لسيدك أكلها الذئب (يريد أن يختبره).
فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى عمر ثم غدا مع المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه، وقال له: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة.

الغلام المعلَّم
وهذا عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - الذي راقب الله عز وجل كيف كان جزاؤه؟ يقول ابن مسعود: كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط فمر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر فقال: "يا غلام هل من لبن؟ " قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: فهل من شاة لا تخرج لبنًا"، فأتيته بشاة، فمسح ضرعها، فنزل لبن، فحلب في إناء فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلص" فقلص، ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله! علمني من هذا القول، فمسح رأسي وقال: "يرحمك الله إنك غليم معلَّم" رواه أحمد.

راقبوا الله في خلواتكم
إن للخلوة تأثيرات تبين في الجلوة، كم من مؤمن بالله عز وجل يحترمه عند الخلوات؛ فيترك ما يشتهي حذرًا من عقابه، أو رجاء لثوابه، أو إجلالاً له، فيكون بذلك الفعل كأنه طرح عودًا هنديًا على مجمر فيفوح طيبه؛ فيستنشقه الخلائق ولا يدرون أين هو، وعلى قدر
المجاهدة في ترك ما يهوي تقوي محبته، أو على مقدار زيادة دفع ذلك المحبوب المتروك يزيد الطيب، ويتفاوت تفاوت العود، فترى عيون الخلق تعظم هذا الشخص وألسنتهم تمدحه ولا يعرفون لم، ولا يقدرون على وصفه لبعدهم عن حقيقة معرفته.
وقد تمتد هذه الأراييج بعد الموت على قدرها، فمنهم من يذكر بالخير مدة مديدة ثم ينسى، ومنهم من يذكر مائة سنة ثم يخفى ذكره وقبره، ومنهم أعلام يبقى ذكرها أبدا.
قال أبو الدرداء: إن العبد ليخلو بمعصية الله تعالى فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، فتلمحوا ما سطرته، واعرفوا ما ذكرته، ولا تهملوا خلواتكم ولا سرائركم، فإن الأعمال بالنية، والجزاء على مقدار الإخلاص.
إذا ما خلوت بريبة في ظلمة ... والنفس داعية إلى الطغيان
فاستحي من نظر الإله وقل ... لها إن الذي خلق الظلام يراني
يقول محمد بن عدي الترمذي: اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه.

درس في المراقبة
يقول الإمام الغزالي: كان لأحد المشايخ تلاميذ وطلاب علم، فأراد أن يلقنهم درسًا في مراقبة الله عز وجل، فدعا بعدة طيور، وناول كل واحد منهم طائرًا وسكينًا، وقال: ليذبح كل واحد منكم طائره في موضع لا يراه فيه أحد ... فرجع كل طالب بطائره مذبوحا إلا طالبًا واحدًا، فقد رجع بطائره دون أن يذبحه.
فقال له الشيخ: ما لك لم تذبح كما ذبح أصحابك؟ فقال: لم أجد موضعا لا يراني فيه أحد .. إذ الله مطلع علي في كل مكان .. فاستحسن الشيخ منه ذلك.
إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل ... خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ... ولا أن ما تخفيه عنه يغيب


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التوكل

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 14:45

التوكل
وعلى الله فتوكلوا
قال ابن القيم: التوكل نصف الدين والنصف الثاني الإنابة، فإن الدين استعانة وعبادة فالتوكل هو الاستعانة والإنابة هي العبادة، ويقول الإمام الغزالي: التوكل منزلة من منازل الدين ومقام من مقامات الموقنين، بل هو من معالي درجات المقربين.
ويقول بشر الحافي: يقول أحدهم: توكلت على الله، يكذب على الله لو توكل على الله لرضي بالمقدور.

رزقك على ربك
نحتاج إلى التوكل خاصة في قضية الرزق، فربما قبل إنسان أن يذل نفسه، ويحني رأسه، ويبذل كرامته، من أجل لقمة العيش التي يحسبها أنها في يد مخلوق مثله، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، فحياته وحياة أولاده في قبضته، فهو قادر في نظره أن يحيي ويميت كما قال النمرود. وقد أمر الله رسوله بالتوكل: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].

المتوكلون من السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب
لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" [رواه البخاري ومسلم].
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت" [رواه مسلم].

كن كالطير
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا" [رواه الترمذي].
الشيطان يحزن
عن أنس - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: هُديت ووُقيت وكُفيت فيقول الشيطان لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي" [رواه أبو داود].

حقيقة التوكل
التوكل: هو انطراح القلب بين يدي الرب، كانطراح الميت بين يدي الغاسل؛ يقلبه كيف يشاء، وهو ترك الاختيار.

لا تحزن ومعك الملك
كذلك من أعطاه ملك درهمًا فسرق منه، فقال له الملك: عندى أضعافه، فلا تهتم، متى جئت إلي أعطيتك من خزائني أضعافه، فإذا علم صحة قول الملك، ووثق به، واطمأن إليه، وعلم أن خزائنه مليئة بذلك، لم يحزن.
من توكل عليه تولاه ومن استغنى به أغناه.

هل أنت مؤمن؟
قال تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23] التوكل شرط في الإيمان فمن لا توكل له لا إيمان له، ولا يكون الوكيل وكيلاً إلا إذا اجتمع فيه أربع صفات أن يكون (عليمًا وقادرًا على نصرتك ورحيمًا بك وهاديًا) فهل تجد غير الله وكيلاً؟

لا تتكاسل
جاء رجل على ناقة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أدعها وأتوكل، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:" اعقلها وتوكل" رواه الترمذي. ورفض الرسول مبدأ التهاون والكسل.

ساق التوكل
قال ابن القيم: لا تقوم عبودية الأسباب إلا على ساق التوكل، ولا يقوم ساق التوكل إلا على قدم العبودية.
يقول صاحب الظلال: إن سنة الله تجري بترتيب النتائج على الأسباب، ولكن
الأسباب ليست هي التي تنشئ النتائج، فالفاعل المؤثر هو الله وهو الذي يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته، ومن ثم يطلب من العبد أن يؤدي واجبه ويبذل جهده، ثم يتوكل على الله في إحداث النتائج .. فإنه متى تعلق العبد بالأسباب فقد أُثبت جهله ونقص إيمانه ونقص عقله .. حيث إن الناظر إلى مجاري سنة الله عز وجل يرى أن المشيئة ليست على قدر الأسباب .. فكم من عاقل محروم وكم من أحمق مرزوق .. ولو رزق الله كل عاقل وحرم كل أحمق لظن الناس أن العقل يرزق صاحبه، فلما رأوا خلاف ذلك علموا أن الصانع أراد أن يدلهم على نفسه، فهل علمت من هو المتوكل؟.

واعجبًا
يقول ابن الجوزي: واعجبًا يتأمل الحيوان البهيم العواقب، وأنت لا ترى إلا الحاضر، ما تكاد تهتم بمؤنة الشتاء حتى يقوى البرد، ولا بمؤنة الصيف حتى يشتد الحر، ومَنْ هذه صفته في أمور الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً، هذا الطائر إذا علم أن الأنثى قد حملت، أخذ ينقل العيدان لبناء العش قبل الوضع، أفتراك ما علمت قرب رحيلك إلى القبر؟ فهلا بعثت لك فراش تقوى {فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44].
هذا اليربوع لا يتخذ بيتًا إلا في موضع طيب مرتفع، ليسلم من سيل أو حافر ثم لا يجعله إلا عند أكمة أو صخرة، لئلا يضل إذا عاد إليه، ثم يجعل له أبوابًا ويرقق بعضها.

فهم خاطيء
جاء رجل إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وسأله عن رجل جلس في بيته وقال: لا أعمل حتى يأتيني رزقي، فقال الإمام أحمد: هذا رجل جهل العلم فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جعل رزقي تحت ظل رمحي" [رواه البخاري].
ولقي عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ناسًا من أهل اليمن فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: بل أنتم المتواكلون، إنما المتوكل الذي يلقي حبة في الأرض ويتوكل على الله.

هكذا أُمِرَ الأنبياء
قال تعالى لنوح عليه السلام: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} [هود: 37] وقال يعقوب لابنه: {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا} [يوسف: 5] وقال لأبنائه:
{لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [يوسف: 67] وقال الله لموسى: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الدخان: 23] وقال لمريم: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} [مريم: 25].

القرآن يأمر بالأخذ بالأسباب
قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} [الأنفال: 60] وقال
تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15].

سبحان الله يا شقيق!!
ورد أن شقيق البلخي ودع صديقه إبراهيم بن أدهم، لسفره في تجارة، ولم يلبث إلا مدة يسيرة ثم عاد ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله: لِمَ رجع؟ فقص عليه قصة شهدها أنه رأى طائرًا أعمى كسيحًا وجاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني، وقرر العودة، فقال له إبراهيم بن أدهم: سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز، ولا تكون أنت الطائر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمره على العُمى من حوله، أما سمعت قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اليد العليا خير من اليد السفلى" [متفق عليه].

هل لك حرفة؟!
كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا رأى غلامًا أعجبه سأل: هل له حرفة؟ فإن قيل: لا، سقط من عينه.

هذه الأشياء لا تنافي التوكل
وكان العابد الزاهد إبراهيم الخواص إذا أراد السفر يأخذ معه إبرة وخيوطًا ومقصًا وإناء به ماء، فسأله أحد أصحابه: لم تحمل هذه الأشياء يا أبا إسحاق وأنت من الزهاد؟
فقال ابراهيم: هذه الأشياء لا تنافي التوكل؛ لأن لله تعالى علينا فرائض، والفقير لا يكون معه إلا ثوب واحد، فربما يتمزق ثوبه، فإن لم يكن معه إبرة وخيوط تظهر عورته
فتفسد صلاته، وإذا لم يكن معه إناء به ماء لم يستطع أن يتطهر لصلاته، وإذا لم يكن معه مقص لم يستطع أن يقص شاربه كما أمرنا الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

غزوة حنين نموذج قرآني
تُذم الأسباب إذا تعلق القلب بها وحدها ونسي مسببها، وقد ذكر القرآن لنا نموذجًا من الاعتماد على الأسباب الظاهرة وحدها، فإذا هي لا تحقق نتائجها: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25].
لا تنس أن الله معك، فما تعجز عنه الأسباب المادية تكمله القدرة الإلهية، فقد قال بنو إسرائيل لموسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [الشعراء: 61 - 62].

حدث في ليلة الهجرة
وفي الغار قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر - رضي الله عنه -: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] بعد أن أخذ بكل الأسباب، هيأ من يبيت في فراشه -علي بن أبي طالب- ومن يرافقه في الطريق -أبو بكر الصديق- ومن يدله على الطريق -عبد الله بن أريقط- ومن يأتي بالزاد -أسماء بنت أبي بكر- ومن يعفي آثارها بغنمه -عامر بن فهيرة-: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].

فلم تقتلوهم ولكن ...
وفي غزوة بدر: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} [الأنفال: 17] وفي غزوة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9] وقال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].

آلله أمرك بهذا؟!
ولقد أخذ سيدنا إبراهيم هاجر وابنها الرضيع سيدنا إسماعيل، وسار بهما في الصحراء، حتى وصلوا إلى بيت الله الحرام، فوضعهما في هذا المكان، وليس معهما إلا قليل من التمر، وإناء به ماء، ثم تركهما وهمَّ بالانصراف، فأسرعت هاجر وراءه وهي
تقول: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا؟! وظلت تسأله وإبراهيم لا يلتفت إليها فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ فقال: نعم. فقالت: إذًا لن يضيعنا. وهكذا توكل إبراهيم وزوجته على ربهما وفوضا الأمر إليه.

حسبنا الله ونعم الوكيل
وهذا إبراهيم عليه السلام قام بتحطيم أصنام قومه، فلما علم قومه بذلك أحضروه وأمروا بإحراقه، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل، فجاءه جبريل وقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم. فأمر الله تعالى النار أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم.

من الرزاق؟
قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)} [يونس: 31 - 32].

لا تعصه وهو يرزقك
قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فدعا الناس بيده هكذا، فقال: اجلسوا، وأقبل الناس، فقال بيده هكذا: اجلسوا، ثم قال:"إني رأيتكم تطلبون معايشكم، هذا رسول الله رب العالمين جبريل نفث في روعي: ألا تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وإن أبطأ عليها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء شيء على أن تأخذوه بمعصية، فإن الله لا يُدرك ما عنده إلا بطاعته" [رواه ابن ماجه والحاكم].

طرفة
يمشي الفقير وكل شيء ضده ... والناس تغلق دونه أبوابها
وتراه منقوصًا وليس بمذنب ... ويرى العداوة لا يرى أسبابها
حتى الكلاب إذا رأت رجل الغنى ... حنت إليه وحركت أذنابها
وإذا رأت يومًا فقيرًا لاغيًا ... نبحت عليه وكشرت أنيابها
كن معه يغنيك من خزائنه
فالله يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، إن شاء الله أغنى الفقير، وأفقر الغني، وقوي الضعيف وأضعف القوي، ونصر المظلوم وأخذ الظالم، وشفي المريض ويسر على المعسر، وأعز الذليل وأذل العزيز لا ينازعه أحد في سلطانه.

لا تيأس وإن توالت عليك الخطوب
فيا أيها المظلوم والمغلوب، ويأيها الملهوف والمكروب، ويأيها المجروح والمنكوب، لا تيأس وإن توالت عليك الخطوب، وسدت في وجهك الدروب، فإن علام الغيوب، وغفار الذنوب، وستار العيوب، ومقلب القلوب سيفرج عنك الكروب، ويحقق لك المطلوب، كما كشف الضر عن أيوب، ورد يوسف إلى يعقوب {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)} [الأنبياء: 87 - 88].
الأرزاق الظاهرة كالأقوات والطعام، يقول تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] نبهكم الله إلى كثرة نعمه عليكم وإحسانه، ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم، ولكنه غفور رحيم يغفر الكثير ويجازي على اليسير.
أرزاق باطنة للقلوب كالمعارف والعلوم، ومنها نعمة الإسلام: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] ونعمة الإيمان: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7] ونعمة النصر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب: 9].

البركة من الله:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما قل وكفى خير مما كثر وألهى" [صحيح الجامع].

موقف يحتاج إلى تأمل
وحدث في أحد مساجد مصر أن رجلاً كان يأكل فجاءه قط، فألقى إليه طعاما فغاب
عنه، ثم أعطاه مرة ثانية فأعطاه طعاما فغاب عنه، ثم أتاه فتعجب الرجل فسار خلفه فوجده يذهب بالطعام إلى أرض خراب بها قط أعمى فقال الله يرزق هذا فكيف يضيع مثلي؟

متى الراحة؟!
وأعظم نعمة بعد الإسلام أن تشتاق إلى الجنة وتعمل لها، سئل الإمام أحمد: متى الراحة؟ قال: لا راحة إلا في الجنة.

إن لي نفسًا تواقة
قال وجاء بن حيوة وزير عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -: كنت مع عمر بن عبد العزيز -لما كان واليا على المدينة- فأرسلني لأشتري له ثوبًا فاشريته له بخمسمائة درهم فلما نظر فيه قال: هو جيد لولا أنه رخيص الثمن، فلما صار خليفة للمسلمين بعثني لأشتري له ثوبًا فاشتريته له بخمسة دراهم فلما نظر فيه قال: هو جيد لولا أنه غالي الثمن. فبكى رجاء فقال له عمر: ما يبكيك؟ قال: تذكرت ثوبك قبل سنوات وما قلت عنه، فقال له عمر: يا رجاء إن لي نفسًا تواقة، وما حققت شيئًا إلا تاقت لما هو أعلى منه، والآن قد تاقت نفسي إلى الجنة ... فأرجو أن أكون من أهلها.

رحم الله امرأ عرف قدر نفسه
بلغ عمر - رضي الله عنه - أن ابنًا له اتخذ خاتمًا، واتخذ له فصًا بألف درهم، فكتب له: بلغني أنك اشتريت فصًا لخاتمك بألف درهم فبِعْه، وأشبع بثمنه ألف جائع، واتخذ خاتمًا من حديد، واكتب عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه.

كثرة الأموال ليست دليل الكرامة على الله
قال الله تعالى على لسان الكفار {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] ويقول عن سبأ: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37] وقال تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55]، {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا} [الفجر: 15 - 17].
الابتلاء بالنعمة
قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44] وقال رسول الله:"إذا رأيت الله تعالى يعطى العبد من الدنيا ما يحب وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك منه استدراج" (رواه أحمد والطبراني)، وقال أيضا: "إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102].
قال ابن أبي حازم: كل نعمة لا تقرب من الله سبحانه وتعالى فهي بلية.

النعم ثلاث
يقول ابن القيم: النعم ثلاث: نعمة حاصلة يعلم بها العبد، ونعمة منتظرة يرجوها، ونعمة هو فيها لا يشعر بها، فإذا أراد الله إتمام نعمته على عبده، عرفه نعمته الحاضرة ليشكره ويوفقه لعمل يستجلب بها النعمة المنتظرة.
ويحكى أن أعرابي دخل على الرشيد فقال أمير المؤمنين: ثبت الله عليك النعم التي أنت فيها بإدامة شكرها، وحقق لك النعم التي ترجوها بحسن الظن بها، وعرفك النعم التي أنت فيها ولا تعرفها لتشكرها، فأعجبه ذلك، وقال: ما أحسن تقسيمه.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الاستقامة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 14:50

الاستقامة
الاستقامة ضد الطغيان، وهو مجاوزة الحد في كل شيء.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا} [فصلت:30] وقال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [الشورى: 15].
وعن أبي عمرو - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا غيرك. قال - صلى الله عليه وسلم -: "قل آمنت بالله ثم استقم" [مسلم].
يقول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعالب [متفق عليه].
وعن عبد الله بن عمرو: قال لي رسول الله: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل" [متفق عليه] قل آمنت بالله: جدد إيمانك متذكرًا بقلبك ذاكرًا بلسانك.
ويقول ابن تيمية: أعظم الكرامة لزوم الاستقامة.

الاستقامة في العبادة
كان أويس القرني يقول: هذه ليلة الركوع، فيحيي الليل كله في ركعة، وإذا كانت الليلة الآتية قال: هذه ليلة السجود فيحيي الليل كله في سجدة.
وقيل: لما تاب عتبة الغلام كان لا يهنأ بالطعام والشراب.
فقالت له أمه: لو رفقت بنفسك!
قال: الرفق أطلب! دعيني أتعب قليلا وأتنعم طويلاً.
قال عبد الله بن الحسن: كان لي جارية رومية وكنت بها معجبًا، فكانت في بعض الليالي نائمة إلى جنبي فانتبهت فالتمستها فلم أجدها، فقمت إليها فإذا هي ساجدة وهي تقول: بحبك لي إلا ما غفرت لي ذنوبي.
فقلت لها: لا تقولي بحبك لي، ولكن قولي: بحبي لك.
فقالت: يا مولاي بحبه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام، وبحبه لي أيقظ عيني وكثير من خلقه نيام.
هل أنت مستقيم ومواظب على قيام الليل؟

نموذج فريد
هذا الإمام أحمد في محنته التي أرادوا فيها أن ينطق بأن القرآن مخلوق فأبى أن ينطق إلا بالحق، فأمر المعتصم أن يأتوا بالإمام أحمد في الشمس وهو صائم، وأمر بحضور الجلادين، فلما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم وقال: ائتوني بغيرها، ثم قال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم الرجل إلى الإمام أحمد ويضرب سوطين فيقول المعتصم للجلاد: شد قطع الله يديك، فلما ضربوه تسعة عشر سوطًا، قام المعتصم وقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك، وإني والله عليك لشفيق، فجعل ينخسني بقائمة السيف، ويقول: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم، وجعل بعضهم يقول: ويلك الخليفة على رأسك، وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي أقتله.
فقال المعتصم: ويحك يا أحمد ما تقول؟
فقلت: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به.
فرجع وجلس وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، ثم قام الثانية فجعل يقول: ويحك يا أحمد أجبني، فجعلوا يقبلون علي، ويقولون: يا أحمد، إمامك على رأسك قائم، فظلوا يضربونني حتى فقدت وعيي، فقال لي رجل ممن حضر: كببناك على وجهك، وطرحناك على ظهرك، ودسناك بالأقدام.
فقلت له: ما شعرت بذلك، فلما أفقت أتوني بسويق فقالوا لي: اشرب وتقيأ، فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر فتقدم ابن سماعة، وصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل منك، فقلت: قد صلى عمر بن الخطاب وجرحه يثعب دمًا (1).
__________
(1) الناطقون بالحق (327، 328).
المداومة على القراءة
كان الشيخ محمد نجيب المطيعي الذي ولد عام 1917 يقرأ كل يوم خمس عشرة ساعة متصلة، لا يقطعها سوى الصلوات والطعام، وظل حتى قبل وفاته يحافظ رغم كبر سنه على اثنتي عشرة ساعة في اليوم، وإني أشهد الله أني ما سمعت أعلم من الشيخ المطيعي، كنت تستمع إليه فتشعر أنك بين يدي عالم في الله، والحديث والقرآن والفقه والأصول والحكم والأمثال والنوادر.
لقد كان يحفظ كل كتب الصحاح والأسانيد والسنن متنًا وسندًا متصلاً حتى أن الرواة ليزيد عددهم عن عشرة ويذكرهم واحدًا بعد الآخر دون أن يتلعثم، فإذا سألته عن أحد الرواة حدثك حديث العارف به كأنه يعايشه.
ومن أعظم آثاره العلمية الخالدة تكملة كتاب الجموع شرح المهذب، وهو الكتاب الذي كتب منه الإمام النووي خمسة مجلدات ثم توفاه الله، فجاء الشيخ المطيعي ليكمل الجموع إلى خمسة وعشرين مجلدًا، وكان يود لو أكمله إلى الثلاثين. وهذا الكتاب يعتبر أفضل موسوعة فقهية مقارنة في العصر الحديث (1).

الاستقامة على العفة
قال خارجة بن زياد: هويت امرأة من الحي فكنت أتبعها إذا خرجت من المسجد، فعرفت ذلك مني فقالت لي ذات ليلة: ألك حاجة؟ قلت: نعم، قالت: وما هي؟ قلت: مودتك، قالت: دع ذلك ليوم التغابن. قال: فأبكتني، والله ما عدت إلى ذلك (2).

مناظرة بين القلب والعين
يقول ابن القيم تحت عنوان: في ذكر مناظرة بين القلب والعين ولوم كل منها صاحبه والحكم بينهما: لما كانت العين رائدًا وباعثًا وطالبًا، وهذه لها لذة الرؤية، وهذا له لذة الظفر، كانا في الهوى شريكَيْ عنان، ولما وقعا في العناء واشتركا في البلاء أقبل كل منهما يلوم صاحبه ويعاتبه، فقال القلب للعين: أنت الذي سقتني إلى موارد الهلكات، وأوقعتني في الحسرات، بمتابعتك اللحظات ونزهت طرفك في تلك الرياض،
__________
(1) حكايات عن الإخوان، عباس السيسي (34، 35).
(2) غض البصر (79).
وطلبت الشقاء من الحدق المراض، وخالفت أحكام الحاكمين، فمن الملوم سوى من رمى صاحبه بالسهم المسموم؟ أو ما علمت أنه ليس شيء أضر على الإنسان من العين واللسان؟!
فقالت العين: ظلمتني أولاً وآخرًا، وبؤت بإثمي ظاهرًا وباطنًا، وما أنا إلا رسولك الداعي إليك، ورائدك الدال عليك .. فأنت الملك المطاع، ونحن الجنود والأتباع، أركبتني في حاجتك خيل البريد، ثم أقبلت عليَّ بالتهديد والوعيد، فلو أمرتني أن أغلق علي بابي وأرخي عليَّ حجابي لسمعت وأطعت، ولما رعيت في الحمي ورتعت، أرسلتني لصيد قد نصبت لك حبائله وأشراكه، واستدارت حولك فخاخه وشباكه، فغدوت أسيرًا بعد أن كنت أميرًا، وأصبحت مملوكًا بعد أن كنت مليكا، هذا وقد حكم لي عليك سيد الأنام وأعدل الحكام عليه الصلاة والسلام حيث يقول: "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لهما سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب" [مسلم].
وقال أبو هريرة: القلب ملك والأعضاء جنوده، فإن طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبث جنوده، ولو أنعمت النظر لعلمت أن فساد رعيتك بفسادك، وصلاحهما ورشدها برشادك، ولكنك هلكت وأهلكت رعيتك، وحملت على العين خطيئتك، وأصل بليتك أنه خلا منك حب الله وحب ذكره وكلامه وأسمائه وصفاته، وأقبلت على غيره وأعرضت عنه، وتعوضت بحب من سواه والرغبة فيه منه.
فلما سمعت الكبد تحاورهما في الكلام وتناولهما الخصام قالت: أنتما على هلاكي تساعدتما، وعلى قتلي تعاونتما، ولقد أنصف من حكى مناظرتكما، وعلى لساني متظلمًا منكما
عاتبت قلبي لما ... رأيت جسمي نحيلا
فألزم القلب طرفي ... وقال كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي ... بل كنت أنت الدليلا
فقلت كُفَّا جميعا ... تركتماني قتيلا
ثم قالت: أنا أتولى الحكم بينكما، أنتما في البلية شريكا عنان، كما أنكما في اللذة والمسرة فرسا رهان، فالعين تلتذ والقلب يتمنى ويشتهي .. وإن لم تدرككما عناية مقلب
القلوب والأبصار، وإلا فما لك من قرة ولا للقلب من قرار، قال الشاعر:
فوالله ما أدري أنفسي ألومها ... على الحب أم عيني المشومة أم قلبي
فإن لمت قلبي قال لي العين أبصرت ... وإن لمت عيني قالت الذنب للقلب
فعيني وقلبي قد تقاسمهما دمي ... فيا رب كن لي عونًا على العين والقلب
قالت: مثلكما مثل مقُعْد بصير وأعمى يمشي دخلا بستانًا، فقال المقعد للأعمى: أنا أرى ما فيه من الثمار، ولكن لا أستطيع القيام، وقال الأعمى: أنا أستطيع القيام ولكن لا أبصر شيئًا، فقال له المقعد: تعال فاحملني فأنت تمشي وأنا أتناول، فعلى من تكون العقوبة؟ فيقول: عليهما. قالت: فكذلك أنتما.

استقامة صادقة
حكى عن عبد الواحد بن زيد، قال: كنت في مركب، فطرحتنا الريح إلى جزيرة، وإذا فيها رجل يعبد صنما، فقلنا له: يا رجل، من تعبد؟ فأومأ إلى الصنم، فقلنا: إن معنا في المركب من يسّوي مثل هذا، وليس هذا إلهًا يعبد، قال: فأنتم من تعبدون؟ قلنا: الله. قال: وما الله؟ قلنا: الذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي الأحياء والأموات قضاؤه. فقال: كيف علمتم به؟ قلنا: وجه إلينا هذا الملك نبيًا كريما فأخبر بذلك، قال: فما فعل الرسول؟ قلنا: أدى الرسالة ثم قبضه الله، قال: فما ترك عندكم علامة؟ قلنا: بلى، ترك عندنا كتاب الملك، فقال: أروني كتاب الملك، فينبغي أن تكون كتب الملوك حسانًا، فأتيناه بالمصحف، فقال: ما أعرف هذا، فقرأنا عليه سورة من القرآن، فلم نزل نقرأ ويبكي حتى ختمنا السورة.
فقال: ينبغي لصاحب هذا الكلام أن لا يعصى! ثم أسلم، وحملناه معنا وعلمناه شرائع الإسلام وسورًا من القرآن، وكنا حين جننا الليل وصلينا العشاء وأخذنا مضاجعنا، قال لنا: يا قوم! هذا الإله الذي دللتموني عليه، إذا جنه الليل ينام؟ قلنا: لا، يا عبد الله، هو عظيم قيوم لا ينام، قال: بئس العبيد أنتم، تنامون ومولاكم لا ينام، فأعجبنا كلامه، فلما قدمنا "عبادان" قلت لأصحابي: هذا قريب عهد بالإسلام، فجمعنا له دراهم وأعطيناه، فقال: ما هذا؟ قلنا: تنفقها، فقال: لا إله إلا الله! دللتموني على
طريق سلكتموها، أنا كنت في جزائر البحر أعبد صنمًا من دونه ولم يضيعني، أَوَ يضيعني وأنا أعرفه؟ فلما كان بعد أيام قيل لي: إنه في الموت، فأتيته، فقلت له: هل من حاجة، فقال: قضى حوائجي من جاء بكم إلى جزيرتي.
قال عبد الوأحد: فحملتني عيني، فنصت عنده، فرأيت مقابر"عبادان" روضة وفيها قبة، وفي القبة سرير عليه جارية لم ير أحسن منها، فقالت: سألتك بالله إلا ما عجلت به، فقد اشتد شوقي إليه، فانتبهت، وإذا به قد فارق الدنيا، فقمت إليه فغسلته وكفنته وواريته، فلما جن الليل نمت، فرأيته في القبة مع الجارية، وهو يقرأ: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)} [الرعد: 23 - 24]. (1)

المداومة على الإنفاق
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قال رجل: لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون تُصدق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق! لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على زانية! فقال: اللهم لك الحمد، على زانية! لأتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فأتى فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله" [متفق عليه].
هل تحرص على صدقة أسبوعية أو شهرية لوجه الله ولمساعدة المحتاجين؟

نتيجة الاستقامة
وفاة أثناء الذكر: كان الإمام ابن قدامة لا يكاد يسمع دعاء إلا حفظه ودعا به، ولا يسمع ذكر صلاة إلا صلاها، ولا يسمع حديثًا إلا عمل به، وكان لا يترك قيام الليل من وقت شيبوبته، وقلل الأكل في مرضه قبل موته حتى عاد كالعود، ومات وهو قاعد على أصابعه يسبح.
__________
(1) التوابين (202، 203).
اعلم أخي القارئ أن الإمام قد دفن في يوم شديد الحر فأقبلت غمامة فأظلت الناس إلى قبره وهم يشيعون جنازته (1). فاحرص على أذكار الصباح والمساء.

وفاة أثناء الصلاة:
عن مصعب بن عبد الله قال: سمع عامر بن عبد الله المؤذن، وهو يجود بنفسه، ومنزله قريب من المسجد، فقال: خذوا بيدي، فقيك له: إنك عليل، فقال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟ فأخذوا بيده، فدخل في صلاة المغرب، فركع مع الإمام ركعة ثم مات (2).
قم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف.
وفاة شاب:
توفي منذ سنين قريبة، وبالتحديد في منطقة السالمية، وبعد صلاة الفجر من يوم الجمعة، اعتكف بالمسجد مع مجموعة من إخوانه لقراءة سورة الكهف، فانفرد بزاوية من زوايا المسجد واضعًا مصحفه على الكرسي يرتل آيات الله تعالى منتظرًا شروق الشمس حتى يصلي صلاة الضحى، وفجأة سقط رأسه على المصحف ففزع له إخوانه، وقاموا لنجدته، ولكن كان قدر الله إليه سبق.
فانظر إلى العبادات التي ختم الله بها حياة صاحبنا: صلاة الفجر جماعة بالمسجد - الدعاء بعد الصلاة والذكر - اعتكاف - قراءة سورة الكهف من القرآن - انتظار صلاة الضحى (3).
عن يزيد بن أبي حبيب قال: لما احتضر ابن أبي السرح وهو بالرملة، وكان خرج إليها فارًا من الفتنة، فجعل يقول من الليل: أأصبحتم؟ فيقولون: لا، فلما كان عند الصبح، قال: يا هشام، إني لأجد برد الصبح فانظر، ثم قال: اللهم اجعل خاتمة عملي الصبح.
فتوضأ، ثم صلى فقرأ في الأولى بأم الكتاب والعاديات، وفي الأخرى بأم القرآن
__________
(1) الوقت عمار أو دمار 2/ 82.
(2) صفة الصفوة 1/ 131.
(3) الوقت عمار أو دمار 86.
وسورة، وسلم عن يمينه وذهب يسلم عن يساره فقُبض - رضي الله عنه -.
تأكد أخي الحببب أنه لم يرزق حسن الخاتمة إلا بسبب أنه استقام على طاعة الله في حياته.
وفاة الشافعي
عن المزني قال: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا ولسوء أعمالي ملاقيًا وعلى الله تعالى واردًا، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنئها، أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ قائلاً:
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وما زلتَ ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما
أهلا بالزوار
عن الشعبي قال: أصاب سلمان الفارسي - رضي الله عنه - صرة مسك يوم فتح جلولاء فاستودعها امرأته، فلما حضرته الوفاة قال: هاتي المسك، فمرسها في ماء، ثم قال: انضحيها حولي، فإنه يأتيني زوار الآن ليس بإنس ولا جان، ففعلت، فلم يمكث بعد ذلك إلا قليلاً حتى قُبض.
عن زياد، مودى ابن عياش، قال: حدثني من دخل على حذيفة في مرضه الذي مات فيه فقال: لولا أني أرى أن هذا اليوم آخر يوم في الدنيا وأول يوم من الآخرة لم أتكلم به، اللهم إنك تعلم أني كنت أحب الفقر على الغنى، وأحب الذلة على العز، وأحب الموت على الحياة، حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، ثم مات.

جزاء عدم الاستقامة
ها هو رجل كان له عبد يعمل في مزرعته، فيقول هذا السيد لهذا العبد: ازرع هذه القطعة برًا، وذهب وتركه، وكان هذا العبد لبيبًا عاقلاً، فما كان منه إلا أن زرع شعيرًا ولم
يأت ذلك الرجل إلا بعد أن استوى وحان وقت حصاده، فجاء فإذا هي قد زرعت شعيرًا، فما كان منه إلا أن قال: أنا قلت لك: ازرعها برًا لم زرعتها شعيرًا؟ قال: رجوت من الشعير أن ينتج برًا، قال: يا أحمق أو ترجو من الشعير أن ينتج برًا.
قال: يا سيدي أفتعصي الله وترجو رحمته، أفتعصي الله وترجو جنته، فذعر السيد وخاف واندهش، وتذكر أنه إلى الله قادم، فقال: تبت إلى الله، وأبت إلى الله، وأنت حر لوجه الله (1).
...
__________
(1) قصص وعبر 2/ 23.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الخوف والرجاء

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 15:19

الخوف والرجاء
تأملات
قال ابن الجوزي: سبحان من أقام من كل موجود دليلاً على عزته، ونصب علم الهدى على باب حجته، الأكوان كلها تنطق بالدليل على وحدانيته، وكل موافق ومخالف يمشي تحت مشيئته، إن رفعت بصر الفكر تر دائرة الفلك في قبضته، وتبصر شمس النهار وبدر الدجى يجريان في بحر قدرته، والكواكب قد اصطفت كالمواكب على مناكب تسخير سطوته، هذا بعض صنعته: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ} [الرعد: 13].

أما أبصرت قبور القوم؟
يا من صحيفته بالذنوب قد خفت، وموازينه لكثرة العيوب قد حقت، يا مستوطنًا والمزعجات قد لفت، لا تغتر بأغصان المنى وإن أورقت ورفت، أما رأيت أكفًا عن مطالبها قد كفت؟ أما رأيت عرايس الأجساد إلى الألحاد زفت؟ أما عاينت سطور الأجسام في الكتب قد أدرجت، أما أبصرت قبور القوم؟ في رقاع بقاع القاع قد صفت، من عرف تصرف الأيام لم يغفل الاستعداد، إن قبر المنية ليضحك من بعد الأمنية.

شمِّر عن ساق الجد
إخواني، السنون مراحل، والشهور فراسخ، والأيام أميال، والأنفاس خطوات، والطاعات رؤوس أموال، والمعاصي قطاع الطريق، والربح الجنة، والخسران النار، لهذا الخطب شمَّر المتقون عن سوق الجد في سوق المعاملة، كلما رأوا مراكب الحياة تخطف في بحر العمر شغلهم هول ما هم فيه عن التنزه في عجائب البحر، فما كان إلا قليل حتى قدموا من السفر، فاعتنقتهم الراحة في طريق التلقي، فدخلوا بلد الوصل وقد حازوا ربح الدهر.
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: حدثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل
ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون ما بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون ما بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها" [متفق عليه].

لا للتقصير في القصير
العمر يسير وهو يسير، فأقصروا عن التقصير في القصير، أليس الزمان يعير ثم يغير؟ وهب أنه وهب، أما ضرب الدهر؟ فاستحال الضرب.

إعراض الله
أعرض الله عن إبليس فخزي ببعده ولعنته، وعن قابيل فقلب قلبه إلى معصيته، وعن نمرود فقال: أنا أحيي الموتى ببلاهته، وعن فرعون فادعى الربوبية على جرأته، وعن هامان فأين رأيه في وزارته؟ وعن قارون فخرج على قومه في زينته، وعن بلعام فهلك، بل عام في بحر شقوته، وعن برصيصا فلم تنفعه سابق عبادته، هكذا جري تقديره من يوم "لا أبالي" في قسمته.

خف من النار
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" [رواه مسلم].
وعن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن أهون أهل النار عذابًا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلى منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد عذابًا منه وإنه لأهونهم عذابًا" [متفق عليه].
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا" فغطي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوههم ولهم خنين (بكاء مع غنة). متفق عليه.

كيف تعرف الديك من الدجاجة؟
قال ابن الجوزي: من نام على فراش الكسل، سال به سيل التمادي إلى وادي
الأسف، الرجولية قوة معجونة في طين الطبع، والأنثوية رخاوة، ولد السبع عزيز الهمة، وابن الذئب غدار، وكل إلى طبعه عائد، الجد كله حركة، والكسل كله سكون، إذا أردت أن تعرف الديك من الدجاجة حين يخرج من البيض، فعلقه بمنقاره، فإن تحرك فديك، وإلا فدجاجة. فُتُورك في السعي في طلب الفضائل دليل على تأنيث العزم.

نداءات
يا من قد بلغ أربعين سنة، وكل عمره نوم وسنة، يا متعبًا في جمع المال بدنه؟ ثم لا يدري لمن قد أخزنه؟ أعلم هذه النفس الممتحنة، إنها بكسبها مرتهنة، ألا ليعتبر المغرور بمن قد دفنه؟ كم رأى جبارا قد فارق مسكنه؟ أيا راحلين بالإقامة، يا هالكين بالسلامة، أين من أخذ صفو ما أنتم في كدره؟ أما وعظكم في سيره بسيره؟ بلى قد حمل بريد الإنذار أخبارهم، وأراكم تصفح الآثار آثارهم.

احذر الغرق
عن المقداد - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "تدني الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون كمقدار ميل" -قال: أبو سليم بن عامر الراوي عن المقداد: فوالله ما أدري ما يعني بالميل أمسافة الأرض أم الميل الذي يكحل به العين- فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، رمنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقوية، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما وأشار بيده إلى فيه" [رواه مسلم].

إخواني
كم أخرج الموت نفسًا من دارها لم يدارها، وكم أنزل أجسادًا يجارها لم يجارها، وكم أجرى العيون كالعيون بعد قرارها.
يا معرضاً بوصال عيش ناعم ... ستصد عنه طائعاً أو كارهاً
إن الحوادث تزعج الأحرار عن ... أوطانها والطير من أوكارها

أين هؤلاء؟!
يقول ابن الجوزي: أين من ملك المغارب والمشارق، وعمر النواحي وغرس الحدائق،
ونال الأماني وركب العواتق؟ صاح به من داره غراب بين ناعق، وطرقه في لهوه أقطع طارف، وزجرت عليه رعود وصواعق، وحل به ما شيب بعض المفارق، وهجره الصديق والرفيق الصادق، ونقل من جوار المخلوقين إلى جوار الخالق.
أخي ما أنت فيه الآن أحلام، ودنياك لا تصلح، وما سمعت ستراه غدًا إلى التمام، ويقع لي ولك، ويحك! أما يؤثر فيك الكلام.

اتقوا النار
عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة" [متفق عليه].

شهادة الأرض
عن أبى هريرة - رضي الله عنه -: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: {يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا} [الزلزلة: 4] ثم قال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها تقول: عملتَ كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فهذه أخبارها"، [رواه الترمذي].

وصايا غالية
قال أبو بكر - رضي الله عنه -: من استطاع أن يبكي فليبك، ومن لم يستطع فليتباك.
وقال عبد الله بن عمر - رضي الله عنه -: لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.
وقال حذيفة - رضي الله عنه -: إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيصير بها منافقًا، إني لأسمعها من أحدكم اليوم عشر مرات. [رواه أحمد].
وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله من الكبائر.

هل دخلت الجنة؟
ومر الحسن بشاب مستغرق في ضحكه، وهو جالس مع قوم في مجلس، فقال له
: إذا كان الثوب نقيًا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإذا كان دنسًا فالصابون والماء الحار أنفع له، ثم قال لي رحمه الله: كيف والثياب لا تزال دنسة.

خوف يدفع للعمل
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة" [رواه الترمذي].

لو تعلمون ما أعلم
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إني أرى ما لا ترون؟ وأسمع ما لا تسمعون، أطتَّ السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى" [رواه الترمذي].

لم شبت يا رسول الله؟
عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال أبو بكر: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أراك شبت؟ فقال: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت" [رواه الترمذي].

الرسول يبكي
يقول عبد الله بن الشخير بن عوف - رضي الله عنه -: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء.
ومر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإخوانه وهم حول قبر يدفنون رجلاً، فبدر من بين أيديهم، ثم واجه القبر حتى بل الثرى من دموعه، وقال: أي إخواني، لمثل هذا اليوم فأعدوا.
يقول ابن القيم: إن أبا بكر - رضي الله عنه - قال: وددت أني شعرة في جنب مؤمن.
وذكر عنه أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
وكان يبكي كثيرًا ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.
وقال قتادة: بلغني أن أبا بكر قال: ليتني خضرة تأكلني الدواب.

خوف عمر
وهذا عمر - رضي الله عنه - قرأ سورة الطور حتى إذا بلغ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ} [الطور: 7] بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض، عساه أن يرحمني، ثم قال: بل ويل أمي إن لم يغفر لي، ثلاثًا، ثم قضي.
وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وقال له ابن عباس رضي الله عنهما: مصَّر الله بك الأمصار، وفتح بك الفتوح، وفعل وفعل، فقال: وددت أني أنجو، لا أجر ولا وزر.

ماذا عملت فيما علمت؟
وهذا أبو الدرداء - رضي الله عنه - يقول: إن أشد ما أخاف على نفسي يوم القيامة أن يقال لي: يا أبا الدرداء، قد علمت فكيف عملت فيما علمت؟
وكان يقول: لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعامًا على شهوة، ولا شربتم شرابًا على شهوة، ولا دخلتم بيتًا تستظلون فيه، ولخرجتم إلى الصعيد تضربون صدوركم، وتبكون على أنفسكم، ولوددت أني شجرة تعضد ثم تؤكل.

بكاء .. بكاء
وقرأ تميم الداري - رضي الله عنه - ليلة سورة الجاثية، فلما أتى على هذه الآية: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الجاثية: 21] جعل يرددها ويبكي حتى أصبح.
وقال رجل في مجلس عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ما أحب أن أكون من أصحاب اليمين، أكون من المقربين أحب إليَّ.
فقال عبد الله: لكن ههنا رجل ود لو أنه إذا مات لم يبعث؛ يعني نفسه.
وقفة تأمل
وقالت فاطمة بنت عبد الملك -امرأة عمر بن عبد العزيز- لمغيرة بن حكيم: يا مغيرة، إنه يكون في الناس من هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر، وما رأيت أحدًا قط أشد فرقًا من ربه من عمر، كان إذا صلى العشاء قعد في المسجد ثم يرفع يديه، فلم يزل يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلم يزل رافعًا يديه يبكي حتى تغلبه عيناه.
وبكى يومًا فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم العبر، قالت له فاطمة: بأبي أنت يا أمير المؤمنين، ممن بكيت؟
قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم بين يدي الله عز وجل؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه.

لماذا لا نبكي؟
لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وسمعوا القرآن جعلوا يبكون، فقال أبو بكر: هكذا كنا ثم قست القلوب.
وهكذا عد الصديق قحط العينين وعدم جودهما بالبكاء من علامات قسوة القلب، ويصبح في قسوته كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله.

البكاء في النار
عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال عن ربه: "وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي أمنين ولا خوفين، إن أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي" [رواه ابن حبان].
وعن أنس - رضي الله عنه - قال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، ولو أرسلت فيه السفن لجرت" [رواه ابن ماجه].

أتعرف ذنب كذا
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه فيُقره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟
فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم فيعطي صحيفة حسناته" [متفق عليه].

هل تحافظ على الصلاة؟
عن أنس - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أصبت حدًّا فأقمه عليَّ، وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما قضى الصلاة قال: يا رسول الله إني أصبت حدًّا فأقم فيّ كتاب الله، قال: هل حضرت الصلاة؟ قال: نعم، قال: قد غُفر لك. [متفق عليه].
أصبت حدًّا: معصية توجب التعزير، وليس المراد الحد الشرعي الحقيقي كحد الزنا، والخمر فإن هذه الحدود لا تسقط بالصلاة ولا يجوز للإمام تركها.

نداء رباني
عن أنس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "قال الله تعالى: يا بن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي، يا بن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأر فخطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة" [رواه الترمذي].

بشريات
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد" [رواه مسلم].
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -:قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وُضعت الجنازة واحتملها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كل شيء إلا الإنسان، لو سمعه صعق" [رواه البخاري].
تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة". [رواه مسلم].

هنيئًا لك
عن أنس - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعاذ رديفه على الرحل قال: يا معاذ! قال: لبيك يا
رسول الله، وسعديك. قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله، وسعديك، قال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار، قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشرون، قال: إذًا يتكلوا فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا (خوفًا من الإثم في كتم هذا العلم) [متفق عليه].

إنك تعبد الرحيم
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي" [متفق عليه].
وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بسبي، فإذا امرأة من السبي تسعى إذ وجدت صبيًا في السبي فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته، فقال رسول الله: أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا والله، قال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها" [متفق عليه].

الخوف أفضل أم الرجاء؟
كقول القائل: الخبز أفضل أم الماء؟ وجوابه أن يقال: الخبز أفضل للجائع، والماء أفضل للعطشان، فإن اجتمعا نظر إلى الأغلب، فإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل، وإن كان العطش أغلب فالماء أفضل، وإن استويا فهما متساويان.
قال علي لبعض ولده: يا بني خف الله خوفًا ترى أنك لو أتيته بحسنات أهل الأرض لم يتقبلها منك، وارجُ الله رجاء ترى أنك لو أتيته بسيئات أهل الأرض غفرها لك.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الخشوع

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 17:12

الخشوع
{الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2].
الخشوع في أصل اللغة: الانخفاض والانكسار. قال تعالى {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} [طه: 108].
وقال الراغب الأصفهاني: الخشوع: الضراعة، وأكثر ما يستعمل فيما يوجد في الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب ولذلك قيل فيما رُوي: إذا ضَرَعَ القلب خشعت الجوارح.
ووصف الله الأرض بالخشوع. فقال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} [فصلت: 39].
وعرَّف مجاهد الخشوع فقال: الخشوع غض البصر، وخفض الجناح، وكان الرجل إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشرد بصره، أو أن يحدِّث نفسه بشيء من أمر الدنيا.
وقال ابن تيمية: الخشوع يتضمن معنيين: أحدهما التواضع والذل، والثاني السكون والاطمئنان، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمن عبوديته لله، وطمأنينته أيضًا.
وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب، وثمرته تظهر على الجوارح وفي هذا يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "التثاؤب من الشيطان، فإن تثاءب أحدكم فليرُدُّه ما استطاع" [متفق عليه].
وقال بعضُ العارفين: حسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن.
ومما يؤكد أن الخشوع في القلوب ما فعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد رأى رجلاً يطأطيء رقبته في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة، ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب.
ورأت السيدة عائشة رضي الله عنها شبابًا يمشون ويتماوتون في مشيتهم، فقالت
لأصحابها: من هؤلاء؟ فقالوا: نُساك.
فقالت: كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعم أشبع، وكان هو الناسك حقًا.
وعن أبي نوح الأنصاري قال: وقع حريق في بيت علي بن الحسين، وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا بن رسول الله النار، يا بن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟
قال: ألهتني عنها النار الأخرى.
وكان الفضيل يقول: أفرح بالليل لمناجاة ربي، وأكره النهار للقاء الخلق.
تطلب النجاة ولكن لا من باب الطلب، تقف في الصلاة إن صلاتك عجب، الجسم حاضر والقلب في شعب، الجسد بالعراق والقلب في حلب، الفهم أعمى واللفظ لفظ العرب، أنا أعلم بك منك حب الهوى قد غلب، ومتى أسر الهوى قلبًا لم يفلح وكبت.
وبلغ من شدة حرص معاذ بن جبل على تعليم المصلين أهمية الخشوع وحضور القلب في الصلاة، أنه قال: من عرف من على يمينه ومن على شماله وهو في الصلاة متعمدًا فلا صلاة له.
ومن كلام ابن مسعود: ما دمت في صلاة فأنت تقرع باب الملك، ومن قرع الباب يفتح له.

اعتراف غربي:
يقول ألكسيس كاريل مؤلف كتاب "الإنسان ذلك المجهول" وأحد الحائزين على جائزة نوبل: "لعل الصلاة هي أعظم طاقة مولدة للنشاط عُرفت إلى يومنا هذا، وقد رأيت بوصفي طبيبًا، كثيرًا من المرضى فشلت العقاقير في علاجهم، فلما رفع الطب يده عجزًا وتسليمًا تدخلت الصلاة فأبرأتهم من عللهم. إن الصلاة كمعدن "الراديوم" مصدر للإشعاع، ومولد ذاتي للنشاط، وبالصلاة يسعى الناس إلى استزادة نشاطهم المحدود، حين يخاطبون القوة التي لا يفنى نشاطها.
إننا نربط أنفسنا حين نصلي بالقوة العظمى التي تهيمن على الكون، ونسألها ضارعين أن
تمنحنا قبسًا منها، نستعين به على معاناة الحياة، بل إن الضراعة وحدها كفيلة بأن تزيد قوتنا ونشاطنا، ولن تجد أحدًا ضرع إلى الله مرة إلا عادت هذه الضراعة بأحسن النتائج.
وإذا كان هذا هو أثر الصلاة بعامة، فإن الصلاة الإسلامية بخاصة أبعد غورًا وأعمق آثارًا (1).

صلاة تليق بمعبودك
يا واقفًا في صلاته بجسده والقلب غائب، ما يصلح ما بذلته من التعبد مهرًا للجنة فكيف ثمنًا للجنة. رأت فأرة جملاً فأعجبها فجرت خطامه فتبعها فلما وصل إلى باب بيتها وقف ونادى بلسان الحال، إما أن تتخذي دارًا يليق بمحبوبك أو محبوبًا يليق بدارك.
خير من هذا إشارة إما أن تصلي صلاة تليق بمعبودك أو تتخذ معبودًا يليق بصلاتك.

نماذج للخاشعين
كان سعيد بن جبير يقول: ما عرفت من على يميني ولا من على شمالي في الصلاة منذ أربعين سنة، منذ سمعت ابن عباس يقول: الخشوع في الصلاة ألا يعرف المصلي من على يمينه وشماله.
وقال سعيد بن عبيد: كان سعيد بن جبير يؤم قومه فقرأ في صلاته قوله تعالى: {إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72)} [غافر: 71 - 72] فجعل ينشج بنشيج يقطع أكباد سامعيه حتى سقط مغشيًا عليه.
وكان الربيع بن خثيم إذا سجد كأنه ثوب مطروح؛ فتجيء العصافير فتقع عليه.
ويقول عمر بن الخطاب: إن الرجل ليشيب عارضاه في الإسلام، وما أكمل الله له صلاة.
قيل: وكيف ذلك؟
فقال: لا يتم خشوعها ولا تواضعها، ولا إقباله على الله فيها.
ويقول التابعي حسن بن عطية وغيره: إن الرجلين ليكونان في الصلاة، مناكبهما جميعًا، وإن ما بين صلاتيهما كما بين السماء والأرض.
__________
(1) الإيمان والحياة (301).
قالوا له: وكيف ذلك؟
قال. يكون أحدهما مقبلاً على الله بقلبه، والآخر ساهٍ غافلٌ في صلاته.
فأين نحن من هؤلاء الصالحين، فما عملنا إلا كالسراب، وقلوبنا من التقوى خراب، وذنوبنا عدد الرمال والتراب، ثم نطمع بعد ذلك في الكواعب والأتراب، هيهات هيهات لنا، فنحن قوم سكارى بغير شراب.
وعن عبد الله بن شداد قال: سمعت عمر يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ قوله تعالى: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86].
وقال ابن عمر: صليت خلف عمر فسمعت حنينه من وراء ثلاثة صفوف، وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وزار القيرواني أبا جعفر القمودي فوجده يصلي، فأطال أبو جعفر صلاته، وأطال القيرواني القعود، وهو منتظر له، فلما انتهى من صلاته قال له القيرواني: يا أبا جعفر، بأقل من هذا التعب وهذا التكلف تصل إلى المقصود وتدرك المطلوب إن شاء الله.
فقال له أبو جعفر يا مسكين لو ذقت حلاوة "الله أكبر" ولذتها لما لمت من التعب من الاستكثار منها.
يقول رجل لحممة العابد -وكان من خيار- عباد الله الصالحين في عصر التابعين-:
ما أفضل عملك الذي ترجوه عند ربك؟
قال: ما أتتني صلاة قط إلا وأنا مستعد لها ومشتاق إليها، وما انصرفت من صلاة قط إلا كنت إذا انصرفت منها أشوق إليها من حيث كنت فيها، ولولا أن الله أنزل الفرائض متقطعة بين الأوقات لأحببت أن أكون ليلي ونهاري ساجدًا راكعًا لله.
أيها المصلي طهر سرك قبل الطهور، وفتش على قلبك قبل الشروع، حضور القلب أول منزل، فإذا نزلته انتقلت إلى بادية العمل، فإذا انتقلت عنها أنخت بباب المناجي، وأول قري ضيف اليقظة كشف الحجاب لعين القلب، وكيف يطمع في دخول مكة منقطع قبل الكوفة، همك في الصلاة متشبث، وقلبك بمساكنة الهوى متلوث، ومن كان متلطخًا بالأقذار لا يغلف،
ادخل دار الخلوة لمن تناجي وأحضر قلبك لفهم ما تتلو، ففي خلوات التلاوة تزف أبكار المعاني، إذا كانت مشاهدة مخلوق يوم {اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} [يوسف: 31] استغرقت إحساس الناظرات {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} [يوسف: 31] فكيف بالباب عقلت؟ فعلقت على الباب؟.
يقول الحسن البصري: ركعتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساهٍ.
إن ناموا توسدوا أذرع الهمم، وإن قاموا فعلى أقدام القلق لما امتلأت أسماعهم بمعاتبة "كذب من ادعى محبتي فإذا جنه الليل نام عني"، خلفت أجفانهم على جفاء النوم.

طريق النصر
قبل توجه قتيبة بن مسلم إلى فتوحات الصين أرسل رجلاً إلى المسجد ينظر من فيه (أي أنه يستطلع الأحوال الإيمانية أولاً) فقال له الرجل: رأيت محمد بن واسع (وهو من التابعين) رافعًا إصبعه (يدعو)، فقال قتيبة: إصبعه تلك أحب إليَّ من ثلاثين ألف عنان (أي فرس)، وكان قتيبة يحرص على مصاحبته في الحرب لصلاحه وتقواه.

كيف تقيم الصلاة؟
يروى عن عاصم بن يوسف أنه ذكر له عن حاتم الأصم، أنه كان يتكلم مع الناس في الزهد، والإخلاص، فقال عاصم لأصحابه: اذهبوا بنا إليه نسأله عن صلاته إن كان يكملها، وإن لم يكن يكملها نهيناه عن ذلك.
قالوا: فأتوه، وقال له عاصم: يا حاتم جئنا نسألك عن صلاتك.
فقال له حاتم: عن أي شيء تسألني، عافاك الله؟ عن معرفتها؟ أو عن تأديتها؟
فالتفت عاصم إلى أصحابه وقال لهم: زادنا حاتم ما لم نحسن أن نسأل عنه، ثم قال لحاتم، نبدأ بتأديتها.
فقال لهم: تقوم بالأمر، وتقف بالاحتساب، وتدخل بالسنة، وتكبر بالتعظيم، وتقرأ بالترتيل، وتركع بالخشوع، وتسجد بالخضوع، وترفع بالسنة، وتشهد بالإخلاص، وتسلم بالرحمة.
قال عاصم: هذه التأدية فما المعرفة؟
قال: إذا قمت إليها، فاعلم أن الله مقبل عليك، فأقبل على من هو مقبل عليك، واعلم بأن جهة التصديق لقلبك أنه قريب منك، قادر عليك، فإذا ركعت فلا تؤمل أن تقوم، ومثل الجنة عن يمينك، والنار عن يسارك، والصراط تحت قدميك، فإذا فعلت، فأنت مصل. فالتفت عاصم إلى أصحابه، وقال: قوموا نعي الصلاة التي مضت من أعمارنا.

أتسهو في صلاتك؟
قيل لعامر بن قيس: أما تسهو في صلاتك؟ قال: أو حديث أحب إليَّ من القرآن حتى أشتغل به، هيهات! مناجاة الحبيب تستغرق الإحساس.
وكان مسلم بن يسار لا يلتفت في صلاته، ولقد انهدمت ناحية في المسجد فزع لها أهل السوق، فما التفت. وكان إذا دخل منزله سكت أهل بيته فإذا قام يصلي تكلموا وضحكوا علما منه أن قلبه مشغول، وكان يقول في مناجاته: إلهي متى ألقاك وأنت عني راض؟.
وعن معمر الموذن قال: صلى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة فسمعته يقرأ قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك: 1] فلما أتى قوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27] وجعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا.
قال: فخرجت وتركته، وعدت لأذان الفجر فإذا هو في مقامه فسمعت: فإذا هو يقرأ ولم يجزها حتى أصبح.
فقيل له: يا سليمان التيمي من مثلك؟
فقال: لا تقولوا هكذا، لا أدري ما يبدو لي من ربي عز وجل، قال تعالى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} [الزمر: 47].
قال القاسم بن معن: رأيت أبا حنيفة قام ليلة كاملة يصلي ويردد قوله تعالى: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] ويبكي ويتضرع حتى أُذن لصلاة الفجر.
وعن ابن عباس قال: لأن أقرأ البقرة في ليلة وأتفكر فيها أحبُّ إليُّ من أن أقرأ القرآن هذرمة.
وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع.
وعن يحيى بن وثاب: أن ابن الزبير كان يسجد حتى تنزل العصافير على ظهره، لا تحسبه إلا جذم حائط.
ويقول أحمد بن أبي الحواري: إذا قام العبد في الصلاة قال الله: ارفعوا الحجب بيني وبين عبدي، فإذا التفت قال: ارخوها ودعوه ما رضي لنفسه.
ويقول أيضًا: إني لأقرأ القرآن في صلاتي، فانظر في آية آية، فيحار عقلي فيها، فأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا، وهم يتلون كلام الرحمن؟ أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه، وتلذذوا به واستحلوا المناجاة لذهب عنهم النوم فرحًا بما رُزقوا.
وعن مسلم بن نياق المكي قال: ركع ابن الزبير يومًا ركعة، فقرأت البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، وما رفع رأسه.
وعن أبي بكر بن عياش قال: سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول: ذهبت الصلاة مني وضعفت ورق عظمي، إني اليوم أقوم في الصلاة فما أقرأ إلا البقرة وآل عمران.

أسلم بسبب الصلاة
1 - المهندس الإيطالي "كلاودود راديزي" الذي صار المسلم خالد عمر، قال: كنت أسير في يوم ما في أحد الشوارع بمدينة القاهرة، فرأيت مسجدًا يسمى مسجد قايتباي، ووجدت نفسي أتوقف فجأة أمام المسجد بدون شعور، وكان ذلك وقت صلاة الجمعة، ووجدت المصلين يصلون الجمعة، فانتابني إحساس لا يمكن وصفه حيث تولدت في نفسي ومضة روحانية.
ويقول: أهم شيء جذبني إلى الإسلام الصلاة، حيث إنها علاقة مباشرة بين العبد وربه بدون وسيط، حيث شعرت بإحساس لا يمكن وصفه أثناء الصلاة.
وقال: نعم كانت لحظة سعادة لا أستطيع أن أصف مداها حينما انتهت إجراءات إشهار إسلامي .. لقد شعرت بانتمائي لأسرة الإسلام، وانضمامي كفرد إلى أسرة كنت أفتقدها من قبل، وشعرت بمعنى هذه الأسرة وأهميتها، وهذا الشعور لم أشعر به من قبل.
إنني أشعر أيضًا بمسئولية تجاه أصدقائي وأقاربي في إيطاليا .. يجب أن أدعوهم لهذا الدين
العظيم، ومن هذا المنطلق أشعر بحاجتي للتفقه في الإسلام حتى أستطيع أن أشرح لهم التعاليم الإسلامية، وما يدعو إليه الإسلام من آداب، والتحلي بالسلوكيات الحميدة (1).
يمشون نحو بيوت الله إذا سمعوا ... الله أكبر في شوق وفي جزل
أرواحهم خضعت لله في أدب ... قلوبهم من جل الله في وجل
نجواهم: ربنا جئناك طائعة ... نفوسنا وعصينا خادع الأمل
إذا سجى الليل قاموه وأعينهم ... من خشية الله مثل الجائد الهطل
هم الرجال فلا يلهيهم لعب ... عن الصلاة ولا أكذوبة الكسل
وإقامة الصلاة تعني أداءها في خشوع وتضرع وحضور قلب.

معنى إقامة الصلاة
قال الضحاك: عن ابن عباس قال: إقامة الصلاة: إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال على الله.
ما أجمل وأروع السجود الباكي الخاشع لله، وخاصة في جوف الليل، ما أعظم السجدة الخاشعة الباكية يسجدها المكروب يشكو فيها بثه وحزنه إلى الله، فيشعر معها ببرد اليقين، وبزوال همه، وكربه، وانشراح صدره وتيسير أمره (2).
وكان عبد الله بن الزبير يدخل في الصلاة فيخرج من كل شيء إليها، ولقد مرت قذيفة منجنيق بين لحيته وصدره وهو يصلي فوالله ما أحس بها ولا اهتز لها، ولا قطع من أجلها صلاته ولا تعجل ركوعه.
...
__________
(1) السر الخفي وراء إسلام هؤلاء (2/ 57 - 60).
(2) رجل المحراب: (28).


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

البكاء من خشية الله

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 17:17

البكاء من خشية الله
قال تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109].
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم" [الترمذي].
قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -: "من استطاع أن يبكي فليبك، ومن لم يستطع فليتباك".
أحمد في الزهد.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا".
عن الشعبي قال: سمعت من عبد الملك بن مروان يقول: "اللهم إن ذنوبي عظمت فجلت عن الصفة، وإنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني".
قال الشاعر:
وإني لآتي الذنب أعرف قدره ... وأعلم أن الله يعفو ويغفرُ
لئن عظم الناس الذنوب فإنها ... إن عظمت في رحمة الله تصغر

بكاء الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -:"اقرأ علي القرآن" قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أحب أن أسمعه من غيري"، فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] قال: "حسبك الآن" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان [متفق عليه].

البكاء خوفًا من سوء الخاتمة
عن محسن بن موسى قال: كنت زميل سفيان الثوري إلى مكة فرأيته يكثر من البكاء، فقلت له: يا أبا عبد الله، بكاؤك هذا خوفًا من الذنوب؟
قال: فأخذ عودًا من المحمل فرمى به، فقال: إن ذنوبي أهون عليَّ من هذا، ولكن أخاف أن أسلب التوحيد.
يا رب إن عظمت ذنوبي ... كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظمُ
أدعوك رب كما أمرت تضرعا ... فإذا رددتَ يدي من ذا يرحم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يرجو المسيء المجرم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل ظني ثم أني مسلم
وبكى الحسن البصري فقيل له: ما يبكيك؟
قال: أخاف أن يطرحني غدًا في النار ولا يبالي.

إليك عني
عن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - أن أبا بكر - رضي الله عنه - استسقى فأتى بإناء فيه ماء وعسل، فلما أدناه من فيه -فمه- بكى، وأبكى من حوله، فسكت وما سكتوا، ثم عاد فبكى حتى ظنوا أن لا يقدروا على مساءلته، ثم مسح وجهه وأفاق، فقالوا: ما هيجك على هذا البكاء؟
قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وجعل يدفع عنه شيئًا، ويقول: "إليكِ عنى، إليكِ عني"، ولم أر معه أحدا، فقلت: يا رسول الله، أراك تدفع عنك شيئا، ولا أرى معك أحدا، قال: "هذه الدنيا تمثلت لي بما فيها، فقلت لها: إليك عني، فتنحت، وقالت: أما والله لئن انفلتَّ منى لا ينفلت مني من بعدك، فخشيت أن تكون قد لحقتني، فذاك الذي أبكاني". [الحاكم].

يا عمر الخير
جاء أعرابي إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وقال له:
ياعمر الخير جزيت الجنه ... جهز بناتي واكسهنه
أقسم بالله لتفعلنه
فقال له عمر -مداعبًا-: فإن لم أفعل، يكون ماذا يا أعرابي؟
فقال الأعرابي: أقسم بالله لأمضينه
فاستمر عمر في مداعبته، وقال له: فإن مضيت، يكون ماذا يا أعرابي؟
فقال:
والله عن حالي لتسألنه ... يوم تكون السائلات هنه
والواقف المسئول بينهنه ... إما إلى نار وإما إلى جنة
فبكى عمرو قال: يا غلام أعطه قميصي لذلك اليوم (يوم القيامة) لا لشعره.
كان عمر بن الخطاب يتأثر عندما يذكره أحد بمواقف الآخرة خوفا من ربه.

كأن النار لم تخلق إلا لهم
عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنهما- أن عبد الرحمن بن عوف أتى بطعام وكان صائما فقال: قتل مصعب بن عمير - رضي الله عنه -، وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة إن غطى بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطى بها رجلاه بدا رأسه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط -أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا- قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام [رواه البخاري].
محمد بن مسعد قال: قال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز، كان النار لم تخلق إلا لهما.
وعن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟
فقال: أخاف أن يطرحني غدا في النار ولا يبالي.
إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى
فأما من بكى فيذوب شوقا ... وينطق بالهوى من قد تباكى
وعن الاعمش قال: بكى حذيفة في صلاته، فلما فرغ التفت، فإذا رجل خلفه، فقال: لا تعلمن بهذا أحدا.

أبكي على قلة زادي
بكى أبو هريرة - رضي الله عنه - عند موته فقيل له: ما يبكيك؟
قال: أما إنه ما أبكي على دنياكم هذه ولكن أبكي على بُعد سفري وقلة زادي،
وإني أصبحت في صعود مهبط على جنة ونار، لا أدري إلى أيهما يؤخذ بي.
وقالت أم محمد بن كعب القرظي لمحمد: يا بني، لولا أني أعرفك صغيرًا طيبًا وكبيرًا طيبًا لظننت أنك أحدثت ذنبا موبقا لما أراك تصنع بنفسك في الليل والنهار، قال: يا أماه، وما يؤمنني أن يكون الله قد اطلع عليَّ وأنا في بعض ذنوبي فمقتني فقال: اذهب لا أغفر لك؟.

دموعهم جارية
كان سعيد بن السائب الطائفي لا تكاد تجف له دمعة إنما دموعه جارية دهره، إن صلى فهو يبكي وإن طاف فهو يبكي، وإن جلس يقرأ في المصحف فهو يبكي، وإن لقيته في الطريق فهو يبكي.
وقيل لسعيد بن السائب: كيف أصبحت؟
قال: أصبحت أنتظر الموت على غير عدة.
وقال الثوري: جلست ذات يوم أحدّث ومعنا سعيد بن السائب الطائفي، فجعل سعيد يبكي حتى رحمته، فقلت: يا سعيد، ما يبكيك؟ وأنت تسمعني أذكر أهل الخير وفعالهم.
فقال: يا سفيان، وما يمنعني من البكاء إذا ذكرت مناقب أهل الخير وكنت منهم بمعزل؟!
وعن أبي معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبي حازم يبكي ويمسح وجهه بدموعه، فقيل له: لم تمسح وجهك بدموعك؟
قال: بلغني أنه لا تصيب دموع الإنسان مكانا من جسده إلا حرم الله عز وجل ذلك المكان على النار.

ويح نفسي!
عن عون بن عبد الله أنه كان يقول في بكائه، وذكر خطيئته: ويح نفسي! ويح نفسي! وبأي شيء لم أعص ربي؟ ويحي! إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها عندي! ويحي كيف أنسى الموت ولا ينساني؟! ويحي إن حجبت
يوم القيامة عن ربي! ويحي كيف أغفل ولا يغفل عني؟! أم كيف تهنأ معيشتي واليوم الثقيل ورائي؟! أم كيف لا تطول حسرتي ولا أدري ما يفعل بي؟! أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري؟! أم كيف أجمع بها وفي غيرها قراري؟ أم كيف تعظم فيه رغبتي والقليل فيها يكفيني؟! أم كيف أوترها وقد أضرت بمن آثرها قلبي؟!
وجاء أن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: ما يبكيك؟
قال: عهدٌ عهده إلينا رسول الله، قال: "لتكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب"، قال: فلما مات نظروا في بيته فلم يجدوا فيه إلا إكافا ووطاء ومتاعا قوّم نحوًا من عشرين درهما.

البكاء خوفا من النار
عن عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - أنه بكى فبكت امرأته فقال: ما يبكيك؟ قالت: رأيتك بكيت فبكيت لبكائك. قال: إني أنبئت أني وارد ولم أنبأ أني صادر (أي على النار).
وكان معاذ بن جبل - رضي الله عنه - إذا تهجد من الليل قال: اللهم قد نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت حي قيوم، اللهم طلبي للجنة بطيء، وهربي من النار ضعيف، اللهم اجعل لي عندك هدى تراه إلى يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.
وقال يحيى بن معاذ: الذي حجب الناس عن التوبة طول الأمل، وعلامة التائب إسبال الدمعة، وحب الخلوة والمحاسبة للنفس عند كل همة.
وقال يحيى بن معاذ يدعو: اللهم لا تجعلنا ممن يدعو إليك بالأبدان، ويهرب منك بالقلوب، يا أكرم الأشياء علينا لا تجعلنا أهون الأشياء عليك.

أمنية عبد الله بن عمرو
عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: لأن أدمع دمعة من خشية الله عز وجل أحب إلي من أن أتصدق بألف دينار.
قال رجل: كنت أمشي مع سفيان بن عيينة إذ أتاه سائل فلم يكن معه ما يعطيه، فبكى، فقلت: يا أبا محمد، ما الذي أبكاك؟
قال: أي مصيبة أعظم أن يؤمل فيك رجل خيرًا فلا يصيبه (1)، الناس فريقان: فريق
__________
(1) الوقت عمار أو دمار (2/ 58).
يبكي من معاص حرم الوصول إليها، وفريق يبكي على طاعة لم يوفقه الله لها.

منتهى الخوف
كان يحيى بن معاذ الرازي يقول: كيف يفرح المؤمن في دار الدنيا إن عمل سيئة خاف أن يؤخذ بها، وإن عمل حسنة خاف ألا تقبل منه، وهو إما مسيء وإما محسن.
وعن منصور بن عمار أنه قال: خرجت ليلة من الليالي وظننت أن النهار قد أضاء، فإذا أصبح علا، وإذا أنا بصوت شاب يدعو ويبكي وهو يقول: اللهم وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولكن عصيتك إذ عصيتك بجهلي، وما أنا بنكالك (عقابك) جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي، وأعانني عليها شقوتي وغرني سترك المرخي علي، فقد عصيتك وخالفتك بجهلي، فمن عذابك من يستنقذني؟ ومن أيدي زبانيتك من يخلصني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عني؟ واسوأتاه إذا قيل للمخفين: جوزوا، وقيل للمثقلين: حطوا! فيا ليت شعري مع المثقلين أحط؟! أم مع المخفين أجوز؟! ويحي كلما طال عمري كثرت ذنوبي! ويحي كلما كبرت سني كثرت خطاياي، فيا ويلي كم أتوب، وكم أعود، ولا أستحي من ربي.

من أحسن الأشياء
كان السري السقطي يقول: أحسن الأشياء خمسة:
البكاء على الذنوب.
وإصلاح العيوب.
وطاعة علام الغيوب.
وجلاء الرين (ما يغطي القلب من سواد الذنوب) عن القلوب.
وألا تكون لما تهوى ركوب.
وقال: خمسة أشياء لا يسكن في القلب معها غيرها: الخوف من الله وحده، والرجاء من الله وحده، والحب لله وحده، والحياء من الله وحده، والأنس بالله وحده.
عتاب للنفس
كان عون بن عبد الله يقول في بكائه وذكر خطيئته: ويح نفسي! بأي شيء لم أعص ربي؟ ويحي! إنما عصيته بنعمته عندي، ويحي من خطيئة ذهبت شهوتها وبقيت تبعتها عندي! ويحي كيف أنسى الموت ولا ينساني؟! ويحي إن حجبت يوم القيامة عن ربي! ويحي كيف أغفل ولا يغفل عني؟! أم كيف تهنئني معيشتي واليوم الثقيل ورائي؟! أم كيف لا تطول حسرتي ولا أدري ما يفعل بي؟! أم كيف يشتد حبي لدار ليست بداري، أم كيف أجمع بها وفي غيرها قراري؟! أم كيف تعظم فيها رغبتي والقليل فيها يكفيني؟! أم كيف أوثرها وقد أضرت بمن آثرها قبلي؟! أم كيف لا أبادر بعملي قبل أن يغلق باب توبتي؟!

تخيل نفسك
يقول صاحب الإحياء: تخيل نفسك وقد قرع سمعك النداء إلى العرض، فيكفيك تلك الروعة جزاء عن ذنوبك، إذ يؤخذ بناصيتك، فتقاد وفؤادك مضطرب، ولبك طائر، وفرائصك مرتعدة، وجوارحك مضطربة، ولونك متغير، والعالم عليك من شدة الهول مظلم، فقدر نفسك وأنت بهذه الصفة تتخطى الرقاب، وتخرق الصفوف، وتقاد كما تقاد الفرس، وقد رفع الخلائق إليك أبصارهم، فتوهم نفسك أنك في أيدي الموكلين بك على هذه الصفة حتى انتهى بك إلى عرش الرحمن، فرموك من أيديهم، وناداك الله سبحانه وتعالى بعظيم كلامه: يا ابن آدم ادن مني، فدنوت منه بقلب خافق محزون وجل، وطرف خاشع ذليل وفؤاد منكسر، وأعطيت كتابك الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فكم لك من فاحشة نسيتها فتذكرتها، وكم من طاعة غفلت عن آفاتها فانكشف لك عن مساويها، فكم لك من خجل وجبن، وكم لك من حصر وعجز، فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه؟ وبأي لسان تجيب؟ وبأي عقل تعقل ما تقول؟ ثم تفكر في عظم حيائك إذا ذكرك ذنوبك شفاهًا، إذ يقول: يا عبدي أما استحييت مني فبارزتني بالقبيح؟ واستحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل؟ أكنت أهون عليك من سائر عبادي؟ استخففت بنظري إليك فلم تكترث، واستعظمت نظر غيري؟ ألم أنعم عليك؟ فماذا غرك بي؟ أظننت أني لا أراك وأنك لا تلقاني؟
وصية
جاء رجل إلى ابن عباس - رضي الله عنه - يقال له جندب فقال له: أوصني.
فقال. أوصيك بتوحيد الله، والعمل له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فإن كل خير آتيه أنت بعد ذلك منك مقبول، وإلى الله مرفوع .. يا جندب إنك لن تزداد من مودتك إلا قربا، فصل صلاة مودع، وأصبح في الدنيا كأنك غريب مسافر، فإنك من أهل القبور، وابك على ذنبك، وتب من خطيئتك، ولتكن الدنيا عليك أهون من شسع نعلك، فكأن قد فارقتها، وصرت إلى عدل الله، ولن تنتفع بما خلفت، ولن ينفعك إلا عملك.
ابك لذنبك طول الليل مجتهدا ... إن البكاء معول الأحزان
لا تنس ذنبك في النهار وطوله ... إن الذنوب تحيط بالإنسان

وقفات
من لم يكن له مثل تقواهم لم يعلم ما الذي أبكاهم، ومن لم يشاهد جمال يوسف لم يعلم ما الذي ألم قلب يعقوب.
وكان الحسن يبكي كثيرًا ويقول: كنا نسلا من نسل الجنة، وذرية من أهلها، فسبانا إبليس بالخطيئة إلى الأرض فلا ينبغي لنا الفرح في الدنيا، بل يجب علينا الحزن والبكاء ما دمنا في دار السبي، حتى نعود إلى دار الكرامة التي خرجنا منها وأبعدنا عنها.
يا من كانت له معنا معاملة، وطالت بيننا وبينه المواصلة، ثم اختار الهجر والمفاصلة، إن لم يكن جميل فلتكن مجاملة، تفكر تعرف قدر ما فاتك، وابك لذنب حرمك الفوز وأفاتك، اسكب دموع أسفك فرب دم بالأسى سفك، واندب أطلال مألفك لعلك تغاث في مواقفك.

وأنَّى لابن الخطاب مثل هذا
ذهب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بعد وفاة الصديق يسأل زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها عن عبادته فقال لها: كيف كان أبو بكر يعبد ربه حين يخلو بنفسه؟
فأجابته قائلة: كان إذا جاء وقت السحر قام فتوضأ وصلى ثم يظل يصلي، يتلو القرآن ويبكي، ويسجد ويبكي، ويدعو ويبكي.
فبكى عمرو قال: وأنَّى لابن الخطاب مثل هذا؟!
وقال عبد الخالق بن عبد الله العبدي: كان عطاء إذا جن عليه الليل خرج إلى المقابر، فوقف على أهل القبور، ثم قال: يا أهل القبور متم فواموتاه! ثم يبكي ويقول: يا أهل القبور عاينتم ما عملتم فواعملاه! فلا يزال كذلك حتى يصبح.
يا هذا، المجاهدة لا يصلح لها إلا بطل، متى تغير من جنود عزمك على الإنابة قلب واحد، ثم آمن قلب الهزيمة عليك.

دعوني
دعوني على نفسي أنوح وأندب ... بدمع غزير واكف يتصبب
دعوني على نفسي أنوح لأنني ... أخاف على نفسي الضعيفة تعطب
فمن لي إذا نادى المنادي بمن عصى ... إلى أين ألجأ أم إلى أين أذهب؟!
فيا طول حزني ثم يا طول حسرتي ... إذا كنت في نار الجحيم أعذب!
وقد ظهرت تلك القبائح كلها ... وقد قرب الميزان والنار تلهب
ولكنني أرجو الإله لعله ... بحسن رجائي فيه لي يتوهب
ويدخلني دار الجنان بفضله ... فلا عمل أرجو به أتقرب
سوى حب طه الهاشمي محمد ... وأصحابه والآل من قد ترهبوا (1)

أنجح الوسائل
أنجح الوسائل لطلب الحوائج الذل، وأبلغ الأسباب في العفو البكاء، والعيّ -العجز عن الفصاحة- عن ترتيب العذر بلاغة المنكسر، وليس في المياه ماء يقلع آثار الذنوب عن ثوب القلب إلا الدموع، فإن صب الماء ولم يزل الأثر فعليك باغتراف من بحر الاعتراف، احضر نادي المجتهدين، ونادهم: طوبى لكم! قد وجدتم قلوبكم، فارحموا من لم يجد (2).
__________
(1) بحر الدموع 35.
(2) المواعظ والمجالس 26.
ويحي!
بكيت على الذنوب أعظم جرمي ... وحق لكل من يعصى البكاء
فلو كان البكاء يرد همي ... لأسعدت الدمع معا دماء
أخي: أين الدموع السواجم قبل المنايا الهواجم؟! أين القلق الدائم إلى الذنوب العظائم؟! أيها القاعد والموت قائم، أنائم عن حديثنا أم متناوم؟ بادر بالتوبة من هفواتك، قبل فواتك، والمنايا بالنفوس فواتك (1).

ابكِ على خطيئتك
يقول ابن الجوزي: ينبغي للعاقل أن يكون على خوف من ذنوبه وإن تاب منها وبكى عليها، وإني رأيت أكثر الناس قد سكنوا إلى قبول التوبة، وكانهم قد قطعوا على ذلك، وهذا أمر غائب، ثم لو غفرت بقي الخجل من فعلها.
ويؤيد الخوف بعد التوبة أنه في الصحاح: أن الناس يأتون إلى آدم عليه السلام فيقولون: اشفع لنا، فيقول: ذنبي، وإلى نوح عليه السلام فيقول: ذنبي، وإلى إبراهيم وإلى موسى وإلى عيسى صلوات الله وسلامه عليهم، فهؤلاء إذا اعتبرت ذنوبهم لم يكن أكثرها ذنوبا حقيقة، ثم إن كانت فقد تابوا منها واعتذروا، وهم بعد على خوف منها، ثم إن الخجل بعد قبول التوبة لا يرتفع، وما أحسن ما قاله الفضيل بن عياض رحمه الله: واسوأتاه وإن عفوت!، فأف والله لمختار الذنوب ومؤثر لذة لحظة تبقي حسرة لا تزول عن قلب المؤمن وإن غفر له.
فالحذر الحذر من كل ما يوجب خجلا، وهذا أمر قلَّ أن ينظر فيه تائب أو زاهد، لأنه يرى أن العفو قد غمر الذنب بالتوبة الصادقة، وما ذكرته يوجب دوام الحذر والخجل.
...
__________
(1) المصدر نفسه 28.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

قيام الليل

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 17:23

قيام الليل
يقول تعالى: ({يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4)} [المزمل: 1 - 4].
ويقول تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16].
ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" [رواه الترمذي].
ويقول أيضًا: "أفضل الصلاة دون الفريضة صلاة الليل" [رواه مسلم].
والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة.
يا من باع الباقي بالفاني، أما ظهر لك الخسران؟ ما أطيب أيام الوصال! وما أمرَّ أيام الهجر! ما طاب عيش القوم حتى هجروا الأوطان، وسهروا الليالي بتلاوة القرآن فيبيتون لربهم سجدا وقياما (1).
يقول ابن القيم:
يحيون ليلهم بطاعة ربهم ... بتلاوة وتضرع وسؤال
وعيونهم تجري بفيض دموعهم ... مثل أنهار الوابل الهطال
في الليل رهبان وعند جهادهم ... لعدوهم من أشجع الأبطال
بوجوههم أثر السجود لربهم ... وبها أشعة نوره المتلالي

الليل مدرسة الرجال
قال أبو سليمان الداراني: لأهلُ الطاعة في ليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا
__________
(1) بحر الدموع 14.
الليل ما أحببت البقاء في الدنيا.
كان همام بن الحارث يدعو: اللهم اشفني من النوم باليسير، وارزقني سهرا في طاعتك، قال: فكان لا ينام إلا هنيهة.
عن عاصم بن أبي بكر بن عبد العزيز بن مروان -وهو ابن أخي عمر بن عبد العزيز- قال: وفدت إلى سليمان بن عبد الملك ومعنا عمر بن عبد العزيز، فنزلت على ابنه عبد الملك، وهو عزب، فكنت معه في بيت فصلينا العشاء، وأوي كل رجل منا إلى فراشه، ثم قام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه، ثم قام يصلي، ثم ذهب بي النوم، فاستيقظت فإذا هو في هذه الآية ({أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206)} [الشعراء: 205 - 206] فيبكي ثم يرجع إليها، فإذا فرغ منها فعل مثل ذلك، حتى قلت: سيقتله البكاء، فلما رأيت ذلك قلت: لا إله إلا الله والحمد لله، كالمستيقظ من النوم، لأقطع ذلك عليه، فلما سمعني سكت فلم أسمع له حسًا، رحمه الله (1).
يقول تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18)} [الذاريات: 17 - 18].
يقول سيد قطب: فهم الأيقاظ في جنح الليل والناس نيام، المتوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يطعمون الكرى إلا قليلاً، ولا يهجعون في ليلهم إلا يسيرا، يأنسون بربهم في جوف الليل فتتجافى جنوبهم عن المضاجع ويخف بهم التطلع فلا يثقلهم المنام.
قال الحسن البصري: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] كابدوا قيام الليل، فلا ينامون من الليل إلا أقله، ونشطوا فمدوا إلى السحر، حتى كان الاستغفار بسحر.
وقال قتادة: قال الأحنف بن قيس: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] كانوا لا ينامون إلا قليلا، ثم يقول: لست من أهل هذه الآية.
وقال الحسن البصري: كان الأحنف بن قيس يقول: عرضت عملي على عمل أهل الجنة فإذا قوم قد باينونا بونا بعيدا، إذ نحن قوم لا نبلغ أعمالهم، {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا
__________
(1) من يظلهم الله (1/ 290، 291).
يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17]، وعرضت عملي على عمل أهل النار، فإذا قوم لا خير فيهم، مكذبون بكتاب الله وبرسل الله، مكذبون بالبعث بعد الموت، فقد وجدت من خيرنا منزلة قوما خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال رجل من بني تميم لأبي: يا أبا أسامة، صفة لا أجدها فينا، ذكر الله تعالى قوما فقال: {كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] ونحن -والله - قليلا من الليل ما نقوم، فقال له أبي - رضي الله عنه -: طوبى لمن رقد إذا نعس، واتقى الله إذا استيقظ (1).
يقول المغيرة: خرجت ليلة بعد أن هجع الناس هجعة، فمررت بمالك بن أنس فإذا أنا به قائم يصلي، فلما فرغ من {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة: 2] ابتدأ بـ {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1] حتى بلغ قوله تعالى {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8]، فبكى بكاء طويلا، وجعل يرددها ويبكي وشغلني ما سمعت عنه ورأيت عن حاجتي التي خرجت إليها، فلم أزل قائما وهو يرددها ويبكي حتى طلع الفجر، فلما تبين له ركع، فصرت إلى منزلي، فتوضأت، ثم أتيت المسجد، فإذا به في مجلسه والناس حوله، فلما أصبح نظرت فإذا أنا بوجهه قد علاه النور.
ويتعجب الإمام أحمد بن حنبل من الذين يطلبون العلم وليس لهم من قيام الليل نصيب، فعن أبي عصمة البيهقي قال: بت ليلة عند أحمد بن حنبل فجاء بالماء فوضعه عندي، فلما أصبح نظر في الماء، فإذا هو كما كان على حاله لم يُتوضأ منه، فقال أحمد: سبحان الله! رجل يطلب العلم ولا يكون له ورد بالليل؟!
قال المروزي: كنت مع الإمام أحمد بن حنبل نحوا من أربعة أشهر بالعسكر، فكان لا يدع قيام الليل وقراءة النهار، وما علمت بختمة للقرآن ختمها لأنه كان يسر ذلك.
ويحكى عن أسلم بن عبد الملك عن رجل من الصالحين كان كثير الصلاة والتهجد، وكان لا يرى نائما بالليل إلا قليلا، فقال له أسلم: يا أخي، ما لي لا أراك تنام كما ينام الناس؟ فقال: إن عجائب القرآن أطرن نومي، ما أخرج من أعجوبة إلا وقعت في غيرها.
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (6/ 3377).
وعن أزهر -وكان من القوامين- أنه قال: رأيت في المنام امرأة لا تشبه نساء أهل الدنيا، فقلت لها: من أنت؟
قالت: حوراء ..
فقلت: زوجيني نفسك؟
قالت: اخطبني إلى سيدي وامهرني.
فقلت: وما مهرك؟
قالت: طول التهجد.
وقال الحسين الكرابيسي: بت مع الشافعي ليلة فكان يصلي نحو ثلث الليل، فما رأيته يزيد على خمسين آية، فإذا أكثر فمائة آية، وكان لا يمر بآية رحمة إلا سأل الله فيها، ولا بآية عذاب إلا تعوذ، وكأنما جمع له الرجاء والهيبة جميعا.
ويحكى أحمد بن أبي الحواري يقول: قال لي أبو سليمان الداراني: يا أحمد، إني محدثك بحديث فلا تحدثن به أحدا حتى أموت.
قال أحمد: وما هو؟
قال الداراني: نمت ذات ليلة عن وردي من صلاة الليل، فإذا أنا بحوراء تنبهني، وتقول: يا أبا سليمان، تنام عنا، وأنا أربى لك في الخدور منذ خمسمائة عام؟ أترقد عيناك والملك يقظان ينظر إلى المتهجدين في تهجدهم؟! بؤسا لعين آثرت لذة نوم على لذة مناجاة العزيز، قم -رحمك الله- فقد دنا الفراغ، ولقي المحبون بعضهم بعضا، فما هذا الرقاد؟
قال الداراني: فوثبت فزعا وقد عرقت استحياء من توبيخها إياي، وإن حلاوة منطقها لفي سمعي وقلبي.
يقول ثابت البناني: كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعمت بها عشرين سنة.
وعن حماد بن سلمة قال: قرأ ثابت البناني قوله تعالى {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف: 37] وهو يصلي الليل فجعل يبكي وينتحب ويرددها.
يقول أحمد بن أبي الحواري: دخلت على أبي سليمان الداراني وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك يا أبا سليمان؟
قال: يا أحمد، ولم لا أبكي؟ وإذا جن الليل ونامت العيون، وخلا كل حبيب بحبيبه وافترش أهل المحبة أقدامهم، وجرت دموعهم على خدودهم، وقطرت في محاريبهم، أشرف الجليل سبحانه وتعالى عليهم فنادى جبريل: بعيني من تلذذ بكلامي، فينادي فيهم: ما هذا البكاء؟ هل رأيتم حبيبا يعذب أحبابه؟ أم كيف أعذب قوما إذا جنهم الليل تملقوني؟ فبي حلفت إذا وردوا عليَّ يوم القيامة لأكشفن لهم عن وجهي الكريم حتى ينظروا إلي وأنظر إليهم (1).
نحن الذين إذا أتانا سائل ... نوليه إحسانا وحسن تكرم
ونقول في الأسحار هل من تائب ... مستغفر لينال خير المغنم
قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)} [غافر: 60].
فلماذا هذا التكبر والعناد؟ ولماذا الإصرار على الفساد؟ فمن أراد دواء القلوب فليقم بالأسحار، وليكثر من التوبة والاستغفار، وجدوا في الدعاء، فإنه من يكثر قرع الباب يوشك أن يفتح له (2).
وقال محمد بن عبد الله الخزاعي: صلى عبد الواحد بن زيد الغداة بوضوء العتمة أربعين سنة.
الجد الجد، فما تحتمل الطريق الفتور، ضاقت أيام الموسم، فجعجعوا بالإبل.
كانت عابدة لا تنام من الليل إلا يسيرا فعوتبت في ذلك فقالت: كفى بطول الرقدة في القبور رقادا.
أيها المقصر عن طلب المزاد، كيف تدرك المعالي بغير اجتهاد؟ أين أهل السهر من أهل الرقاد؟ أين الراغبون في الهوى من الزهاد؟ رحل المتيقظون مستظهرين بكثرة الزاد،
__________
(1) صلاة الصالحين: 104.
(2) روائع الأسحار 26.
كل جواد لهم يعرف الجواد، فساروا فزاروا والكسلان عاد.
وقالت أم عمرو بن المنكدر: يا بني أشتهي أراك نائما! فقال: يا أماه، إن الليل ليرد علي فيهولني فينقضي عني وما قضيت منه مأربي.
وقال سفيان: إن لله ريحا مخزونة تحت العرش تهب عند الأسحار فتحمل الأنين والاستغفار.
يا طويل النوم فاتتك مدحة {تَتَجَافَى} [السجدة: 16]، وحرمت منحة {الْمُسْتَغْفِرِينَ} [آل عمران: 17]، ولست من أهل عتاب" فإذا جنه الليل نام عني" ليس في ليل الهجر منام ومتى رأيت محبا ينام؟!.
وقال عبد الرحمن رسته: سألت ابن الهدي عن الرجل يبني بأهله، أيترك الجماعة أياما؟
قال: لا، ولا صلاة واحدة، وحضرته صبيحة بُني على ابنته، فخرج فأذن، ثم مشى إلى بابها، فقال للجارية: قولي لهما يخرجان إلى الصلاة، فخرج النساء والجواري، فقلن: سبحان الله! أي شيء هذا؟
وقال أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ: كان هناد بن السري كثير البكاء، فرغ يوما من القراءة لنا، فتوضأ وجاء إلى المسجد فصلى إلى الزوال وأنا معه بالمسجد، ثم رجع إلى منزله فتوضأ، وجاء يصلي بنا الظهر، فأخذ يقرأ في المصحف حتى صلى المغرب، قال: فقلت لبعض جيرانه: ما أصبره على العبادة! فقال: هذه عبادته بالنهار منذ سبعين سنة، فكيف لو رأيت عبادته بالليل؟!
ويقول الحسن البصري: إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل.
وقال بعض الصالحين: كم من أكلة منعت قيام ليلة، وكم من نظرة إلى ما لا يحل حرمت قراءة سورة، وإن العبد ليأكل الأكلة أو ليفعل الفعلة فيحرم بها قيام سنة.
وكان عبد العزيز بن أبي رواد إذا جن الليل يأتي فراشه فيمرر عليه يده ويقول: إنك للين، والله إن في الجنة لألين منك. ولا يزال يصلي الليل كله.
وكان للفاروق عمر جار فقال: ما رأيت أحدا من الناس كان أفضل صلاة من عمر،
إن ليله صلاة وإن نهاره صيام وفي حاجات الناس (1).
بل إنه - رضي الله عنه - لشدة ارتباطه بالعبادة والصلاة لما دخل في غيبوبة بعد طعنه لم ينبهوه إلا بذكر الصلاة، فقال أحد الحاضرين: إنكم لن توقظوه بشيء أفزع له من الصلاة.
فقالوا: الصلاة يا أمير المؤمنين.
فقال: ها الله إذا، ولا حق (لا حظَّ) في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وإن جرحه ليسعب (يسيل) دما (2).
وكان يهتم بأهل بيته أيضا، فقد روي أنه كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة ثم يقول لهم: الصلاة، ويتلو هذه الآية: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه: 132] (3).
وكان من دعاء عامر بن عبد قيس إذا أصبح بعد تهجده: اللهم غدا الناس إلى أسواقهم، وأصبح لكل امرئ منهم حاجة، وحاجتي إليك يا رب أن تغفر لي. وكان لا يبيت كل ليلة حتى يبل عمامته بدموعه.
وعن عيسى بن عمرو قال: كان عمرو بن عتبة يخرج على فرسه ليلا فيقف على القبور، فيقول: يا أهل القبور طويت الصحف، ورفعت الأعمال، ثم يبكي، ثم يصف بين قدميه يصلي التهجد، فيرجع فيشهد صلاة الصبح.
ويقول مولى عمرو بن عتبة: رأيت ابن عتبة ليلة قائما يصلي فسمعنا زئير الأسد فهربنا وهو قائم يصلي لم ينصرف، فقلنا له بعدما ولى الأسد، وانتهى من صلاته: أما خفت الأسد؟
فقال: إني أستحي من الله أن أخاف شيئا سواه.
وعن ابن جريج قال: قال لي عطاء: قال لي طاووس بن كيسان: يا عطاء لا تنزلن حاجتك بمن أغلق دونك أبوابه، وجعل عليها حجابه، ولكن أنزلها بمن بابه مفتوح لك إلى يوم القيامة، أمرك أن تدعوه وضمن لك أن يستجيب لك.
__________
(1) حياة الصحابة (3/ 679).
(2) المصدر نفسه (3/ 93).
(3) المصدر نفسه (3/ 146).
وكان طاووس يفترش فراشه ويضطجع فيتقلى كما تتقلى الحب في المقلى، ثم يثب فيدرجه ويستقبل القبلة حتى الصباح ويقول: طيَّر ذكر جهنم نوم العابدين.
يا هذا، كيف تطيق السهر مع الشبع؟ كيف تزاحم أهل العزائم بمناكب الكسل؟.
قلت لليل: هل لجوفك سر ... عامر بالحديث والأسرار؟
قال: لم ألق في حياتي حديثا ... كحديث الأحباب في الأسحار
وكان زيد بن الحارث يجزئ الليل ثلاثة أجزاء: جزءا عليه، وجزءا على ابنه، وجزءا على ابنه الآخر عبد الرحمن، فكان هو يصلي ثم يقول لأحدهما: قم، فإذا تكاسل صلى جزأه، ثم يقول للآخر: قم، فإن تكاسل أيضا صلى جزأه فيصلي الليل كله.
وقال الحسن بن علي: سمعت يحيى بن معاذ يقول: الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار نقي فلا تدنسه بآثامك.
وكان علي بن بكار يفرش الفراش، فيلمسه بيده، فيقول: إنك لطيب، وإنك لبارد، والله لا أعلونك في هذه الليلة. ثم يظل يصلي إلى الصباح.
وقال أحد ضباط المباحث -الذين منَّ الله عليهم بالهداية- للإخوان: كنا نرسل بعض المخبرين للتجسس على الإخوان، إلا أننا لا نلبث نفقد الثقة فيمن نرسلهم لإحساسهم بتحولهم وتبدلهم لاحتكاكهم بالإخوان المسلمين حتى تعبنا وأعيانا الأمر، فاخترنا رجلا شريرا وقلنا، هذا سهم نضرب به الإخوان يستعصي على الكسر، ومضت الأيام، وبعد أسبوع واحد فقط، وإذا بهذا المخبر يدخل مكتبي وطلب نقله من عند الإخوان قائلا: ودوني عند الشيوعيين، عند اليهود، عند الكفرة، أما أولاد .... دول لأ، فعجبت من أمره وسألته: لماذا؟ قال: كل ليلة يقومون ويصلون، وشيخهم يقرأ القرآن لهم، الركعة تيجي ساعة، معدتش قادر أصلب طولي (1).
__________
(1) من أعلام الحركة الإسلامية 277.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

السجود

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 17:26

السجود
الكل يسجد لله، يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18].
وما من مخلوق إلا وهو داخل في هذا السجود دون اختيار، يقول تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6].
قال الشوكاني: المراد بسجودهما انقيادهما لله تعالى انقياد الساجدين من المكلفين.

احتجاج الهدهد
ولقد أظهر الهدهد الاحتجاج وهو محلق على هذه المسافة لا يمكنه سماع ما يقولون للشمس التي يعبدونها، ولكن رؤيته لهم وهم يسجدون لغير الله كانت كافية لأن يحكم عليهم بالكفر: {أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)} [النمل: 25].

الشمس تسجد
في الصحيحين عن أبي ذر قال النبي - صلى الله عليه وسلم - له حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [يس: 38].
وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فلذلك أمرت الملائكة مريم بالسجود بقوله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43]. وقدموا السجود على الركوع، لأن السجود أفضل أركان الصلاة.
سجدة خير من الدنيا
يأتي زمان تكون فيه السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها. عن أبي هريرة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخترير، ويضع الحرب، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها" [رواه البخاري].
ولما كان السجود مظهرا من مظاهر الخضوع والذل فقد أمر الله بني إسرائيل عند دخولهم البلد الذي فتحه الله عليهم وهو قوله: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [البقرة: 58].

سجود النبي - صلى الله عليه وسلم -
وكان النبي يطيل السجود، فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي إحدى عشرة ركعة كانت تلك صلاته -تعني في الليل- فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبيل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة. [رواه البخاري].

هل تذوقت حلاوة الخشوع؟
يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)} [الإسراء: 107 - 109] فهذا التأثر الناشيء من التفكر في عظمة الخالق الذي جعلهم يخرون على وجوههم لشدة التأثر والبكاء وهم ساجدون لله تعالى، ليس عندهم ما يتقربون به ويتذللون أكثر من هذا السجود الخاشع، فيزيدهم خشوعا إلى خشوعهم، وانكسارا إلى انكسارهم، فتزداد لديهم حلاوة الإيمان ولذة الخشوع وجمال المناجاة.

الرسول سيتعرف عليك
يعرف الرسول أمته يوم القيامة بمواضع السجود، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة" قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؟ قال: "أرأيت لو دخلت صبرة فيها خيل دهم بهم، وفيها فرس أغر محجل أما كنت تعرفه منها؟ " قالوا: بلى، قال: (فإن أمتي يومئذ غر من السجود محجلون من الوضوء" [رواه أحمد].
النجاة بالسجود
النجاة يوم القيامة بالسجود. فقد جاء في حديث البخاري عن قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} [القيامة: 22] يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئا ممن أراد الله أن يرحمه ممن يشهد أن لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار بأثر السجود، تأكل النار ابن آدم إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون تحته ... ".
أكثر من السجود تصاحب النبي
ومن أراد الجنة فعليه بالسجود. عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: "سل"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" [رواه مسلم].

سجود المؤمنين
يقول تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)} [القلم: 42 - 43] قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يآتي لهم سبحانه وتعالى في أدنى صورة رأوه فيها فيقول لهم: فما تنتظرون؟ تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا، فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، لا نشرك بالله شيئا (مرتين أو ثلاثا) حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب فيقول: وهل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه" [رواه مسلم].
أثر السجود
يقول تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29].
يقول سيد قطب: سيماهم في وجوههم من الوضاءة والإشراق والصفاء والشفافية، ومن ذبول العبادة الحي الوضيء اللطيف، وليست هذه السيما هي النكتة المعروفة في
الوجه كما يتبادر إلى الذهن عند سماع قوله: {مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} فالمقصود بأثر السجود هو أثر العبادة، واختار لفظ السجود لأنه يمثل حالة الخشوع والخضوع والعبودية لله في أكمل صورها، فهو أثر هذا الخشوع، أثره في ملامح الوجه، حيث تتوارى الخيلاء والكبرياء والفراهة، ويحل مكانها التواضع النبيل، والشفافية الصافية، والوضاءة الهادئة، والذبول الخفيف الذي يزيد وجه المؤمن وضاءة وصباحة ونبلا (1).

سجود التلاوة
وحكمه سنة للقارئ والمستمع.
عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبَّر وسجد وسجدنا" [أبو داود]. ومواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعا.
من سجد سجود التلاوة دعا بما شاء، ولم يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا حديث عائشة
قالت: كان رسول الله يقول في سجود القرآن: "سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين" [رواه الخمسة إلا ابن ماجه].

سجدة الشكر
عن أبي بكرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أتاه أمر يسره أو بشر به يخر ساجدًا شكرا لله تعالى. رواه أبو داود.

سجود السهو
وهما سجدتان يسجدهما المصلي قبل التسليم أو بعده، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، ثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم" [البخاري].
...
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (6/ 3332).


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التأثر بالقرآن

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 17:36

التأثر بالقرآن
حث الإسلام على تدبر القرآن، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24].
وروى ابن عبد البر عن علي - رضي الله عنه - قال: ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقه، ولا في علم ليس فيه تفهيم، ولا في قراءة ليس فيها تدبر.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: لأن أقرأ: {إِذَا زُلْزِلَتِ} [الزلزلة: 1] و {الْقَارِعَةُ} [القارعة: 1] أتدبرهما أحب إلي من أن أقرأ البقرة وآل عمران تهذيرا.
وعن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: لأن أقرأ القرآن في شهر أحب إليّ من أن أقرأه في خمس عشرة، ولأن أقرأه في خمس عشرة أحب إلي من أن أقرأه في عشر، ولأن أقرأه في عشر أحب إلي من أن أقرأه في سبع؛ أقف وأدعو.

أحوال السلف مع القرآن
يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: إنا صعب علينا حفظ ألفاظ القرآن، وسهل علينا العمل به، وإن من بعدنا يسهل عليهم حفظ القرآن، ويصعب عليهم العمل به.
وكان ابن عمر - رضي الله عنه - يقول: كان الفاضل من أصحاب رسول الله في صدر هذه الأمة لا يحفظ من القرآن إلا السورة أو نحوها، ورزقوا العمل بالقرآن، وإن آخر هذه الأمة يرزقون القرآن، منهم الصبي والأعمى، ولا يرزقون العمل به.
وقال الحسن: كان عمر يمر بالآية من ورده بالليل فيبكي حتى يسقط، ويبقى في البيت حتى يعاد للمرض.
ويخبر أحد أصحاب الربيع بن خثيم فيقول: كان الربيع يبكي حتى تبل لحيته من دموعه، ومر ذات ليلة بقوله تعالى: {إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)} [الفرقان: 12 - 13].
فصعق الربيع، فاحتملناه إلى أهله.
وكان يقول: إذا عوتب في بكائه وشدة اجتهاده، أدركنا أقواما كنا في جنوبهم لصوصا.

التأثر بآية
عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنا ليلة فقام بآية يرددها، وهي: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118].
وقام تميم الداري بآية يكررها حتى أصبح أو كاد، وهي قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21].
وروى إبراهيم بن علقمة قال: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود فافتتح سورة طه فلما بلغ: {رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] قال: رب زدني علما، رب زدني علما.
وعن عروة بن الزيير - رضي الله عنه - قال: دخلت على أسماء بنت أبي بكر (يعني أمه) وهي تصلي، فقرأت هذه الآية: {فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ} [الطور: 27] فقمت، فلما طال علي ذهبت إلى السوق، ثم رجعت، وهي مكانها، وهي تكرر الصلاة (يعني الآية).
وروي أن عامر بن عبد قيس قرأ ليلة سورة المؤمن (غافر)، فلما انتهى إلى هذه الآية {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ} [غافر: 18] لم يزل يرددها حتى أصبح.
وكان بعضهم يقول: كل آية لا أفهمها، ولا يكون قلبي فيها، لا أعد لها ثوابا.
وعن أبي سليمان الداراني قال: إني لأتلو الآية فأقيم فيها أربع ليال، وخمس ليال، ولا أني أقطع الفكر فيها ما جاوزتها إلى غيرها.
وكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- إذا قرأ قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد: 16] بكى حتى يغلبه البكاء.
وشرب عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- ماء مبردا فبكى بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت آية في كتاب الله {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54] فعرفت أن أهل النار لا يشتهون شيئا شهوتهم الماء.
وعن القاسم قال: صلى ابن عمر- رضي الله عنه - فقرأ قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1] حتى بلغ {يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:1 - 6] فبكى ابن عمر حتى حنى ولم يقدر أن يكمل ما بعدها من الآيات.
وقال محمد بن كعب: لأن أقرأ في ليلتي حتى أصبح ({إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1] و {الْقَارِعَةُ} [القارعة: 1] لا أزيد عليهما، وأتفكر فيهما أحب إلي من أن أهذ القرآن هذَّا، أو قال: أنثره نثرا.
وقال الزهري: العلم ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال.
ويقول المقريزي نقلا عن مجاهد: صليت خلف مسلمة بن مخلد فقرأ سورة البقرة فما ترك ألفا ولا واوا.
ويقول الحارت بن سعيد: أخذ بيدي رياح القيسي فقال: هلم يا أبا محمد حتى نبكي على مر الساعات، ونحن على هذه الحال، قال: وخرجت معه إلى المقابر فلما نظر إلى القبور صرخ، ثم خر مغشيًا عليه، قال: فجلست -والله- عند رأسه أبكي، فأفاق، فقال: ما يبكيك؟ قلت: لما أرى بك.
قال: لنفسك فابك، ثم قال: وانفساه! وانفساه! ثم غشي عليه.
قال: فرحمته -والله- مما نزل به، فلم أزل عند رأسه حتى أفاق، فوثب وهو يقول: {تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} ... {تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ} [النازعات: 12]، مضى على وجهه، وأنا أتبعه لا يكلمني حتى انتهى إلى منزله، فدخل ورجعت إلى أهلي، ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات.
ويقول منصور بن عمار دخلت الكوفة فبينما أنا أمشي في ظلمة الليل إذ سمعت بكاء رجل بصوت شجي من داخل دار وهو يقول إلهي، وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولكن عصيتك بجهل مني، فالآن من ينقذني من عذابك؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبالك عني؟ واذنوباه! واغوثاه! يا الله!
قال منصور بن عمار فأبكاني كلامه فوقفت فقرأت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ
مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6] فسمعت للرجل صياحا شديدا واضطرابا فوقفت حتى انقطع صوته ومشيت.
فلما أصبحت أتيت إلى دار الرجل فوجدته قد مات والناس في تجهيزه، وعجوز تبكي، فسألت عنها فقيل: هي أمه، فقمت إليها وسألتها عن حاله، فقالت: كان يصوم النهار ويقوم الليل ويكتسب الحلال فيقسم كسبه ثلاثا: ثلثًا لنفقته، وثلثًا لنفقتي، وثلثًا يتصدق به، فقلما كان البارحة مر إنسان، وهو يقرأ فسمع آية من القرآن ففارق الدنيا (1).

خوف شديد
قرأ عمر بن عبد العزيز بالناس ذات ليلة: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل: 1] فلما بلغ {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14)} [الليل:1 - 14] خنقته العبرة فلم يستطع أن ينفدها فتركها، وقرأ سورة غيرها.
وقرأ ذات ليلة: {وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} [الفرقان: 13] فبكى عمر حتى غلبه البكاء، وعلا نشيجه، فقام من مجلسه، فدخل بيته وتفرق الناس.
وقرأ ذات ليلة قوله: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ} [يونس: 61] فبكى بكاء شديدا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة، فجلست تبكي لبكائه، وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء ابنه عبد الملك وهو على هذا الحال، فقال: يا أبت ما يبكيك؟
قال: خير يا بني، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بني، لقد خشيت أن أهلك، والله يا بني، لقد خشيت أن أكون من أهل النار.

أعظم آية
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: وكلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحفظ زكاة رمضان، فآتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فآخذته فقلت لأرفعنك إلى رسول الله، قال: إني محتاج، وعلي عيال، وبي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " فقلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته فخليت سبيله، فقال: "أما إنه قد كذبك وسيعود"، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرصدته، فجاء يحثو
__________
(1) خير القرون (2/ 242 - 243).
من الطعام فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، قال: دعني فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود، فرحمته وخليت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ " قلت: يا رسول الله شكا حاجة وعيالا فرحمته وخليت سبيله، فقال: إنه قد كذبك وسيعود، فرصدته الثالثة، فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله وهذا آخر ثلاث مرات إنك تزعم أنك لا تعود ثم تعود! فقال: دعني فإني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما من؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فخليت سبيله فأصبحت، فقال لي رسول الله: "ما فعل أسيرك البارحة؟ " فقلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، فقال: ما هي؟ فقلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255] وقال لي: لا يزال عليك من الله حافظ، ولن يقربك شيطان حتى تصبح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث يا أبا هريرة؟ " قلت: لا، قال: "ذلك شيطان" [رواه البخاري].
هل تحرص على قراءة آية الكرسي باستمرار؟

من أحوال الصالحين
القاسم بن أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير يردد هذه الآية في الصلاة بضعًا وعشرين مرة: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281].
وعن البراء بن سليم قال: سمعت نافعا يقول: ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [البقرة: 284] ثم يقول: إن هذا لإحصاء شديد. [رواه أحمد].
وعن عبد الله بن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ} [البقرة: 245] هو قال أبو الدحداح الأنصاري: وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله رسول الله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي (بستاني) -وحائطه له فيه ستمائة نخلة- وأم الدحداح فيها وعيالها، قال: فجاء أبو الدحداح فنادى: يا أم الدحداح، قالت: لبيك. قال: اخرجي من الحائط
فقد أقرضته ربي عز وجل.
وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" [البخاري].
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار" [متفق عليه].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" [مسلم].

تأثير القرآن في العرب
قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ} [الزمر: 23].
ويقول ابن مسعود: كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات من القرآن، لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن. [الطبري].
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن من أصحاب رسول الله أنهم كانوا يأخذون من رسول الله عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الآخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل جميعا. [رواه أحمد].
ومن هنا اقتضت حكمة الله أن ينزل القرآن منجما في ثلاث وعشرين سنة في مكة والمدينة، ليتمكن الناس من فهمه والعمل به، قال تعالى لرسوله: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106].
هل تشعر بأن قلبك يتأثر عند قراءة القرآن؟
العمل بالقرآن
ذكر ابن كثير في تفسيره عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان أبو طلحة - رضي الله عنه - أكثر الناس بالمدينة مالاً، وكان أحب أمواله إليه (بيرحاء) -اسم حديقة له- وكانت مستقبلة
المسجد، وكان النبي يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قال أبو طلحة: يا رسول الله، إن الله يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال النبي:"بخ بخ! ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، وقد سمعت، وأنا أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. [أحمد].
وفي الصحيحين أن عمر - رضي الله عنه - قال: يا رسول الله، لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي من سهمي الذي هو بخيبر، فما تأمرني به؟ قال:"حبس الأصل وسبل الثمرة". [ابن كثير].
ومعنى هذا أن يجعله وقفا في سبيل الله، يحبس أصله، فلا يباع ولا يوهب، وتسبل ثمرته، أي تجعل في سبيل الله، أي في الخير وإعانة الضعفاء والفقراء.
يقول سيد قطب: إن هذا القرآن هو معلم هذه الأمة ومرشدها ورائدها وحادي طريقها على طول الطريق، وهو يكشف لها عن حال أعدائها معها، وعن جبلتهم وعن تاريخهم مع هدى الله كله، ولو ظلت هذه الأمة تستشير قرآنها، وتسمع توجيهاته، وتقيم قواعده وتشريعاته في حياتها، ما استطاع أعداؤها أن ينالوا منها في يوم من الأيام .. ولكنها حين نقضت ميثاقها مع ربها، وحين اتخذت القرآن مهجورا، وإن كانت ما تزال تتخذ منه ترانيم مطربة، وتعاويذ ورقى وأدعية، أصابها ما أصابها (1).
هل تستخرج آية يوميا من القرآن وتعمل بها؟

مع سورة الزلزلة
أخرج إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد وابن مردويه عن أسماء قالت: بينما أبو بكر يتغدى مع رسول الله، إذ نزلت هذه الآية: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (Cool} [الزلزلة: 7 - 8] فأمسك أبو بكر، وقال: يا رسول الله، أكل ما عملناه من سوء رأيناه؟ فقال:"ما ترون مما تكرهون فذاك مما تجزون به، ويدخر الخير لأهله في الآخرة".
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (2/ 859).
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء، وابن جرير الطبري وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهم- قال: أنزلت {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1] وأبو بكر قاعد يبكي، فقال له رسول الله: "ما يبكيك يا أبا بكر؟ " قال: تبكيني هذه السورة، فقال:" لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم".
وأخرج ابن المبارك في الزهد وأحمد وعبد بن حميد والنسائي والطبراني وابن مردويه عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرأ عليه: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (Cool} [الزلزلة: 7 - 8] فقال: حسبي، لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها.
وأخرج سعيد بن منصور عن المطلب بن عبد الله أن رسول الله قرأ في مجلس ومعهم أعرابي جالس: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (Cool} [الزلزلة: 7 - 8] فقال الأعرابي: يا رسول الله! أمثقال ذر؟ قال: "نعم"، فقال الأعرابي: واسوأتاه! ثم قام وهو يقولها، فقال رسول الله: "لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان".
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن عائشة جاءها سائل فسأل، فأمرت له بتمرة، فقال لها قائل: يا أم المؤمنين إنكم لتتصدقون بالتمرة؟ قالت: نعم والله! إن الخلق كثير ولا يشبعه إلا الله، أوَليس فيه مثاقيل ذر كثير؟
وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن برقان قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب أتاه مسكين وفي يده عنقود من عنب فناوله منه حبة وقال: فيه مثاقيل ذر كثيرة.

ليس لي عذر
الشيخ الأعرج عمرو بن الجموح - رضي الله عنه - يأبى إلا أن يخرج للمشاركة في غزوة أحد مع أن الله عذره في كتابه حين قال: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [الفتح: 17] ومع أن له أربعة بنين يشهدون المعارك خلفا له مع رسول الله، ولكنه يسعى وراء أمنية غالية هي الشهادة، وقد حققها الله له.
وعن أنس أن أبا طلحة قرأ سورة براءة، فأتى على هذه الآية: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41] فقال: أي بَني .. جهزوني (أي بعدة الحرب) فقال له بنوه: يرحمك الله .. فقد غزوت مع النبي حتى مات، فنحن نغزو
عنك، قال: لا، جهزوني، فغدا في البحر، فمات في البحر، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها، إلا بعد سبعة أيام، فدفنوه فيها.
قال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو، وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل، فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنني الحرب كثرت السواد، وحفظت المتاع.
هل تحرص على أن يرزقك الله الشهادة؟

بل أنت يا رب
عن حجر بن قيس المدري قال: بتٌّ عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - فسمعته وهو يصلي من الليل يقرأ بهذه الآية: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59)} [الواقعة: 58 - 59] قال: بل أنت يا رب -ثلاثا- ثم قرأ {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)} [الواقعة: 63 - 64] قال: بل أنت يا رب -ثلاثا- ثم قرأ: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)} [الواقعة: 68 - 69] قال: بل أنت يا رب -ثلاثا- ثم قرأَ {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72)} [الواقعة: 71 - 72] قال: بل أنت يا رب -ثلاثا- (1).

سرعة الاستجابة
تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: "إن لنساء قريش لفضلا، وإني -والله- ما رأيت أفضل من نساء الأنصار، ولا أشد تصديقا لكتاب الله، ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وكل ذي قرابته، فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل (المزخرف الذي فيه تصاوير) فاعتجرت به (شدته على رأسها) تصديقا وإيمانا بما أنزل الله في كتابه، فأصبحن وراء رسول الله معتجرات كأن على رءوسهن الغربان" ابن كثير في تفسيره.
أجل، لم ينتظرن يوماً أو يومين أو أكثر حتى يشترين أو يخطن أكسية جديدة تلائم غطاء الرءوس، وتتسع لتضرب على الجيوب، بل أي كساء وجد، وأي لون تيسر، فهو الملائم والموافق، فإن لم يوجد شققن من ثيابهن ومروطهن، وشددنها على رءوسهن، غير مباليات بمظهرهن الذي يبدون به كان على رءوسهن الغربان.
__________
(1) علي بن أبي طالب للصلابي (1/ 68 - 69).
تحريم الخمر في أمريكا
يقدر ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليونا من الدولارات، وأن ما أصدرته من كتب ونشرات يبلغ عشرة بلايين، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن 250 مليون دولار، وقد أعدم في هذه المدة 30 نفسًا وسجن 532335 نفسًا وبلغت الغرامات ستة عشر مليون دولار، وصادرت من الأملاك ما بلغ أربعمائة مليون وأربعة ملايين دولار، ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا غراما بالخمر، وعنادا في تعاطيها حتى اضطرت الحكومة سنة 1933 م إلى إلغاء هذا القانون، وإباحة الخمر إباحة مطلقة (1).
يقول البنا: كان القرآن فيما مضى زينة الصلوات فأصبح اليوم زينة الحفلات، وكان قسطاس العدالة في المحاكم فصار سلوة العابثين في المواسم، وكان واسطة العقد في الخطب والعظات فصار واسطة العقد في الحلي والتميمات، أفلست مُحقا حين قلت: ما رأيت ضائعا أشبه بمحتفظ به من كتاب الله! تناقض عجيب في هذا الموقف منا أمام القرآن: أننا نعظمه ما في ذلك شك .. ونذود عنه، ما في ذلك شك .. ونتقرب به إلى الله، ما في ذلك شك، ولكن يا قوم، أخطأتم طريق التعظيم، وتنكبتم سبيل الذود عنه، وضللتم عن جادة التقرب إلى الله به (2).
القرآن ينادي على الأمة فيقول:
أنا القرآن في آياتي الحل كامن ... فهل فكر المسلمون في تطبيقي؟
كان يحيى بن معاذ يدعو: اللهم لا تجعلنا ممن يدعو إليك بالأبدان ويهرب منك بالقلوب، يا أكرم الأشياء علينا لا تجعلنا أهون الأشياء عندك (3).

الاستماع إلى القرآن
يطلب الرسول - صلى الله عليه وسلم - من ابن مسعود - رضي الله عنه - أن يقرأ عليه شيئا من القرآن، قال: قلت: أقرأ
__________
(1) الإيمان والحياة: 218.
(2) الرسائل: 87.
(3) خير القرون (2/ 322).
عليك وعليك أنزل؟ قال: "إني أشتهي أن أسمعه من غيري" قال: فقرأت سورة النساء حتى إذا بلغت: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا} [النساء: 41] قال لي: "كف- أو أمسك"، فرأيت عينيه تذرفان.

أسلموا بسبب القرآن
ابن الزعيم غاندي: والده هو الزعيم "المهاتما غاندي" الهندوسي، وكان ابنه "هيرالال" يسمع كثيرًا عن الإسلام، وعزم على إشهار إسلامه بعد سماع قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)} [آل عمران: 85] وفي يوم الجمعة ارتدى قميصًا أبيضا، وتوجه إلى الجامع الكبير في مدينة بومباي، وأمام أكثر من عشرين ألف مسلم أعلن إسلامه، وصادف مضايقات كثيرة وقال: "لست بنادم ولا متأسف لاعتناقي الدين الإسلامي الحنيف كما يقولون ويشيعون، والله يعلم أني ما فعلت أكثر من تلبيتي نداء الحق ونداء ضميري، ورضوخي واستسلامي إلى الضالة المنشودة، والحلقة المفقودة التي كانت ضائعة مني، قد وجدتها أمامي أخيرا متمثلة في كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وفي سيرة رسوله، "مجلة الإسلام عدد يوليو 1936م" (1).

بطل العالم في الملاكمة "كاسيوس كلاي" الذي صار محمد علي كلاي:
عام 1960م ولما بلغ العشرين من عمره حصل على لقب بطل العالم في الملاكمة في أقصر مباريات الملاكمة، لم تستغرق سوى ثوان معدودة، وأمام ضجيج المعجبين، وفلاشات آلات التصوير أعلن إسلامه قائلا: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله".
ويقول عن سبب إسلامه: بدأت أعيش مع القرآن، والفاتحة أول سورة حفظتها منه، وبدأت رحلة الإسلام التي هي رحلة طمأنينة، ورحلة إيمان يعيشها صاحبها بتعاليم خالقه. ولم يسلم من الإيذاء، ولكنه كان صابرا، وقال:"إننا لو قمنا بهذه الدعوة سنجد حشودا كبيرة تدخل إلى الإسلام، الذي عندما نقارنه بغيره من الأديان نعرف أنه الدين الهادي إلى القلوب، دين الحق والنقاء" وأخذ كلاي ينتقل من مرحلة اعتناقه للإسلام إلى مرحلة الدعوة إليه بحماس المؤمن وإصرار وعناد من عرف طريق الحق، لقد أخذ يدعو الناس في الأماكن التي
__________
(1) السر الخفي وراء إسلام هؤلاء 1/ 28.
ينتقل إليها، ويقول لهم: "إنه كلما قرأ المسلم القرآن بعمق، وقام بتأدية الشعائر الإسلامية بصدق وعمق، ركب بر الأمان في رحلة الإسلام، وركب قطار الاستقرار والطمأنينة ويبعد عنه خبث الشيطان". جريدة المسلمون في عددها الأول 1985 (1).

إسلام قسيس
القس المصري "فوزي صبحي سمعان" أصبح معلما للدين الإسلامي، سمع هذه الآيات: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)} [المائدة: 116 - 117] ودخل كنيسة الإسماعيلية، ووجد نفسه يسجد سجود المسلمين، وبالفعل أشهر إسلامه وهو يبكي (2).

أستاذ اللاهوت
كان يعمل راعي الكنيسة الإنجيلية وأستاذ العقائد واللاهوت بكلية اللاهوت بأسيوط، حتى عام 1953م، ثم سكرتيرا عاما للإرسالية الألمانية السويسرية بأسوان، ومبشرا بين المسلمين ما بين المحافظات من أسيوط إلى أسوان عام 1955 م.
سمع القرآن مذاعا بالمذياع يقول: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)} [الجن: 1 - 2].
يقول: فأسلمت وغيرت اسمي من "إبراهيم خليل فيلبس" إلى إبراهيم خليل أحمد، وأخذت أدعو للإسلام، ولقد تولت الكنيسة إثارة الجهات المسئولة ضدي، حتى أن وزارتي الأوقاف والداخلية طلبتا مني أن أكف عن الحديث عن الإسلام وإلا تعرضت لتطبيق قانون الوحدة الوطنية، متهما بالشغب وإثارة الفتن، فقررت الهجرة إلى السعودية.
لا تعلم كم شعرت براحة نفسية عميقة وأنا أقرأ القرآن الكريم فأقف طويلا عند الآية
__________
(1) السر الخفي وراء إسلام هؤلاء (1/ 45).
(2) المصدر نفسه (1/ 168)، مجلة الفيصل: أكتوبر 1992.
الكريمة {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21] (1).

خمسة قساوسة
أشهر خمسة قساوسة إسلامهم بعد مناظرة استمرت ثلاثة أيام بينهم وبين جماعة من الدعاة المسلمين، وقد أشهروا إسلامهم في بور سودان، ومن الطريف أيضا أن أحد عشر قسيسا بالسودان قد أشهروا إسلامهم في الوقت الذي كانوا يقومون فيه بمحاولات التنصير (2).

إسلام البحار
أحد البحارة، كان يساعده في عمله بحار مسلم من اليمن، وأفنيا زهرة شبابهما في لجج البحار، وفي أثناء تلك الفترة كثيرا ما كان يرى هذا المسلم مداوما على صلاته وعبادته، وكان هو يسخر منه أحيانا، ويلمزه أحيانا أخرى .. ولكن المسلم استمر في عمله وعلاقته بربه، غير عابئ به، ما دام لم يحاول منعه من أداء فرائض دينه، وتمر الأيام وتشاء إرادة الله أن يكتنف الموج هذه السفينة الصغيرة، وتحتويها لججه العاتية، فيتيقن البحار ومن معه بالهلاك، ويلجأ إلى مساعده البحار المسلم بتضرع وخنوع ليصلي لله ركعات وقت الشدة، لأنه طالما كان معه في الرخاء، لعل الله ينقذهم مما هم فيه من البلاء، ويتجه البحار المسلم إلى ربه متضرعا أن ينقذهم مستعينا بآية طالما رددها في المواقف المماثلة مستشهدا بقوله تعالى {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)} [النور: 40] وتشاء الأقدار فيتبدد الخطر بسكون البحر وهدوء أمواجه، وتنقشع الظلمات، ويلتفت هذا البحار إلى مساعده البحار المسلم ليبدأ معه حوار ظن مستوضحا عن نظر الإسلام في مثل هذه الظاهرة، فشرح له مدلول الآية، فوقف البحار واجما، وقال: هل كان محمد بحارا؟ قال مساعده: لا، قال: هل ركب البحر في حياته؟ قال: لا، قال: وكيف يأتي بمثل ذلك المشهد الذي لم أره متجليا في حياتي العامرة بخوض البحار إلا هذا اليوم الذي لم أجد القرآن يتحدث عنه من واقع المشاهدة؟ قال: هذا من أسرار عظمة الإسلام، وعالمية القرآن، وكان هذا المشهد مدخلا مباشرا لاعتناق هذا البحار الإسلام عن قناعة وفهم.
__________
(1) مجلة الدعوة: أكتوبر 1976، السر الخفي وراء إسلام هؤلاء (1/ 172).
(2) صحيفة الرأي العام 25/ 12/ 1988، السر الخفي وراء إسلام هؤلاء (1/ 231).
ومن هنا يتحدد دور الفرد المسلم، بأن يجعل من نفسه القدوة، وأن يستشعر المسئولية، فيكون مثاليا أولا بالقدوة والعمل في التطبيق والمنهج (1).

في ظلال القرآن
يقول سيد قطب: الحياة في ظلال القرآن نعمة، نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه.
والحمد لله .. لقد منَّ الله عليَّ بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي، ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه.
لقد عشت أسمع الله سبحانه يتحدث إليَّ بهذا القرآن .. أنا العبد القليل الصغير .. أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجميل؟! أي رفقة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟! أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟!
وعشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة، أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال، كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولثغة الأطفال، وأعجب .. ما بال هؤلاء الناس؟ ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟
وعشت في ظلال القرآن أحس التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله، وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله .. ثم أنظر .. فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تملي عليها وبين فطرتها التي فطرها الله عليها، وأقول في نفسي: أي شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم؟! يا حسرة على العباد! (2).

خيبة أهل الكتاب
حكى أن ملكا كتب إلى بعض عماله في البلدان أني قادم عليكم فاعملوا كذا وكذا،
__________
(1) السر الخفي وراه إسلام هؤلاء (2/ 122، 123).
(2) في ظلال القرآن: 11.
فعملوا إلا واحدًا منهم، فإنه قعد يتفكر في الكتاب فيقول: أترى كتبه بمداد أو بحبر؟ أترى كتبه قائما أو قاعدا؟ فما زال يتفكر حتى قدم الملك ولم يعمل ما أمره به شيئا، فأحسن جوائز الكل وقتل هذا.

هجر القران أنواع
أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه.
والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به.
والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه واعتقاد أنه لا يفيد اليقين وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم.
والرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب، وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به، وكل هذا داخل في قوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا} [الفرقان: 30] وإن كان بعض الهجر أهون من بعض.

وقفات
خرج عمر يعس بالمدينة ذات ليلة، فمر بدار رجلٍ من المسلمين، فوافقه قائما يصلي، فوقع يستمع قراءته فقرأ "والطور" حتى بلغ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (Cool} [الطور: 7 - 8] قال: قسم ورب الكعبة حق، فنزل عن حماره واستند إلى حائط، فمكث مليًا، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهرا يعوده الناس لا يدرون ما مرضه - رضي الله عنه -.
عمر - رضي الله عنه - سمع السورة قبل ذلك، وقرأها وصلى بها، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بها المغرب، وعمر يعلم، ويتأسى، ولكنها في تلك الليلة صادفت منه قلبا مكشوفا وحسا مفتوحا، فنفذت إليه وفعلت به هذا الذي فعلت، حين وصلت إليه بثقلها وعنفها وحقيقتها اللدنية المباشرة، التي تصل إلى القلوب في لحظات خاصة، فتتخللها وتتعمقها، في لمسة مباشرة كهذه اللمسة، تلقى فيها القلب الآية من مصدرها الأولى كما تلقاها قلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطاقها لأنه تهيأ لتلقيها، فأما غيره فيقع لهم شيء مما وقع لعمر - رضي الله عنه - حين تنفذ إليهم بقوة حقيقتها الأولى (1).
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (6/ 3394).
يقول سيد قطب: كنا على ظهر الباخرة في عرض الأطلنطي وطريقنا إلى نيويورك، حينما أقمنا صلاة الجمعة على ظهر المركب .. ستة من الركاب المسلمين من بلاد عربية مختلفة وكثير من عمال المركب أهل النوبة، وألقيت خطبة الجمعة متضمنة آيات من القرآن في ثناياها، وسائر ركاب السفينة من جنسيات شتى متحلقون يشاهدون.
وبعد انتهاء الصلاة جاءت إلينا -من بين من جاء لنا عن تأثره العميق بالصلاة الإسلامية- سيدة يوغوسلافية فارَّة من الشيوعية إلى الولايات المتحدة، جاءت وفي عينيها دموع لا تكاد تمسك بها وفي صوتها رعشة، وقالت لنا في إنجليزية ضعيفة: أنا لا أملك نفسي من الإعجاب البالغ بالخشوع البادي في صلاتكم .. ولكن ليس هذا ما جئت من أجله .. إنني لا أفهم من لغتكم حرفا واحدا غير أنني أحس أن فيها إيقاعا موسيقيا لم أعهده في أية لغة .. ثم .. إن هناك فقرات مميزة في خطبة الجمعة، وهي أشد إيقاعا ولها سلطان خاص على نفسي (1).

آداب تلاوة القرآن:
1 - تلاوة صفحة على الأقل يوميا.
2 - الوضوء قبل تلاوته.
3 - الاستعاذة بالله من الشيطان قبل تلاوته.
4 - التغني وتحسين الصوت.
5 - محاولة البكاء عند تلاوته.
6 - التطويل في الصلاة بتلاوته.
7 - استقبال القبلة عند تلاوته.
8 - عدم وضع المصحف على الأرض وعدم وضع شيء عليه.
9 - عدم دخول الحمام به.
10 - عدم رفع الصوت به إذا وجد من يصلي أو يذاكر أو أحد مريضا.
11 - البطء وعدم السرعة أثناء التلاوة.
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (2/ 821).
 - الاجتماع على تلاوته.
13 - لا يقرؤه في أقل من ثلاث ليال. قال رسول الله: "من قرأ القرآن في أقل من ثلاث ليال لم يفقهه". [أصحاب السنن والترمذي].
14 - التزام الخشوع عند تلاوته. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اتلوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا" [ابن ماجه].
15 - أن يحسن صوته به. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "زينوا القرآن بأصواتكم" [أحمد].
16 - ترتيل القرآن. قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 4].
17 - ألا يكون عند تلاوته من الغافلين عنه المخالفين له إن قرأ (ألا لعنة الله على الكاذبين) وكان كاذبا فإنه يكون لاعنا لنفسه وجاء في التوراة: (أن الله تعالى يقول: أما تستحي مني يأتيك كتاب من بعض إخوانك، وأنت في الطريق تمشي، فتعدل عن الطريق وتقعد لأجله وتقرؤه وتتدبره حرفا حرفا، حتى لا يفوتك شيء منه، وهذا كتابي أنزلته إليك، انظر كيف فصلت لك فيه من القول، وكم كررت عليك فيه لتتأمل طوله وعرضه ثم أنت معرض عنه، فكنت أهون عليك من بعض إخوانك، يا عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل إليه بكل وجهك، وتصغى إلى حديثه بكل قلبك، فإن تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه، أن كف، وها أنا مقبل عليك ومحدث وأنت معرض بقلبك عني، أفجعلتني أهون عليك من بعض إخوانك؟! ".
18 - الاتصاف بصفات أهل القرآن: يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: ينبغي لقارئ القرآن أن يُعرف بليله إذ الناس نائمون، وبنهاره إذ الناس مفطرون، وببكائه إذ الناس يضحكون، وبورعه إذ الناس يخلطون، وبصمته إذ الناس يخوضون، وبخشوعه إذ الناس يختالون، وبحزنه إذ الناس يفرحون.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التعلق بالمساجد

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الثلاثاء 13 فبراير 2018 - 17:44

التعلق بالمساجد
قال تعالى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 18].
كلما دخل الإسلام بلدًا كان المسجد شعاره وعنوانه، وكان ناديًا للجميع، ومعهدًا للدرس، ومعبدًا للذكر.
وقد حض الإسلام على عمارته، وبيَّن لنا أن ذلك يكون بأمرين: الأول تعمير مادي، وذلك يكون بإقامته، وإضاءته، وتنظيفه، وصيانته.
والثاني: تعمير روحي، وذلك يكون بالتردد عليه للصلاة والذكر ومدارسة العلم.
أما عن التعمير الروحي فيكون ذلك بالصلاة فيه وقراءة القرآن، والذى وتعلم العلم، ومعرفة أحوال المسلمين.
فالمساجد لم تبن للصلاة فقط. بل ليهتم كل مسلم بإخوانه المسلمين يسأل عنهم إذا غابوا، ويرشدهم إذا انحرفوا، ويعاونهم إذا احتاجوا، وبذلك يفوز بالفوز العظيم والأجر الجزيل من الله رب العالمين.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كنت تحبسه وتصلى عليه الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلى فيه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يُحدث فيه" [متفق عليه].
فالصلاة جماعة بالمسجد تزيد في الأجر والفضل على صلاة المسلم في بيته بخمس وعشرين أو سبع وعشرين درجة، وذلك لأنها تغرس فيه حب النظام حيث إنه لا يستطيع أن يصليها قبل وقتها، وتنمي فيه روح الجماعة حيث لا يخاطب ربه إلا بصيغة الجمع {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] وتقيم له الدليل على أن الناس جميعًا سواء في وقوفهم أمام الله رب العالمين.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المسجد بيت كل تقي، وتكفَّل الله لمن كان المسجد بيته بالرَّوح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله، إلى الجنة" [رواه الطبراني].
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
"أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام" [متفق عليه].
وقال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:
"إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زواري عمَّارها، فطوبى لمن تطهر في بيته وزارني في بيتي، وحق على المزور أن يكرم زائره".
قال ابن عباس: إن المساجد بيوت الله في الأرض تضيء لأهلها كما تضيء نجوم السماء لأهلها.
عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط" [مسلم].
ومن مظاهر التعلق بالمسجد الحرص على صلاة الجماعة فقد كان الرسول يحرص على حضور صلاة الجماعة في المسجد حتى وهو في مرض الموت، فعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله؟ قالت: بلى، ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب (الإجانة) قالت: ففعلنا، فاغتسل فذهب لينوء "ليقوم" فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب، قال: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد، ينتظرون النبي لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي إلى أبي بكر، بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر -وكان رجلا رقيقا-: يا
عمر، صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام [البخاري] فانظر -رحمك الله- إلى أي مدى كان رسول الله حريصا على الصلاة؟!
ولما وجد في نفسه خفة خرج إلى المسجد فكيف كانت خفته؟ قالت عائشة: فوجد النبي من نفسه خفة، فخرج يهادي بين رجلين، كأني أنظر رجليه تخطان من الوجع (أي لم يكن يقدر على رفعهما من الأرض).
يقول سيد قطب: "إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب، صلة يستمد منها القلب قوة، وتحس فيها الروح صلة، وتجد فيها النفس زادا أنفس من أعراض الحياة الدنيا، ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وهو الوثيق الصلاة بربه، الموصول الروح بالوحي والإلهام .. وما يزال هذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زادا للطريق، وريًا في الهجير، ومددا حين ينقطع المدد، ورصيدا حين ينفد الرصيد (1).
ونلاحظ محاسبة النفس على التقصير في أداء الصلاة:
عن نافع أن ابن عمر كان إذا فاتته العشاء في جماعة، أحيا بقية ليلته.
وحرص السلف على صلاة الجماعة، قال القواريري: لم تكن تكاد تفوتني صلاة العتمة في جماعة، فنزل بي ضيف فشغلت به، فخرجت أطلب الصلاة في مساجد البصرة، فإذا الناس قد صلوا، فقلت في نفسي: جاء عن النبي: أن "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة" [البخاري]. فانقلبت إلى منزلي فصليت العتمة سبعا وعشرين مرة، ثم رقدت فنمت، فرأيتني كأني مع قوم راكبين أفراسًا، وأنا راكب، ونحن نتجارى وأفراسهم تسبق فرسي، فجعلت أضربه لألحقهم، فالتفت إلي آخرهم، فقال: لا تجهد فرسك، فلست بلاحقنا، قال: فقلت: ولم؟ قال: لأنا صلينا العتمة -يعني العشاء- في جماعة.
وقال حاتم الأصم: فاتتني الصلاة في الجماعة، فعزاني أبو إسحاق البخاري وحده، ولو مات لي ولد لعزاني أكثر من عشرة آلاف، لأن مصيبة الدين أهون عند الناس من مصيبة الدنيا.
__________
(1) فى ظلال القرآن (1/ 69).
وكان الإمام المزني شيخ الشافعية -رحمه الله- إذا فاتته صلاة الجماعة، صلى تلك الصلاة خمسا وعشرين مرة.

يخرجون للصلاة وهم مرضى
عن عبد الله بن مسعود قال: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يتهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف". [مسلم].
وعن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، أنه كان يحمل وهو مريض إلى المسجد.
هل تحرص على صلاة الجماعة مهما كانت الأسباب؟

في أصعب الظروف
كان الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي به وجع الخاصرة، فكان إذا أصابه أقعده عن الحركة، فكان إذا نودي للصلاة يحمل على ظهر رجل، فقيل له: لو خففت على نفسك؟
قال: إذا سمعتم حي على الصلاة ولم تروني في الصف، فاطلبوني في المقبرة (1).
وقال ربيعة بن عبد الرحمن: المروءة في الحضر: الإدمان إلى المساجد، وتلاوة القرآن، وكثرة الإخوان في الله عز وجل.
وفي رواية: أما التي في الحضر: فتلاوة القرآن، ولزوم المساجد، وعفاف الفرج (2).
وقال السخاوي عن مدين بن أحمد المغربي: مكث دهرا إلى حين وفاته لا تفوته التكبيرة الأولى من صلاة الصبح ويمكث في مصلاه وهو على طهارة إلى أن يركع الضحى وربما جلس بعد ذلك.
وكان أبو السعود الكازورني أول الناس دخولا المسجد وآخرهم خروجا، لزم صلاة الجماعة بالمسجد النبوي بحيث لا يفوته فرض إلا لعذر، وكان لا يخرج من المسجد إلا آخر الناس خصوصا بعد صلاة العشاء ويقول: أحب أن أكون آخر الناس
__________
(1) من يظلهم الله (338).
(2) المصدر نفسه (339).
خروجا وأولهم دخولا (1).
وكان القاضي حسين بن محمد بن عبد الوهاب قد ثقل آخر عمره، فكان يخرج لصلاة الجماعة يتهادى بين رجلين حتى يقام في الصف وله من العمر نحو اثنتين وتسعين سنة (2).
وقال ابن الخطيب: بقي الحفار الغرناطي نحوا من عامين أو أزيد يخرج للصلوات الخمس يهادي بين رجلين لشيء كان برجله حتى كان بعض أصحابه يقول: الحفار حجة الله على من لم يحضر الجماعة.
وقال إبراهيم الكينعي: صلى حاتم الحملاني زهاء أربعين سنة إماما، ما ترك صلاة واحدة في جماعة، ولا سجد للسهو في جميع هذه المدة إلا ست مرات، وكان لا يدع البكاء في الصلاة مطلقا، وقبضت روحه وهو يصلي.
وروى ابن سعد، عن عبد الرحمن بن السور بن مخرمة، قال: جاء عمر إلى سعيد بن يربوع، إلى منزله، فعزاه بذهاب بصره، وقال: لا تدع الجمعة ولا الصلاة في مسجد رسول الله، قال: ليس لي قائد، قال: فنحن نبعث إليك بقائد، فبعث إليه بغلام من السبي.
وقال ثابت بن الحجاج: خرج عمر بن الخطاب إلى الصلاة، فاستقبل الناس، فأمر المؤذن فقام وقال: والله لا ننتظر لصلاتنا أحدا، فلما قضى صلاته، أقبل على الناس، ثم قال: ما بال أقوام يتخلفون، يتخلف بتخلفهم آخرون، والله لقد هممت أن أرسل إليهم فيجأ (يضرب) أعناقهم، ثم يقال: اشهدوا الصلاة.

من أحوال السلف
عبد الله بن الزبير بن العوام كان يسمى حمام المسجد .. الربيع بن خثيم كان يقول: إني لآنس بصوت عصفور المسجد من أنسي بزوجتي، وكان -رحمه الله- بعدما سقط شقه يهادي بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحاب عبد الله بن مسعود يقولون: يا أبا يزيد، قد رخص الله لك، لو صليت في بيتك فيقول: إنه كما تقولون، ولكني سمعته
__________
(1) من يظلهم الله (1/ 340، 341).
(2) المصدر نفسه (1/ 342).
ينادي: حي على الفلاح، فمن سمع منكم: حي على الفلاح، فليجبه ولو زحفًا، ولو حبوا.
وعن أبي حيان التيمي عن أبيه: أصاب الربيع الفالج (الشلل) فكان يحمل إلى الصلاة، فقيل له: إنه قد رخص لك، قال: قد علمت، ولكن أسمع النداء بالفلاح.

الحرص على صلاة الفجر
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى العشاء في جماعة، فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة، فكأنما قام الليل كله" [مسلم].
انظر إلى الصحابي الجليل الحارث بن حسان، تزوج في ليلة من الليالي، فحضر صلاة الفجر مع الجماعة. روى الإمام الطبراني عن عنبسة بن الأزهر قال: تزوج الحارث ابن حسان وكان له صحبة، فقيل له: أتخرج وإنما بنيت بأهلك في هذه الليلة؟ فقال: والله إن امرأة تمنعني من صلاة الغداة في جمع لامرأة سوء.
وعن هشيم عن أبيه قال: فقد عمر رجلا في صلاة الصبح، فأرسل إليه فجاء، فقال: أين كنت؟ فقال: كنت مريضا، ولولا أن رسولك أتاني لما خرجت، فقال عمر: فإن كنت خارجا إلى أحد، فأخرج للصلاة.
وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يمر في الطريق مناديا: الصلاة الصلاة -يوقظ الناس لصلاة الفجر- وكان - رضي الله عنه - يفعل ذلك كل يوم.
وروى ابن سعد عن الحسن يحدث عن خروج عليّ في اليوم الذي طعن فيه من بيته، حيث يقول: فلما خرج من الباب نادى: أيها الناس الصلاة الصلاة، كذلك يفعل في كل يوم، ومعه درته يوقظ الناس (1).
وقال علي بن بكار: مذ أربعين سنة ما أحزنني إلا طلوع الفجر، لو قمت في السحر لرأيت طريق العباد قد غص بالزحام، لو وردت ماء مدين، وجدت عليه أمة من الناس يسقون.
وقال أبو الزناد: كنت أخرج من السحر إلى مسجد النبي فلا أمر ببيت إلا وفيه قارئ.
__________
(1) من يظلهم الله 332.
فأما اليوم فنشكو إلى الله أحوال المسلمين؛ فلا تكاد تمر ببيت في صلاة الفجر إلا وتسمع غطيط أهله بالنوم بعد سهر الليل على مسلسلات الحب والغرام وكلمات الفحش والإجرام، ليل صاخب ووجه شاحب وابتعاد عن الهدي الأول، نعم، فإلى وقت قريب لم يكن ليل المسلمين هكذا، بل كان ليل الآباء والأمهات والأجداد والجدات، ليل الصالحين والصالحات، ليل الراكعين والراكعات، ليل الساجدين والساجدات، ليل التائبين، ليل المستغفرين، فما الذي دهانا؟ ما الذي دهانا معشر البنين والبنات؟! سيئات وشهوات، وقنوات ومسلسلات (1).
وكان الصالحون من هذه الأمة حريصين على بدء القتال دائما بعد صلاة الصبح، وليس قبلها، حتى لا تضيع عليهم الصلاة، لأن وقتها قصير، وحتى يحصلوا على بركة الساعات الأولى من النهار، وحتى يبتهلوا إلى الله في صلاتهم أن ينصرهم على أعدائهم.
خالد بن الوليد - رضي الله عنه - لم يكن يبدأ قتاله إلا بعد صلاة الصبح.
ويوسف بن تاشفين -رحمه الله- زعيم دولة الرابطين، وقائد من أعظم قادة المسلمين، لم يخض موقعة الزلاقة المشهورة إلا بعد أن صلى الفجر بجيش المسلمين، ثم بدأ القتال.
وقطز -رحمه الله- بدأ القتال في موقعة عين جالوت المشهورة ضد التتار بعد صلاة الصبح مباشرة (2).

أنس يبكي
أنس بن مالك - رضي الله عنه - كان يبكي كلما تذكر فتح "تستر".
و"تستر" كانت مدينة فارسية حصينة حاصرها المسلمون سنة ونصفًا بالكامل، ثم سقطت المدينة في أيدي المسلمين، وتحقق لهم فتح مبين، وهو من أصعب الفتوح التي خاضها المسلمون ..
فإذا كان الوضع بهذه الصورة الجميلة المشرقة فلماذا يبكي أنس بن مالك - رضي الله عنه - عندما يتذكر موقعة تستر؟
__________
(1) روائع الأسحار 29.
(2) كيف تحافظ على صلاة الفجر؟ ص 80.
لقد فتح باب حصن تستر قبيل ساعات الفجر بقليل، وانهمرت الجيوش الإسلامية داخل الحصن، ودار لقاء رهيب بين ثلاثين ألف مسلم، ومائة وخمسين ألف فارسي، وكان قتالا في منتهى الضراوة، وكانت كل لحظة في هذا القتال تحمل الموت، وتحمل الخطر على الجيش المسلم.
موقف في منتهى الصعوبة .. وأزمة من أخطر الأزمات.
ولكن في النهاية -بفضل الله- كتب الله النصر للمؤمنين .. وانتصروا على عدوهم انتصارا باهرا، وكان هذا الانتصار بعد لحظات من شروق الشمس، واكتشف المسلمون أن صلاة الصبح قد ضاعت، في ذلك اليوم الرهيب لم يستطع المسلمون في داخل هذه الأزمة الطاحنة والسيوف على رقابهم أن يصلوا الصبح في ميعاده، ويبكي أنس بن مالك - رضي الله عنه - لضياع صلاة الصبح مرة واحدة في حياته، ويقول أنس: وما تستر؟ لقد ضاعت مني صلاة الصبح، وما وددت أن لي الدنيا جميعا بهذه الصلاة (1).

فضيلة الوقت بعد الفجر
ثبت لهذا الوقت من الفضيلة والخصوصية ما يوجب على المسلم في عمارته بالطاعة: فقد أقسم الله به في قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 18] وأرشد العباد إلى التسبيح فيه بقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] وقوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39].
قال ابن القيم: ومن المكروه عندهم النوم بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، فإنه وقت غنيمة، وللسير (أي العبادة والتوجه إلى الله) في ذلك الوقت عند السالكين مزية عظيمة، حتى لو ساروا طول ليلهم لم يسمحوا بالقعود عن السير ذلك الوقت، حتى تطلع الشمس، فإنه أول النهار ومفتاحه، ووقت نزول الأرزاق وحصول القسم وحلول البركة، ومنه ينشأ النهار، وينسحب حكم جميعه (أي النهار) على حكم تلك الحصة، فينبغي أن يكون نومها كنوم المضطر.
__________
(1) كيف تحافظ على صلاة الفجر؟ 81، 82.
نماذج رائعة
تقول أم الشهيد يحيي عياش يوم استشهاده: ما ترك صلاة الفجر في المسجد يوما واحدا منذ عشرين سنة.
وها هو الشيخ المجاهد القعيد أحمد ياسين يرزقه الله الشهادة -التي طالما تمناها ودعا الله بها- بعد صلاة الفجر لتكون هي آخر عمل له في الدنيا.
روى الإمام مالك في موطئه أن عمر بن الخطاب فقد سليمان بن أبي حثمة -رحمه الله- في صلاة الصبح في يوم من الأيام (يوما واحدا) وأن عمر بن الخطاب غدا إلى السوق- ومسكن سليمان بين السوق -والمسجد النبوي- فمر على الشفَّاء أم سليمان رضي الله عنها فقال لها: لم أر سليمان في الصبح.
فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه (لم يكن يشاهد التليفزيون).
فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إليّ من أن أقوم ليلة.
لقد كانت بيعة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ليكون أميرا للمؤمنين بعد الصديق في صلاة الفجر في المسجد النبوي .. فقد توفي الصديق - رضي الله عنه - مساء ودفن مساء، وفي صلاة الفجر من اليوم التالي بويع عمر بن الخطاب بالخلافة.
وهذا يعني أن كبار رجال الدولة والأمراء والوزراء وأهل الحل والعقد ومن بيده الأمر كل هؤلاء كانوا يصلون الفجر في جماعة، ويأخذون قرارات مصيرية جدا في صلاة الفجر (1).
هل تحافظ على أداء صلاة الفجر يوميا في جماعة؟

الحرص على تكبيرة الإحرام
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى لله أربعين يوما في جماعة، يدرك التكبيرة الأولى، كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق" [الترمذي].
ويقول عدي بن حاتم: ما جاء وقت صلاة قط إلا وقد أخذت لها أهبتها، وما جاءت
__________
(1) كيف تحافظ على صلاة الفجر؟ ص 79.
إلا وأنا إليها بالأشواق (1).
ويقول سعيد بن المسيب: ما فاتتني الصلاة في جماعة، وقال: ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين، وما نظرت في قفا رجل في الصلاة منذ خمسين سنة.
وكان يحيى بن القطان إذا ذكر الأعمش قال: كان من النساك، وكان محافظا على الصلاة في الجماعة، وعلى الصف الأول، قال يحيي: وهو علامة الإسلام، وكان يحيى يلتمس الحائط حتى يقوم في الصف الأول.
مفتي الحرم شيخ الإسلام أبو محمد عطاء بن أبي رباح قال عنه ابن جريج: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة.
قال أبو مسهر حدثنا عبد الرحمن بن عامر: سمعت ربيعة بن يزيد يقول: ما أذن المؤذن لصلاة الظهر منذ أربعين سنة إلا وأنا في المسجد، إلا أن أكون مريضا أو مسافرا.
وقال زياد بن أيوب: حدثنا أبو بكر قال: كان عاصم بن أبي النجود إذا صلى ينتصب كأنه عود، وكان يكون يوم الجمعة في المسجد إلى العصر، وكان عابدا خيرا، يصلي أبدا، ربما أتى حاجة، فإذا رأى مسجدا قال: مل بنا فإن حاجتنا لا تفوق، ثم يدخل فيصلي (2).
وعن عثمان بن حكيم؟ سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد (3).
وكان السلف إذا فاتتهم تكبيرة الإحرام عزوا أنفسهم ثلاثة أيام، وإذا فاتتهم الجماعة عزوا أنفسهم سبعة أيام.
وكان منهم من يبكي عندما تفوته تكبيرة الأحرام مع الجماعة، ومنهم الذي يمرض إذا فاتته الصلاة مع الجماعة.
ومنهم القائل وقد قارب التسعين: "لم أصل الفريضة منفردا إلا مرتين، وكأني لم أصلهما".
قال وكيع بن الجراح عن الإمام العظيم سليمان بن مهران (الأعمش): كان
__________
(1) حياة الصحابة (3/ 97).
(2) من يظلهم الله (1/ 334).
(3) المصدر نفسه (1/ 320).
الأعمش قريبا من السبعين لم تفته التكبيرة الأولى.
ولله در إبراهيم التيمي حيث يقول: إذا رأيت الرجل يتهاون في التكبيرة الأولى، فاغسل يدك منه.
ولله در القائل:
لا يصنع الأبطال إلا ... في مساجدنا الفساح
في روضة القرآن في ... ظل الأحاديث الصحاح
شعب بغير عقيدة ... ورق يذريه الرياح
من خان "حي على الصلاة" ... يخون "حي على الفلاح"
يا ابن آدم، إذا هانت عليك صلاتك فأي شيء يعز عليك في دينك؟ (1).
قال أسيد بن جعفر: بشر بن منصور ما فاتته التكبيرة الأولى قط.
قال الحاكم عن أبي العباس محمد بن يعقوب الأصم: بلغني أنه أذن سبعين سنة في مسجده (2).
يروي مصعب بن عبد الله أن عامر بن عبد الله بن الزبير سمع المؤذن ينادي بالصلاة وهو يحتضر وينازع الموت -وكان منزله قريبا من المسجد- فقال لمن عنده: خذوا بيدي إلى المسجد.
فقيل له: إنك عليل.
فقال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟ فأخذوا بيده فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعة ثم مات وهو في الصلاة.
يقول وكيع بن الجراح: من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها لم يكن قد وقرها، ومن تهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يدك منه.
ومن الأمثلة العملية على هذا التبكير ما روي عن برد مولى سعيد بن المسيب قال: ما نودي بالصلاة منذ أربعين سنة إلا وسعيد في المسجد.
__________
(1) من يظلهم الله (1/ 324، 325).
(2) المصدر نفسه (1/ 336، 337).
يقول سفيان بن عيينة: إن من توقير الصلاة أن تأتي قبل الإقامة.
بداية بالوضوء: كان عطاء السليمي إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدا، فقيل له في ذلك، فقال: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم، إني أريد أن أقوم بين يدي الله تعالى.
كان علي بن الحسين إذا توضأ يصفر فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتادك على الوضوء؟ فيقول: تدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟!

حالك في الصلاة
شيخ الإسلام الرباني أبو المعتمر سليمان بن طرخان التيمي قال عنه معمر مؤذنه: صلى إلى جنبي سليمان التيمي بعد العشاء الآخرة، وسمعته يقرأ: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1] قال: فلما أتى على هذه الآية {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27] جعل يرددها حتى خف أهل المسجد فانصرفوا، قال: فخرجت وتركته، قال: وعدت لأذان الفجر، فنظرت فإذا هو في مقامه، قال: فسمعت، فإذا هو فيها لم يجزها وهو يقول: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الملك: 27].
قال ابن وهب: رأيت سفيان الثوري في الحرم بعد المغرب صلى، ثم سجد سجدة، فلم يرفع حتى نودي بالعشاء.
وقال علي بن الفضيل: رأيت الثوري ساجدا، فطفت سبعة أشواط قبل أن يرفع رأسه (1).
...
__________
(1) من يظلهم الله (1/ 335).


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الورع

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 4:07

الورع
الورع نوعان: مندوب، وهو ترك الشبهات، وواجب وهو ترك المحرمات.
يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]. الورع ينظف القلب من نجاسته كما يطهر الماء دنس الثوب ونجاسته.
وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - الورع في كلمة واحدة: "من حسن إسلام الرء تركه ما لا يعنيه" [ابن ماجه].
فهذا يعم الترك لما لا يعني من الكلام والنظر والاستماع والبطش والمشي والفكر وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه الكلمة كافية شافية في الورع.
قال أبو سليمان الداراني: الورع أول الزهد كما أن القناعة أول الرضا.
قال يحيى بن معاذ: الورع على وجهين: ورع في الظاهر وورع في الباطن؛ فورع الظاهر: ألا لا يتحرك إلا لله، وورع الباطن هو ألا تدخل قلبك سواه.
المرء إن كان عاقلا ورعا ... أشغله عن عيوب غيره ورعه
كما العليل السقيم أشغله ... عن وجع الناس كلهم وجعه (1)

وإليك قصصًا في ورع الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعين والصالحين، نسأل الله أن يرزقنا الورع.
ورع الرسول
عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - مرَّ بتمرة في الطريق، فقال:" لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها" [رواه البخاري].
ماذا لو علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن هناك أناسا من أمته يأكلون أموال اليتامى ظلما،
__________
(1) ديوان الشافعي: 90.
ويأخذون حقوق العاملين بغير وجه حق، وينهبون أموال الشعوب المستضعفة؟ قال تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15].

سبحان الله!
عن صفية بنت حيي -رضي الله عنها- قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - معتكفا فأتيته أزوره ليلا فحدثته ثم قمت فقام معي ليقلبني (يصحبني إلى منزلي) -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد- فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي - صلى الله عليه وسلم - أسرعا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "على رسلكما (التأني والتمهل) إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرا -أو قال شيئا-" [رواه مسلم].
أراد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يوضح لهما حقيقة الأمر، لأنه يعلم أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ولذلك لا يصح لمسلم أن يسير مع فتاة في الطريق العام بحجة أنها خطيبته، فلا تجوز الخلوة بالأجنبية، وهي ما زالت أجنبية عنك لأن الخطبة وعد غير ملزم.

الحرام حرام
بعد مقتل عمرو بن ود بعث المشركون إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال: "ادفعوا إليهم جيفته، فإنه خبيث الجيفة، خبيث الدية"، فلم يقبل منهم شيئا، وقد حدث هذا والمسلمون في ضنك من العيش، ومع ذلك فالحلال حلال والحرام حرام، إنها مقاييس الإسلام في الحلال والحرام، فأين هذا من بعض المسلمين الذين يحاولون إيجاد المبررات لأكل الربا وما شابهه؟! (1).

أبو بكر الصديق
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان لأبي بكر - رضي الله عنه - غلام يخرج له الخراج، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: ما هو؟ فقال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني لذلك هذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" الخراج:
__________
(1) علي بن أبي طالب للصلابي (1/ 120).
شيء يجعله السيد على عبده يؤديه يوميا في كسبه يكون لعبده. وهكذا كان أبو بكر يخاف من حساب ربه يوم القيامة.

ورع وخوف
روى أبو نعيم في الحلية: أن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - كانت له امرأتان فإذا كان يوم إحداهما لم يتوضأ من بيت الأخرى، ثم توفيتا في السقم الذي أصابهما بالشام فدفنتا في حفرة فأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر خوفا من ربه.
إنه يخاف من حساب ربه، فكان ورعا في دفنهما، والمسلم يجب عليه العدل بين الزوجتين في كل شيء من باب الورع.
قال الحسن البصري: أدركنا أقواما كانوا يتركون سبعين بابا من الحلال خشية الوقوع في الحرام.

نموذج فريد
استعمل عمرو بن سلمة على أصبهان فقدم ومعه ماله وزقاق فيها عسل وسمن، فأرسلت أم كلثوم بنت علي إلى عمرو تطلب منه سمنا وعسلا، فأرسل إليها ظرف عسل وظرف سمن، فلما كان الغد خرج علي وأحضر المال والعسل والسمن ليقسم، فعد الزقاق فنقصت زقين، فسأله عنهما، فكتمه وقال: نحن نحضرهما، فعزم عليه إلا ذكرها له، فأخبره، فأرسل إلى أم كلثوم فأخذ الزقين منها فرآهما قد نقصا فأمر التجار بتقويم ما نقص منهما، فكان ثلاثة دراهم، فأرسل إليها فأخذها منها ثم قسم الجميع (1).

إنما هاجر به أبوه
عن نافع أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان قد فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف وفرض لابنه ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين فلم نقصته؟
فقال: "إنما هاجر به أبوه، يقول: ليس كمن هاجر بنفسه" [رواه البخاري].
وهذا من ورع عمر بن الخطاب حتى مع أبنائه، وإنه لمثال لكل مسئول في بلاد
__________
(1) علي بن أبي طالب للصلابي (1/ 280).
المسلمين صغيرا كان أو كبيرا أن يتورع ويتعفف عن أموال الناس، ولا يحابي أهله.

من أين لك هذا؟
روى مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم، قال: شرب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لبنًا فأعجبه فسأل الذي سقاه: من أين لك هذا اللبن؟ فأخبره أنه ورد على ماء فإذا نعم من نعم الصدقة .. وهم يسقون فحلبوا لنا من ألبانها فجعلته في سقائي هذا. فأدخل عمر إصبعه فاستقاءه.
ويقول المسور بن مخرمة: كنا نلزم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - نتعلم منه الورع.

محاسبة الأهل أولاً
كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شديدا في محاسبة نفسه وأهله، وكان إذا نهى الناس عن شيء تقدم إلى أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم كما ينظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني -والله- لا أوتى برجل وقع فيما نهيت الناس عنه إلا أضعفت له العذاب، لمكانه مني، فمن شاء منكم أن يتقدم، ومن شاء منكم أن يتأخر.
وقد منع عمر أهله من الاستفادة من المرافق العامة التي رصدتها الدولة لفئة من الناس، خوفا من أن يحابى أهله به، قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: اشتريت إبلا أنجعتها الحمى (أدخلتها أرضا مخصصة لرعاية الإبل) فلما سمنت قدمت بها، قال: فدخل عمر السوق فرأى إبلا سمانا، فقال: لمن هذه الإبل؟ فقيل: لعبد الله بن عمر، قال: فجعل يقول: يا عبد الله بن عمر بخ بخ! ابن أمير المؤمنين قال: ما هذه الإبل؟ قال: قلت: إبل اشتريتها وبعثت بها إلى الحمى أبتغي ما يبتغي المسلمون، قال: فقال: فيقولون: ارعوا إبل ابن أمير المؤمنين، اسقوا إبل ابن أمير المؤمنين، يا عبد الله بن عمر اغد إلى رأس مالك، واجعل باقيه في بيت مال المسلمين.
حتى لا يقال إن عمر قام بمحاباة ابنه على غيره، وحتى لا تقدم له مميزات لم تقدم لباقي الرعية.

خذه يا معيقيب
قال معيقيب: أرسل إليَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع الظهيرة، فإذا هو في بيت يطالب
ابنه عاصم! فقال لي: أتدري ما صنع؟ إنه انطلق إلى العراق فأخبرهم أنه ابن أمير المؤمنين فانتفقهم (سالهم النفقة) فأعطوه آنية وفضة ومتاعا، وسيفا محلى، فقال عاصم: ما فعلت، إنما قدمت على أناس من قومي، فأعطوني هذا، فقال عمر: خذه يا معيقيب فاجعله في بيت المال.
فهذا مثل في التحري في المال الذي يكتسبه الإنسان عن طريق جاهه ومنصبه بدون جهد.

ميزان رباني
قدم على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مسك وعنبر من البحرين، فقال عمر: والله لوددت أني وجدت امرأة تحسن الوزن تزن لي هذا الطيب حتى أقسمه بين المسلمين، فقالت له امرأته عاتكة بنت زيد: أنا جيدة الوزن فهلم أزن لك، قال: لا، قالت: لم؟ قال: إني أخشى أن تأخذيه فتجعليه هكذا -وأدخل أصابعه في صدغيه- وتمسحي به عنقك، فأصيب فضلا على المسلمين.
فهذا من احتياطه البالغ لأمر دينه وخوفه من أن تمسح زوجته عنقها منه فيكون قد أصاب شيئا من مال المسلمين. بينما لا يتذكر هذه الملاحظات بعض أصحاب المناصب الآن.

خوف من الشبهات
قال معدان بن أبي طلحة اليعمري: إنه قدم على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بقطائف وطعام، فأمر به فقسم، ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لن أستاثر عليهم إلا أن أضع يدي في طعامهم، وقد خفت أن تجعله نارا في بطن عمر، قال معدان: ثم لم أبرح حتى رأيته اتخذ صفحة (إناء) من خالص ماله فجعلها بينه وبين جفان العامة.
أمير الؤمنين عمر يرغب في أن يأكل مع عامة المسلمين لما في ذلك من المصالح الاجتماعية، ولكنه يتحرج أن يأكل من طعام صنع من مال السلمين العام، فيأمر بإحضار طعام خاص له من خالص ماله، وهذا مثال في العفة والورع إذ إن الأكل من مال المسلمين العام معهم ليس فيه شبهة تحريم لأنه منهم ولكنه قد أعف نفسه عن ذلك ابتغاء ما عند الله تعالى، ولشدة خوفه من الله تعالى خشي أن يكون ذلك من الشبهات فحمى نفسه منه.
من غشنا فليس منا
يحكى أن أحد الصالحين كان يوصي عماله في المحل أن يكشف للناس عن عيوب بضاعته إن وجدت، وكلما جاء مشتر أطلعه على العيب.
فجاء ذات يوم يهودي فاشترى ثوبًا معيبًا، ولم يكن صاحب المحل موجودًا فقال العامل: هذا يهودي لا يهمنا أن نطلعه على حقيقة الثوب، ثم حضر صاحب المحل فسأله عن الثوب فقال: بعته ليهودي. فسأله: هل أطلعته على ما فيه من عيوب؟
فقال: لا، فقال: أين هو؟
فقال: سافر مع القافلة. فأخذ الرجل المال معه ثم تبع القافلة وأدركها بعد ثلاثة أيام فقال: يا هذا اشتريت ثوب كذا وكذا به عيب، فخذ دراهمك؟ وهات ثوبي.
فقال اليهودي: ما حملك على هذا؟
فقال الرجل: الإسلام وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من غشنا فليس منا".
فقال اليهودي: والدراهم التي دفعتها لكم مزيفة، فخذ بدلها ثلاثة آلاف صحيحة وأزيدك أكثر من هذا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.

ويحك تسقيني نارا!
عن عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فكانت له ناقة يحلبها، فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره، فقال: ويحك! من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فخليت لك ناقة من مال الله، فقال: ويحك تسقيني نارا!
فهذا مثل ورع أمير المؤمنين عمر، حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك، ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة الذين يمثلون المسلمين في ذلك الوقت.

بكى الناس إشفاقا
مرض عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يوما فوصفوا له العسل دواء، وكان في بيت المال عسل
جاء من بعض البلاد المفتوحة، فلم يتداو عمر بالعسل كما نصحه الأطباء حتى جمع الناس، وصعد المنبر واستأذن الناس: إن أذنتم لي، وإلا فهو عليَّ حرام، فبكى الناس إشفاقا عليه وأذنوا له جميعا، ومضى بعضهم يقول لبعض: لله درك يا عمر! لقد أتعبت الخلفاء من بعدك.
فلا يجوز لأي مسئول أن يأخذ من أموال المسلمين بغير حق، ولا يستثمرها لصالحه في البنوك ويهرب بها إلى الخارج.

ورع الولاة
حرص العديد من الولاة على أن يعفى من الأعمال الموكلة إليهم فقد استعفى عتبة ابن غزوان عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم- من ولاية البصرة فلم يعفه، كما أن النعمان بن مقرن كان واليا على كسكر فطلب من عمر أن يعفيه من الولاية ويسمح له بالجهاد رغبة في الشهادة، كما رفض بعض الصحابة الولاية حين طلب منهم عمر أن يعملوا في الولايات، فقد رفض الزبير بن العوام ولاية مصر حينما عرض عليه ذلك قائلا: يا أبا عبد الله، هل لك في ولاية مصر؟
فقال: لا حاجة لي فيها ولكن أخرج مجاهدا وللمسلمين معاونا. كما رفض ابن عباس ولاية حمص حينما عرض عليه عمر أن يوليه إياها بعد وفاة أميرها.
المسلم لا يسعى إلى الإمارة على الآخرين، لأنها أمانة هي خزي وندامة يوم القيامة إلا من أخذها بحقها، فإن كنت مسئولا فاتق الله في عملك وكن ورعا.

اجعلها سوقا للمسلمين
بعث عمرو بن العاص إلى الفاروق بقوله: إنا قد اختططنا لك دارا عند المسجد الجامع، فكتب عمر: أنى لرجل بالحجاز تكون له دار بمصر؟! وأمره بأن يجعلها سوقا للمسلمين.
وهذا دليل على كمال ورع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وزهده في مظاهر الدنيا، وإذا كان الكبار لا يترفعون عن أوحال الدنيا ومتاعها الزائل، فإن من دونهم من باب أولى أن يترفعوا عن ذلك.
كان فقيرا فليأكل بالمعروف.
وهكذا على كل مسئول أن يكون أمينا على المال العام، فعليك أخي الحبيب ألا تستعمل الهاتف في مكان عملك إلا بعد أن تدفع ثمن المكالمة للمؤسسة.

لا ترفع صوتك على حديت النبي
عن أنس بن مالك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: يا رسول الله، أنا أعلم لك علمه، فأتاه فوجده جالسا في بيته منكسا رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شرا، كان يرفع صوته فوق صوت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد حبط عمله وهو من أهل النار، فأتى الرجل فأخبره أنه قال: كذا وكذا، فقال موسى بن أنس: فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة فقال: "اذهب إليه فقل له: إنك لست من أهل النار ولكن من أهل الجنة" [رواه البخاري].
إنه من ورع المتقين، إذا ذكر حديث للرسول - صلى الله عليه وسلم - فيجب أن نقول سمعنا وأطعنا، ولا ترتفع أصواتنا على أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

ورع التابعين
كان دخل عمر بن عبد العزيز قبل الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله لله، حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة، ونحن نرى الناس يتولون الحكم فقراء، فيخرجون منه أثرياء أصحاب ثروات طائلة، وأرصدة في البنوك في الداخل والخارج، ولكن عمر بن عبد العزيز كان ثريا من أثرياء بني أمية فإذا به يصبح بعد الحكم والخلافة فقيرا، وهذا هو التورع عن أي شيء فيه شبهة.
إن الذي أفسد الحياة الإسلامية قبل عمر بن عبد العزيز هو نهب الأموال العامة، والطمع فيها، وأن كل إنسان يريد أن يكون لنفسه ثروة، خاصة من أفراد بيت بني أمية، ولكن عمر بن عبد العزيز اعتبر هذه الأموال مظالم ورد هذه المظالم إلى أهلها، فمن عُرف له حق عند أمير من أمراء بني أمية، فمن حقه أن يشكو، ومن حق شكواه أن تُسمع، ومن حق ظلامته أن ترد، وما لم يُعرف له صاحب، فليؤخذ ويوضع في بيت مال المسلمين، وهذه هي سياسة عمر بن عبد العزيز.
كان شديدا على نفسه وعلى أهله، لم يسمح لنفسه أن يشم ريح عنبرة جاءت إلى بيت المال فوضع يده على أنفه، قيل له: يا أمير الؤمنين إنها تشم! قال: وهل لها فائدة إلا الشم؟
وبعث يوما غلامه ليشوي له لحما فجاءه به سريعا فقال: أين شويته؟ قال الغلام: في المطبخ، فقال: في مطبخ المسلمين؟ قال: نعم، فقال عمر: كلها فإني لم أرزقها، هي رزقك!
وسخنوا له الماء في المطبخ العام، فرد بدل ذلك بدرهم حطبا، وكان - صلى الله عليه وسلم - له سراج يكتب عليه حوائجه، وسراج لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين، لا يكتب على ضوئه لنفسه حرفا.
فانظر كيف بلغ تورعه وكيف بلغت عفته، هكذا كان يأخذ نفسه بالشدة.

ورع أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز
عن فاطمة ابنة عبد الملك قالت: اشتهى عمر بن عبد العزيز يومًا عسلاً، فلم يكن عندنا، فوجهنا رجلاً على دابة من دواب البريد إلى بعلبك بدينار، فأتى بعسل، فقلت: إنك ذكرت عسلاً وعندنا عسل، فهل لك فيه.
قالت: فأتيناه به فشرب، ثم قال: من أين لكم هذا العسل؟
قالت: وجهنا رجلاً على دابة من دواب البريد بدينار إلى بعلبك، فاشترى لنا عسلاً.
فأرسل إلى الرجل، فقال: انطلق بهذا العسل إلى السوق فبعه، واردد إلينا رأس مالنا، وانظر إلى الفضل فاجعله في علف دواب البريد، ولو كان ينفع المسلمين قيء لتقيأت.

عمر بن عبد العزيز وعمته
أتت عمة عمر بن عبد العزيز إلى امرأته فاطمة، فقالت: إني أريد كلام أمير المؤمنين.
قالت لها: اجلسي حتى يفرغ.
فجلست، فإذا بغلام قد أتى، فأخذ سراجًا. فقالت لها فاطمة: إن كنت تريدينه فالآن، فإنه إذا كان في حوائج العامة؟ كتب على الشمع، وإذا صار إلى حاجة نفسه؛ دعا بسراجه.
فقامت، فدخلت عليه، فإذا بين يديه أقراص وشيء من ملح، وزيت، وهو يتعشى، فقالت: يا أمير المؤمنين، أتيت بحاجة لي، ثم رأيت أن أبدأ بك قبل حاجتي.
قال: وما ذاك يا عمة؟
قالت: لو اتخذت لك طعامًا ألين من هذا.
قال: ليس عندي يا عمة، ولو كان عندي لفعلت.
قالت: يا أمير المؤمنين كان عمك عبد الملك يجري عليَّ كذا وكذا، ثم كان أخوك الوليد فزادني، ثم وُليت أنت فقطعته عني.
قال: يا عمة، إن عمي عبد الملك، وأخي الوليد، وأخي سليمان كانوا يعطونك من مال المسلمين، وليس ذاك المال لي فأعطيكه، ولكني أعطيك مالي إن شئت.
قالت: وما ذاك، يا أمير المؤمنين؟
قال: عطائي مائتا دينار، فهو لك؟
قالت: وما يبلغ مني عطاؤك؟
قال: فليس أملك غيره يا عمة.
قالت: فانصرفت عنه.

الآن طاب لي أكله
أتت عمر بن عبد العزيز سلتا رطب من الأردن، فقال: ما هذا؟
قالوا: رطب بعث به أمير الأردن. قال: علام جيء به؟
قالوا: على دواب البريد. قال: فما جعلني الله أحق بدواب البريد من المسلمين، أخرجوهما، فبيعوهما، واجعلوا ثمنهما في علف دواب البريد. فغمزني ابن أخيه فقال لي: اذهب، فإذا قامتا على ثمن، فخذهما علي.
قال: فاخرجتا إلى السوق فبلغتا أربعة عشر درهمًا، فأخذتهما، فجئت بهما إلى ابن أخيه، فقال: اذهب بهذه الواحدة إلى أمير المؤمنين. وحبس لنفسه واحد، قال: فأتيته بهما، فقال: ما هذا؟
قلت: اشتراهما فلان ابن أخيك، فبعث إليك بهذه، وحبس لنفسه الأخرى.
قال: الآن طاب لي أكله.

محمد بن واسع
ظل محمد بن واسع الأزدي يجاهد المشركين تحت راية يزيد بن المهلب حتى اقترب
موعد الحج، فلما لم يبق أمامه غير وقت قصير، دخل على يزيد، واستأذنه في الانصراف إلى القيام بالنسك، فقال له يزيد: إذنك بيدك يا أبا عبد الله، فامض متى شئت، وقد أمرنا لك بمبلغ من المال يعينك على حجك، فقال له: وهل ستأمر بمثل هذا المال لكل جندي من جنودك أيها الأمير؟ فقال: لا، قال: لا حاجة لي بشيء أخص به من دون جند المسلمين، ثم ودعه وانصرف.

أقبلت هدية؟!
عبد الملك بن مروان كان حريصا على نزاهة من يعملون في دولته، فقد بلغه ذات يوم أن أحد عماله قبل هدية، فأمر بإحضاره إليه، فلما حضر قال له: أقبلت هدية منذ وليتك؟ قال: يا أمير المؤمنين بلادك عامرة وخراجك موفور، ورعيتك على أفضل حال، قال: أجب عما سألتك، قال: نعم، قد قبلت، فعزله.
لا تقبل هدية ممن له حاجة عندك في مكان العمل بهدف تيسير أموره وتأخير الآخرين.

عطاء بن أبي رباح
يقول عثمان بن عطاء الخراساني: انطلقت مع أبي نريد هشام بن عبد الملك، فكلما غدونا قريبا من دمشق إذا نحن بشيخ على حمار أسود عليه قميص خشن وجبَّة بالية، فضحكت منه، وقلت لأبي: من هذا؟
فقال: اسكت، هذا سيد فقهاء الحجاز عطاء بن أبي رباح، فلما قرب منا نزل أبي عن بغلته، ونزل هو عن حماره، فاعتنقا وتساءلا، ثم عادا فركبا، وانطلقا حتى وقفا على باب قصر هشام بن عبد الملك، فما أن استقر بهما الجلوس حتى أذن لهما، فلما خرج أبي قلت له: حدثني بما كان منكما.
فقال: لما علم هشام أن عطاء بن أبي رباح بالباب بادر فأذن له -ووالله ما دخلت إلا بسببه- فلما رآه هشام قال: مرحبا مرحبا ههنا ههنا، ولا زال يقول له: ههنا ههنا، حتى أجلسه معه على سريره، ومس بركبته ركبته، وكان في المجلس أشراف الناس، وكانوا يتحدثون فسكتوا، ثم أقبل عليه هشام، وقال: ما حاجتك يا أبا محمد؟
قال: يا أمير المؤمنين، أهل الحرمين، أهل الله وجيران رسوله، تقسم عليهم أرزاقهم وأعطياتهم.
فقال: نعم، اكتب لأهل مكة والمدينة بعطاياهم وأرزاقهم لسنة، ثم قال: هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟
فقال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الحجاز وأهل نجد أصل العرب، وقادة الإسلام، ترد فيهم فضول صدقاتهم.
فقال: شم، يا غلام اكتب بأن ترد فيهم فضول صدقاتهم، هل من حاجة غير ذلك يا أبا محمد؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل الثغور (المرابطون) يقفون في وجوه عدوكم، ويقتلون من قصدهم بشر، تجري عليهم أرزاقهم تدرها عليهم، فإنهم إن هلكوا ضاعت الثغور.
فقال: نعم، يا غلام اكتب بحمل أرزاقهم إليهم، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، أهل ذمتكم لا يكلفون ما لا يطيقون فإن ما تجبونه منهم معونة لكم على عدوكم.
فقال: يا غلام اكتب لأهل الذمة بألا يكلفوا ما لا يطيقون، هل من حاجة غيرها يا أبا محمد؟ قال: نعم، اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين، واعلم أنك خلقت وحدك، وتموت وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، ولا والله ما معك ممن ترى أحد، فأكب هشام ينكت في الأرض وهو يبكي، فقام عطاء، فقمت معه، فلما صرنا عند الباب، إذا رجل قد تبعه بكيس لا أدري ما فيه وقال له: إن أمير المؤمنين بعث لك بها، فقال: هيهات {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 109] فوالله إنه دخل على الخليفة وخرج من عنده، ولم يشرب قطرة ماء (1).

ورع الإمام
كتب الخليفة المنصور إلى أبي حنيفة بثلاثين ألف درهم، على دفعات، فحدثت أبا حنيفة نفسه: كيف تأخذ كل هذا المال، وهو من مال المسلمين؟ ففكر أبو حنيفة في حيلة
__________
(1) صور من حياة التابعين (18 - 20).
ليرد هذا المال، فذهب إلى أمير المؤمنين، وشكره على صنيعه ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني ببغداد غريب، وليس عندي موضع أضع فيه هذه الأموال الكثيرة، فأرى أن تجعلها في بيت مال المسلمين، حتى إذا أردتها أخذتها، فأجابه المنصور إلى ذلك.
ومرت الأيام حتى توفي أبو حنيفة، ولم يأخذ من ذلك المال شيئا، فقال أبو جعفر المنصور: خدعنا أبو حنيفة. ثم رد المال إلى بيت المال.
وهكذا يكون المسلم الداعية ورعا في أموال المسلمين.

محمد بن المنكدر
يروي الإمام الغزالي عن محمد بن المنكدر أنه كان له شقق بعضها بخمسة دراهم، وبعضها بعشرة، فباع غلامه في غيبته لأعرابي شقة من الخمسيات بعشرة، فلما عاد ابن المنكدر وعرف، لم يل يطلب ذلك الأعرابي المشتري طول النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة، فقال الأعرابي: يا هذا، قد رضيت، فقال: وإن رضيت، فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث خصال: إما أن تأخذ شقة من العشريات بدراهمك، وإما أن نرد عليك خمسة، وإما أن ترد شقتنا وتأخذ دراهمك. فرد عليه خمسة، وانصرف الأعرابي.

يرفض الذل
اعتقل كمال السنانيري في أكتوبر عام 1954م وأفرج عنه في يناير عام 1973م بعد أن أمضى سجنه في الواحات في وجه الشمس المحرقة، ولهيب هواء الصحراء، وبعد الحكم عليه ضغطوا على زوجته وأمه لعلهما تثنيانه عن عناده، ويكتب سطرين في تأييد عبد الناصر، فأبى بشدة، وقال لأمه التي طلبت منه أن يكتب رسالة استعطاف وشفعت كلامها بدموعها، فاعتذر لها وقال بشموخ الداعية وكان ورعا:"كيف يكون موقفي بين يدي الله إذا أرسلت هذه الرسالة ثم مت"؟.
ومن ورعه أنه خير زوجته بين البقاء زوجة له أو الطلاق، فالتقطت دمعاتها وقالت: أبقي زوجة لك أيها الحبيب. ولكن رجال المباحث ضغطوا على أهلها فأجبروها على الطلاق منه.

الورع عما يستبيحه الكافة
انفرد الأستاذ الهضيبي برتبة عالية في الورع عما تعارف الناس على إباحته من توافه
الأشياء التي تضعها الدوائر الحكومية والمؤسسات التجارية في خدمة موظفيها كالأوراق والأقلام وغيرها من المهملات؛ إذ كان يحرم على نفسه وذويه استعمال شيء منها في شان خاص، وكان يعود من المحكمة -وهو قاض أو محقق- وفي حقيبته أكداس من ورق التسويد الرخيصة ليخطط عليها مشروعات القرارات والأحكام القضائية، فلا يسمح لنفسه قط باستعمال ورقة منها -ولو كانت دون الإصبع- في أمر يخصه أو يخص واحدا من أهله، فإذا رآها واحد من أولاده في غرفته وطلب ورقة منها لبعض حاجته، أنكر عليه أبوه وأعطاه قرشا يشتري به ما يحتاج إليه من الورق، ثم لقنه أمام إخوته الدرس الذي لم ينسوه بأن أوراق الحكومة ملك لها لا يحل لأحد أن يستخدمها في شأن خاص به.
لا تستخدم شيئا خاصا بالعمل في مصلحتك الشخصية حتى الأشياء التافهة مثل الأوراق والأقلام إلا بإذن صاحب المؤسسة.

الإفراج الصحي
في عام 1957م قررت لجنة من خمسة أطباء مسيحيين أن حالة الهضيبي تنذر بالهلاك، وأنها لا تستطيع تحمل المسئولية عن بقائه رهن الاعتقال، فصدر قرار بالإفراج الصحي عنه، نقل على أثره إلى بيته حيث توافرت له أسباب العلاج الذي أزاح الله به شبح الخطر عن حياة المرشد الصديق.
بيد أن الهضيبي -الذي يعي تبعات القيادة تجاه الجنود- ما لبث أن أخذه الجند إلى إخوانه وأبنائه المسجونين، ولم تطب نفسه أن يكون في نظر الطغاة ذلك الواهن الضعيف الذي يتلقف هذه الفرصة لينعم بحياة الدعة متميزا على إخوة له في الجهاد هو أولاهم بأوفر حظ من البلاء.
لذلك ما كاد يتنسم أريج العافية حتى سارع بالكتابة إلى السلطات يبلغها أنه قد عوفي بحمد الله من عارض المرض الذي أوجب عنه الإفراج، وأن باستطاعته العودة إلى السجن لقضاء باقي المدة المحكوم بها عليه.
إنه مثال عال في الورع في التعامل مع الآخرين.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

المسارعة إلى الخيرات

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 4:12

المسارعة إلى الخيرات
حث الإسلام على المسارعة إلى الخيرات فقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
وقال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148].
وحث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على المسارعة إلى الخيرات؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "بادروا بالأعمال الصالحة فستكون فتن كقطع الليل الظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" [رواه مسلم].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"بادروا بالأعمال سبعًا، هل تنتظرون إلا فقرًا مُنسيًا، أو غنى مُطغيًا (يجعل صاحبه يتمادى في فعل المعاصي) أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مُفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر" [رواه الترمذي وقال: حديث حسن].

المسارعة في دخول الجنة
عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت بنصف مالي فقال رسول الله: "ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما أبقيت لأهلك؟ " قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدا.
هل تتسابق مع إخوانك في طاعة الله عز وجل؟

سبقك بها عكاشة
عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -خرج يوما فقال:"عرضت عليَّ الأمم فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه أحد، ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فرجوت أن تكون أمتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر،
فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألف يدخلون الجنة بغير حساب" فتفرق الناس ولم يبين لهم، فتذاكر أصحاب النبي فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك ولكنا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن، فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ قال: "نعم"، فقام رجل آخر فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "سبقك بها عكاشة" [رواه البخاري].
احرص ألا يأتي أحد يوم القيامة أفضل عملا منك، وتذكر الفردوس الأعلى وما أعده الله للصالحين فيه.

سارع
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله"، فبات الناس يدوكون (يخوضون في الحديث) ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه قال:"فأرسلوا إليه" فأتى به فبصق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عينيه ودعا له فبرأ حتى كان لم يكن به وجع فأعطاه الراية حتى قال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فلما أصبح أعطاها الرسول عليا ففتح الله على يديه [رواه مسلم].
وعن ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي:"سلني"، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال - صلى الله عليه وسلم -: "أو غير ذلك؟ " قلت: هو ذاك، قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" مسلم.
إذا سمعت خطبة الجمعة أو أي موعظة اسأل نفسك: ماذا استفدت منها؟
واخرج منها بواجب عملي في حياتك.

مساعدة الفقراء
كانت جماعات كثيرة من أهل المدينة تعيش وهي لا تدري من أين يأتيها رزقها ليلا، فلما مات علي بن الحسين، فقد هؤلاء ما كان يأتيهم من رزق ليلا، فعرفوا مصدره، ولما
وضع زين العابدين على المغتسل نظر غاسلوه، فوجدوا في ظهره آثار السواد، فقالوا: ما هذا؟ فقيل لهم: إنه من آثار حمل أكياس الدقيق إلى مائة بيت في المدينة ففقدت عائلها بفقده.
اجتهد في تقديم مساعدة للفقراء والمساكين ولا تخبر أحدا بهذا، واحتسب أجرك عند الله.

جيل المسارعين إلى الخيرات
قال الحسن: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره.
وقال وهيب بن الورد: إن استطعت ألا يسبقك إلى الله أحد فافعل.
وقال الشيخ شمس الدين محمد بن عثمان التركستاني: ما بلغني عن أحد من الناس أنه تعبد إلا تعبدت نظيرها وزدت عليه.
وكان ابن عمر إذا فاتته صلاة الجماعة صام يوما، وأحيا ليلة، وأعتق رقبة.
وعن فاطمة بنت عبد الملك زوج أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز قالت: ما رأيت أحدا أكثر صلاة ولا صياما منه، وكان يصلي العشاء، ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه، فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه، ولقد كان يكون معي في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة، فينتفض كما ينتفض العصفور من الماء ويجلس يبكي.
وعن أحمد بن حرب قال: يا عجبا لمن يعرف أن الجنة تُزين فوقه، والنار تسعر تحته، كيف ينام بينهما؟
وكان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطا في مسجد بيته يخوف به نفسه.
وكان يقول لنفسه: قومي فوالله لأزحفن بك زحفا حتى يكون الكلل منك لا مني.
وكان يقول: أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا؟ كلا والله لنزاحمنهم عليه زحاما حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالا.
وقال هشيم تلميذ منصور بن زادان: كان لو قيل له: إن ملك الموت على الباب، ما كان عنده زيادة في العمل.
وكان صفوان بن سليم قد تعقدت ساقاه من طول القيام، وبلغ من الاجتهاد ما لو
قيل له: القيامة غدا ما وجد مزيدا، وكان يقول: اللهم إني أحب لقاءك فأحب لقائي.
وعن وكيع قال: كان الأعمش قريبا من سبعين سنة لم تفته التكبيرة الأولى، واختلفت إليه أكثر من ستين سنة، فما رأيته يقضي ركعة.
وعن أبي حيان، عن أبيه قال: كان الربيع بن خثيم يقاد إلى الصلاة وبه الفالج -الشلل- فقيل له: قد رخص لك.
قال: إني أسمع حي على الصلاة، فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبوًا.
وعن عيسى بن عمر قال: كان عمرو بن عتبة بن فرقد يخرج على فرسه ليلا، فيقف على القبور فيقول: يا أهل القبور، قد طويت الصحف، وقد رفعت الأعمال، ثم يبكي، ويصف بين قدميه حتى يصبح، فيرجع، فيشهد صلاة الصبح.
وقيل لكثير بن عبيد الحمصي عن سبب عدم سهوه في الصلاة قط، وقد أم أهل حمص ستين سنة كاملة.
فقال: ما دخلت من باب المسجد قط وفي نفسي غير الله.
هم الرجال وعيب أن يقال ... لمن لم يكن مثلهم رجلُ

ذهب أهل الدثور بالأجور
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: إن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: ذهب أهل الدثور (المال الكثير) بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: "وما ذاك".
قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة"، فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" [رواه البخاري].
مسارعة في طلب العلم ونشره
- ألف الإمام البيهقي ألف جزء كلها تآليف محررة نادرة، وأقام يصوم ثلاثين سنة.
- وبلغ الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي البغدادي -المتوفى سنة 513 هـ الذي يقول فيه الإمام ابن تيمية: إنه من أذكياء العالم- في محافظته على الزمن مبلغا أثمر أكبر كتاب عرف في الدنيا لعالم، هو كتاب الفنون في ثمانمائة مجلد.
- وصنف الحافظ ابن عساكر كتابه "تاريخ دمشق" في ثمانين مجلدة كبيرة.
- وصنف الإمام أبو حاتم الرازي كتابه "المسند" في ألف جزء.
- وهذا الإمام أبو الفرج ابن الجوزي المتوفي سنة 597 هـ قال على المنبر في آخر عمره: كتبت بإصبعي هاتين ألفي مجلدة، وتاب على يدي مائة ألف، وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي، ونصراني، وقال أيضا: ولو قلت إني قد طالعت عشرين ألف مجلد، كان أكثر، وأنا بعد في الطلب.
- فإذا كان قدر ما قرأ وهو في الطلب (عشرين ألف مجلد) واحتسبنا أن صفحات المجلد الواحد في المتوسط (300) صفحة، كان مقدار ما قرأ ستة ملايين صفحة، وإذا كان ما كتب بإصبعه (ألفي) مجلد، كان مقدار ما كتب ستمائة ألف صفحة، هذا ما قرأ ونسخ، فما مقدار ما كتب وصنف؟!
يقول ابن الجوزي: لقد رأيت خلقا كثيرا يجرون معي فيما اعتاده الناس من كثرة الزيارة، ويسمون ذلك التردد خدمة، ويطلبون الجلوس، ويجرون فيه أحاديث الناس، فأعددت أعمالا لا تمنع من المحادثة لأوقات لقائهم لئلا يمضي الزمان فارغا، فجعلت أثناء لقائهم قطع الكاغد وبري الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لابد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي.
- وصنف شيخ الإسلام ابن تيمية ما يربو على أربعمائة مصنف من كنوز العلم، ودقائقه.
- وهذا الطبيب الرائد ابن النفيس صنف كتابا في الطب سماه "الشامل" يقول فيه التاج السبكي: قيل: لو تم لكان ثلاثمائة مجلدة، وتم منه ثمانون مجلدة.
- ويحدث الإمام ابن عقيل عن همته وهو في عشر الثمانين من عمره يقول: إني لا يحل
لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة وبصري عن مطالعة أعملت فكري في حال راحتي، وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجد حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين مما كنت أجده وأنا ابن عشرين.
قال الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقبرة.
سارع في وضع خطة لنفسك للقراءة اليومية، ولا تصرف جزءا من وقتك في غير فائدة.

المسارعة في الجهاد
ظهرت المسارعة إلى الخيرات في موقف الرجل الذي قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: "في الجنة"، فألقى تمرات كن في يده ثم قاتل حتى قتل [رواه البخاري].
وحنظلة الأنصاري - رضي الله عنه - لما سمع صيحة الحرب وهو مع امرأته قام من فوره إلى الجهاد، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن الملائكة تغسله، ثم قال: "سلوا أهله ما شأنه؟ " فسألوا امرأته، فأخبرتهم الخبر.
هكذا نزع حنظلة نفسه من أحضان عروسه ليلة الزفاف لأن الحور تناديه، وهو يعلم جيدا الفارق بين هذه وتلك، وعند إراقة دمه أعلنت الملائكة حالة الطوارئ، فريق يغسله، وفريق يطيبه، وفريق يزفه إلى عروسه الجديدة.

تنافس في الشهادة
عن سليمان بن بلال، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى بدر، أراد سعد بن خيثمة وأبوه معا الخروج معه، فذكر ذلك للنبي فأمر أن يخرج أحدهما، فاستهما، فقال خيثمة ابن الحارث لابنه سعد -رضي الله عنهما- إنه لابد لأحدنا أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنة لآثرتك به، فاستهما فخرج سهم سعد فخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر وقتل.
تحدث مع أبنائك عن فضل الشهادة، وأهمية الدفاع عن المسجد الأقصى.
جهزوني
قال تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] .. قرأ أبو طلحة هذه الآية فقال: ما سمع الله عذر أحد، أي بَني جهزوني جهزوني، فقال بنوه: يرحمك الله! لقد غزوت مع النبي حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نقاتل عنك، قال: لا، جهزوني، فغزا في البحر فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام ولم يتغير جسده، وهذه هي المسارعة إلى تنفيذ أمر الله، والجهاد في سبيل الله.

من يأخده بحقه؟
عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ سيفا يوم أحد فقال: "من يأخذ هذا السيف؟ " فأخذه قوم فجعلوا ينظرون إليه فقال: "من يأخذه بحقه؟ " فأحجم القوم، فقال أبو دجانة سماك بن خرشة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين [رواه أحمد].

المسارعة في رد الفتنة
يذكر المستشار العقيلي أن كامل الشريف والشيخ فرغلي، كانا يمثلان الإخوان في لقاء بمكتب البكباشي عبد الناصر -وكان وقتها وزيرا للداخلية في وزارة محمد نجيب- وقد ضم الاجتماع رجال الانقلاب: عبد الحكيم عامر، وصلاح سالم، وحسين كمال الدين، فأراد ضباط الانقلاب أن يوقعوا بين الشيخ فرغلي، والمرشد العام الهضيبي بذكرهم جهاد الشيخ فرغلي، إلا أنه قطع عليهم الحديث وقال غاضبا: يجب أن تدركوا أن هذا الذي تتحدثون عنه هو زعيمنا وقائد جماعتنا، وإني أعتبر حديثكم هذا إهانة للجماعة كلها ولشخصي بصفة خاصة، وإذا كان هذا أسلوبكم فلن تصلوا إلى شيء.
فكان هذا القول كافيا لإقناعهم أنهم أمام رجل صلب العود، قوي الشكيمة، فانصرفوا بالحديث إلى جهة أخرى (1).
لا تسمح لأحد بإضعاف صلتك بإخوانك، وسارع في الرد على ما يثار من أقوال غرضها خبيث.
...
__________
(1) من أعلام الحركة الإسلامية 505.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

محاسبة النفس

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 4:23

محاسبة النفس
يقول تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47].
وقال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49]
وقال تعالى أيفئا: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة: 6].
وقال سبحانه: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (Cool} [الزلزلة: 6 - 8].
وتال سبحانه: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} [البقرة: 235].
عرف أرباب البصائر من الآيات البينات أن الله تعالى لهم بالمرصاد، وأنهم سيناقشون في الحساب، ويطالبون بمثاقيل الذرِّ من الخطرات واللحظات، وتحققوا أنه لا ينجيهم من هذه الأخطار إلا لزوم المحاسبة، ومطالبة النفس في الأنفاس والحركات، ومحاسبتها في الخطرات واللحظات، فمن حاسب نفسه قبل أن يُحاسب خفَّ في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه.
ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عراص القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته.
وقد أشار القرآن إلى المحاسبة بعد العمل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
ولذلك قال عمر رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.
وكان عمر يضرب قدميه بالدرة إذا جنه الليل ويقول لنفسه: ماذا عملت اليوم؟
وعن ميمون بن مهران أنه قال: لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه، والشريكان يتحاسبان بعد العمل.
وتروي أم المؤمنين عائشة: أن أبا بكر رضي الله عنه قال لها عند الموت: ما أحد أحبَّ إليَّ من عمر، ثم قال لها: كيف قلت؟ فأعادت عليه ما قال فقال: لا أحد أعزَّ عليَّ من عمر.
فانظر كيف نظر بعد الفراغ من الكلمة فتدبر لها وأبدلها بكلمة غيرها.
وقال محمد بن علي الترمذي: اجعل مراقبتك لمن لا تغيب عن نظره إليك، واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه.
وقال الحسن: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.
ثم فسر المحاسبة فقال: المؤمن يفجؤه الشيء يعجبه فيقول: والله إنك لتعجبني وإنك من حاجتي ولكن هيهات، حيل بيني وبينك، وهذا حساب قبل العمل.
ثم قال: ويفرط في الشيء فيرجع إلى نفسه فيقول: ماذا أردت بهذا؟ والله لا أعذر بهذا، والله لا أعود إلى هذا أبدا إن شاء الله، وهذا حساب بعد العمل (1).
ويقول معاذ بن عون الضرير: كنت أكون قريبًا من الجبان -المقابر- فكان يمر بي رياح القيسي بعد المغرب إذا خلت الطريق، فكنت أسمعه وهو يتشنج بالبكاء، وهو يقول: إلى كم يا ليل يا نهار، تحطان من أجلي، وأنا غافل عما يراد بي؟ إنا لله، إنا لله، فهو كذلك حتى يغيب عني وجهه (2).
__________
(1) الإيمان والحياة 225، 226.
(2) خير القرون (2/ 304).
تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمرى في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
في كل يوم يبتديك بنعمة ... منه وأنت لشكر ذاك مضيع (1)

لفتة!
وإليك أخي العاقل هذه اللفتة من ابن القيم يقول فيها: اشغل نفسك فيما يعنيك دون ما لا يعنيك، فالفكر فيما لا يعني باب كل شر، ومن فكر فيما لا يعنيه فاته ما يعنيه، فإياك ثم إياك أن تمكن الشيطان من بيت أفكارك، فإنه يفسدها عليك فسادا يصعب تداركه، ويلقى إليك الوساوس، ويدخل فيما بينك وبين الفكر فيما ينفعك، وأنت تعينه على نفسك بتمكينه من قلبك، فمثالك معه كمثال صاحب (رحى) يطحن بها جيد الحبوب فأتاه شخص معه حمل به تراب، وبعر وغثاء ليطحنه في طاحونك فإن طردته ولم تمكنه من إلقاء ما معه في الطاحون فقد واصلت على طحن ما ينفعك، وإن مكنته من إلقاء ما معه في الطاحون، أفسد عليك ما في الطحين من حب فخرج الطاحون كله فاسدا.
وعن طاوس قال: رأيت علي بن الحسين ساجدا في الحجر فقلت: رجل صالح من أهل بيت طيب، لأسمعن ما يقول: فأصغيت إليه فسمعته يقول: عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك، فوالله ما دعوت الله بها في كرب إلا كشف الله عني.
وعن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين أن أباه كان يقول في جوف الليل: أمرتني فلم أأتمر، وزجرتني فلم أزدجر، هذا عبدك بين يديك ولا أعتذر.
كان داود الطائي يعاتب نفسه قائلا: يا داود، من خاف الوعيد، قصر عليه البعيد، ومن طال أمله قصر عمله، وكل ما هو آت قريب، واعلم يا داود، أن كل شيء يشغلك عن ربك فهو عليك مشئوم، واعلم يا داود، أن أهل الدنيا جميعا من أهل القبور، إنما يندمون على ما يخلفون، ويفرحون بما يقدمون، فبما عليه أهل القبور يندمون، عليه أهل الدنيا يقتتلون، وفيه يتنافسون، وعليه عند القضاء يختصمون.
__________
(1) ديوان الشافعي 91.
يا نفس!
يا نفس تدبري أمرك وتأملي، ومثلي بين ما يبقى وما يفنى ولا تعجلي، لقد ضللت طريق الهدي فقفي واسألي، وآثرت وهنًا يورث وهنًا لا تفعلي، يا غمرة من الشقاء ما أراها تنجلي، أتبع الهوى والهوى علي وليس لي، أريد حياة نفس ونفسي تريد مقتلي، يا جسدا قد بلى بما قد بلى (1).

هل أنت إلا قطرة؟
يقول ابن الجوزي: لمن رآها تتكبر: هل أنت إلا قطرة من ماء مهين، تقتلك شرقة، وتؤلمك بقة؟ وإن رأى تقصيرها عرفها حق المولى على العبيد، وإن ونت في العمل، حدثها بجزيل الأجر، وإن مالت عن الهوى، خوفها عظيم الوزر، ثم يحذرها عاجل العقوبة الحسية، كقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ} [الأنعام: 46] والمعنوية كقوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأعراف: 146] فهذا جهاد بالقول، وذاك جهاد بالفعل.
وقال محمد بن يونس بن موسى: سمعت زهير بن نعيم الباني قال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، توصي بشيء؟ قال: نعم، احذر أن يأخذك الله وأنت على غفلة.
وعن عون بن عبد الله قال: كان أهل الخير يكتب بعضهم إلى بعض بهؤلاء الكلمات الثلاث ويلقى بعضهم بعضا: من عمل لآخرته كفاه الله عز وجل دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح سريرته أصلح الله علانيته.

مثل واضح
كما يستعين التاجر بشريكه وغلامه الذي يتجر في ماله، كما أن الشريك يصير خصما منازعا يجاذبه في الربح فيحتاج إلى أن يشارطه أولا ويراقبه ثانيا ويحاسبه ثالثا ويعاقبه أو يعاتبه رابعا، فكذلك العقل يحتاج إلى مشارطة النفس أولا، فيوظف عليها الوظائف ويشرط عليها الشروط ويرشدها إلى طريق الفلاح ويجزم عليها الأمر بسلوك تلك الطرق، ثم لا يغفل عن مراقبتها لحظة، فإنه لو أهملها لم ير منها إلا الخيانة وتضييع
__________
(1) المواعظ والمجالس37.
رأس المال، كالعبد الخائن إذا خلا له الجو وانفرد بالمال، ثم بعد الفراغ ينبغي أن يحاسبها ويطالبها بالوفاء بما شرط عليها؛ فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، وبلوغ سدرة المنتهى مع الأنبياء والشهداء، فتدقيق الحساب في هذا مع النفس أهم كثيرا من تدقيقه في أرباح الدنيا مع أنها محتقرة بالإضافة إلى نعيم العقبى.

وصية حكيم
قال بعض الحكماء لابنه: يا بني لا تشغل قلبك من الدنيا إلا بقدر ما تتحققه من عمرك، ولتكن جرأتك على المعاصي بقدر صبرك على النار، وإذا أردت أن تعصي الله تعالى فانظر موضعا لا يراك الله فيه، وانظر إلى نفسك فإن كانت عزيزة فلا تذلها، وإن كانت ذليلة فلا تزدها على ذلها ذلا.
كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها يمكن أن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه أبد الآباد.
ويقول ابن الجوزي: تفكرت في نفسي يوما تفكر محقق، فحاسبتها قبل أن تحاسب، ووزنتها قبل أن توزن، فرأيت اللطف الرباني، فمنذ الطفولة وإلى الأن أرى لطفا بعد لطف، وسترا على قبيح، وعفوا عما يوجب عقوبة، وما أرى لذلك شكرا إلا باللسان.

النفس اللوامة
قال الحسن البصري في قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2]:
لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه، ماذا أردت بكلمتي؟ ماذا أردت بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه.
وقال مالك بن دينار رحمه الله تعالى: رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا، ألست صاحبة كذا؟ ثم ذمها ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان له قائدا.
ونقل عن توبة بن الصمة -وكان بالرقة وكان محاسبا لنفسه- أنه حسب يوما فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيامها فإذا هي أحد وعشرون ألف يوم وخمسمائة يوم، فصرخ وقال: يا ويلتى! ألقي الملك بأحد وعشرين ألف ذنب، فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟ ثم خر مغشيا عليه فإذا هو ميت، فسمعوا قائلا يقول: يا لك ركضة إلى الفردوس الأعلى!
فهكذا ينبغي أن يحاسب نفسه على الأنفاس وعلى معصيته بالقلب والجوارح في كل
ساعة، ولو رمى العبد بكل معصية حجرا في داره لامتلأت داره في مدة يسيرة قريبة من عمره، ولكنه يتساهل في حفظ المعاصي والملكان يحفظان عليه ذلك {أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} [المجادلة: 6].

واحسرتاه
فواحسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضا! واحرماني لمقامات الرجال الفطناء! يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله، وشماتة العدو بي!
واخيبة من أحسن الظن بي إذا شهد الجوارح علي! وخذلاني عند إقامة الحجة، سخر -والله- مني الشيطان وأنا الفطن، اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار، وقد جئتك بعد الخمسين وأنا مخلق المتاع، وأبي العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم، وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم، فوالله ما عصيتك جاهلا بمقدار نعمتك، ولا ناسيا لما ألفت من كرمك، فاغفر لي سالف فعلي (1).

مع أبي طلحة
وهذا أبو طلحة لما اشتغل قلبه في الصلاة بطائر في حائطه تصدق بالحائط كفارة لذلك، وإن عمر كان يضرب قدميه بالدرة كل ليلة ويقول: ماذا عملت اليوم؟
وعن مجمع: أنه رفع رأسه إلى السطح فوقع بصره على امرأة فجعل على نفسه ألا يرفع رأسه إلى السماء ما دام في الدنيا. وكان الأحنف بن قيس لا يفارقه المصباح بالليل فكان يضع إصبعه عليه ويقول لنفسه: ما حملك على أن صنعت يوم كذا وكذا؟

محمد بن بشر
رئي محمد بن بشر بن داود الطائي، وهو يأكل عند إفطاره خبزا بغير ملح، فقيل له: لو أكلته بملح؟
فقال: إن نفسي لتدعوني إلى الملح منذ سنة. ولا ذاق داود ملحا ما دام في الدنيا.

أصحاب علي
يروى عن رجل من أصحاب علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أنه قال: صليت خلف علي - رضي الله عنه - الفجر فلما سلم انفتل عن يمينه وعليه كآبة فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يده
__________
(1) صيد الخاطر (530، 531).
وقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد وما أرى اليوم شيئا يشبههم، كانوا يصبحون شعثا غبرا صفرا قد باتوا لله سجدا وقياما يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، وكانوا إذا ذكروا الله مادوا كما يميد الشجر في يوم الريح وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، وكان القوم باتوا غافلين -يعني من كان حوله-.

ويحك يا نفس
يحكي محمد بن المنكدر عن عقاب تميم لنفسه إذا نام عن صلاة الليل مرة فيقول: نام تميم الداري ليلة لم يقم فيها يتهجد حتى أذن الصبح فقام سنة كاملة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع.
وقال أبو زيد: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي حتى سقتها وهي تضحك.
وقال إبراهيم التميمي: مثلت نفسي في الجنة آكل من ثمراتها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثلتها في النار آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها .. ثم قلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ قالت: أريد أن أرد إلى الدنيا، فأعمل صالحا، قال: فأنت في الدنيا فاعملي. وهذه طريقة اتخذها الرجل في إيقاظ نفسه، وإن شئت فقل: في إحياء ضميره، لقد تخيل المتوقع واقعا والغائب حاضرا، ثم قال لنفسه بعد أن عرض عليها بصورتين: تخيري واعلمي (1).

التوبة
قال تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31].
والتوبة نظر في الفعل بعد الفراغ منه بالندم عليه، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: "إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة مرة" [رواه مسلم].
وقال عون بن عبد الله: قلب التائب بمنزلة الزجاجة يؤثر فيها جميع ما أصابها، فالموعظة إلى قلوبهم سريعة، وهم إلى الرقة أقرب، فداووا القلوب بالتوبة، فلرب تائب دعته توبته إلى الجنة حتى أوفدته عليها، وجالسوا التوابين، فإن رحمة الله إلى التوابين أقرب.
__________
(1) الإيمان والحياة 226.
ويقول ابن القيم: إن الذنوب والمعاصي تضر، ولابد أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة، دار اللذة والنعيم، والبهجة والسرور، إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه، ومسخ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب بعدا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى .. وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل، زجل الكفر والفسوق والعصيان، فهان على الله غاية الهوان.
وما الذي أغرق أهل الأرض كلهم حتى علا الماء فوق رءوس الجبال؟
وما الذي سلط الريح على قوم عاد حتى ألفتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية؟
وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟
وما الذي رفع قوم اللواطية حتى سمعت الملائكة نباح كلابهم، ثم قلبها عليهم، فجعل عاليها سافلها، فأهلكهم جميعا، ثم أتبعهم حجارة من السماء أمطرها عليهم؟
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رءوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا؟
وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم (1).
__________
(1) الداء والدواء 58، 59.
توشك أن تصل
قابل الفضيل بن عياض رجلا بلغ من الكبر عتيا، فسأله: كم عمرك؟
قال الرجل: ستون عاما.
قال الفضيل: توشك أن تصل إلى الله.
قال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الفضيل: هل عرفت معناها؟
قال الرجل: نعم، عرفت أني لله عبد، وأني إليه راجع.
قال الفضيل: إذا عرفت أنك لله عبد، وأنك إليه راجع، عرفت أنك مسئول، وإذا عرفت أنك مسئول، فأعد للسؤال جوابا.
قال الرجل: وما الحيلة يرحمك الله؟
قال الفضيل: يسيرة، أن تتقي الله فيما بقي يغفر الله لك ما قد مضى.

دينار العيار
روى أن رجلا يعرف بدينار العيار كانت له والدة تعظه ولا يتعظ، فمر في بعض الأيام بمقبرة كثيرة العظام، فأخذ منها عظما نخرة فانفت في يده، ففكر في نفسه، وقال لنفسه: ويحك! كأني بك غدا قد صار عظمك هكذا رفاتا والجسم ترابا، وأنا اليوم أقدم على المعاصي، فندم وعزم على التوبة، ورفع رأسه إلى السماء وقال: إلهي، إليك ألقيت مقاليد أمري فاقبلني وارحمني.
ثم مضى نحو أمه متغير اللون، فقال: يا أماه ما يصنع بالعبد الآبق إذا أخذه سيده؟
فقالت: يخشن ملبسه ومطعمه ويغل يده وقدمه.
فقال: أريد جبة من صوف وأقراصًا من شعير، وتفعلين بي كما يفعل بالعبد الآبق، لعل مولاي يرى ذلي فيرحمني، ففعلت كما طلب، فكان إذا جنه الليل أخذ في البكاء والعويل، ويقول: ويحك يا دينار ألك قوة على النار؟ كيف تعرضت لغضب الجبار؟!
وقالت له أمه في بعض الليالي: ارفق بنفسك.
فقال: دعيني أتعب قليلا لعلي أستريح طويلا .. يا أمي إن لي موقفا طويلا بين يدي
رب جليل، ولا أدري أيؤمر بي إلى الظل الظليل، أم إلى شر مقيل، إني أخاف عناء لا راحة بعده، وتوبيخا لا عفو معه.
قالت: فاسترح قليلا.
فقال: الراحة أطلب؟ أتضمنين لي الخلاص؟
قالت: فمن يضمنه لي؟
قال: فدعيني وما أنا عليه، كأنك يا أماه غدا بالخلائق يساقون إلى الجنة وأنا أقاد إلى النار. فمرت به في بعض الليالي في قراءته: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)} [الحجر: 92 - 93].
ففكر فيها، وبكى وجعل يضطرب كالحية حتى خر مغشيا عليه، فجاءت أمه إليه ونادته، فلم يجبها فقالت: قرة عيني، أين الملتقى؟
فقال بصوت ضعيف: إن لم تجدني في عرصة القيامة فاسألي مالكا عني.
ثم شهق شهقة مات فيها، فجهزته وغسلته، وخرجت تنادي: أيها الناس، هلموا إلى الصلاة على قتيل النار، فجاء الناس فلم ير أكثر جمعا ولا أغزر دمعا من ذلك اليوم.

تذكر يوم القيامة
شاب يافع لديه طموح الشباب، كان يعيش مثل بعض أقرانه لا يأبهون بأوامر الله، وذات ليلة أراد الله به خيرا، فرأى في المنام مشهدا أيقظه من غفلته، وأعاده إلى رشده.
يحدثنا هذا الشاب عن قصته فيقول: في ليلة من الليالي ذهبت إلى فراشي كعادتي لأنام، فشعرت بمثل القلق يساورني، فاستعذت بالله من الشيطان الرجيم ونمت، فرأيت فيما يرى النائم، أن شيئا غريبا وضخما قد وقع من السماء على الأرض .. لم أتبين ذلك الشيء، ولا أستطيع وصفه، فهو مثل كتلة النار العظيمة، رأيتها تهوي فأيقنت بالهلاك .. أصبحت أتخبط في الأرض، وأبحث عن أي مخلوق ينقذني من هذه المصيبة.
قالوا: هذه بداية يوم القيامة، وإن الساعة قد وقعت، وهذه أولى علاماتها، ففزعت، وتذكرت جميع ما قدمت من أعمال، الصالح منها والطالح، وندمت أشد الندم .. قرضت أصابعي بأسناني حسرة على ما فرطت في جنب الله .. قلت والخوف قد تملكني: ماذا
أفعل الآن؟ وكيف أنجو؟
فسمعت مناديا يقول: اليوم لا ينفع الندم .. سوف تجازى بما عملت .. أين كنت في أوقات الصلوات؟ أين كنت عندما أتتك أوامر الله؟ لتمتثل الأوامر وتجتنب النواهي؟ كنت غافلا عن ربك .. قضيت أوقاتك في اللعب واللهو والغناء، وجئت الآن تبكي .. سوف ترى عذابك .. زادت حسرتي لما سمعت المنادي يتوعدني بالعذاب .. بكيت وبكيت ولكن بلا فائدة.
وفي هذه اللحظة العصيبة استيقظت من نومي .. تحسست نفسي فإذا أنا على فراشي.
لم أصدق أني كنت أحلم فقط حتى تأكدت من نفسي .. تنفست الصعداء، ولكن الخوف ما زال يتملكني، ففكرت، وقلت في نفسي: والله إن هذا إنذار لي من الله .. ويوم الحشر لابد منه، إذن لماذا أعصي الله؟ لم لا أصلي؟ لم لا أنتهي عما حرم الله؟ أسئلة كثيرة جالت في خاطري حتى أنجو في ذلك اليوم العظيم، أصبح الصباح، وصليت الفجر، فوجدت حلاوة في قلبي، وفي ضحى ذلك اليوم نزلت إلى سيارتي .. نظرت بداخلها فإذا هي مليئة بأشرطة الغناء .. أخرجتها واكتفيت ببعض الأشرطة الإسلامية النافعة، بقيت على هذه الحال، في كل يوم أتقدم خطوة إلى طريق الهداية التي أسأل الله أن يثبتني وإياكم عليها ..
ويقول ابن الجوزي: ابك على نفسك قبل أن يبكى عليك، وتفكر في سهم قد صوب إليك، وإذا رأيت جنازة فاحسبها أنت، وإذا عاينت قبرا فتوهمه قبرك، وعد باقي الحياة ربحا (1).
تفكر في مشيك والمآب ... ودفنك بعد عزك في الزاب
إذا وافيت قبرا أنت فيه ... تقيم به إلى يوم الحساب
وفي أوصال جسمك حين تبقى ... مقطعة ممزقة الإهاب
فلولا القبر صار عليك سترا ... لأنتنت الأباطح والروابي
خلقت من التراب فصرت حيا ... وعُلمت الفصيح من الخطاب
وعدت إلى التراب فصرت فيه ... كأنك ما خرجت من التراب
__________
(1) المدهش 373.
فطلق هذه الدنيا ثلاثا ... وبادر قبل موتك بالمتاب
نصحتك فاستمع قولي ونصحي ... فمثلك قد يدل على الصواب
خلقنا للممات ولو تركنا ... لضاق بنا الفسيح من الرحاب
ينادي في صبيحة كل يوم ... لدوا للموت وابنوا للخراب

الدولة الغريبة
تروى كتب التراث أن دولة غريبة، لها قوانينها الغريبة، تقع في وسط صحراء مقطوعة، مليئة بالزواحف الخطرة، والوحوش الضارية، ولكن هذه الدولة لها أسوار عالية لا يمكن أن يتسلقها أحد، ولا يمكن لأحد أن يخرج منها إلا من بابها الذي لا يفتح إلا كل خمس سنوات، هي مدة بقاء حاكم البلد فيها، حيث يطرد من بابها بعد انقضاء مدته، وغالبا يكون مصيره الموت في تلك الصحراء التي لا يوجد فيها أي مظهر من مظاهر الحياة، وفي نهاية مدة أحد حكامها وما أعقبها من مراسم الطرد، أعلن عمن يتطوع لإدارة الدولة فلم يتطوع أحد، ومضت الأيام دون أن يتقدم أحد إلى أن فوجئ الجميع بشاب في مقتبل العمر يتقدم للجنة المشرفة على الاختبار، ويقبل بالمهمة الصعبة، فعرضوا عليه شروط الحكم وأفهموه كل شيء عن مدة حكمه، ومصيره بعد ذلك فوافق على جميع الشروط.
وبدأ فترة حكمه يحدبة، وهمة عالية، وكان قد انفق مع آلاف العمال سرا، حيث كان يخرجهم من البوابة ليلا ليشقوا القنوات المتصلة بالعيون من داخل الدولة، ويغرسوا الشجر المثمر بجميع أنواعه، ويستمر العمال في العمل ولا يدخلون حتى قبيل الفجر فيدخلون، وهكذا استمر في هذه الخطة حتى شارفت مدته على الانتهاء، فلما جاء فريق الإشراف على التعيين والطرد ليخبره بقرب موعد الرحيل لم يروا عليه ما كانوا يرونه على من سبقوه من الوجل والرعب، بل رحب بقرب الموعد، وأبدى شجاعة متناهية وطمأنينة أدهشتهم، ولما جاء موعد الطرد، وفتحت الأبواب تعجب الجميع من مناظر الأشجار المثمرة، وقنوات المياه التي تتخللها، والآبار الجديدة التي حفرت حتى بدا ما هو خارج أجمل مما في داخلها، ولما سألوا عن ذلك أخبرهم بما قام به من استعدادات ليوم الرحيل، أعجبوا به أشد الإعجاب واتفق الجميع على أن يولوه حاكما عليهم مدى الحياة.
هذه قصة رمزية لمعنى الحياة التي نعيشها، فكل منا له مدة معينة محددة لا تزيد ولا تنقص، يطرد بعدها من هذه الدار، إلى دار أخرى، إما أن يكون قد استعد لها فينجو كما نجا ذلك الشاب، وإما أن يكون قد فرط فيها وفرط في الوقت الذي أعطي لها، حتى جاءت لحظة الطرد من الدنيا فلم يجد إلا صحراء قاحلة لا حياة فيها ولا منجاة، فيبكي حيث لا ينفع الندم ولا البكاء، فهل نعتبر؟

أيها الباكي
أيها الباكي على أقاربه الأموات، ابك على نفسك فالماضي قد فات، وتأهب لنزول البلايا وحلول الآفات، وتذكر قول من إذا ذكرك قال: مات، كأنك بما أتى الماضين قد أتاك، ولقد صاح بك نذيرهم: أنت غدا كذاك وليخرسن الموت بسطوته فاك، إذا وافاك إنما اليوم لهذا وغدا لذاك.
قرئ على قبر.
أنا في القبر وحيد ... قد تبرأ الأهل مني
أسلموني بذنوبي ... خبت إن لم تعف عني (1)
وجاء رجل إلى أم المؤمنين عائشة فقال: إن بي داء فهل عندك دواء؟
فقالت: ما الداء؟
فقال: القسوة.
فقالت: بئس الداء داؤك، يا هذا، عُد المرضى، واشهد الجنائز، وتوقع الموت (2).
وقال جعفر بن سليمان: سمعت شميط بن عجلان يقول: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بالدنيا ولا بسعتها.

اجعل القرآن منهجك
كان والد محمد إقبال يقول له كلما رآه يكثر من قراءة القرآن: إن أردت أن تفقه القرآن فاقرأه كأنه أنزل عليك (3).
__________
(1) المدهش لابن الجوزي 515.
(2) خير القرون (2/ 46).
(3) أعلام المسلمين 272.
ويقول البنا: أهم الأغراض التي تجب على الأمة الإسلامية حيال القرآن الكريم ثلاثة مقاصد:
أولها: الإكثار من تلاوته، والتعبد بقراءته، والتقرب إلى الله تبارك وتعالى.
وثانيها: جعله مصدرا لأحكام الدين وشرائعه، منه تؤخذ وتستنبط وتستقي وتتعلم.
وثالثها: جعله أساسا لأحكام الدنيا، منه تستمد وعلى مواده الحكيمة تطبق.
تلك أهم المقاصد والأغراض التي أنزل الله لها كتابه وأرسل به نبيه وتركه فينا من بعده واعظا مذكرا وحكما عدلا وقسطاسا مستقيما، ولقد فهم السلف -رضوان الله عليهم- هذه المقاصد فقاموا بتحقيقها خير قيام، فكان منهم من يقرأ القرآن في ثلاث ومنهم من يقرأه في سبع ومنهم من يقرأه في أقل من ذلك أو أكثر .. ولقد كان بعضهم إذا شغل عن ورده من القرآن نظر في المصحف وقرأ بعض الآيات الكريمة، وقال: حتى لا أكون ممن اتخذوا القرآن مهجورا، فكان القرآن ربيع قلوبهم وورد عبادتهم، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ورضي الله عن الخليفة الثالث الذي لم يترك المصحف والحصار على بابه والسيف على عنقه (1).

ذكر الله
قال ابن عون المصري: أما يستحي أحدكم أن تكون دابته التي يركب، وثوبه الذي يلبس، أكثر ذكرا لله منه؟
ويقول ابن الجوزي: يا معشر المذنبين، تأسوا بأبيكم في البكاء، تفكروا كيف باع دارا قد ربى فيها وضاع الثمن، لا تبرحوا من باب الذل، فأقرب الخطائين إلى العفو المعترف بالزلل، ما انتفع آدم في بلية {وَعَصَى} [طه: 121] بكمال {وَعَلَّمَ} [البقرة: 31] ولا رد عنه عز {واسْجُدُوا} [البقرة: 34] وإنما خلصه ذل {ظَلَمْنَا} [الأعراف: 23].

قيام الليل
كان لسعيد بن جبير ديك كان يقوم الليل بصياحه، قال: فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح فلم يصل سعيد تلك الليلة، فشق عليه فقال: ما له قطع الله صوته؟
__________
(1) الرسائل 85.
قال: فما سمع له صوت بعدها، فقالت أمه: يا بني لا تدع علي شيء بعدها (1).
وقال الحسن بن علوية: سمعت يحيى بن معاذ يقول: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخواء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
وقالت ابنة الرييع بن خثيم: يا أبتاه مالي أرى الناس ينامون ولا تنام؟
قال: إن جهنم لا تدعني أنام.

ينتفض فزعا
يقول أبو يزيد محمد بن حسان: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: ما عاشرت في الناس رجلا أرحم من سفيان، وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا أول الليل، ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي: النار النار شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات، ثم يتوضأ ويقول على إثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلم، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي إنه لجزع ما أرقني، وذلك من نعمك السابغة علي، إلهي لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين. ثم يقبل على صلاته، وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إن كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه، وما كنت أقدر أن أنظر إليه استحياء وهيبة منه.
وقال يزيد بن هارون: بت عن المستسلم بن سعيد، وكان لا يكاد ينام، إنما هو قائم وقاعد، وذكر أنه لم يضع جنبه منذ أربعين عاما، فظننت أنه يعني بالليل، فقيل: ولا بالنهار.
وقال عمرو بن عون: مكث هشيم بن بشر يصلي الفجر بوضوء العشاء الآخرة، قبل أن يموت عشر سنين.
- ويقول ابن الجوزي: يا من كان له قلب فمات، يا من كان له وقت ففات، استغث من بوادي القلق، "ردوا علي ليالي التي سلفت"، احضر في السحر فإنه وقت الإذن العام، واستصحب رفيق البكاء فإنه مساعد صبور، وابعث رسائل الصعداء فقد أقيم لها من يتناول.
واعلم بأن سبب حرمانك من قيام الليل الذنوب والمعاصي، قال مبارك بن فضالة: سمعت الحسن البصري قال له شاب: أعياني قيام الليل، فقال: قيدتك خطاياك.
كثرة الدعاء
قال الحسن بن علوية: سمعت يحيى بن معاذ يقول: على قناطر الفتن جاوزوا إلى خزائن المنن.
وسمعته يقول: إلهي، كيف أفرح وقد عصيتك؟ وكيف لا أفرح وقد عرفتك؟ وكيف أدعوك وأنا خاطئ؟ وكيف لا أدعوك وأنت كريم؟.
وقال يحيى بن معاذ: يا من يغضب على من لا يسأله، لا تمنع من قد سألك.
وقال أبو سليمان الداراني: إنك إن طلبتني بشري طالبتك بكرمك، وإن أخذتني بذنوبي أتيت بتوحيدك، وإن أسكنتني النار بين أعدائك لأخبرنهم بحبي لك.
وعن معاوية بن قرة أن أبا الدرداء اشتكى فدخل عليه أصحابه فقالوا: ما تشتكي؟
قال: أشتكي ذنوبي.
قالوا: فما تشتهي؟
قال: أشتهي الجنة.
قالوا: أفلا ندعو لك طبيبا؟
قال: هو الذي أضجعني.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

علو الهمة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 4:30

علو الهمة
أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعلو الهمة فقال: "من كانت الآخرة همه، جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهى راغمة، ومن كانت الدنيا همه، جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له" [رواه الترمذي].
ويعلمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علو الهمة في الدعاء، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة" [رواه البخاري].
ويخطئ كثير من الناس حين يصفون الكفار بعلو الهمة، لأن الهمة العالية حكر على طلاب الآخرة، وهي من عزتها تأنف أن تسكن قلبا قد تنجس بالكفر، وبين تعالى أن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية فقال تعالى: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64].
يقول ابن الجوزي: إذا اعتقدت أنك مخلوق للصغير من الأمور لم تبلغ من الحياة إلا الصغير، وإذا اعتقدت أنك مخلوق لعظائم الأمور شعرت بهمة تكسر الحدود والحواجز، وتنفذ منها إلى الساحة الفسيحة والغرض الأسمى.
ومصداق ذلك حادث في الحياة المادية، فمن دخل مسابقة مائة متر شعر بالتعب إذا هو قطعها، ومن دخل مسابقة أربعمائة متر لم يشعر بالتعب من المائة والمائتين، فالنفس تعطيك من الهمة بقدر ما تحدد من الغرض، حدد غرضك وليكن ساميا صعب المنال، ولكن لا عليك في ذلك ما دمت كل يوم تخطو إليه خطوة جديدة، إنما يصد النفس ويعبسها ويجعلها في سجن مظلم: اليأس وفقدان الأمل، والعيشة السيئة برؤية الشرور، والبحث عن معايب الناس والتشدق بالحديث عن سيئات العالم لا غير (1).
__________
(1) لا تحزن 61.
عالي الهمة شريف النفس
عالي الهمة يعرف قدر نفسه، في غير كبر، ولا عجب، ولا غرور، وإذا عرف المرء قدر نفسه صانها عن الرذائل، وحفظها من أن تهان، ونزهها عن دنايا الأمور وسفاسفها في السر والعلن، وجنبها مواطن الذل.
ألم تر إلى شرف نفس الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم نبي الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم حين دعا ربه: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33] وحين قال لرسول الملك: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50].
قيل لرجل: لي حويجة.
فقال: اطلب لها رجيلا.
وقد قيل لبعض العلماء: لي سؤال صغير.
فقال: اطلب له رجلا صغيرا.
ويقول ابن الجوزي: لا شيء أقتل للنفس من شعورها بضعتها وصغر شأنها وقلة قيمتها، وأنها لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم، ولا ينتظر منها خير كبير، هذا الشعور بالضعة يفقد الإنسان الثقة بنفسه والإيمان بقوتها، فإذا أقدم على عمل ارتاب في مقدرته وفي إمكان نجاحه، وعالجه بفتور ففشل فيه. الثقة بالنفس فضيلة كبرى عليها عماد النجاح في الحياة وشتان بينها وبين الغرور الذي يعد رذيلة، والفرق بينهما أن الغرور اعتماد النفس على الخيال وعلى الكبر الزائف، والثقة بالنفس اعتمادها على مقدرتها مع تحمل المسئولية، وعلى تقوية ملكاتها وتحسين استعداداتها (1).

1 - علو الهمة في العبادة:
كان من أخبار عامر بن عبد الله ما حدث به أحد أبناء البصرة قال: سرت في قافلة فيها عامر بن عبد الله، فلما أقبل علينا الليل، نزلنا فحمل عامر متاعه، وربط فرسه بشجرة، وجمع له من حشائش الأرض ما يشبعه، ثم توارى، فقلت في نفسي: والله
__________
(1) لا تحزن 62.
عالي الهمة شريف النفس
عالي الهمة يعرف قدر نفسه، في غير كبر، ولا عجب، ولا غرور، وإذا عرف المرء قدر نفسه صانها عن الرذائل، وحفظها من أن تهان، ونزهها عن دنايا الأمور وسفاسفها في السر والعلن، وجنبها مواطن الذل.
ألم تر إلى شرف نفس الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم نبي الله يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم حين دعا ربه: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ} [يوسف: 33] وحين قال لرسول الملك: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} [يوسف: 50].
قيل لرجل: لي حويجة.
فقال: اطلب لها رجيلا.
وقد قيل لبعض العلماء: لي سؤال صغير.
فقال: اطلب له رجلا صغيرا.
ويقول ابن الجوزي: لا شيء أقتل للنفس من شعورها بضعتها وصغر شأنها وقلة قيمتها، وأنها لا يمكن أن يصدر عنها عمل عظيم، ولا ينتظر منها خير كبير، هذا الشعور بالضعة يفقد الإنسان الثقة بنفسه والإيمان بقوتها، فإذا أقدم على عمل ارتاب في مقدرته وفي إمكان نجاحه، وعالجه بفتور ففشل فيه. الثقة بالنفس فضيلة كبرى عليها عماد النجاح في الحياة وشتان بينها وبين الغرور الذي يعد رذيلة، والفرق بينهما أن الغرور اعتماد النفس على الخيال وعلى الكبر الزائف، والثقة بالنفس اعتمادها على مقدرتها مع تحمل المسئولية، وعلى تقوية ملكاتها وتحسين استعداداتها (1).

1 - علو الهمة في العبادة:
كان من أخبار عامر بن عبد الله ما حدث به أحد أبناء البصرة قال: سرت في قافلة فيها عامر بن عبد الله، فلما أقبل علينا الليل، نزلنا فحمل عامر متاعه، وربط فرسه بشجرة، وجمع له من حشائش الأرض ما يشبعه، ثم توارى، فقلت في نفسي: والله
__________
(1) لا تحزن 62.
حبهن، فاستجاب لي حتى صرت ما أبالي امرأة رأيت أم جدارا.
فقلت: هذه واحدة، فما الثانية؟
فقال: الثانية أني سألت ربي ألا أخاف أحدا غيره، فاستجاب لي حتى أني -والله- ما أرهب شيئا في الأرض ولا في السماء سواه.
قلت: فما الثالثة؟
فقال: سألت ربي أن يذهب عني النوم حتى أعبده بالليل والنهار كما أريد فمنعني هذه الثالثة. فلما سمعت منه ذلك قلت له: رفقا بنفسك، فإنك تقضي ليلك قائما، وتقطع نهارك صائما، وإن الجنة تدرك بأقل مما تصنع، وإن النار تتقي بأقل مما تعاني، فقال: إني لأخشى أن أندم حيث لا ينفع الندم، والله لأجتهدن في العبادة ما وجدت إلى الاجتهاد سبيلا، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن دخلت النار فبتقصيري (1).
أخي الحبيب: لا تترك قيام الليل مهما كانت الظروف، وداوم على صلاة ركعتين يوميا على الأقل في وقت السحر، فإن لم تستطع فحافظ عليها قبل النوم، واسأل الله أن يوقظك في الثلث الأخير من الليل.

أبو حنيفة
عرف عن أبي حنيفة أنه صلى الفجر بوضوء العشاء أربعين عاما.
وأنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة.
وكان إذا قرأ سورة الزلزلة اقشعر جلده ووجل فؤاده، وأخذ لحيته بيده وطفق يقول: يا من يجزي بمثقال ذرة خيرا خيرا، يا من يجزي بمثقال ذرة شرا شرا، أجر عبدك النعمان من النار، وباعد بينه وبين ما يقربه منها، وأدخله في واسع رحمتك يا أرحم الراحمين (2).
قدم أعمالا صالحة قبل الدعاء وستجد راحة في قلبك واطمئنانا في نفسك.

القيام والبكاء
أقبل أبو حنيفة ذات يوم على جماعة من الناس فسمعهم يقولون: إن هذا الرجل
__________
(1) صور من حياة التابعين 24: 28.
(2) المصدر نفسه 493.
الذي ترونه لا ينام الليل، فما أن لامست كلمتهم هذه مسمعه حتى قال: إني عند الناس على خلاف ما أنا عليه عند الله، ولن أتوسد فراشا بعد اليوم في ليل حتى ألقى الله، ثم دأب منذ ذلك اليوم على قيام الليل كله، فكان إذا أرخى الظلام سدوله على الكون، وأسلمت الجنوب إلى المضاجع، قام فلبس أحسن ثيابه، وسرح لحيته، وتطيب، وتزين، ثم يصف في محرابه ويقطع ليله قانتا، أو منحنيا بصلبه على أجزاء القرآن، أو رافعا يده بالضراعة، فلربما قرأ القرآن كله في ركعة واحدة، ولربما قام الليل كله بآية واحدة، ولقد روي أنه قام الليل كله وهو يردد قوله تعالى {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ} [القمر: 46] وهو يبكي من خشية الله (1).
احرص على قراءة القرآن يوميا، واجتهد في تدبر الآيات وكأنها قد نزلت عليك، وستجد السعادة في معايشة كلام الله.

2 - علو الهمة في الجهاد:
في أعقاب غزوة بدر أنزل الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - من آي القرآن ما يرفع شأن المجاهدين، ويفضلهم على القاعدين لينشط المجاهد إلى الجهاد، ويأنف القاعد من القعود، فأثر ذلك في نفس ابن أم مكتوم، وعز عليه أن يحرم من هذا الفضل وقال: يا رسول الله، لو أستطيع الجهاد لجاهدت، ثم سأل الله بقلب خاشع أن ينزل قرآنا في شأنه وشأن أمثاله ممن تعوقهم عاهاتهم عن الجهاد، وجعل يدعو في ضراعة: اللهم أنزل عذري .. اللهم أنزل عذري، فما أسرع أن استجاب الله عز وجل دعاءه!
حدث زيد بن ثابت - رضي الله عنه - كاتب وحي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كنت إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فغشيته السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، ما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم - ثم سري عنه فقال: "اكتب يا زيد" فكتبت {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [النساء: 95] فقام ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فما انقضى كلامه حتى غشيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها ما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه، فقال: اقرأ ما كتبته يا
__________
(1) صور من حياة التابعين 491، 492.
زيد فقرأت {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فقال: اكتب {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} فنزل الاستثناء الذي تمناه ابن أم مكتوم، وعلى الرغم من أن الله سبحانه أعفى عبد الله بن أم مكتوم وأمثاله من الجهاد، فقد أبت نفسه الطموح أن يقعد مع القاعدين، وعقد العزم على الجهاد في سبيل الله.
ذلك لأن النفوس الكبيرة لا تقنع إلا بكبار الأمور، فحرص منذ ذلك اليوم على ألا تفوته غزوة، وحدد لنفسه وظيفتها في ساحات القتال، فكان يقول: أقيموني بين الصفين، وحملوني اللواء أحمله لكم وأحفظه، فأنا أعمى لا أستطيع الفرار.
وفي السنة الرابعة عشرة للهجرة عقد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - العزم على أن يخوض مع الفرس معركة فاصلة تزيل ملكهم، وتفتح الطريق أمام جيوش المسلمين، فكتب إلى عماله يقول: لا تدعوا أحدا له سلاح، أو فرس، أو نجدة، أو رأى، إلا انتخبتموه ثم وجهتموه إلي، والعجل العجل. وطفقت جموع المسلمين تلبي نداء الفاروق، وتنهال على المدينة من كل حدب وصوب، وكان في جملة هؤلاء المجاهدين المكفوف البصر عبد الله بن أم مكتوم - رضي الله عنه -، فأمَّر الفاروق على الجيش سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - وأوصاه، ولما بلغ الجيش القادسية، برز عبد الله بن أم مكتوم لابسا درعه، مستكملا عدته، وندب نفسه ليحمل راية المسلمين والحفاظ عليها، أو الموت دونها.
والتقى الجمعان في أيام ثلاثة قاسية، وانجلى اليوم الثالث عن نصر مؤزر للمسلمين، فزالت أعظم الدول وكان بين الشهداء عبد الله بن أم مكتوم، فقد وجد صريعا مضرجا بدمائه وهو يعانق راية الإسلام (1).
أين علو همتك في الدفاع عن دين الله، ونصرة الإسلام والمسلمين؟

3 - علو الهمة في طلب العلم:
بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى إلى محمد بن إسماعيل البخاري: أن احل إلي كتابي الجامع والتاريخ، وغيرهما لأسمع منك.
فقال محمد بن إسماعيل لرسوله: أنا لا أذل العلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن
__________
(1) صور من حياة الصحابة 155: 157.
كان لك إلي شيء منه حاجة، فاحضرني في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا، فأنت سلطان، فامنعني من الجلوس، ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة، لأني لا أكتم العلم.
احذر أن تجعل نية طلبك للعلم الشهرة في الدنيا
وأنفذ الخليفة بمائة دينار إلى عالم، وقال لغلامه: إن قبل ذلك فأنت حر. فحملها إليه فلم يقبل، فقال: اقبل ففيه عتقي، فقال: إن كان فيه عتقك ففيه رقي (1).

أين نحن من هؤلاء
قال عمر بن حفص الأشقر: إنهم فقدوا البخاري أياما من كتابة الحديث بالبصرة، قال: فطلبناه فوجدناه في بيت وهو عريان، وقد نفد ما عنده ولم يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتى اشترينا له ثوبا وكسوناه، ثم اندفع معنا في كتابة الحديث.
وقال مالك: لا ينال هذا الأمر، حتى يذاق فيه طعم الفقر.
وهذا يحيى بن معين، خلف له أبوه ألف ألف درهم، فأنفقها كلها على تحصيل الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه.
وذكر ابن اللباد أن محمد بن عبدوس صلى الصبح بوضوء العتمة، ثلاثين سنة، خمس عشرة في دراسة، وخمس عشرة في عبادة.
وقال الحافظ ابن كثير: وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه، فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره، ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى، حتى كان يتعدد منه ذلك قريبا من عشرين مرة.
وقال النووي: وبقيت سنتين لم أضع جنبي على الأرض.
وحكى البدر بن جماعة أنه سأله عن نومه فقال: إذا غلبني النوم استندت إلى الكتب لحظة وانتبهت.
وهذا ابن كثير: أخذ كتاب الإمام أحمد مرتبا، وأضاف إليه أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلي الموصلي، وأجهد نفسه كثيرا،
__________
(1) علو الهمة- محمد أحمد إسماعيل المقدم.
وتعب فيه تعبا عظيما، فجاء لا نظير له في العالم، وأكمله، إلا من بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يكمله فإنه عوجل بكف بصره.
وقال إبراهيم النخعي: من سره أن يحفظ الحديث، فليحدث به، ولو أن يحدث به من لا يشتهيه، فإنه إن فعل ذلك كان كالكتاب في صدره.
وكان بعضهم يذاكر العلم مع نفسه فتراه يجلس وحده، ويرفع بالعلم صوته.
يقول جعفر بن المراغي: دخلت مقبرة بتستر، فسمعت صائحا يصيح: والأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، والأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة .. ساعة طويلة، فكنت أطلب الصوت، إلى أن رأيت ابن زهير، وهو يدرس مع نفسه من حفظه حديث الأعمش.
وقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث (1).
احرص على القراءة اليومية، وتعليم الناس ما تستفيده من قراءتك، فإن لم تستطع القراءة فلا تحرم نفسك من سماع شريط علم نافع.

حتى قبل الموت!
من الغريب أن فترة مرض الدكتور مصطفى السباعي على قساوتها وشدتها، كانت من أخصب أيام حياته، وأكثرها إنتاجا من الناحية العلمية.
يقول د. محمد أديب الصالح: كان السباعي -رحمه الله- حريصا -كما علمت منه قبل وفاته بيوم واحد- على كتابة مؤلفات ثلاثة هي: العلماء الأولياء، والعلماء المجاهدون، والعلماء الشهداء (2).

4 - علو الهمة في الدعوة:
عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أول مسلم على ظهر الأرض جهر بالقرآن بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد اجتمع يوما أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة، وكانوا قلة مستضعفين، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهم إياه؟
فقال عبد الله بن مسعود: أنا أسمعهم إياه.
__________
(1) علو الهمة- محمد أحمد إسماعيل المقدم.
(2) من أعلام الحركة الإسلامية 542.
فقالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة، تحميه وتمنعهم منه إذا أرادوه بشر.
فقال: دعوني فإن الله سيمنعني ويحميني، ثم ذهب إلى المسجد حتى أتى مقام إبراهيم في الضحى، وقريش جلوس حول الكعبة، فوقف عند المقام وقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم رافعا بها صوته {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)} [الرحمن1 - 4] ومضى يقرأها، فتأملته قريش، وقالت: ماذا قال ابن أم عبد؟ تبًّا له، إنه يتلو بعض ما جاء به محمد، وقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه والدم يسيل منه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك.
فقال: والله ما كان أعداء الله أهون في عيني منهم الآن وإن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا، قالوا: لا، حسبك لقد أسمعتهم ما يكرهون (1).

الشيخ محمد فرغلي
يقول الشيخ حسن البنا عن الشيخ محمد فرغلي: حين تم بناء المسجد الذي طالب به عمال الشركة بالجباسات بالإسماعيلية انتدب للإمامة والتدريس فضيلة الأخ محمد فرغلي، المدرس بمعهد حراء حينذاك، وصل الأستاذ فرغلي وتسلم المسجد، وأعد له سكن خاص بجواره، ووصل روحه القوية بأرواح هؤلاء العمال الطيبين، فلم تمض عدة أسابيع وجيزة حتى ارتفع مستواهم الفكري والنفساني والاجتماعي ارتفاعا عجيبا، لقد أدركوا قيمة أنفسهم، وعرفوا سمو وظيفتهم في الحياة، وقدروا فضل إنسانيتهم، فنزع من قلوبهم الخوف والذل والضعف والوهن، واعتزوا بالإيمان بالله وبإدراك وظيفتهم الإنسانية في هذه الحياة؛ خلافة الله في أرضه، فجدوا في عملهم، عفوا عما ليس لهم، فلم تأسرهم المطامع التافهة، ولم تقيدهم الشهوات الحقيرة، وصار أحدهم يقف أمام رئيسه عالي الرأس في أدب، شامخ الأنف في وقار، يحدثه في حجة ومنطق، لا يقول ولا يقبل منه كلمة نابية، أو لفظة جافية، أو مظهرًا من مظاهر التحقير والاستصغار، كما كان ذلك شأنهم من قبل، تجمعوا على الأخوة، واتحدوا على الحب والجد والأمانة، ويظهر أن هذه السياسة لم تعجب الرؤساء وقرروا أنه إذا استمر الحال على ذلك ستكون السلطة كلها لهذا الشيخ، ولن يستطيع أحد بعد ذلك أن يكبح جماحه وجماح العمال.
__________
(1) صور من حياة الصحابة 105: 107.
فكر الرؤساء في الشركة في إقصاء هذا الشيخ القوي الشكيمة عن العمل، وأرسل إليه الرئيس المباشر، فلما توجه إليه قال له: إن المدير أخبرني بأن الشركة قد استغنت عن خدماتك وأنها تفكر في انتداب أحد العمال للقيام بعملكم في المسجد، وهذا حسابكم إلى اليوم حسب أمر المدير.
فكان جواب الشيخ له بكل هدوء: ما كنت أظن يا مسيو فرانسوا أنني موظف بشركة جباسات البلاح، لو كنت أعلم هذا ما قبلت العمل معها، ولكني أعلم أنني موظف من قبل الإخوان المسلمين بالإسماعيلية، وأتقاضى راتبي منهم محولا عليكم، وأنا متعاقد معهم لا معكم على هذا الوضع، وأنا لا أقبل منك مرتبا لا حسابا، ولا أترك عملي في المسجد ولو بالقوة، إلا إذا أمرني بذلك رئيس الجمعية التي انتدبتني هنا، وهو أمامك بالإسماعيلية اتفقوا معه كما تريدون. واستأذن وانصرف.
وسقط في يد إدارة الشركة وصبرت أياما لعل الشيخ يطلب منها مرتبه، ولكنه اتصل بالبنا في الإسماعيلية فأوصاه بالتمسك بموقفه وألا يدع مكانه بحال، وحجته مقبولة ولا شيء لهم عنده، لجأت الشركة إلى الإدارة، واتصل مديرها بمحافظ القنال الذي اتصل بدوره بالمأمور بالإسماعيلية وأوصاه أن يقوم على رأس قوة لعلاج الموقف، وحضر المأمور ومعه قوته، وجلس في مكتب المدير، وأرسل في طلب الشيخ الذي اعتصم بالمسجد وأجاب الرسول: لا حاجة لي عند المأمور، ولا عند المدير، وعملي بالمسجد، فإذا كان لأحدهما حاجة فليحضر إلي، وعلى هذا فقد حضر المأمور إلى الشيخ، وأخذ يطلب منه أن يستجيب لمطالب المدير، ويترك العمل ويعود إلى الإسماعيلية، فأجاب بمثل ما تقدم، وقال له: تستطيع أن تأتيني من الإسماعيلية بكلمة واحدة في خطاب فانصرف، ولكنك إذا أردت استخدام القوة، فلك أن تفعل ما تشاء، ولكني لن أخرج من هنا إلا جثة لا حراك بها. ووصل النبأ إلى العمال، فتركوا العمل في لحظة واحدة، وأقبلوا متجمهرين صاخبين، وخشي المأمور العاقبة فترك الموقف وعاد إلى الإسماعيلية، واتصل بالإمام البنا للتفاهم على الحل، يقول البنا: (ولكني اعتذرت له، بأنني مضطر إلى التفكير في الأمر، وعقد مجلس إدارة الجمعية للنظر ثم أجيبه بعد ذلك، وفي هذه الأثناء يؤسفني أن أقول إنني حضرت إلى القاهرة لمقابلة العضو المصري الوحيد في مجلس إدارة الشركة، فوجدت منه كل إعراض عن مصالح العمال، وكل انحياز إلى آراء الشركة ومديرها، وكل
تجرد من أي عاطفة فيها معنى الغيرة الوطنية.
قابلت بعد ذلك مدير الشركة، وسألته عما ينقمه من فضيلة الشيخ، فلم أجد عنده إلا أنهم يريدون شخصا يستسلم لمطالبهم، وكان من كلامه كلمة لا أزال أذكرها: إنني صديق للكثير من زعماء المسلمين ولقد قضيت في الجزائر عشرين سنة، ولكني لم أجد منهم أحدًا كهذا الشيخ، الذي ينفذ علينا هنا أحكاما عسكرية كأنه جنرال تماما.
فناقشته في هذا الكلام وأفهمته أنه مخطئ وأن الشركة هي التي تقسو على العمال وتنقص من حقوقهم، وتستصغر إنسانيتهم، وتبخل عليهم وتقتر من أجورهم، في الوقت الذي يتضاعف ربحها ويتكدس، وأن من الواجب علاج هذه الحال بعلاج نظم هذه الشركات، ووجوب قناعتها باليسير من الربح، واتفقنا أخيرا على أن يبقى الأستاذ فرغلي شهرين حيث هو، وأن تقوم الشركة بتكريمه عند انتهاء هذه المدة، وأن تطلب رسميا من الإخوان أن يحل محله واحد من المشايخ، وأن تضاعف للشيخ الجديد راتبه، وتعني بمسكنه ومطالبه، وفي نهاية المدة عاد فضيلة الشيخ فرغلي وتسلم مكانه فضيلة الأستاذ شافعي أحمد واستمرت الدعوة تشق طريقها في هذه الصحراء مجراها ومرساها" (1).
المسلم عالي الهمة لا يطلب مالا من أحد وإنما يعتز بنفسه، ويسعى لنشر دعوة الإسلام في كل مكان.

الإيمان وعلو الهمة
يقول القرضاوي: الإيمان هو قوة الخلق، وخلق القوة، وروح الحياة، وحياة الروح، وسر العالم، وعالم الأسرار، وجمال الدنيا، ودنيا الجمال، نور الطريق، وطريق النور.
الإيمان هو واحة المسافر ونجم الملاح، ودليل الحيران، وعدة الحارب، ورفيق الغريب، وأنيس المستوحش، ولجام القوي، وقوة الضعيف.
الإيمان هو مصنع البطولات، وتحقق المعجزات، ومفتاح المغاليق، ومنارة الهدى في كل طريق (2).
...
__________
(1) من أعلام الحركة الإسلامية 500: 502.
(2) الإيمان والحياة 308.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

طلب العلم

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 4:46

طلب العلم
يحث الإسلام على العلم، يقول تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي" الترمذي، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب" الترمذي.
قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: العلم خير من المال؛ العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالإنفاق.
ما الفخر إلا لأهل العلم إنهم ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء
ففز بعلم تعش حيًا به أبدا ... الناس موتى وأهل العلم أحياء
قال أبو الأسود: ليس شيء أعز من العلم، الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك.

ثماني مسائل
روى عن حاتم الأصم -تلميذ شقيق البلخي- أنه قال له شقيق: منذ كم صحبتني؟
قال حاتم: منذ ثلاث وثلاثين سنة.
قال: فما تعلمت مني في هذه المدة؟
قال: ثماني مسائل.
قال شقيق له: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثماني مسائل؟!
قال: يا أستاذ لم أتعلم غيرها، وإني لا أحب أن أكذب.
فقال: هات هذه الثماني مسائل حتى أسمعها.
قال حاتم: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد يحب محبوبا هو مع محبوبه إلى القبر، فإذا وصل إلى القبر فارقه، فجعلت الحسنات محبوبي، فإذا دخلت القبر دخل محبوبي معي.
فقال: أحسنت يا حاتم فما الثانية؟
فقال: نظرت في قول الله عز وجل: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)} [النازعات: 40 - 41] فعلمت أن قوله سبحانه تعالى هو الحق فأجهدت نفسي في دفع الهوى حتى استقرت على طاعة الله تعالى.
الثالثة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل من معه شيء له قيمة ومقدار رفعه وحفظه، ثم نظرت إلى قوله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96] فكلما وقع معي شيء له قيمة ومقدار وجهته لله ليبقى عندي محفوظا.
الرابعة: أني نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يرجع إلى المال وإلى الحسب والشرف والنسب، فنظرت فيها فإذا هي لا شيء ثم نظرت إلى قول الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] فعملت في التقوى حتى أكون عند الله كريما.
الخامسة: أني نظرت إلى هذا الخلق يطعن بعضهم في بعض ويلعن بعضهم بعضا وأصل هذا كله الحسد، ثم نظرت إلى قوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الزخرف: 32] فتركت الحسد واجتنبت الخلق وعلمت أن القسمة من عند الله سبحانه وتعالى فتركت عداوة الخلق عني.
السادسة: نظرت إلى هذا الخلق يبغي بعضهم على بعض ويقاتل بعضهم بعضا فرجعت إلى قوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6] فعاديته وحده واجتهدت في أخذ حذري منه لأن الله تعالى شهد عليه أنه عدو فتركت عداوة الخلق غيره.
السابعة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيت كل واحد منهم يطلب هذه الكسرة فيذل فيها نفسه، ويدخل فيها ما لا يحل له ثم نظرت إلى قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى
اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] فعلمت أني واحد من هذه الدواب التي على الله رزقها، فاشتغلت بما لله تعالى عليّ وتركت مالي عنده.
الثامنة: نظرت إلى هذا الخلق فرأيتهم كلهم متوكلين على مخلوق؛ هذا على عقاره، وهذا على تجارته، وهذا على صناعته، وهذا على صحة بدنه، وكل مخلوق متوكل على مخلوق مثله، فرجعت إلى قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] فتوكلت على الله عز وجل فهو حسبي.

أهمية اللغة العربية
قيل إن أبا الأسود الدؤلي دخل على ابنته يوما، فقالت له: ما أحسنُ السماء -بضم النون- فظن أنها تسأل.
فقال لها: نجومها.
فقالت له: أنا لا أسأل ولكني أريد أن السماء حسنة.
فقال لها: إذن فقولي: ما أحسنَ السماء -بفتح النون- ثم انصرف إلى الإمام علي كرم الله وجهه فقال له: لقد فسد لسان العرب، وقص عليه القصة. فأمره أن يضع علم النحو، وأول باب وضعه هو باب التعجب، ثم أتبعه بكثير من الأبواب سدا لما كان يسمع من الخطأ.
وقيل إنه قال لأبي الأسود حين جاءه يخبره بفساد لسان العرب: الكلمة اسم وفعل وحرف، وعلى هذا فانح يا أبا الأسود، فسمى هذا العلم نحوا لهذه الكلمة.

تخير العلوم
يقول أبو حنيفة: لما أردت طلب العلم جعلت أتخير العلوم وأسأل عن عواقبها، فقيل لي: تعلم القرآن، فقلت: إذا تعلمت القرآن وحفظته فما يكون آخره؟
قالوا: تجلس في المسجد ويقرأ عليك الصبيان والأحداث، ثم لا تلبث أن يخرج فيهم من هو أحفظ منك أو يساويك في الحفظ، فتذهب رياستك.
ثم خطر لي أن أتعلم الحديث.
فقلت: فإن سمعت الحديث وكتبته حتى لم يكن في الدنيا أحفظ مني فماذا يكون؟
قالوا: إذا كبرت وضعفت حدثت واجتمع عليك الأحداث والصبيان، فلا تأمن أن تغلط فيرموك بالكذب فيصير عارا عليك في عقبك.
فقلت: لا حاجة لي في هذا، قال أبو حنيفة: فقلت: أتعلم النحو، فقلت: إذا حفظت النحو والعربية ما يكون من آخر أمري؟
قالوا: تقعد معلما، فأكثر رزقك ديناران إلى ثلاثة، وهذا لا عاقبة له.
قال: فقلت: أنظر في الشعر. فإن نظرت في الشعر حتى لم يكن أحد أشعر مني ماذا يكون من أمري؟
قالوا: تمدح هذا فيهيب لك، أو يحملك على دابة، أو يخلع عليك خلعة، وإن حرمك هجوته فصرت تقذف المحصنات، قلت: لا حاجة لي في هذا.
قلت: فإن نظرت في الكلام ماذا يكون آخره؟
قالوا: لا يسلم من نظر في الكلام من مشعات الكلام فيرمي بالزندقة، فإما أن تؤخذ فتقتل وإما أن تسلم فتكون مذموما ملوما.
قال أبو حنيفة: فقلت: فإن تعلمت الفقه، فماذا يكون من أمري؟
قالوا: تُسال تفتي وتطلب للقضاء وإن كنت شابا.
قال: فقلت: ليس في العلوم شيء أنفع من هذا، فلزمت الفقه وتعلمته.

طلب العلم
قال أبو يوسف القاضي: توفي أبي وخلفني صغيرا في حجر أمي، فأسلمتني إلى قصار (يقصر الثوب) أخدمه، فكنت أدع القصار وأمر إلى حلقة أبي حنيفة فأجلس وأسمع، فكانت أم تجيء خلفي إلى الحلقة فتأخذ بيدي فتذهب بي إلى القصار، وكان أبو حنيفة يعنى بي لما يرى من حضوري وحرصي على التعلم، فلما كثر على أمي وطال عليها هربي قالت لأبي حنيفة: ما لهذا الصبي فساد غيرك، هذا صبي يتيم لا شيء له، وإنما أطعمه من مغزلي، وآمل أن يكسب دانقا يعود به على نفسه.
فقال لها أبو حنيفة: مري يا رعناء، هذا هو ذا يتعلم أكل الفلوذج بدهن الفستق، فانصرفت عنه، وقالت له: أنت شيخ قد خرفت وذهب عقلك.
قال أبو يوسف: ثم لزمته فنفعني الله تعالى بالعلم، ورفعني حتى تقلدت القضاء وكنت أجالس الرشيد وآكل معه على مائدته، فلما كان في بعض الأيام قدم إلي هارون الرشيد فالوذجة، فقال لي: يا يعقوب كل منها، فليس في كل يوم يعمل لنا مثلها.
فقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟
فقال: هذه فالوذجة بدهن الفستق، فضحكت، فقال لي: مم ضحكك؟
فقلت: خيرا يا أمير المؤمنين.
قال: لتخبرني، وألح علي، فأخبرته بالقصة من أولها إلى آخرها فتعجب من ذلك وقال: لعمري إن العلم لينفع دنيا ودينا، وترحم على أبي حنيفة وقال: كان ينظر بعين عقله ما لا ينظره بعين رأسه.

كيف تحفظ العلم؟
يقول ابن الجوزي: تقليل المحفوظ مع الدوام أصل عظيم، وألا يشرع في فن حتى يحكم ما قبله، ومن لم يجد نشاطا للحفظ فليتركه، فإن مكابرة النفس لا تصلح، وإصلاح المزاج من الأصول العظيمة، فإن للمأكولات أثرا في الحفظ.
قال الزهري: ما أكلت خلا منذ عالجت الحفظ.
وقيل لأبي حنيفة: بم يستعان على حفظ الفقه؟
قال: بجمع الهم.
وقال حماد بن سلمة: بقلة الغم.
وقال مكحول: من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زاد عقله، ومن جمع بينهما زادت مروءته.
وقال الحسن البصري: العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، وجاء في الأثر: "من سلك طريقا بغير دليل ضل، ومن تمسك بغير أصل زل".
فقيل له: فكيف طلبك له؟
فقال: طلب المرأة المضلة ولدها ليس غيره (1).

الكتاب خير جليس
الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك، والمستميح الذي لا يسترثيك، والجار الذي لا يستبطيك، والصاحب الذي لا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب، والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بنانك، وفخم ألفاظك (2).

المداومة على طلب العلم
من تفرس أبي حنيفة في أبي يوسف -تلميذه- عندما مرض أبو يوسف مرضا خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة فلما خرج من عنده وضع يديه على عتبة بابه وقال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها. وأومأ إلى الأرض.
وقد أغرت هذه التزكية أبا يوسف في أن يتخذ لنفسه مجلسا مستقلا بعد مرضه .. ولكن أبا حنيفة كان حريصا على ملازمته فرده إلى الحلقة بسياسة حكيمة.
عقد أبو يوسف لنفسه حلقة خاصة ونظر أبو حنيفة فإذا بتلميذه الذي أمله للناس من بعده يتعجل ذلك اليوم وها هو ذا يجلس قريبا منه في مسجد الكوفة متصدرا حلقة من الحلقات.
ولم يحسده أبو حنيفة على ذلك، ولم تدخل نفسه الغيرة من تلميذه، ولكن داخلها شيء آخر، هو خشيته على هذا التلميذ من الفشل، لأنه ما زال أمامه وقت للتخرج .. إن التطلع للرياسة قبل الأوان ابتسار للثمرة قبل نضجها، ولقد خاض أبو حنيفة نفسه هذه التجربة قديما حين حدثته نفسه ذات يوم أن يستقل عن شيخه حماد، ومنعه الحياء من ذلك، ثم أنابه شيخه عنه في أثناء سفر مفاجيء له، فلما عاد شيخه عرض عليه المسائل التي سئل فيها وكيف أجاب عنها، فإذا به يوافقه في كثير منها ويخالفه في بعضها، فأدرك
__________
(1) إيقاظ الغافلين 116.
(2) لا تحزن 125، بتصرف.
أنه أحسن صنعا حين لم يستقل بنفسه.
تذكر أبو حنيفة ذلك فأشفق على تلميذه وعزم على أن يرده إلى الحلقة حبا له وإشفاقا عليه، لا حسدا له وغيرة منه.
ولكن كيف يرده؟ لابد من إعمال الحيلة، ولن يعدمها أبو حنيفة وهو صاحب الذكاء المشهور.
استدعى أحد المتحلقين حوله، وألقى إليه سؤالا وطلب منه أن يوجهه إلى أبي يوسف، قال له: قل ليعقوب: ما رأيك في رجل دفع إلى قصار ثوبا ليقصره له بدرهم، فعاد إليه بعد أيام يطلب الثوب فجحده، ثم إن صاحب الثوب عاد بعد أيام يطلب الثوب مرة أخرى فرده عليه مقصورا، فهل له من أجر؟ إن قال لك: له أجر فقل له: أخطأت، وإن قال: ليس له أجر فقل له: أخطأت .. وتوجه الفتى إلى أبي يوسف وألقى عليه السؤال.
فقال أبو يوسف: له أجر.
فقال له: أخطأت.
فقال أبو يوسف: ليس له أجر.
فقال له الفتى: أخطأت، وعاد الفتى إلى حلقة أبي حنيفة بعد أن أنهى مهمته، وأنهى إلى أستاذه جواب أبي يوسف، ونظر أبو يوسف فعلم أنه حار في مسألة كان المفروض ألا يحار فيها .. وهي مسألة يسيرة هينة، فكيف لو ألقى عليه من عويص المسائل، فطوى مجلسه المستقل، وعاد إلى مجلس أبي حنيفة تائبا مستغفرا، قال له أبو حنيفة: أظن ما جاء بك إلا مسألة القصار؟
قال أبو يوسف: نعم.
فقال أبو حنيفة: من يجلس في مجلس الإفتاء فلا ينبغي له أن يعجز في الإجابة عن أقل مسألة.
فقال أبو يوسف: إني تائب فعلمني.
قال أبو حنيفة: إن كان قصره بعدما غصبه فلا أجرة له، لأنه قصره لنفسه، وإن كان قصره قبل أن يغصبه فله الأجرة لأنه قصره لصاحبه، يا أبا يوسف، من ظن أنه يستطيع
أن يستغني عن العلم فليبك على نفسه، ومن ظن أنه علم فقد جهل (1).
ويقال إن سقراط قال: لقد علمت شيئا واحدا وهو أنني لا أعلم شيئا.
ومن كلام أبي يوسف: العلم شيء لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك.

فطنة العالم
حلف هارون الرشيد على زوجته ألا تبيت ليلتها في بلد يدخل في ولايته، كان واقعا تحت تأثير ثورة غضب بعد خلاف نشب بينهما، وأسقط في يد هارون الرشيد بعد أن هدأت ثورة غضبه وأدرك أن الطلاق كائن لا محالة، ولكنه سرعان ما استنجد بقاضيه فأسرع في استدعائه، وجاء أبو يوسف متعجلا يلي طلب الخليفة وهو لا يعرف فيم استدعاه، وقص هارون على أبي يوسف قصة اليمين، وما أسرع أن حل أبو يوسف المشكلة دون عناء، لقد قال فورا: فلتذهب زوجة الخليفة إلى المسجد لتبيت فيه.
إن المسجد هو المكان الوحيد الذي لا يقع تحت ولاية الخليفة -مع امتداد رقعة الملك في ذلك الوقت- حتى لقد كان هارون ينظر إلى السحابة تمر فيقول لها: أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك.
وذهبت زوجة الخليفة إلى المسجد وقضت فيه ليلتها ولم يحنث الخليفة في يمينه، ولم يقع الطلاق، ولم تتأثر كرامة الزوجة، لأنها قضت ليلتها في ضيافة الرحمن في بيته، وكانت فرصة طيبة لتقوم ليلتها تشكر الله على نعمه، قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].

نماذج فريدة معاصرة
كان الإمام البنا يحفظ 18 ألف بيت شعر ومثلها من النثر.
ويقول عمر التلمساني: أقبلت على القراءة الدينية، فقرأت تفسير الزمخشري، وابن كثير، والقرطبي، وسيرة ابن هشام، وغيرها من السير، وقرأت أسد الغابة، والطبقات الكبرى، ونهج البلاغة والأمالي والعقد الفريد لابن عبد ربه، والمخصص لابن سيده،
__________
(1) الإمام أبو حنيفة 136.
وصحيح البخاري، وصحيح مسلم من جلده إلى جلده.

الاستقامة في طلب العلم
قال القاضي عياض: لما أتيت الكوفة، وأكثر أملي السماع من سليمان بن مهران الأعمش فسألت عنه، فقيل لي: غضب على أصحاب الحديث، فحلف ألا يسمعهم مدة، فكنت أختلف إلى باب داره، لعلي أصل إليه، فلم أقدر على ذلك، فجلست يوما على بابه، وأنا متفكر في غربتي وما حرمته من السماع منه، إذ فتحت جارية بابه يوما وخرجت منه، فقالت لي: ما بالك على بابنا؟
فقلت: أنا رجل غريب، وأعلمتها بخبري.
قالت: وأين بلدكم؟
قلت: إفريقية، فانشرحت إلي، وقالت: تعرف القيروان؟
قلت: أنا من أهلها.
قالت: تعرف دار ابن فروخ؟
قلت: أنا هو؟! فتأملتني، ثم قالت: عبد الله؟
قلت: نعم، وإذا هي جارية كانت لنا، بعناها صغيرة، فسارعت إلى الأعمش، وقالت له: إن مولاي الذي كنت أخبرك بخبره (بالباب) فأمرها بإدخالي، فدخلت وأسكنني قبالة بيته، فسمعت منه وحدثني، وقد حرم سائر الناس إلى أن قضيت أربي منه.

زد من الضرب
ها هو شيخ البخاري وأبي داود (هشام بن عمار) قال الحافظ جزرة: سمعت هشام ابن عمار يقول: دخلت على مالك بن أنس، فقلت له: حدثني، فقال: اقرأ، فقلت: لا، بل حدثني، فقال: اقرأ، فلما راددته، قال: يا غلام، تعال اذهب بهذا فاضربه خمس عشرة، قال: فذهب بي، فضربني خمس عشرة درة، ثم جاء بي إليه، فقال: قد ضربته، فقلت: قد ظلمتني، ضربتني خمس عشرة درة بغير جرم، لا أجعلك في حل.
فقال مالك: فما كفارته؟
قلت: كفارته أن تحدثني بخمسة عشر حديثا.
قال: فحدثني بخمسة عشر حديثا، فقلت له: زد من الضرب، وزد من الحديث، فضحك مالك، وقال: اذهب.

هذا والله الملك
قال الإمام الذهبي عن عبد الله بن المبارك: طلب العلم وهو ابن عشرين سنة، فأقدم شيخ لقيه هو الربيع بن أنس الخراساني، تحيل ودخل إليه السجن، فسمع منه نحوا من أربعين حديثا، ثم ارتحل في سنة إحدى وأربعين ومائة، وأخذ عن بقايا التابعين، وأكثر من الترحال والتطواف وإلى أن مات في طلب العلم، وفي الغزو، وفي التجارة، والإنفاق على الإخوان في الله وتجهيزهم معه إلى الحج.

صبرهم على الجوع من أجل العلم
قال الوخشي أبو علي الحسن: كنت بعسقلان أسمع من ابن مصحح وغيره، فضاقت على النفقة، وبقيت أياما بلا أكل، فأخذت لأكتب فعجزت، فذهبت إلى دكان خباز، وقعدت بقربه لأشم رائحة الخبز وأتقوى بها، ثم فتح الله تعالى عليَّ.

لا يستطاع العلم براحة الجسد
قال الحافظ بن عبد الرحمن بن أبي حاتم صاحب الجرح والتعديل: كنا بمصر سبعة أشهر، لم نأكل فيها مرقة، كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ، وبالليل: النسخ والمقابلة قال: فأتينا يوما أنا ورفيق لي شيخا، فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سمكا أعجبنا، فاشتريناه، فلما صرنا إلى البيت، حضر وقت مجلس، فلم يمكننا إصلاحه، ومضينا إلى المجلس، فلم نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام، وكاد يتغير فأكلناه نيئا، لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه .. ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد.

العمل بالعلم
يقول سفيان بن عيينة: إن أنا عملت بما أعلم فأنا أعلم الناس، وإن لم أعمل بما أعلم فليس في الدنيا أحد أجهل مني.
ويقول الفضيل بن عياض: لا يزال العالم جاهلا بما علم حتى يعمل به، فإذا عمل به كان عالما.
ويقول الشافعي: ليس العلم ما حُفظ .. العلم ما نفع.
ويقول محمد بن الحسن الوراق:
إذا أنت لم ينفعك علمك لم تجد ... لعلمك مخلوقا من الناس يقبله
وإن زانك العلم الذي قد حملته ... وجدت له من يجتنيه ويحمله
ويقول ابن القيم: علماء السوء جلسوا على باب الجنة، يدعون إليها الناس بأقوالهم، ويدعونهم إلى النار بأفعالهم، فكلما قالت أقوالهم للناس: هلموا، قالت أفعالهم: لا تسمعوا منهم، فلو كان ما دعوا إليه حقا كانوا أول المستجيبين له، فهم في الصورة أدلاء، وفي الحقيقة قطاع طرق.
ويقول علي بن أبي طالب: هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
ويقول سيدنا عيسى: من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لم يعلم.

حفظ العلوم
يقول الأعشى: احفظوا ما جمعتم، فإن الذي يجمع ولا يحفظ كالرجل كان جالسا على خوان"مائدة طعام" يأخذ لقمة لقمة، فينبذها وراء ظهره، فمتى تراه يشبع؟
ويقول الشافعي:
علمي معي حيثما يممت ينفعني ... قلبي وعاء له لا بطن صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي ... أو كنت في السوق كان العلم في السوق (1)
وكان أبو حامد الغزالي عائدا من رحلته العلمية في جرجان، وكان نتاج رحلته مجموعة كراريس سماها "التعليقة" حوت مجموع الفوائد التي سجلها الإمام عن أستاذه، وفي الطريق حين عودته إلى بلدة طوس خرج عليه قطاع الطريق هو ومن معه، فأخذوا جميع ما في القافلة، بما في ذلك تعليقة الشيخ.
__________
(1) ديوان الشافعي 67.
ويقول أبو حامد الغزالي: فتبعتهم فالتفت إلى كبيرهم، وقال: ويحك ارجع، وإلا هلكت، فقلت: أسألك بالذي ترجو السلامة منه أن ترد على تعليقتي فقط، فما هي بشيء تنتفعون به، فقال لي: وما هي تعليقتك؟ قلت: كتب في مخلاة هاجرت لسماعها وكتابتها ومعرفة علمها، فضحك وقال: كيف تدعي أنك عرفت علمها وقد أخذناها منك فتجردت من معرفتها وبقيت بلا علم؟ ثم أمر بعض أصحابه فسلم إلى المخلاة.
قال أبو حامد: فقلت: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظت جميع ما علقته، وصرت بحيث لو قطع علي الطريق لم أتجرد من علمي.

نتيجة الفهم الصحيح والثقافة الواعية
يحكي الإمام ابن القيم عن فقه الإمام ابن تيمية العميق للإسلام في ترتيب الأولويات فيقول: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم (1).
ولما فتح الله مكة وصارت دار إسلام عزم الرسول على تغيير البيت ورده إلى قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشية وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهد بكفر.
فقال الرسول للسيدة عائشة: "يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم -قال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون" [البخاري].
وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه".

السعادة
كان عبد البديع صقر كثيرا ما يجتمع مع أضرابه وإخوانه في بيت الإمام حسن البنا -عليه رحمة الله- لتدارس بعض الكتب في التفسير والسلوك، ككتاب إحياء علوم الدين
__________
(1) من فقه الأولويات في الإسلام 153.
مثلا، وكانوا في حدود الأربعين من الأشخاص، فيدركهم الجوع، فيطعمهم جميعا طعاما بسيطا "على ما قسم الله" وأحيانا ينسى الإمام أن يجهز لهم شيئا فيقول: "اذهبوا إلى المطبخ فكلوا ما وجدتم أو اصبروا" فكانوا في نشوة الفرح باللقاء والمشغلة بالعلم النافع لا يقيمون وزنا لهذه الاعتبارات، ويتقاسمون الرغيف اليابس وهم في غاية السعادة (1).

من نماذج العلماء
يقول البخاري عن نفسه: لقيت أكثر من ألف رجل، لأهل الحجاز والعراق والشام ومصر، ولقيتهم مرات، أهل الشام ومصر مرتين والجزيرة مرتين، وأهل البصرة أربع مرات، ومكثت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت الكوفة وبغداد مع محدثي خراسان.
وكتب البخاري الحديث وسمعه عن ألف وثمانين من الشيوخ وحفاظ الحديث (2).
وعن عيسى الخياط عن الشعبي قال: لو أن رجلا سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن فحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبله من عمره رأيت أن سفره لم يضع.
وقال الشعبي: العلم كثر من عدد القطر فخذ من كل شيء أحسنه.
وكان عبد الله بن المبارك يكثر الجلوس في بيته فقيل له: ألا تستوحش؟
فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبي.
وقال شقيق بن إيراهيم: قيل لابن المبارك: إذا صليت معنا لم تجلس معنا؟
قال: أذهب أجلس مع الصحابة والتابعين.
قلنا له: ومن أين الصحابة والتابعون؟
قال: أذهب أنظر في علمي فأدرك آثارهم وأعمالهم، ما أصنع معكم؟ أنتم تغتابون الناس.
وقيل لعبد الله بن المبارك: يا أبا عبد الرحمن، إلى متى تكتب هذا الحديث؟
فقال: لعل الكلمة التي أنتفع بها ما كُتبت.
__________
(1) حكايات عن الإخوان (2/ 57، 58).
(2) أعلام المسلمين 133.
وقال مرداد بن جميل: سأل عمرو بن إسماعيل -رجل من أصحاب الحديث- المعافي بن عمران فقال له: يا أبا عمران، أي شيء أحب إليك؟ أسهر وأصلي، أو أكتب الحديث؟
فقال: كتابة حديث واحد أحب إلي من صلاة ليلة.

الفتوى
عن نافع أن رجلا سأل ابن عمر في مسألة، فطأطأ رأسه ولم يجبه، حتى ظن الناس أنه لم يسمع مسألته، فقال له: يرحمك الله أما سمعت مسألتي؟
قال: بلى، ولكنكم كأنكم ترون أن الله تعالى ليس بسائلنا عما تسألونا عنه، اتركنا رحمك الله حتى نتفهم مسألتك، فإن كان لها جواب عندنا وإلا أعلمناك أنه لا علم لنا به.

اطلبوا العلم
عن معاوية بن قرة قال: قال أبو الدرداء: اطلبوا العلم، فإن عجزتم فأحبوا أهله، فإن لم تحبوهم فلا تبغضوهم.
وعن أنس، عن أبي الدرداء قال: اغد عالما أو متعلما أو مستمعا ولا تكن الرابع فتهلك، قلت للحسن: ما الرابع؟ قال: المبتدع.
وقال هارون بن سفيان: سمعت عبيد الله بن عمر القواريري يقول: أملى علي عبد الرحمن بن المهدي عشرين ألف حديث حفظا.
ويقول ابن الجوزي: لقد كنت في حلاوة طلبي العلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو، كنت في زمان الصبا آخذ معي أرغفة يابسة فأخرج في طلب الحديث، وأقعد على نهر عيسى فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء، فكلما أكلت لقمة شربت عليها الماء، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول الله وأحواله وآدابه، وأحوال أصحابه وتابعيهم، فصرت في معرفة طريقهم كابن أجود.
إذا كان يؤذيك حر المصيف ... ويبس الخريف وبرد الشتا
ويلهيك حسن زمان الربيع ... فأخذك للعلم قل لي متى؟
لو عشت مثلا 70 سنة وضاعت منك كل يوم 5 دقائق ضاع منك 3 أشهر، وإذا ضيعت عشر دقائق ضاع من حياتك 6 أشهر، وإذا ضيعت 25 دقيقة ضاعت منك سنة كاملة.

هكذا يطلب العلم
يحكى أن أحد أبناء الخليفة المهدي دخل على شريك، فجلس يستمع إلى دروس العلم التي يلقيها شريك، وأراد أن يسأل سؤالا، فسأله وهو مستند على الحائط وكأنه لا يحترم مجلس العلم، فلم يلتفت إليه شريك، فأعاد الأمير السؤال مرة أخرى، لكنه لم يلتفت إليه وأعرض عنه، فقال له الحاضرون: كأنك تستخف بأولاد الخليفة، ولا تقدرهم حق قدرهم؟
فقال شريك: لا، ولكن العلم أزين عند أهله من أن يضيعوه، فما كان من ابن الخليفة إلا أن جلس على ركبتيه ثم سأله، فقال شريك: هكذا يطلب العلم.
وكان الطبري عالي الهمة، عظيم الاجتهاد، ومما يحكى عنه أن رجلا جاءه يسأله في العروض، وهو علم يعرف به الشعر من (النثر)، ولم يكن الطبري له إلمام كبير بهذا العلم فقال له: على قول ألا أتكلم اليوم في شيء من العروض، فإذا كان في غد فتعال إلي، ثم طلب أبو جعفر كتاب العروض فتدارسه في ليلته، وقال: أمسيت غير عروضي وأصبحت عروضيا.
وظل الطبري أربعين عاما يكتب كل يوم أربعين ورقة، قاصدا بذلك وجه الله، بما ينفع به الإسلام والمسلمين.
ولما ترك الألوسي منصب الإفتاء بالعراق، تفرغ لتفسير القرآن الكريم، وتعلقت نفسه رغبة لإتمام هذا العمل، فكان في أحيان كثيرة يقوم من نومه، ويترك فراشه حين يخطر بذهنه معنى جديد لم يذكره المفسرون السابقون عليه، ولا يهدأ له بال حتى يسجل خواطر في كراريسه، وعندئذ يعود إليه الهدوء، ويزول عنه القلق والتوتر، ويذهب إلى فراشه حيث يستسلم للنوم.
وكان عبد الله بن المبارك سريع الحفظ، لا ينسى ما حفظه أبدا، يحكى أحد أقربائه
-واسمه صخر بن المبارك- عن ذلك فيقول: "كنا غلمانا في الكتاب، فمررت أنا وابن المبارك برجل يخطب، فطالت خطبته، فلما انتهى قال لي ابن المبارك: قد حفظتها فقلت له: فأعدها علي إن كنت حفظتها كما تدعي، فأعادها عليه ابن المبارك وقد حفظها ولم يخطيء في لفظ منها.
ومن وصايا لقمان الحكيم: يا بني اختر المجالس على عينك، وإذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تكن عالما نفعك علمك، وإن تكن جاهلا يعلموك، ولعل الله أن يطلع عليهم برحمة فيصيبك بها معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإنك إن تكن عالما لا ينفعك علمك، وإن تكن جاهلا زادك الله غيا -أو عيا- ولعل الله أن يطلع عليهم بعذاب فيصيبك معهم. (الدارمي).
وكان الرشيد معجبا بذكاء ابنه وانصرافه إلى العلم، فحين دخل على المأمون، وهو ينظر في كتاب، قال له: ما هذا؟
فأجاب المأمون: كتاب يشحذ فكرة، ويحسن العشرة.
فقال الرشيد: الحمد لله الذي رزقني من يرى بعين قلبه أكثر مما يرى بعين جسمه.
ويحكى أن الرشيد أراد الحج فدخل الكوفة وطلب المحدثين علماء الحديث فلم يتخلف إلا عبد الله بن إدريس، وعيسى بن يونس، فبعث إليهما الأمين والمأمون، فحدثهما ابن إدريس بمائة حديث، فقال المأمون: يا عم أتاذن لي أن أعيدها من حفظي؟ فأداها فعجب ابن إدريس من حفظه.

الذكاء والعلم
جاءت امرأة إلى المأمون، وقالت له: مات أخي، وترك ستمائة دينار، فأعطوني دينارا واحدا، وقالوا: هذا ميراثك من أخيك.
ففكر المأمون وقال: أخوك ترك أربع بنات؟
قالت: نعم.
قال: لهن أربعمائة دينار (ثلثا الميراث).
وعن جعفر بن محمد قال: رواية الحديث وبثه في الناس أفضل من عبادة ألف عابد.
وقال عبد الله بن عباس: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر.
وقال سلمان: إنما مثل العالم مثل رجل حمل سراجا في طريق مظلم يستضيء به من به، وكل يدعو له بالخير.
ويروى أن فقيها أعاد الدرس في بيته مرارًا كثيرة فقالت له عجوز في بيت: قد -والله- حفظته أنا.
فقال: أعيديه، فأعادته، فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز أعيدي ذلك الدرس.
فقالت: ما أحفظه.
قال: أنا أكرر عند الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك.
أ- حسن النية:
قال ابن عباس: إنما يحفظ الرجل على قدر نيته.
ب- إحياء المحفوظ بالعمل به:
قال بعض السلف: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به.
ج- التخلي عن المعاصي:
قال الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاصي
وقال مالك بن أنس: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلب.
وعن ابن مهدي قال: سأل رجل مالكا عن مسألة فقال: لا أحسنها، فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسالك عنها، فقال له مالك: فإذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أني قلت لك: لا أحسنها.
وقال أبو هريرة: إنكم تقولون: ما بال المهاجرين لا يحدثون عن رسول الله بهذه
الأحاديث؟ وما بال الأنصار لا يحدثون بهذه الأحاديث؟ وإن أصحابي من المهاجرين كانت تشغلهم صفقاتهم في الأسواق، وإن أصحابي من الأنصار كانت تشغلهم أرضوهم والقيام عليها وإني كنت امرأ معتكفا وكنت أكثر مجالسة رسول الله، أحضر إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وإن النبي حدثنا يوما فقال:"من يبسط ثوبه حتى أفرغ من حديثي ثم يقبضه إليه فإنه ليس ينسى شيئا مني أبدا" فبسطت ثوبي. ثم حدثنا فقبضته إلي، فوالله ما نسيت شيئًا سمعته منه، وايم الله لولا آية من كتاب الله ما حدثتكم بشيء أبدا {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159]. [متفق عليه].
ويقول الشافعي:
تعلم فليس المرء يولد عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل
وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغير إذا التفت عليه الجحافل
وإن صغير القوم إن كان عالما ... كبير إذا ردت إليه المحافل (1)
وقال سعيد بن المسيب: إن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد (2).
وقال أحمد بن حنبل: رحلت في طلب العلم والسنة إلى الثغور، والشامات، والسواحل، والمغرب، والجزائر، ومكة، والمدينة، والحجاز، واليمن، والعراقين جميعا، وفارس، وخراسان، والجبال، والأطراف ثم عدت إلى بغداد (3).
ويقول ابن عباس:
ما أكثر العلم وما أوسعه ... من ذا الذي يقدر أن يجمعه
إن كنت لابد له طالبا ... محاولا فالتمس أنفعه
ويقول الإمام النووي: كان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن كان يحفظ القرآن، وقد مثل الداعية الذي يحفظ القرآن بالرجل يتحلى بثوب حسن في الظاهر،
__________
(1) ديوان الشافعي 105.
(2) أخلاق الدعاة 100.
(3) أخلاق الدعاة 100.
ولكنه لا يكتسي تحته بإزار، فإذا صفحته الريح كشفت عورته، وبانت سوءته:
العلم جهل عند أهل الجهل ... وما الجهل جهل عند أهل العلم
ومنزلة الفقيه من السفيه ... كمنزلة السفيه من الفقيه

عباس العقاد
بينما عباس العقاد في الفرقة الرابعة الابتدائية، إذ بالشيخ محمد عبده -الذي كانت له مكانة كبيرة في ذلك الوقت- يزور المدرسة، فيطلعه مدرس الإنشاء على موضوع كتبه عباس، فأعجب الشيخ به إعجابا شديدا وقال: ما أجدر هذا الصبي أن يكون كاتبا بعد .. فكانت هذه الجملة التي قالها الشيخ محمد عبده حافزًا قويا لعباس العقاد في ذلك الوقت المبكر، جعلته يسلك طريق الكتابة دون سواها (1).

نماذج من علماء الأمة
نشأ الإمام النووي في أسرة تشتغل بالعلم، فجده مالك بن أبي عامر من كبار التابعين، فشجعه ذلك على حفظ القرآن الكريم، فأتم حفظه وأتقن تلاوته، لكنه لم يكتف بذلك بل إنه أراد حفظ أحاديث رسول الله، فذهب إلى أمه وقال لها: يا أماه إني أحب رسول الله وأريد أن أحفظ أحاديثه، فكيف لي بذلك؟
ابتسمت أمه ابتسامة صافية، وضمته إليها، ثم ألبسته ثيابا جميلة وعممته وقالت له: اذهب إلى "ربيعة الرأي" -وكان فقيها كبيرا- وتعلم من أدبه قبل علمه، فجلس الطفل الصغير، مالك بن أنس يستمع إلى شيخه وينهل من علمه، وبعد انتهاء الدرس يسرع بالجلوس تحت ظلال الأشجار ليحفظ ما سمعه من معلمه، حتى لا ينساه، وقد رأته أخته ذات مرة وهو على هذه الحال، فذهبت إلى أبيها وقصت عليه ما شاهدته، فقال لها: يا بنيتي إنه يحفظ أحاديث رسول الله، وكان مالك بن أنس -كغيره من الأطفال الصغار- يحب اللعب، فشغله ذلك عن الدرس والعلم قليلا إلى أن حدث له موقف كان له أثر كبير في حياته، فقد سأله أبوه يوما في مسألة هو وأخوه النضر، فأصاب النضر، وأخطأ مالك في الرد على السؤال، فغضب منه والده، فكانت هذه الحادثة سببا في عزمه على
__________
(1) أعلام المسلمين 238.
الجد والاجتهاد في العلم، فذهب من فوره إلى ابن هرمز -وهو عالم كبير- فأخذ يتلقى العلم عليه سبع سنوات، وكان شديد الحرص على الاستفادة منه خلالها (1).
اصبر على مر الجفا من معلم ... فإن رسوب العلم في نفراته
ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعا لوفاته
وذات الفتى -والله- بالعلم والتقى ... إذا لم يكونا لا اعتبار لذاته (2)
- كان سيبويه حريصا على طلب العلم، وذات مرة، جلس حماد بن سلمة يلقي درسا من دروسه: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء" فظن سيبويه أن شيخه قد أخطأ في عبارة "ليس أبا الدرداء" فقام من مكانه ليصححها له، وقال: ليس أبو الدرداء، لأنه اعتقد أن كلمة أبا اسم ليس التي ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، فابتسم الشيخ في وجه الفتى الصغير وقال: لحنتَ وأخطأتَ يا سيبويه، ليس هذا حيث ذهبت، إنما ليس ما هنا استثناء، فقال سيبويه بأدب لأستاذه قولته السابقة: لا جرم سأطلب علما لا تلحني فيه.
ومنذ ذلك الحين بدأ الفتى الصغير رحلة الاجتهاد والجد، لتحصيل علوم اللغة العربية وخاصة علم النحو (3).
أفاد سيبويه الكثيرين بعلمه، حتى وصل علمه إلى عامة الناس الذين أخذوا عنه، وتعلموا منه الفصاحة.
يحكى أن رجلا قال لسماك (يبيع السمك) بالبصرة: بكم هذه السمكة؟
فقال: بدرهمان .. فضحك الرجل مستهزئا من السماك لأنه رفع المجرور، فقال السماك: ويلك أنت أحمق: لقد سمعت سيبويه يقول: ثمنها درهمان.
يقول أبو هريرة: لأن أفقه ساعة أحب إلي من أن أحي ليلة أصليها حتى أصبح،
__________
(1) أعلام المسلمين 87 - 88.
(2) ديوان الشافعي 59.
(3) أعلام المسلمين 209، 210.
والفقيه أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء دعامة ودعامة الدين الفقه (1).
وكان من دعاء بعض الصالحين: اللهم اجعلني من غرسك الذين تستعملهم بطاعتك.
وعن جابر قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا النبي أخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العيّ السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر (أو يعصب شك موسى) على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده". [أبو داود].
وعن عقبة بن مسلم قال: صحبت ابن عمر أربعة وثلاثين شهرا فكان كثيرا ما يسأل فيقول: لا أدري، ثم يلتفت إلي فيقول: أتدري ما يريد هؤلاء؟ يريدون أن يجعلوا ظهورنا جسرا إلى جهنم (2)
وسئل القاسم بن محمد بن أبي بكر عن شيء فقال: لا أحسنه.
فقال السائل: إني جئت إليك لا أعرف غيرك؟
فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي، وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه.
فقال شيخ من قريش جالس إلى جانب القاسم: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيتك في مجلس أنبل منك اليوم.
فقال القاسم: والله لأن يقطع لساني أحب إلى من أن أتكلم بما لا علم لي (3).
وسئل الإمام الشعبي عن شيء فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تستحي من قولك: لا أدري وأنت فقيه أهل العراق؟
فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالت: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا (4).
واشتهر عن الإمام مالك، والذي قيل فيه حقه: لا يفتى ومالك بالمدينة، قال ابن وهب: لو كتبنا عن مالك لا أدري لملأنا الألواح.
__________
(1) أخلاق الدعاة 111.
(2) المصدر نفسه 149.
(3) المصدر نفسه 10.
(4) أخلاق الدعاة 100.
وعن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة، قال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري.
وعن مالك أيضا: أنه ربما كان سئل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها (1).
ومن جميل ما يروي في هذا عن عبد الرحمن بن مهدي أنه سأل شيخه عبد الله بن الحسن العبري عن مسألة فغلط فيها، فقال له: أصلحك الله، القول فيها كذا وكذا، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: إذن أراجع وأنا صاغر، لأن أكون ذنَبا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسا في الباطل.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من أصحاب رسول الله ما منهم أحد يسأل عن حديث أو فتيا إلا ود أن أخاه كفاه ذلك.
وفي لفظ آخر: كانت المسألة تعرض على أحدهم فيردها إلى الآخر، ويردها الآخر إلى الآخر، حتى تعود إلى الأول (2).
وعن وهب بن منبه قال: ينبغي للعالم أن يكون بمنزلة الطباخ الحاذق يعمل لكل قوم ما يشتهون من الطعام، وكذلك ينبغي للعالم أن يحدث كل قوم بما تحتمله قلوبهم وعقولهم من العلم (3).
وعن الشافعي قال: كنت يتيما في حجر أمي، ولم يكن معها ما تعطي المعلم، وكان المعلم قد رضي مني أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد فكنت أجالس العلماء فأحفظ الحديث والمسألة فكنت أنظر إلى العظم يلوح فأكتب فيه الحديث والمسألة وكانت لنا جرة عظيمة فإذا امتلأ العظم تركته في الحجرة (4).
وكان أغلى شيء عند الإمام أحمد بن حنبل ما جمعه من حديث رسول الله، لذلك كان يكتب في أوراق يحفظها في مكان أمين، وقد حدث ذات يوم أن سرق اللص منزله، فأخذ ملابسه وكل ما في بيته، فلما جاء الإمام أحمد إلى البيت، لم يسأل عن شيء إلا عن الأوراق التي يكتب فيها أحاديث رسول الله، ولما وجدها اطمأن قلبه ولم يحزن على ما سرق منه.
ولم يكن الإمام أحمد بن حنبل مجرد حافظ لأحاديث الرسول بل كان يعمل بما في
__________
(1) أخلاق الدعاة 150.
(2) أعلام المسلمين 211.
(3) أخلاق الدعاة 151.
(4) أخلاق الدعاة 153.
هذه الأحاديث، فيقول عن نفسه: ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به (1).
مناى من الدنيا علوم أبثها ... وأنشرها في كل باد وحاضر
دعاء إلى القرآن والسنن التي ... تناسى ذكرها في المحاضر
وكتب ابن حزم أربعمائة مجلد، تشتمل على ثمانية آلاف ورقة تقريبا (2).
ويقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" [البخاري].
ويقول الحسن البصري: العامل على غير علم ما يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبا لا تضروا بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا تضروا بعلمكم، فإن قوما طلبوا العبادة وتركوا العلم، حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا (3).
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرأون القرآن، يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاقم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". [مسلم].
وعن سفيان بن عيينة قال يوما لأصحابه: من أحوج الناس إلى طلب العلم؟
قالوا: قل يا أبا محمد.
قال: ليس أحد أحوج إلى طلب العلم من العالم، لأنه ليس الجهل بأحد أقبح به من العالم (4).
وحفظ الشافعي القرآن الكريم وسنه سبع سنين، ثم شرع في حفظ أحاديث رسول الله وأمه تشجعه وتشد من أزره، وتحنو عليه، ولكن كان الشافعي لا يقوى على دفع أجر المحفظ أو شراء الأوراق التي يسجل فيها محفوظاته، كان يطوف شوارع وطرقات مكة يجمع قطع الجلود وسعف النخيل وعظام الجمل ليكتب عليها (5).
وكان الشافعي يقضي الساعات الطوال في دروس متصلة، ينتقل من علم إلى علم،
__________
(1) أعلام المسلمين 101.
(2) أعلام المسلمين 101.
(3) أعلام المسلمين 108.
(4) أخلاق الدعاة 95.
(5) أعلام المسلمين 94.
يجلس في حلقته إذا صلى الفجر فيأتيه من يريدون تعلم القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء طلاب الحديث، فيسألونه تفسيره ومعانيه، فإذا انتهوا جاء بعدهم من يريدون تعلم العربية والعروض والنحو والشعر، ويستمر الشافعي في دروسه من بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظهر (1).

آداب طالب العلم:
1 - عدم الحياء في العلم: قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار! لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.
2 - المداومة على طلب العلم: قال الشاعر:
وكلما أدبني الدهر ... أراني نقص عقلي
وكلما ازددت علما ... زادني علما بجهلي
3 - الصبر: يقول الشاعر:
ومن لم يذق مر التعلم ساعة ... تجرع ذل الجهل طول حياته
ومن فاته التعليم وقت شبابه ... فكبر عليه أربعا لوفاته
4 - التدوين: يقول أحمد بن حنبل: مع المحبرة إلى المقبرة، وقيل: العلم صيد والكتابة قيد.
5 - العمل بالعلم: قال الرسول: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه" رواه الترمذي.
6 - احترام المعلم: يقول شوقي:
قم للمعلم وفه التبجيلا ... كاد المعلم أن يكون رسولا
أرأيت أعظم أو أجلَّ من الذي ... يبني وينشيء أنفسا وعقولا؟!
__________
(1) أعلام المسلمين 96.
آفات العلم
قال رسول الله: "لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء وتماروا به السفهاء ولتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار" ابن ماجه.
وقال عمر: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم، قالوا: كيف يكون منافقا عليما؟ قال: عليم اللسان جاهل القلب والعمل.
وقال الحسن: لا تكن ممن يجمع علم العلماء وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجرى السفهاء.
وقال الخليل بن أحمد: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذلك عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فذلك نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فذلك مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فذلك جاهل فارفضوه.
وقال سفيان الثوري: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
وقال أسامة بن زيد: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يؤتى بالعالم يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى فيطوف به أهل النار فيقولون: مالك؟ فيقول: كنت آمر بالخير ولا آتيه وأنهى عن الشر وآتيه" متفق عليه.
وكتب رجل إلى أخ له: إنك قد أوتيت علما فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم.
وراعي الشاة يرعى الذئب عنها ... فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!
وقال حاتم الأصم: ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علم الناس علما فعملوا به ولم يعمل هو به ففازوا بسببه وهلك هو.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال الحسن: تعلموا ما شئتم أن تعلموا فوالله لا يأجركم الله حتى تعملوا.
وقال عمر: إذا زل العالِم زل بزلته عالَم من الخلق.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التفكر

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 4:56

التفكر
أمر الله عز وجل عباده المؤمنين بالتفكر في عظيم مخلوقاته، ونعمه عليهم، وأن ينظروا فيما حولهم من مخلوقات تتحدث كلها عن عظمة من خلقهما وصنعهما وأبدعهما فجاءت في أحسن صورة وأتمها وأكملها.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46)} [سبأ: 46].
وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)} [آل عمران: 190 - 191].
وقوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21)} [الغاشية: 17 - 21].
والآيات الدالة على وجوب التفكر والتدبر والتأمل كثيرة، فهيا بنا ننظر ونتدبر فيما خلق الله وأبدع لنقول معًا: سبحان الله.
يقول هرشل عالم الفلك الكبير في القرن الثامن عشر: "كلما اتسع نطاق العلوم كثرت الأدلة على وجود حكمة خالقة، قادرة، مطلقة، وما العلماء الطبيعيون والكيماويون وعلماء الفلك إلا بناة لمعابد العلوم التي يسبح فيها للخالق العظيم".
ويقول سقراط فيلسوف اليونان الشهير: "هذا العالم يظهر لنا على النحو الذي لم يُترك فيه شيء للمصادفة".
قرر علماء النفس أن الإيمان هو أهم عوامل الشفاء لمرضى النفس وتقول الإحصاءات في أمريكا إنه في كل 35 دقيقة تقع حادثة انتحار، وفي كل 120 ثانية يصاب شخص بالجنون، ويقول الأطباء بأن معظم حالات الانتحار وحالات الجنون يمكن أن يقطع دابرها الإيمان. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ} [البقرة: 186].
ويقول رائد الفضاء السوفيتي تيتوف: "لقد رأيت الأرض معلقة في الفضاء .. وتساءلت من يمسكها فلا تقع .. هل من إجابة غير ما جاءت في القرآن الكريم: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحج: 65].
ويقول لابلاس: "إن القدرة التي وضعت الأجرام السماوية في المجموعة الشمسية، وكثافتها، وأقطارها، ومداراتها، وحددت مدة دوران السيارات حول الشمس، والتوابع حول السيارات بنظام مستمر إلى ما شاء الله، لا يمكن أن تنسب إلى المصادفة".
سبنسر الذي لم يكن يعترف بالأديان قال: "إننا مضطرون إلى الاعتراف بأن للحادثات مظاهر قدرة مطلقة، متعالية عن الإدراك".
ويقول الفلكي الكبير جيمس جينز: "لا يمكن أن تكون المصادفة هي التي أوجدت نظام هذا الكوكب".
ويقول ابراهام لنكولن:" إنني لأعجب لمن يتطلع إلى السماء ويشاهد عظمة الخالق، ثم لا يؤمن بالله". {أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 185].

التفكر
أحد العلماء رد جسم الإنسان إلى العناصر الأساسية فيه، فخرج بالنتائج الآتية:
إذا جئنا بإنسان وزنه مائة وأربعون رطلاً ونظرنا في تكوينه وجدنا بدنه يحتوي على المواد الآتية:
قدر من الدهن يكفي لصنع (7) قطع من الصابون.
قدر من الكربون يكفي لصنع (7) أقلام رصاص.
قدر من الفسفور يكفي لصنع رءوس (120) عود ثقاب.
قدر من ملح المغنسيوم يصلح جرعة واحدة لحد المسهلات.
قدر من الحديد يمكن عمل مسمار متوسط الحجم منه.
قدر من الجير يكفي لتبييض بيت للدجاج.
قدر من الكبريت يطهر جلد كلب واحد من البراغيث التي تسكن شعره.
قدر من الماء يملأ برميلاً سعته عشرة جالونات.
وهذه المواد تشتري من السوق بمبلغ من المال ... وتلك هي قيمة الإنسان المادية (1).
يقول سيد قطب: إن وقفة أمام اللحظة التي يبدأ فيها الجنين حياته على الأرض وهو ينفصل عن أمه، ويعتمد على نفسه، ويؤذن لقلبه ورئتيه بالحركة لبدء الحياة.
إن وقفة أمام هذه اللحظة وهذه الحركة لتدهش العقول وتحير الألباب، وتغمر النفس بفيض من الدهش وفيض من الإيمان، لا يقف له قلب ولا يتماسك له وجدان.
وإن وقفة أخرى أمام اللحظة التي يتحرك فيها لسان الوليد لينطق بهذه الحروف والمقاطع والكلمات ثم بالعبارات، بل أمام النطق ذاته نطق هذا اللسان. وتصويت تلك الحنجرة. إنها عجيبة. عجيبة تفقد وقعها لأنها تمر بنا كثيرًا، ولكن الوقوف أمامها لحظة في تدبر يجدد وقعها، إنها خارقة، خارقة مذهلة تنبئ عن القدرة التي لا تكون إلا لله (2).
الطير سبحه والوحش مجده ... والموج كبره والحوت ناجاه
والنمل تحت الصخور الصم قدسه ... والنحل يهتف حمدًا في خلاياه
والناس يعصونه جهرًا فيسترهم ... والعبد ينسى وربي ليس ينساه
التقى زنديق بإمامنا الشافعي يومًا، فقال له: يا شافعي، ما الدليل على وجود الله؟
فقال الإمام: ورقة التوت، فقال الزنديق: وكيف ذلك؟

قال الشافعي: تأكلها الدود فتخرجها حريرًا طريًا، وتأكلها النحلة فتخرجها عسلا شهيا، وتأكلها الغزالة فتخرج مسكًا زكيًا، وتأكلها الشاة فتخرجها لبنًا صافيا، ... المادة واحدة، واللون واحد، لكن الصنعة مختلفة فمن الصانع؟ {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258].
النحلة
تلك التي خاطبها ربها بما خاطب به الأنبياء فقال: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي
__________
(1) الإيمان والحياة: (58)
(2) في ظلال القرآن (6/ 3380).
مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} [النحل:69،68].
هل تأملت النحل وأحواله وأعماله؟ ألم تتأمل أقراص الشمع السداسية، وفي دقتها وإتقان صنعتها؟ .. إنها مأمورة بالأكل من كل الثمرات، بخلاف كثير من الحشرات التي تعيش على أنواع معينة من الأشجار أو الأعشاب .. وتتعجب معي حين تعلم أن النحلة لا تأكل، بل ولا تقف على شجرة التبغ "الدخان".
وللنحلة عيون كبيرة، توجد في حافتي الرأس عينان، وعينان أخريان في أعلى الرأس، تحتها عين ثالثة مما جعل لها سعة أفق في النظر، فهي ترى أقصى اليمين، وأقصى الشمال، وترى القريب والبعيد في وقت واحد، مع العلم بأن عيونها لا تتحرك، فمن الذي جعل عيونها كذلك؟ إنه من أحسن كل شيء صنعه والنحلة لها سمع دقيق جدًا يتأثر بأصوات وذبذبات لا تستطيع أن تنقلها أذن الإنسان .. فمن الذي زودها بهذا السمع العجيب؟
والنحلة تحمل ضعف وزنها، وبسرعة أربعمائة خفقة جناح في الثانية الواحدة ..
فسبحان من خلق فسوى، وقدر فهدى. وهناك من النحل من تعمل مرشدات عندما تجد مصدرًا للغذاء، تفرز عليه مادة ترشد إليه بقية أخواتها، وعندما ينتهي ما به من رحيق تفرز عليه رائحة كريهة حتى لا تضيع في البحث فيه مرة أخرى: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14].
فمن الذي علمها وأرشدها؟ إنه الله رب العالمين.
إن النحلة (الشغالات) خارج الخلية تستطيع الرجوع إلى خليتها بالتعرف عليها من بين عشرات الخلايا بلا تعب أو عناء، حتى ولو ابتعدت عنها آلاف الأميال.
وهناك حراسا للخلية، فلا تدخل الخلية نحلة غريبة عنها إلا قتلوها.
وهناك نوع آخر أو نحل آخر يعمل بالنظافة، ولذلك فهي لا تلقي مخلفاتها إلا خارج الخلية فمن الذي علمها، ومن الذي ألهمها؟
يقول ابن الجوزي: عرض لي طريق الحج من العرب، فسرنا على طريق خيبر، فرأيت من الجبال الهائلة والطرق العجيبة ما أذهلني، وزادت عظمة الخالق عز وجل في
صدري، فصار يعرض لي عند ذكرى الطرق نوع تعظيم لا أجده عند ذكر غيرها، فصحت بالنفس: ويحك اعبري إلى البحر وانظرى إليه وإلى عجائبه بعين الفكر، تشاهدي أهوالاً هي أعظم من هذه، ثم اخرجي إلى الكون والتفتي إليه، فإنك ترينه بالإضافة إلى السموات والأفلاك كذرة في فلاة. ثم جولي في الأفلاك، وطوفي حول العرش، وتلمحي ما في الجنان والنيران، ثم اخرجي عن الكل والتفتي إليه، فإنك تشاهدين العالم في قبضة القادر الذي لا تقف قدرته عند حد. ثم التفتي إليك فلتلمحي بدايتك ونهايتك، وتفكري فيما قبل البداية، وليس إلا العدم، وفيما بعد البلى وليس إلا التراب، فكيف يأنس بهذا الوجود من نظر بعين فكره المبدأ والمنتهى؟ وكيف يغفل أرباب القلوب عن ذكر هذا الإله العظيم؟ (1).

دعوة
لله في الآفاق آيات لعل أقلها ... هو ما إليه هداكا
ولعل ما في النفس من آياته ... عجب عجاب لو ترى عيناكا
والكون مشحون بأسرار إذا ... حاولت تفسيرًا لها أعياكا
قل للطبيب تخطفته يد الردى ... من يا طبيب بطبه أرداكا
قل للمريض نجا وعوفي بعدما ... عجزت فنون الطب من عافاكا
قل للصحيح يموت لا من علة ... من بالمنايا يا صحيح دهاكا
قل للبصير وكان يحذر حفرة ... فهوى بها من ذا الذي أهواكا
بل سائل الأعمى خطأ بين الزحام ... بلا اصطدام من يقود خطاكا
قل للجنين يعيش معزولاً بلا ... راعٍ ولا مرعى ما الذي يرعاكا
قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء ... لدى الولادة ما الذي أبكاكا
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه ... فاسأله من ذا بالسموم حشاكا
واسأله كيف تعيش يا ثعبان أو ... تحيا وهذا السم يملأ فاكا
__________
(1) صيد الخاطر 204 - 205.
واسأل بطون النحل كيف تقاطرت ... شهدًا وقل للشهد من حلاكا
بل سائل اللبن المصفى كان بين ... دم وفرث ما الذي صفَّاكا
وإذا رأيت الحي يخرج من منايا ... ميت فاسأله من أحياكا
قل للهواء تحسه الأيدي ويخفى ... عن عيون الناس من أخفاكا
قل للنبات يجف بعد تعهد ... ورعاية مَنْ بالجفاف رماكا
وإذا رأيت النبت في الصحراء ... يربو وحده فاسأله من أرباكا
وإذا رأيت البدر يسري ناشرًا ... أنواره فاسأله من أسراكا
واسأل شعاع الشمس يدنو وهي ... أبعد كل شيء ما الذي أدناكا
قل للمرير من الثمار من الذي ... بالمر من دون الثمار غذاكا
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى ... فاسأله من يا نخل شق نواكا
وإذا رأيت النار شب لهيبها ... فأسال لهيب النار من أوراكا
وإذا رأيت الجبل الأشم مناطحًا ... قمم السحاب فسله من أرساكا
وإذا ترى صخرًا تفجر بالمياه ... فسله من بالماء شق صفاكا
وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال ... جرى فسله من الذي أجراكا
وإذا رأيت البحر بالملح الأجاج ... طغى فسله من الذي أطغاكا
وإذا رأيت الصبح يسفر ضاحيا ... فاسأله من يا صبح صاغ ضحاكا
ستجيب ما في الكون من آياته ... عجب عجاب لو ترى عيناكا
ربي لك الحمد العظيم لذاتك ... حمدًا وليس الواحد إلاكا
يا مدرك الأبصار والأبصار لا ... تدري له ولكنهه إدراكا
إن لم تكن عيني تراك فإنني ... في كل شيء أستبين عُلاكا
يا منبت الأزهار عاطرة الشذى ... ما خاب يومًا من دعا ورجاكا
يأيها الإنسان مهلا ما الذي ... بالله جل جلاله أغراكا
يأيها الماء المهين من الذي سواكا ... ومن الذي في ظلمة الأحشاء قد والاكا
ومن الذي غذاك من نعمائه ... ومن الكروب جميعها نجاكا
ومن الذي شق العيون فأبصرت ... ومن الذي بالعقل قد حلاكا
ومن الذي تعصي ويغفر دائمًا ... ومن الذي تنسى ولا ينساكا (1)

هذا الكون
تبعد أرضنا التي نعيش عليها عن الشمس، التي تبلغ درجة حرارتها على سطحها 12 ألف درجة، بمقدار يبلغ 92 مليونا ونصف مليون ميل، وتبعد عن القمر 240 ألف ميل، وهذه الأبعاد هي التي تكفي لتهيئة البيئة الصالحة للحياة بالصورة التي نعرفها على الأرض. إذا لو قربت الأرض عن ذلك لاحترقت الأحياء التي عليها في التو واللحظة، وانعدمت منها كل مظاهر الحياة، ولو بعدت الشمس أكثر من ذلك لأصاب الجمد، ثم الموت كل كائن حي على الأرض، ولو قرب القمر أو بعد عن ذلك، لغمر الماء القارات، ولأهلك الجزر الأحياء، وتفتت الجبال والتلال، وتلاشت الحياة.
وتدور الأرض حول محورها بسرعة ألف ميل في الساعة، أي بما يعادل مرة كل أربع وعشرين ساعة، ولو قل معدل دورانها عن ذلك لطال النهار بما يؤثر في النبات والأحياء صيفًا، وطال الليل بما قد تتجمد بسببه السوائل شتاء، ولو زادت لانعدمت الحياة.
وإذا زاد سمك القشرة الأرضية عما هي عليه قليلاً، لنقص الأكسجين، وقلت فرص الحياة، فإذا فرضنا أن سمك القشرة الأرضية زاد بمقدار عشرة أقدام، لانعدمت بانعدام الأكسجين مقومات الحياة، هذا الأكسجين الذي إذا زاد زيادة طفيفة، لسبب فناء العالم، بما يسببه من اختلال في كثافة الهواء .. فتتهاوى الكواكب والنجوم.
إن من يسكنون بجوار البحار والمحيطات، أو يضطرون إلى الحياة بجوارها، يقومون بعملية معقدة لتبخير الماء ثم تكثيفه لاستبعاد الملح الذي به ليكون بذلك صالحًا للشرب، ولطالما تمنوا أن تكون هذه المياه الملحة حلوة كمياه الأنهار، فلو أن أمنيتهم تحققت، وصارت المياه كلها حلوة، لصارت عفنًا منتشرًا، ولانتهت الحياة من الأرض. فمياه
__________
(1) دعوة للتأمل (14 - 18).
المحيطات والبحار مياه واقفة، والملح فيها مادة حافظة تمنع التعفن، فالشمس تبخر مياه البحار والمحيطات التي تعتبر مستودعًا لا ينفد من المياه المحفوظة، فتصعد إلى الطبقات الباردة في السماء، فتتكثف لتسقط مياها حلوة تجري في الأنهار، تسقي الزرع.
دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، وميل محورها البالغ 23 درجة فتكون فصول السنة، ولو كان الحور معتدلاً لما دارت الأرض حول نفسها، ولتجمعت قطرات المياه المتبخرة من المحيطات والبحار ونزلت في مكانين محددين في الشمال والجنوب، ولتكونت قارات من الجمد، ولظل الصيف دائمًا والشتاء دائمًا.
{يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44]. اليوم بأكمله موجود على الأرض فما كان صباحًا عند قوم فهو نفسه ظهر وعصر ومغرب وعشاء ونصف ليل عند قوم آخرين، حتى تصل إلى القطبين فترى فيها ستة أشهر متواصلة مظلمة، وستة أشهر متواصلة مضيئة.

عظمة الكون
قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47].
يقول العالم بليفن في كتابه العلم ينظر إلى السماء: إن الكون أرحب وأعظم مما كنا نتخيله، وإن الأجزاء النائية من الكون تندفع في الفضاء بعيدًا بسرعة مخيفة.
وقد انتهى علماء الفلك إلى أن مجموعتنا النجمية تشمل مائة بليون من النجوم تقريبًا، ويظن كثير من الناس أن ما بين النجوم فضاء تام، والحقيقة أنه ممتليء بالغازات والمواد المختلفة.
ويقول بليفن: "إن الكون كله بنجومه المختلفة الأحجام التي لا حصر لها، والتي تندفع في جميع الاتجاهات كأنها شظايا قنبلة متفجرة، صورة لا يكاد المرء يتخيلها حتى يدركه البهر وتنقطع أنفاسه، ولكن يبدو أن الأجدر بأن يبهر ويقطع الأنفاس هو رؤية هذا الكائن البشري الضئيل الذي يعيش على شظية من شظايا نجم صغير، في زاوية حقيرة من زوايا مجرة لا تختلف شيئًا عن الملايين من أمثالها، هذا الكائن يتحدى ثم يجرؤ أن يعرف هذا الكون.
ويقول الفلكيون: "إن من هذه النجوم والكواكب التي تزيد على عدة بلايين نجم، ما يمكن رؤيتها بالعين المجردة، وما لا يرى إلا بالجاهر والأجهزة، وما يمكن أن تحس به الأجهزة دون أن تراه، هذه كلها تسبح في الفلك الغامض، ولا يوجد أي احتمال أن يقترب مجال مغناطيسي لنجم من مجال نجم آخر، أو يصطدم كوكب بآخر إلا كما يحتمل تصادم مركب في البحر الأبيض المتوسط بآخر في المحيط الهادي يسيران في اتجاه واحد وبسرعة واحدة.
ويقرر العلم أن سرعة الضوء 186 ألف ميل في الثانية، ومن النجوم ما ترسل ضوءها فيصل إلينا في دقائق، ومنها ما يصل في شهور، وهناك نجوم أرسلت ضوءها وأمكن معرفة ذلك بأجهزة خاصة من ملايين السنين، ولم يصل إلينا ضوؤها بعد. فكم يبلغ اتساع الكون؟

بعض ما في الكون
{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6].
يقول العلامة سيكنا: "لا يستطيع المرء أن يرفع بصره نحو السموات العلا إلا ويفضي إجلالاً ووقارًا، إذ يرى ملايين من النجوم الزاهرة الساطعة، ويراقب سيرها في أفلاكها وتنقلها في أبراجها، وكل نجم وكوكب هو دنيا قائمة بذاتها".
الأرض
الأرض كوكب من الكواكب التي تدور حول الشمس، وهي الكوكب الخامس من حيث الحجم، والثالث من حيث القرب.
والأرض تكاد تكون كرة، إلا أنها منبعجة قليلاً عند خط الاستواء، ومفلطحة عند القطبين، ومساحة سطحها 200 مليون من الأميال المربعة ويشغل اليابس منها نحو من 50 مليون ميل مربع، والماء حوالي 150 مليون ميل مربع ووزنها يبلغ 7 آلاف مليون مليون مليون أي رقم 7 وأمامه 21 صفرًا من الأطنان، وهي بهذا الحجم معلقة في السماء.
الشمس
كرة هائلة من الغازات الملتهبة، قطرها يزيد على مليون وثلث مليون كم، ومحيطها مثل محيط الأرض 325 مرة، ويبلغ ثقلها 332 ألف ضعف ثقل الأرض، وتبلغ درجة
حرارتها الداخلية 20 مليون درجة مئوية، بينما حرارة سطحها 6000 درجة. وهذا السطح تندلع منه ألسنة اللهب إلى ارتفاع نصف مليون كم، وهي تنثر في الفضاء باستمرار طاقة قدرها 167400 حصان من كل متر مربع، ولا يصل للأرض منها سوى جزء من 2 مليون جزء، وهي لا تعتبر إلا نجمة، ولكنها ليست في عداد النجوم الكبرى وسطحها به عواصف وزوابع كهربائية ومغناطيسية شديدة، والمشكلة التي حيرت العلماء هي أن الشمس كما يؤخذ من علم طبقات الأرض لم تزل تشع نفس المقدار من الحرارة منذ ملايين السنين، فإن كانت الحرارة الصادرة عنها نتيجة احتراقها، فكيف لم تفن مادتها على توالي العصور، ولكفاها ستة آلاف سنة لتحترق وتنفد حرارتها.
الجمل
الأهداب الطويلة التي حول عينيه، والتي هي أشبه بشبكة تحمي عينيه من ذرات الرمال إذا هبت عاصفة رملية أثناء سيره في الصحراء. وفي الوقت نفسه يستطيع الإبصار من خلال هذه الشبكة، وبذلك لا يضطر إلى إقفال عينيه كما نفعل لوقاية أعيننا من التراب، أما عن أنفه فهو يتحكم في فتحتها أثناء العواصف ليمنع دخول الرمل فيه، وشفة الجمل العليا مشققة ليساعده على أكل نباتات الصحراء التي غالبا تكون أشواكا، وذلك علاوة على أرجله ذات الخف الذي يناسب الرمل فلا تغوص فيه لو كانت ذات ظلف أو حافر. ولقد أدهش الجمل العلماء بتحمله إذا غاب عنه الماء وأدهشهم أكثر استعداد الجمل لأن يشرب الماء المالح إذا عطش دون أن يصيبه ضرر. وما زالوا في حيرة من أمر أجهزته التي تتكيف ضد الجوع، فلا تفرز كليته نسبة ملحوظة من الماء بل تنخفض درجة حرارة جلده في الحر عند العطش لتقليل تبخر الماء منه.
الجذور عند النباتات
إذا كان للنبات عقل فهو في جذوره، إذ أن شعيراته الدقيقة الرهيفة تنتشر في كافة أرجاء الأرض متفادية العوائق والصخور، فإذا صادفت عقبة ولو ذرة من رمل دفعتها، وإذا لم تستطع أفرزت عليها حوامض لتذيبها، فإذا عجزت أنبتت شعيرات لتلتف حولها وتثبتها في الأرض فتأمن شرها ثم تمتد بعيدًا.
وللجذر فائدة مهمة غير ذلك ألا وهي تثبيت النبات إذ يقع عليه أمر قيام النبات
والاحتفاظ به .. فلا يسقط أو يقع .. وعندما تنظر إلى هذه الأشجار الضخمة الكبيرة الواقفة الشامخة علينا أن نتذكر الجذر الذي يمسكها.
البحار
دلت الأبحاث على أن أقصى أعماق البحار تعادل أقصى علو الجبال، وقد وصل العلماء إلى أعماق بلغت تسعة وثلاثين ألف قدم. والموج يرتفع عادة إلى 25 قدمًا، وقد يرتفع في أيام العاصفة إلى 130 قدمًا، وإذا عرفنا أن للقدم الواحدة في كل موجة قوة مدمرة زنتها ستة آلاف رطل لأمكننا أن نتصور مدى الدمار الذي تنتجه هذه الأمواج.
ففي عام 1872 م اقتلعت موجة عاتية في اسكتلندا مرسى حديديًا وزنه مليونان و700 ألف رطل، وأخرى حملت صخرة وزنها 175 رطلا إلى ارتفاع مائة قدم، وفي عام 1737 م وفي ميناء بانجوك هاج البحر وقتل 300 ألف إنسان ودمر 20 ألف مركب.
ثم على حين فجأة يصفو الجو، وتعتدل الرياح، ويسكن البحر، وتظهر السماء، وتنكشف الأرض، فلا يملك الإنسان إلا أن يسبح بحمد الله قائلا: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117].
تقليب البيض
خطر لعالم أمريكي أن يستفرخ البيض دون حضانة الدجاج، بأن يضع البيض في نفس الحرارة التي ينالها البيض من الدجاج الحاضنة لها، فلما جمع البيض ووضعه في جهاز التفريخ نصحه فلاح أن يقلب البيض إذ أنه رأى الدجاجة تفعل ذلك .. فسخر منه العالم، وأفهمه أن الدجاجة إنما تقلب البيض لتعطي الجزء الأسفل منه حرارة جسمها الذي حرمه .. أما هو فقد أحاط البيض بجهاز يشع بحرارة ثابتة لكل أجزاء البيض .. واستمر العالم في عمله حتى جاء دور الفقس وفات ميعاده ولم تفقس بيضة واحدة!! وأعاد التجربة وقد استمع إلى نصيحة الفلاح، أو بالأحرى إلى تقليد الدجاجة، فصار يقلب البيض حتى إذا أتى ميعاد الفقس خرجت الفراريج؟
وآخر تعليل علمي لتقليب البيض، أن الفرخ حينما يخلق في البيض، ترسب المواد الغذائية في الجزء الأسفل من جسمه، وإذا بقى بدون تحريك تتمزق أوعيته .. ولذلك فإن
الدجاجة لا تقلب البيض في اليوم الأول والأخير.

علمني الخبير العليم
تكييف حرارة وهواء خلية النحل
لما كان يلزم ليرقات نحل العسل حفظ الهواء على درجة ثابتة من الحرارة والتهوية التامة، لتظفر بأسباب الحياة والنمو في الخلية، فإن هناك طائفة من النحل لا عمل لها في الخلية إلا إجهاد عضلاتها لتولد حرارة في أبدانها لتشع في أرجاء الخلية، بينما هناك طائفة أخرى تجثم على الأرض وتحرك أجنحتها بسرعة معينة محكمة لتولد تيارًا من الهواء يكفي لتهوية الخلية، فتكون بذلك مكيفة الجو هواء وحرارة!!
لغة الحيوانات
النحلة إذا عثرت على حقل مزهر، عادت إلى الخلية، وما أن تتوسطها حتى ترقص رقصًا خاصًا، فإذا بالنحل يندفع إليها، ويسير خلفها إلى حيث تهديه النحلة إلى الزهور.
ويقول اللورد "أفبري": إنه طالما أراد أن يمتحن عقل النمل، والوقوف على طريقة التفاهم بين أفراده، وجد يومًا نملة خارجة وحدها من جحرها، فأخذ ذبابة وألقاها في طريق النمل، فما أن عثرت عليها حتى أخذت تعالجها بفمها وأرجلها مدة تزيد على العشرين دقيقة، وتيقنت بعدها عجزها، فعادت أدراجها إلى جحرها، وبعد ثوان معدودة، خرجت النملة تتقدم نحوًا من اثنتي عشرة نملة من أخواتها إلى أن انتهت بهن إلى الذبابة التي ما إن وقع عليها النمل، حتى أخذ يمزقها تمزيقا، وعاد النمل إلى جحره، وكل منها تحمل جزءًا من الذبابة .. فالنملة الأولى رجعت إلى زميلاتها ولم يكن معها شيء قط .. فكيف تم لها أن تخبر باقي النمل بأنها وجدت طعامًا سائغًا، وفريسة شهية، ما لم يكن تم ذلك بلغة خاصة.
النملة تخرج من بيتها، تحمل حب الأرز فتذهب به إلى العراء في جانب مائل من الأرض، معرض للشمس، وتضع حبتها لتجف من ماء المطر ثم تعود به إلى مخازنها تحت الأرض.
الإنسان
لم يعرف إلا أخيرًا أن الغدة النخامية والغدتين فوق الكليتين إنما هي مخازن ذخيرة
تعمل وتنشط عند الحاجة .. بينما في الأوقات العادية لا تزيد عن كونها أجهزة معطلة .. هذه الغدة وظيفتها حفظ التوازن الكيماوي والحيوي في الجسم .. إلا أنه عندما يحاط الإنسان بجو بارد تفرز هذه الغدد إفرازات تسبب ضيقًا في الأوعية الدموية مما يرتفع بسببه ضغط الدم .. فيتغلب الجسم على الجو البارد المحيط به .. بالدفء الداخلي الناتج عن ارتفاع ضغط الدم .. وسرعة تجلط لإيقاف نزف الدم .. كما أن هذه الغدد تعمل على تخفيض ضغط الدم عند الانفعالات النفسية وحالات التوتر والقلق.
ومما قرره العلم أن للأمعاء الدقيقة التي يبلغ طولها ستة أمتار ونصف متر، حركتين لا إراديتين لما يؤيد وجود الله، الحركة الأولى: حركة خلط مستمر هدفها مزج الطعام، بمختلف عصارات الأمعاء وخمائرها مزجًا تافا حتى يكون الهضم عامًا، والحركة الثانية: عرض الطعام المهضوم على أكبر مساحة ممكنة في الأمعاء كي يمس أكبر مسطح فيها فتمتص منه أكبر قدر، ثم يأتي بعد ذلك دور الهضم في الأمعاء الغلاظ التي تفرز آخر أجزاء المواد المهضومة من الفضلات.
وقد دلت التجارب على أنه إذا استؤصلت كلية من الجسم مثلاً ترتب على ذلك تضخم الأخرى، فيمكن قيامها بعمل الكليتين، دون أن يكون للإنسان دخل في ذلك، لذلك إذا بتر نصف الغدة الدرقية، زاد حجم النصف الثاني .. وفي الجسم أجزاء احتياطية، يمكن الاستغناء عن جزء منها عند إصابتها بمرض، فقد يقطع من الأمعاء متر من الأمتار السبعة والنصف الموجودة بجسمه دون أن يحس بفقده.
ويقول الدكتور آرون سميث في المؤتمر الدولي لعلماء النفس المنعقد في موسكو شهر أغسطس 1966م: إن رجلا أمريكيا أزيل نصف مخه بعملية جراحية ومازال يستطيع المشي والكلام والغناء بل والقيام بمسائل حسابية كما كان قبل الجراحة.
جلد الإنسان
الجلد لا ينفذ إليه الماء ولا الغازات رغم مسامه التي تساعد على إخراج الماء من داخل الجسم .. فهو يخرج الماء في العرق ولا يسمح بدخوله! والجلد معرض لهجمات الميكروبات والجراثيم التي تسبح في الجو، لذلك يسلح بإفرازات قادرة على قتل تلك الميكروبات، أما إذا تغلبت الجراثيم واجتازت منطقة الجلد، فهنا تبدأ عملية حربية منظمة
يعجز الإنسان عن إدراك عظمتها، تدق الأجراس لتنبه كافة أعضاء الجسم على دخول عدو لها، وما هذه الأجراس إلا الآلام التي يحس بها الإنسان، لتسرع فرقة حرس الحدود، وتضرب حصارًا شديدًا على عدوها المغير، فإما هزمته وطردته، وإما ماتت فتتقدم فرقة أخرى من الصف الثاني، فالثالث، وهكذا .. وهذه الفرق هي كرات الدم التي يبلغ عددها ثلاثين ألف بليون كرة بين بيضاء وحمراء، فإذا رأيت بثرة حمراء وفيها صديد على الجلد، فاعلم أن صديدها هو فرق ماتت في سبيل واجبها وأن الاحمرار هو كرات دم في صراع مع عدو غادر.
ومن أهم وظائف الجلد
حفظ الجسم عند درجة ثابتة من الحرارة، إذ أن أعصاب الأوعية الدموية، في الجلد تنشطها عندما يشتد حر الجو، كي تشع منه الحرارة، وتفرز غدد العرق ما يزيد على لتر من الماء فتنخفض درجة حرارة الجو الملاصقة للجلد .. أما إذا اشتد برد الجو انقبضت الأوعية الدموية فتحتفظ بحرارتها ويقل العرق .. هذا الجهاز العجيب أعد بعناية وتقدير ليكيف حرارة الجسم فيجعلها على درجة 37 درجة مئوية دومًا في خط الاستواء أو في القطبين.
وجلد الإنسان شيء خاص به، فلا يشبه جلد إنسان إنسانًا أبدًا كما أن الجلد نفسه يتجدد، فجلدك الحالي ليس هو جلد العام الماضي، فإن تجديدات الجلد مستمرة بنمو الخلايا التي في الطبقات التي تكون الجلد، فكل 20 طبقة من الجلد تكون سطح الجلد.
الإبصار
مركز حاسة الإبصار العين التي تحتوي على 130 مليونًا من مستقبلات الضوء وهي أطراف أعصاب الإبصار، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب وتعتبر حركته لا إرادية، أما السائل المحيط بالعين والذي يعرف باسم الدموع، فهو أقوى مطهر كما أنه يجعل حركة العين من الصلبة والقرنية والمشيمية والشبكية، تتم في سهولة وشمر وذلك بخلاف العدد الهائل من الأعصاب والأوعية، ويكفي أن نعلم أن معجزة الإبصار هي أن صورة الشيء المنظور تطبع معكوسة على الشبكية، وينقل العصب البصري هذه الصورة المعكوسة الشكل إلى المخ، فيعيدها المخ إلى العين، وقد عكسها مرة أخرى أي عدلها، فيراها الناظر
معدولة، فهل حدث أن رأى إنسان مرة واحدة صورة معكوسة في التاريخ.
يقول الدكتور جودسون هريك في محاضرة ألقاها في معهد التاريخ بنيويورك في ديسمبر 1957م: إن الدماغ الإنساني الذي يبلغ وزنه ألفًا وأربعمائة جرام غريب التركيب بعيد عن الصور والخيال، فلو جمعنا كل ما في العالم من أجهزة التلغراف والتليفون والرادار فإنها لا تبلغ في تعقيدها درجة دماغ الإنسان.
الجهاز الدوري
يشمل الجهاز الدوري الطحال، تلك القطعة الصغيرة الحجم البيضاوية الشكل من الأنسجة ومجاري الدم، وتوجد خلف المعدة، إنه يقوم بجمع كرات الدم الحمراء التي ضعفت ويفتتها ليصنع منها كرات جديدة قوية، كما أنه ينتج كرات دم بيضاء .. ويضاعف من إنتاجه لمختلف كرات الدم عند الحاجة.
أجهزة أخرى
جهاز الذوق في الإنسان يرجع عمله إلى مجموعة من الخلايا الذوقية القائمة في حلمات غشائه المخاطي، ولتلك الحلمات أشكال مختلفة منها المحيطية، والقطرية والعدسية، ويغذي الحلمات فروع من العصب اللساني البلعومي، والعصب الذوقي، وتتأثر عند الأكل الأعصاب الذوقية فينتقل الأثر إلى النحخ، وهذا الجهاز موجود في أول الفم حتى يمكن للإنسان أن يلفظ ما يحس أنه ضار به، وبه يحس المرء المرارة والحلاوة والبرودة والسخونة والحموضة والملح واللاذع ونحوه. ويحتوي اللسان على تسعة آلاف من نتوءات الذوق الدقيقة يتصل كل نتوء منها بالمخ بأكثر من عصب فكم عدد الأعصاب وما حجمها؟ وكيف تعمل منفردة وتتجمع بالإحساس عند المخ.
تقول مجلة العدوم الإنجليزية: إن يد الإنسان في مقدمة العجائب الطبيعية الفذة، وأنه من الصعب جدًا بل من المستحيل أن تبتكر آلة تضارع اليد البشرية من حيث البساطة والقوة وسرعة التكيف، فحينما تريد قراءة كتب، تتناوله بيدك ثم تثبته في الوضع الملائم للقراءة، وهذه اليد هي التي تصحح وضعه تلقائيًا وحينما تقلب إحدى صفحاته تضع أصابعك تحت الورقة تضغط عليها بالدرجة التي تقلبها، ثم يزول الضغط بقلب الورق. واليد تمسك بالقلم وتكتب به. وتستعمل كافة الآلات التي تلزم الإنسان من
ملعقة إلى سكينة وتحمل كل ما يريده الإنسان .. واليدان تشتملان على 27 عظمة، 19 مجموعة من العضلات لكل منهما.
وفي دراسة اختلاف شكل الإنسان ما يقربنا إلى تفهم جزء من مدى القدرة التي كونت فشكلت. فقد أثبت العلماء أن الصفات الشكلية والخلقية تحملها في الإنسان كروموسومات تناهت في الدقة إلى درجة أنه لو جمع كروموسومات العالم بأجمعه ما زادت عن قبضة اليد، هذه القبضة تسبب اختلافًا في شكل ولون وصفات وأخلاق بلايين البشر، وهم سكان هذا العالم في الماضي والحاضر والمستقبل.
السمك
للسمك حاسة غريبة، هي حاسة تفادي الاصطدام بالصخور والحواجز في ظلمات البحار، وقد درس العلماء هذه الظاهرة فقرروا من نتائج دراساتهم أن للسمك خطًا طوليًا على كل جانب من جانبيه، وبفحص هذه الخطوط بالمجهر، وجدت أنها أعضاء دقيقة حساسة إلى درجة كبيرة، فإذا اقتربت السمكة من حاجز أو صخر، تحس هذه الأعضاء باختلاف ضغط الماء نتيجة اصطدامه بالحاجز، حتى ولو كان تماوج الماء قليلاً، فتتفادى بذلك الاصطدام إذ تغير طريقها.
الخفاش
حيرت العلماء قدرة الخفاش على تفادي الاصطدام بالمباني والأشجار، فهو يطير في الليل حيث الأضواء، وحيث لا تظهر العوائق في الليل، زيادة على ضعف بصره، وقد قام العالم الإيطالي سبالانزاني بالتحقق من هذه القدرة بتجربة لطيفة، إذ علق في سقف حجرة عددًا من الحبال في نهاية كل منها ناقوس صغير يدق إذا لمس الحبل، ثم أظلم الغرفة إظلامًا تامًا، وأطلق فيها خفاشًا وطار الخفاش مرارًا ولكنه لم يمس هذه الحبال، إذ لم يدق أي جرس.
وقد علل العلماء فيما مضى هذه القدرة بأن جلد الخفاش أرق من أي جلد، ولذلك يتمكن من أن يحس اختلاف ضغط الهواء حين يقترب من عائق، وظهر في السنوات الأخيرة رأي يقرر أن الخفاش يرسل اهتزازات ترد إليه بالتصادم مع أي جسم يقابله فيحس به، وأن نظرية معرفته بالعقبات دون رؤية هي نفس نظرية الرادار الذي اخترع في
عصر الذرة .. فانظر كيف أن ما تفتقت عنه حيل العلماء من اكتشافات بهرت العالم .. موجودة في الخفاش.

عجائب الحياة في النبات
ينبت النبات عمومًا من بذرة توافرت لها ظروف خاصة، أهمها حيوية الأجنة فيها، وتحافظ البذور على حيويتها لمدد طويلة تعتبر في ذاتها دليلاً على وجود الله، فقد أمكن استنبات حبات قمح وجدت في قبور الفراعنة، ويجب توافر الماء الضروري للإنبات، والحرارة المناسبة. فكل بذرة تنبت في درجة حرارة معينة، والهواء ضروري للنبات، فهو كائن حي يعيش ويحيا ويتنفس بل ويحس .. ودرجة إحساسه واستجابته للمؤثرات قوية وسريعة .. فالنبات يقلق ويهدأ .. يحزن ويسعد .. فلقد أجريت تجارب على نباتات وضعت في مركبات فضاء .. وبأجهزة القياس .. أوضحت التسجيلات أن صدمات عصبية أصابت النباتات وبدا عليها الاضطراب .. وما إن رجعت إلى الأرض حتى عاد إليها الاستقرار والهدوء. وإذا استنبتت البذرة وخرج الجنين الحي مكونًا جذيرًا صغيرًا بدأ يتغذى من الغذاء المدخر في البذرة حتى يستطيل عوده ويضرب في الأرض ليأكل منها، شأنه في ذلك شأن الجنين في الإنسان والحيوان يتغذى من أمه وهو في بطنها، ثم من لبنها، ثم يستقل عنها، ويعتمد على نفسه في غذائه عندما يستوي. عوده فهل غير الله أودع في البذرة الحياة؟ وهل غير الله وهب الجذر قوة التعمق في الأرض وأخرج الساق وأنبت عليها الأوراق، فالأزهار، فالثمار؟
تنفس النبات
اكتشف في عام 1779 م أن النبات يتنفس، فيأخذ الأكسجين ويطرد ثاني أكسيد الكربون، مثله في ذلك مثل الإنسان والحيوان، ويصحب تنفس النبات ارتفاع في درجة الحرارة، ويتم التنفس في الليل والنهار، إلا أنه في النهار لا تظهر نتيجة التنفس واضحة بالنسبة لعملية التمثيل الكربوني التي يجريها النبات بسرعة أكثر من عملية التنفس، فيخرج الأكسجين ويمتص ثاني أكسيد الكربون. لذلك قد عرف بأن ارتياد الحدائق يكون نهارًا أفضل.
وقد دلت الأبحاث على أن عملية التمثيل الكربوني، كانت كافية وحدها باستهلاك
ثاني أكسيد الكربون الموجود في العالم، لو أن الأمر قد اقتصر عليها، ولكن العليم الخبير قدر ذلك، فجعل الكائنات الحية الأخرى تخرج في تنفسها ثاني أكسيد الكربون.
ولم يترك أمر استهلاك ثاني أكسيد الكربون وإنتاجه دون تحديد، فقد قضت حكمة الخالق أن تكون نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو دائمًا من ثلاثة إلى أربعة أجزاء في كل عشرة آلاف جزء هواء، وهذه النسبة ينبغي أن تكون ثابتة على الدوام لعمار العالم، فلم يحدث أي تغير لها قط مهما اختلفت عمليات الاستهلاك والأنتاج.

عبادة الكون
قال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44].
وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18].
الكون يغار على توحيد الله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)} [مريم: 88 - 91].
الجبال مهيأة للتأثر بالقرآن: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر: 21].
الحجارة تتأثر من خشية الله: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة: 74].
بل صاحبت بعض الجبال والطير نبيًا من أنبياء الله في عبادته: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10].
يحس المسلم أن في الكون من الحيوانات والجمادات ما يتودد إليه، قال رسول الله: "إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا" [رواه البخاري ومسلم].
وعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"وإن العالم ليستغفر له من في السموات والأرض حتى الحيتان في الماء" [رواه الترمذي].
مشاعر متبادلة مع الكون كله
السماء والأرض لا تبكيان على موت الكافرين والطغاة: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ} [الدخان: 29].
المسلم يتبادل مشاعر المحبة مع جبل أصم، عن أنس قال: نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد فقال: "إن أحدًا جبل يحبنا ونحبه" [رواه مسلم والبخاري].
وعن قتادة أن أنسًا حدثه أن النبي صعد أحدًا، وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: "اثبت أحد فإن عليك نبيًا وصديقًا وشهيدين" [رواه البخاري].
والحجر والشجر يناصران أهل التوحيد، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم السلمون، حتى يختبيء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود" [رواه البخاري ومسلم].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندما نظر إلى الهلال: "ربي وربك الله" [رواه الترمذي ومسلم].
ونهي عن لعن الريح، فعن ابن عباس أن رجلاً لعن الريح عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لا تلعن الريح فإنها مأمورة" [رواه الترمذي].
المسلم لا ينسى للوزغ عداءه القديم لخليل الرحمن، فيبادله العداوة بمثلها، عن عائشة قالت: " ... فإن رسول الله حدثنا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار لم تكن في الأرض من دابة إلا تطفئ النار عنه، غير الوزغ كان ينفخ فيه، فأمرنا رسول الله بقتله" [رواه أحمد]. بينما دواب أخرى يلتقي المسلم معها في تسبيح ربها ودعوتها إلى التوحيد، ونهى المسلم عن قتلها، عن ابن عباس قال: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد" [رواه أبو داود]. عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحي إليه:" أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من الأمم تسبح" [رواه مسلم].
عن عبد الله بن عمرو قال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الضفدع وقال: "إن نقيقها تسبيح" [رواه الطبراني] (1).
__________
(1) للاستزادة انظر كتاب الله والعلم الحديث لعبد الرزاق نوفل.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 5:01

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
المعروف: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، والمنكر اسم جامع لكل ما يبغضه الله.
قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} [التوبة: 71].
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن النكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" [رواه الترمذي].
يقول سيد قطب: إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين المنحرفين، فالأرض لا تخلو من الشر، والمجتمع لا يخلو من الشذوذ، ولكن طبيعة الجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفًا مصطلحًا عليه، وأن يصبحا سهلاً يجتريء عليه كل من يهم به، وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات، ويصبح الجزاء على الشر رادعًا وجماعيًا تقف الجماعة كلها دونه، وتوقع العقوبة الرادعة عليه .. عندئذ ينزوي الشر وتنحسر دوافعه، وعندئذ يتماسك الجتمع فلا تنحل عراه، وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها الجتمع، ولا يسمح لها بالسيطرة، وعندئذ لا تشيع الفاحشة ولا تصبح هي الطابع العام (1).

فوائد الأمر بالمعروف:
السلامة من العقاب الإلهي: قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165].
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (2/ 947، 948).
حماية الأرض من الفساد: قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251].
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا" [رواه البخاري].
إقامة الحجة على العصاة: قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].
تنبيه الغافلين: قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164].

حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الوجوب، مع اختلاف العلماء هل هو فرض كفاية أم فرض عين؟ قال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104].
والمقصود من هذه الآية أن تكون فرق من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان
ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله
- صلى الله عليه وسلم -: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" [رواه مسلم].
ونرى أنه يمكن الجمع بين الرأيين، وأنه واجب على كل مسلم ولكن الوجوب قد يكون مباشرة، وقد يكون بواسطة لغير المتأهلين.
ويقول عبد القادر عودة: إن الواجب لم يسقط بتحميله للبعض دون البعض، إنما يسقط بالأداء.
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: بحسب المرء إذا رأى منكرًا لا يستطيع تغييره أن يُعلم الله من قلبه أنه كاره له.
يقول سيد قطب: "إن سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك أن يسود فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يوجد فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يوجد فيه من يستمع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون عرف المجتمع من القوة بحيث لا يجرؤ المنحرفون فيه على التنكر لهذا الأمر والنهي، ولا على إيذاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر.
وهكذا وصف الله الأمة المسلمة فقال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
ووصف بني إسرائيل فقال: {كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ} [المائدة: 79] (1).

مراتب الإنكار
1 - تغيير المنكر باليد: اتفق العلماء على أن التغيير باليد لا يكون إلا عند القدرة عليه، كأولي الأمر بمعناها العام حتى تشمل: الوالد في بيته، والرئيس في عمله، وصاحب العمل مع عماله وفي مصنعه.
2 - تغيير المنكر بالقول، وهو أنواع:
أ- تعريف مرتكب المنكر بالحكم الشرعي فقد يكون جاهلاً به.
ب- الوعظ والنصح والإرشاد.
ج- التقريع والتخويف.
د- التهديد بإنزال العقوبة به.
3 - الإنكار بالقلب: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك حبة خردل". [رواه مسلم] ويقول فقهاء الحنفية: والسكوت عن البدعة والمنكر، فإن رضي أي مع القدرة على الإزالة فهو آثم، وإلا كفاه الإنكار بالقلب، وليس معنى الإنكار بالقلب أن يموت القلب فلا يغضب للمنكر بل معناه رفض كل معصية حضرها أو غاب عنها، أو دعي إليها سرًا أو علنًا، وما لم تكن المسألة كذلك يصبح موقف المسلم من دينه حرجًا ومسئوليته خطيرة،
__________
(1) في ظلال القرآن الكريم (2/ 928).
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:" إذا عملت الخطيئة في الأرض وكان من شهدها فكرهها وقال مرة: فأنكرها، كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" [رواه أبو داود].
والمسلم مأمور أن يغير المنكر إذا رآه، فإن لم يستطع أن يغيره ويزيله، فلا أقل من أن يزول هو عنه، ليبتعد عن مواطنه وأهله، ومما يروي عن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز أنه كان يعاقب شارب الخمر ويقيم عليه الحد، ويعاقب من شهد المجلس، ولم يشارك في الشرب والإثم، ولكنه شارك في السكوت عليه ولم يغادر مكان المعصية، رفع إليه قوم شربوا الخمر فأمر بجلدهم، فقيل له: إن فيهم فلانًا لم يشاركهم لأنه كان صائما فقال: ابدأوا به -أي عاقبه قبلهم- ثم قال: أما سمعتم قول الله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140].
يقول سيد قطب: وقد يجيء على المسلمين زمان لا يستطيعون فيه تغيير المنكر بأيديهم، ولا يستطيعون فيه تغيير المنكر بألسنتهم، فيبقى أضعف الإيمان، وهو تغييره بقلوبهم، وهذا ما لا يملك أحد أن يحول بينهم وبينه، إن هم كانوا حقًّا على الإسلام، وليس هذا موقفًا سلبيًا من المنكر -كما يلوح في بادئ الأمر-. وتعبير الرسول بأنه تغيير دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته، فإنكار المنكر بالقلب معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر، إنه ينكره ويكرهه، ولا يستسلم له، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يحضع له ويعترف به، وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر، ولإقامة المعروف في أول فرصة تسنح، وللتربص بالمنكر حتى توافي هذه الفرصة.
وهذا كله عمل إيجابي في التغيير، وهو على كل حال أضعف الإيمان، فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان، أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع، ولأن ضغطًا قد يكون ساحقًا، فهو الخروج من آخر حلق الدين، والتخلي عن أضعف الإيمان.

الرفق في النهي عن المنكر
يشترط الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد وعظ رجل المأمون وعنف له في القول، فقال: يا رجل ارفق، فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [طه: 44].
النهي عن المنكر بالمعروف
قال محمد بن زكريا الغلابي: شهدت عبد الله بن محمد ليلة، وقد خرج من المسجد بعد المغرب يريد منزله، وإذا في طريقه غلام من قريش سكران، وقد قبض على امرأة فجذبها فاستغاثت، فاجتمع الناس يضربونه، فنظر إليه ابن عائشة فعرفه، فقال للناس: تنحوا عن ابن أخي، ثم قال: إليَّ يا ابن أخي فاستحى الغلام، فجاء إليه فضمه إليه، ثم قال له: امض معي، فمضى معه حتى صار إلى منزله، فأدخله الدار وقال لبعض غلمانه، بيّته عندك، فإذا أفاق من سكره فأعلمه بما كان منه ولا تتركه ينصرف حتى تأتيني به، فلما أفاق ذكر له ما جرى فاستحيا منه وبكى وهم بالانصراف، فقال الغلام: قد أمر أن تأتيه، فأدخله عليه، فقال له: أما استحييت لنفسك؟ أما استحييت لشرفك؟ فاتق الله وانزع عما أنت فيه، فبكى الغلام منكسًا رأسه، ثم رفع رأسه وقال: عاهدت الله عهدًا يسألني عنه يوم القيامة أني لا أعود للشرب، ولا لشيء مما كنت فيه أنا تائب، فقال: ادن مني، فقبل رأسه، وقال: أحسنت يا بني، فكان الغلام بعد ذلك يلزمه ويكتب عنه الحديث، وكان ذلك ببركة الرفق.

لا تخش إلا الله
عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحقر أحدكم نفسه قالوا: يا رسول الله: كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمرًا لله عليه فيه مقال ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما يمنعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى" [رواه ابن ماجه].
يقول عبد الله بن عبد العزيز العمري: من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخافة المخلوقين نزعت منه هيبة الله تعالى، فلو أمر بعض ولده أو بعض مواليه لاستخف به.

أحياني أحياه الله
صعد أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان - رضي الله عنه - على المنبر يومًا فقال:
إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن شئنا أعطيناه، ومن شئنا منعناه. فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثانية؛ قال مثل ذلك، فلم يجبه أحد. فلما كان في الجمعة الثالثة قال مثل مقالته، فقام إليه رجل ممن حضر المسجد فقال:
كلا، إنما المال مالنا، والفيء فيئنا، فمن حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله بأسيافنا.
فنزل معاوية - رضي الله عنه -، فأرسل إلى الرجل، فأدخله، فقال القوم: هلك الرجل. ثم دخل الناس، فوجدوا الرجل معه على السرير، فقال معاوية للناس: إن هذا أحياني أحياه الله، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"سيكون بعدي أمراء يقولون، ولا يرد عليهم، يتقاحمون في النار كما تتقاحم القردة". وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد على أحد، فخشيت أن أكون منهم، ثم تكلمت في الجمعة الثانية، فلم يردَّ عليَّ أحد، فقلت في نفسي: إني من القوم. ثم تكلمت في الجمعة الثالثة، فقام هذا الرجل، فرد علي، فأحياني أحياه الله.

لا يشارك فى باطل
روى زياد عن مالك بن أنس قال: لما بعث أبو جعفر إلى مالك بن أنس وعبد الله ابن طاووس قال: دخلنا عليه وهو جالس على فرش وبين يديه أنطاع قد بسطت، وجلادون بأيديهم السيوف يضربون الأعناق، فأومأ إلينا أن اجلسوا، فجلسنا، فأطرق زمانًا طويلاً ثم رفع رأسه، والتفت إلى ابن طاووس وقال: حدثني عن أبيك!
فقال عبد الله: حدثني أبي قال: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى في سلطانه، فأدخل عليه الجور في حكمه.
فاغتاظ المنصور من تعريض ابن طاووس به، وأطرق ساعة، ملأ الغضب من خلالها وجهه، حتى ظن مالك أنه الهلاك!! قال مالك: فضممت ثيابي مخافة أن يصيبني دمه.
ثم قال المنصور لابن طاووس: ناولني الدواة (قالها ثلاث مرات) فلم يفعل ابن طاووس.
فقال المنصور: لِمَ لم تناولني؟
فقال ابن طاووس: أخاف أن تكتب بها معصية، فأكون قد شاركت فيها!! فلما سمع المنصور ذلك قال لهما: قوما عني.
فقال ابن طاووس: ذلك ما كنا نبغي.
يقول مالك: فما زلت أعرف لابن طاووس فضله من ذلك اليوم (1).

الهضيبي وجمال عبد الناصر
من المواقف المشرفة للعلماء مع الحكام موقف الأستاذ حسن الهضيبي من جمال عبد
__________
(1) الناطقون بالحق (342).
الناصر عام 1954، حين تأزمت الأمور، وخنقت الحريات، وانتشر الظلم والعدوان، فقد بعث إليه خطابًا يأمره فيه بالمعروف، وينهاه عن المنكر، والفساد والإفساد وقد قال فيه:
السيد جمال عبد الناصر رئيس مجلس الوزراء .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد، فإني ما زلت أحييك بتحية الإسلام وأقرئك السلام، وما زلت ترد عليَّ التحية بالشتائم واتهام السرائر، واختلاق الوقائع وإخفاء الحقائق، وليس ذلك أدب الإسلام ولا من شيم الكرام، لست أطمع في نصحك بأن تلزم الحق فذاك أمر عسير، وأنت حر في أن تلقى الله تعالى على ما تريد أن تلقاه عليه، ولكني أريد أن أبصرك بأن هذه الأمة قد ضاقت بخنق حريتها وكتم أنفاسها، وأنها بحاجة إلى بصيص من نور يجعلها تؤمن بأنكم تسلكون بها سبل الخير، وأن غيركم يسلكون بها سبل الشر والهدم والتدمير إلى آخر ما تنسبون إليهم.
إن الأمة في حاجة الآن إلى القوت الضروري، القوت الذي يزيل عن نفسها الهم والغم والكرب، إنها في حاجة إلى حرية القول، ومهما قلتم إنكم تحكمونها حكمًا ديمقراطيًا فإنها لن تصدق لأنها محرومة من نعمة الكلام، والتعبير عن الرأي، فإذا حققتم ذلك فإننا نعدكم بأن نذكر الحقائق ولا نخاف من نشرها ونصدق القول ولا نشوبه بالكذب والبهتان والاختلاق، ولا نتهم لكم سريرة، ولا نبادلكم فيما تضمرون وتدخرن في أنفسكم، ولا نجاري بعض وزرائك فيما يكتبون من غثاثة وإسفاف، وإنما نعدكم -كما هو شأننا- بأن نناقش المسائل مناقشة موضوعية، أما أن تعطوا أنفسكم الحق في الكلام وتحرموا الناس منه، وأما أن تفرضوا آراءكم بالسلاح على الأمة فذلك شيء لا يعقله الناس ولا ترضاه الأمة (1).

الشعراوي والسادات
وقف الشيخ الشعراوي في وجه السادات وخطأه على تفويته صلاة المغرب في اجتماع سياسي جمع أعضاء مجلس الشعب والوزراء وغيرهم من كبار المسئولين، وابتدأ الاجتماع قبل المغرب واستمر حتى بعد العشاء، وعندما حانت صلاة المغرب وقف المرحوم د. السعيد أبو علي عضو مجلس الشعب عن المحلة الكبرى، وأذن للصلاة بصوت مرتفع مقاطعًا بذلك الرئيس السادات وهو يخطب خطبته المذاعة على الهواء بالإذاعة والتليفزيون، وكان الدكتور السعيد من الجمعية الشرعية، فقال له السادات: اجلس نحن في عبادة، وطلب منه الدكتور
__________
(1) حكايات عن الإخوان (2/ 41 - 43) عن جريدة الحقيقة 23/ 3/ 1991.
السعيد رفع الجلسة ليصلي الأعضاء المغرب ورفض السادات، فترك الدكتور السعيد مكانه ومعه بعض الأعضاء يعدون على الأصابع ومنهم الشيخ الشعراوي الذي كان وزيرًا للأوقاف وأدوا الصلاة بالخارج، وعادوا إلى مكانهم لمعاودة الاستماع لكلمة الرئيس السادات، وبعد انتهاء الجلسة دار حوار علني بين السادات والشيخ الشعراوي حيث قال السادات للشيخ الشعراوي: نحن كنا في عبادة، فقال له الشيخ الشعراوي: يا ريس العبادة نوعان: عباد موقوتة وعبادة غير موقوتة، والصلاة عبادة موقوتة، وكان يتحتم عليك رفع الجلسة لأداء الصلاة، فقال له السادات: أنت شايف كده يا شيخ شعراوي، فرد عليه الشعراوي بحزم قائلاً: لست أنا اللي شايف كده، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي أمرنا بذلك وهو اللي شايف كده، وأسقط في يد السادات (1).

التلمساني والسادات
في حديث مفتوح للرئيس أنور السادات بمدينة الإسماعيلية حضره الأستاذ عمر التلمساني بناء على دعوة وجهت إليه، وبث في الإذاعة والتليفزيون على الهواء مباشرة، اتهم السادات جماعة الإخوان بالفتنة الطائفية وساق أنواعًا من التهم الباطلة، فما كان من الأستاذ التلمساني إلى أن انبرى واقفًا يرد على السادات بقوله: "الشيء الطبيعي بإزاء أي ظلم يقع على من أي جهة أن أشكو صاحبه إليك بصفتك المرجع الأعلى للشاكين بعد الله، وهأنذا أتلقى الظلم منك فلا أملك أن أشكوك إلا إلى الله".
وما أن سمع السادات مقولة التلمساني حتى أصابه الذعر والرعب وناشد التلمساني أن يسحب شكواه.
فقال التلمساني بقوة وأدب وتأثر "إني لم أشكك إلى ظالم وإنما شكوتك إلى رب عادل يعلم ما أقول".

إن الذي يمد رجله لا يمد يده
دخل إبراهيم باشا ابن محمد علي حاكم مصر المسجد الأموي في وقت كان فيه عالم الشام الشيخ سعيد الحلبي يلقي درسًا في المصلين. ومر إبراهيم باشا من جانب الشيخ وكان
__________
(1) وعرفت الإخوان: 174.
مادًا رجله فلم يحركها ولم يبدل جلسته، فاستاء إبراهيم باشا واغتاظ غيظًا شديدًا وخرج من المسجد وقد أضمر في نفسه شرًا بالشيخ.
وما أن وصل قصره حتى حف به المنافقون من كل جانب يزينون له الفتك بالشيخ الذي تحدى جبروته وسلطانه، وما زالوا يؤلبونه حتى أمر بإحضار الشيخ مكبلاً بالسلاسل.
وما كاد الجند يتحركون لجلب الشيخ حتى عاد إبراهيم باشا فغير رأيه، فقد كان يعلم أن أي إساءة للشيخ ستفتح له أبوابًا من المشاكل قبل له بإغلاقها.
وهداه تفكيره إلى طريقة أخرى ينتقم بها من الشيخ، طريقة الإغراء بالمال، فإذا قبله الشيخ فكأنه يضرب عصفورين بحجر واحد، يضمن ولاءه ويسقط هيبته في نفوس السلمين فلا يبقى له تأثير عليهم.
وأسرع إبراهيم باشا فأرسل إلى الشيخ ألف ليرة ذهبية وهو مبلغ يسيل له اللعاب في تلك الأيام، وطلب من وزيره أن يعطي المال للشيخ على مرأى ومسمع من تلاميذه ومريديه.
وانطلق الوزير بالمال إلى المسجد واقترب من الشيخ وهو يلقي درسه. فألقى السلام وقال للشيخ بصوت عال سمعه كل من حول الشيخ:
هذه ألف ليرة ذهبية يرى مولانا الباشا أن تستعين بها على أمرك.
ونظر الشيخ نظرة إشفاق نحو الوزير وقال له بهدوء وسكينة:
يا بني عد بنقود سيدك وردها إليه وقل له: إن الذي يمد رجله لا يمد يده.

رجل آثر الله
دعا عمر بن هبيرة كلا من الحسن البصري وعامر بن شراحيل المعروف بالشعبي وقال لهما: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك قد استخلفه الله على عباده وأوجب طاعته على الناس، وقد ولاني ما ترون من أمر العراق، ثم زادني فولاني فارس، وهو يرسل إلي أحيانا كتبا يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته، فهل تجدان لي في متابعتي إياه وإنفاذ أوامره مخرجا في الدين؟ فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة، ومسايرة للوالي، والحسن ساكت، فالتفت عمر بن هبيرة إلى الحسن وقال: وما تقول أنت يا أبا سعيد؟
فقال: يا ابن هبيرة خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله جل وعز يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة، إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد، يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق -كائنا من كان- في معصية الخالق عز وجل. فبكى عمر بن هبيرة حتى بلت دموعه لحيته، ومال عن الشعبي إلى الحسن، وبالغ في إكرامه، فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد، فاجتمع عليهما الناس، وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع الأمير، فالتفت الشعبي إليهم وقال: أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله عز وجل على خلقه في كل مقام فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما قال الحسن لعمر بن هبيرة لا أجهله، ولكني أردت فيما قلته ابن هبيرة، وأراد فيما قاله وجه الله، فأقصاني الله من ابن هبيرة وأدناه منه وحببه إليه (1).
المسلم لا يخشى في الله لومة لائم وإنما يقول كلمة الحق لوجه الله.
...
__________
(1) صور من حياة التابعين 106، 107.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الإيجابية

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 9:15

الإيجابية
الإيجابية: هي اندفاع الإنسان الناشئ عن استقرار الإيمان في قلبه، لتكييف الواقع الذي من حوله، وتغييره وتبديله إلى الأفضل، وهي الحافز الذي يدفع بطاقة الإنسان لأداء عمل معين للوصول إلى غاية محددة محتملاً كافة الصعاب؛ لتحقيق هدفه الأسمى.
وتكتمل معاني الإيجابية حين يحقق المسلم في حياته قول الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)} [الأنعام: 162 - 163].
ونجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - يحث على الإيجابية فيقول:" إن قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها" [رواه البزار].

رجل إيجابي
تدبر في قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال: {يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [القصص: 20].
فكم من الجهد بُذل في زمان لم تكن وسائل المواصلات والاتصالات ميسرة وسهلة كما في أيامنا هذه، وكم من الثمن دفع تضحية لإنقاذ حامل الحق الذي أراد أن يبلغه، إنه الإيمان بالفكرة والدعوة والطريق.

تعلم من الهدهد
تفقد سليمان الطير فقال: {مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ} [النمل: 20] فإذا بالهدهد يقول له: {أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} [النمل: 22].
ولكي ترى كم من المسافات قطع، وكم من الجهد بذل وضحى، لك أن تعرف أن مملكة سبأ تقع في جنوب الجزيرة باليمن، فقطع الهدهد هذه المسافات الشاسعة والفيافي وبلغ قائده بما رأى.
إن الدعوة لا تنتصر بأصحاب المصالح، ولا بطلاب الدنيا، ولا المعطين للدعوة
فضول أوقاتهم وجهدهم، ولا طالبي الأضواء والشهرة.

حتى النملة إيجابية
قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)} [النمل: 17 - 18].
ونلاخظ إيجابية النملة في تحذير قومها من الأخطار المحيطة بهم، فهي أمرت وحذرت، واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور، وخاطبت أمتها بالقول السديد والرأي الرشيد، فهل فكرت يومًا في تحذير قومك من مؤامرات الأعداء؟

الداعية الفعال
قال تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25)} [يس: 20 - 25].
إنها استجابة الفطرة السليم لدعوة الحق المستقيمة، فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها، وحينما استشعر قلبه حقيقة الإيمان تحركت هذه الحقيقة في ضميره، فلم يطق عليها سكوتًا، ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من حوله، ولكنه سعى بالحق الذي استقر في ضميره إلى قومه، وهذه هي الإيجابية.

مؤمن آل فرعون
بعد أن صب فرعون بطشه على بني إسرائيل، فكر في قتل موسى ومن معه، وقامت الاجتماعات، وعقدت المؤتمرات، وبينما هم يتشاورون إذا برجل منهم، كان يكتم إيمانه بموسى من قبل، فلما رأى تآمرهم على قتل موسى، ضاق ذرعًا: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28)} [غافر: 28].
أقام مؤمن آل فرعون الحجة على فرعون وجنوده، بأحلى عبارة، وأجمل إشارة، وفي
النهاية يفوض أمره إلى الله البصير بعباده، وهذه هي الإيجابية، الإعلان عن كلمة الحق في وقتها.
يقول سيد قطب: فالتبعة فردية، والحساب شخصي، وكل نفس مسئولة عن نفسها، ولا تغني نفس عن نفس شيئًا، وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم، مبدأ التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان، وعلى العدل المطلق من الله، هو أقوم المباديء التي تشعر الإنسان بكرامته، والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره، وكلاهما عامل من عوامل التربية، فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام (1).

اقتراح إيجابي
دخل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: يا رسول الله، ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: بلى، والذي نفسي بيده إنكم على الحق، إن متم وإن حييتم، قال: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن -وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - (على ما يبدو) قد رأى أنه آن الأوان للإعلان، وأن الدعوة قد غدت قوية تستطيع أن تدفع عن نفسها- فأذن بالإعلان، وخرج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في صفين، عمر فى أحدهما، وحمزة في الآخر، ولهم كديد ككديد الطحين، حتى دخل المسجد، فنظرت قريش إلى عمر وحمزة. فأصابتهم كآبة لم تصبهم قط، وسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ الفاروق. قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: لما أسلم عمر بن الخطاب لم تعلم قريش بإسلامه، فقال: أي أهل مكة أنقل للحديث؟ قيل له: جميل بن معمر الجمحي، فخرج إليه وأنا معه أتبع أثره، وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت وسمعت، فأتاه فقال: يا جميل إني قد أسلمت، فوالله ما رد عليه كلمة حتى قام يجر رداءه، وتبعه عمر واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش -وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، وعمر يقول من خلفه: كذبت ولكنني أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فثاروا إليه، فوثب عمر على عتبة بن ربيعة، فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل إصبعيه في عينيه، فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس عنه، فقام عمر يجعل لا يدنو أحد إلا أخذ شريف من دنا منه، حتى
__________
(1) في ظلال القرآن (1/ 70).
أحجم الناس عنه، واتبع المجالس التي كان يجلسها بالكفر فأظهر فيها الإيمان، وما زال يقاتلهم حتى ركدت الشمس على رؤوسهم، وفتر عمر وجلس، فقاموا على رأسه فقال: افعلوا ما بدا لكم، فوالله لو كنا ثلاثمائة رجل لتركتموها لنا، أو تركناها لكم، فبينما هم كذلك إذ جاءه رجل عليه حلة حرير وقميص، قال: ما بالكم؟ قالوا: ابن الخطاب قد صبأ، قال: فمه؟ امرؤ اختار دينًا لنفسه، أتظنون أن بني عدي يسلمون إليكم صاحبكم، فكأنما كانوا ثوبًا انكشف عنه، فقلت له بالمدينة: يا أبت من الرجل الذي رد عنك القوم يومئذ؟ قال: يا بني، ذاك العاص بن وائل السهمي (1).
الدعاة اليوم هم طلائع النور في أمة طال عليها الليل، وبوادر اليقظة في أمة تأخر عنها النور، وأمل العالم في عصر أجدبت فيه الدنيا من رسل الرحمة واليقين، فلا يجوز لمسلم أن يبخل بوقته أو جهده لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، أو ولد يرجو له مستقبلاً يفخر به، أو يورثه الطريق، يكون له دعوة صالحة بعد فراقه لهذه الدنيا الفانية؟

موقف بطولي
في موقعة القادسية أسرع القعقاع بن عمرو - رضي الله عنه - حتى قدم بهم على جيش القادسية صبيحة يوم أغواث، وكان أثناء قدومه قد فكر بعمل يرفع به معنويات المسلمين، فقسم جيشه إلى مائة قسم، كل قسم مكون من عشرة، وأمرهم بأن يقدموا تباعًا كلما غاب منهم عشرة عن مدى إدراك البصر، سرحوا خلفهم عشرة، فقدم هو في العشرة الأوائل وصاروا يقدمون تباعًا كلما سرح القعقاع بصره في الأفق فأبصر طائفة منهم كبر فكبر المسلمون، ونشطوا في قتال أعدائهم، وهذه خطة حربية ناجحة لرفع معنويات المقاتلين، فإن وصول ألف لا يعني مددًا كبيرًا لجيش يبلغ ثلاثين ألف، ولكن هذا الابتكار الذي هدى الله القعقاع إليه قد عوض نقص هذا المدد بما قوي من عزيمة المسلمين، وقد بشرهم بقدوم الجنود بقوله: يأيها الناس قد جئتكم في قوم، والله أن لو كانوا بمكانكم حسدوكم، وحاولوا أن يطيروا بها دونكم، فاصنعوا كما أصنع، فتقدم ثم نادى: من يبارز؟ فقالوا فيه بقول أبي بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا وسكنوا إليه، فخرج إليه ذو الحاجب (قائد من قادة الفرس) فقال له القعقاع: من أنت؟ فقال: أنا بهمن
__________
(1) عمر بن الخطاب للصلابي بتصرف.
جاذويه، وهنا تذكر القعقاع مصيبة المسلمين الكبرى وهزيمتهم يوم الجسر على يد هذا القائد فأخذته حميته الإسلامية فنادى فقال: يا لثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب الجسر، ولابد أن هذا القائد الفارسي بالرغم مما اشتهر به من الشجاعة قد انخلع قلبه من هذا النداء، فقد قال أبو بكر - رضي الله عنه - عن القعقاع: لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل، فكيف سيثبت له رجل واحد مهما كان في الشجاعة وثبات القلب، ولذلك لم يمهله القعقاع فأوقعه أمام جنده قتيلاً، فكان لقتله بهذه الصورة أثر كبير في زعزعة الفرس ورفع معنويات المسلمين، لأنه كان قائدًا لعشرين ألف مقاتل من الفرس، ثم نادى القعقاع مرة أخرى: من يبارز؟ فخرج إليه رجلان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان بن الحارث أخو بني تيم، وقُتل الرجلان المبارزان من الفرس على يد القعقاع والحارث، وهكذا قضى القعقاع في أول النهار على قائدين من قادة الفرس الخمسة، ولا شك أن ذلك أوقع الفرس في الحيرة والاضطراب، وساهم ذلك في تدمير معنويات أفراد الجيش الفارسي.
اجلس مع نفسك وفكَّر في وسائل عملية لنصرة الإسلام.

المسئولية فردية
يقول تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286].
يقول سيد قطب:"فردية التبعة، فلا تنال نفس إلا ما كسبت، ولا تحمل نفس إلا ما اكتسبت، فردية التبعة، ورجعة كل إنسان إلى ربه بصحيفته الخاصة، وما قيد فيها له أو عليه، فلا يحيل على أحد، ولا ينتظر عون أحد، ورجعة الناس إلى ربهم فرادى من شأنهم -حين يستيقنها القلب- أن تجعل كل فرد وحدة إيجابية لا تنزل عن حق الله فيها لأحد من عباده إلا بالحق، فهو مسئول عن نفسه هذه، وعن حق الله فيها، وحق الله فيها هو طاعة في كل ما أمر به وفي كل ما نهى عنه، وعبوديتها له وحده شعورا وسلوكًا فإذا فرط في هذا الحق لأحد من العبيد تحت الإغراء والضلال، أو تحت القهر والطغيان -إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان- فما أحد من تلك العبيد يدافع عنه يوم القيامة ولا شافع له، وما أجد من تلك العبيد بحامل عنه شيئًا من وزره ولا ناصر له من الله واليوم الآخر" (1).
__________
(1) في ظلال القرآن (1/ 345).
مبارزة
عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- قالت: أقبل رجل من المشركين وعليه السلاح، حتى صعد على مكان مرتفع من الأرض، فقال: من يبارز؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرجل من القوم: أتقوم إليه؟ فقال له الرجل: إن شئت يا رسول الله، فأخذ الزبير - رضي الله عنه - يتطلع، فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: قم يابن صفية، فانطلق إليه حتى استوى معه، ثم عانق أحدهما الآخر، ثم تدحرجا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أيهما وقع الحضيض أول فهو المقتول، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ودعا الناس فوقع الكافر ووقع الزبير على صدره فقتله.

إيجابية الأطفال
عن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - قال: إني لواقف يوم بدر في الصف فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون بين أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عماه! أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله، والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر فقال لي أيضا مثلها، فلم ألبث أن نظرت لأبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان، هذا صاحبكم الذي تسألاني عنه، فتنافس معاذ ومعوذ على ذبح رأس الكفر أبي جهل على الطريقة الإسلامية، ليقدما رأسه هدية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهذا ضربة وذاك أخرى حتى قتلاه، وعند قبض الثمن اختلفا فتخاصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فطلب رؤية دليل الإثبات (السيوف)، وبعد المعاينة قضى باقتسام الأجر مناصفة قائلاً: كلاكما قتله.
يجب أن نهتم بتعليم الأطفال الإيجابية، ونسمح لهم بالتعبير عن آرائهم مع توجيههم إلى حب الرسول عمليًا.

أبو محجن الثقفي
كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد في الخمر، فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية رآهم يُقتلون، فكأنه رأى أن المشركين قد أصابوا من المسلمين فأرسل إلى امرأة سعد يقول لها: إن أبا محجن يقول لك: إن خليت سبيله وحملتِهِ على هذا الفرس ودفعت إليه سلاحًا ليكونن أول من يرجع إليك إلا أن يقتل، فحلت عنه قيوده، وحمل
على فرس كان في الدار، وأعطي سلاحًا، ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يمر على رجل فيقتله، فنظر إليه سعد فجعل يتعجب منه ويقول: من ذلك الفارس؟ فلم يلبثوا إلا يسيرًا إلا أن هزم الله المشركين، ورجع أبو محجن ورد السلاح وجعل رجليه في القيود كما كان، فجاء سعد فقالت له امرأته: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلاً على فرس أبلق، لولا أن تركت أبا محجن في القيود لظننت أنها بعض شمائل أبي محجن، فقالت: والله إنه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، فقصت عليه قصته، فدعا به وحل قيوده، وقال: اذهب فما أنا مؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله، قال أبو محجن: لا جرم لا أجيب لساني إلى صفة قبيح أبدًا.

قول الحق
جاء أن أبا غياث الزاهد كان يسكن المقابر ببخارى، فدخل المدينة ليزور أخًا له، وكان غلمان الأمير (نصر بن أحمد) ومعهم المغنون والملاهي يخرجون من داره، وكان يوم ضيف الأمير، فلما رآهم الزاهد، قال: (يا نفسُ وقع أمر، إن سكت فأنت شريكة) فرفع رأسه إلى السماء، واستعان بالله، وأخذ العصا فحمل عليهم حملة واحدة، فولوا منهزمين مدبرين إلى دار السلطان، وقصوا على الأمير، فدعا به وقال له: أما علمت أنه من يخرج على السلطان يتغدى في السجن؟
فقال له أبو غياث: أما علمت أنه من يخرج على الرحمن يتعشى في النيران؟
فقال له: من ولاك الحسبة؟
فقال: الذي ولاك الإمارة.
فقال: ولاني الخليفة.
فقال: ولاني الحسبة رب الخليفة.
فقال الأمير: وليتك الحسبة بسمرقند.
فقال: عزلت نفسي عنها.
قال الأمير: العجب في أمرك، تحتسب حين لم تؤمر، وتمتنع حين تؤمر.
قال: لأنك إن وليتني عزلتني، وإن ولاني ربي لم يعزلني أحد.
فقال الأمير: سل حاجتك.
فقال: حاجتي أن ترد عليَّ شبابي.
فقال: ليس ذلك إليَّ.
قال: هل لك حاجة أخرى؟
قال: أن تكتب إلى مالك خازن النار أن لا يعذبني.
قال: ليس إليَّ ذلك أيضًا، قال: هل لك حاجة أخرى؟
قال: أن تكتب إلى رضوان خازن الجنان يدخلني الجنة.
قال: ليس ذلك إليَّ أيضًا.
قال أبو غياث: فإنها مع الرب الذي هو مالك الحوائج كلها، لا أسأله حاجة إلا أجابني إليها، فخلى الأمير سبيله.
المسلم الإيجابي يدعو إلى الخير، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتذكر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" [رواه الترمذي].

الجبين المرفوع
كان حسن الهضيبي أول من كسر تقاليد الانحناء بين يدي الملك، عند حلف اليمين القانونية التي يؤديها القضاة أمامه قبل تولي مناصب المستشارين، إذ كانت دفعته حوالي عشرة، سبقه منهم خمسة لم يترددوا في الانحناء عند حلف اليمين رغم تهامسهم بالتذمر من هذا التقليد المهين، حتى إذا جاء دور الهضيبي الواهن البنية، الصامت اللسان، فاجأ الجميع بأن مد يده لمصافحة الملك وأقسم اليمين منتصب القامة مرفوع الجبين، بصورة أنعشت الإباء فيمن بعده وتبعه سائر المستشارين، فصافحوا الملك وأقسموا اليمين دون تخاضع أو انحناء، حتى قال أحدهم: "إذا شنقوا الهضيبي فليشنقوني معه".
والله لأعرضنك اليوم
عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - قال: كنا في غزاة لنا، فحضر العدو، فصيح في الناس فهم يثوبون إلى مصافهم، فإذا رجل أمامي، رأس فرسي عند عجز فرسه، وهو يخاطب نفسه ويقول: أي نفسُ الم أشهد كذا وكذا؟ فقلتِ لي: أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت؟ ألم أشهد مشهد كذا وكذا؟ فقلت لي: أهلك وعيالك فأطعتك ورجعت؟ والله لأعرضنك اليوم، أخذك أو تركك، فقلت: لأرمقنه اليوم، فرمقته، فحمل الناس على عدوهم، فكان في أوائلهم، ثم إن العدو حمل على الناس فانكشفوا فكان في حماتهم، ثم إن الناس حملوا فكان في أوائلهم، ثم حمل العدو، وانكشف الناس فكان في حماتهم، وقال: فوالله ما زال ذلك دأبه حتى رأيته صريعًا، فعددت به وبدابته ستين أو أكثر من ستين طعنة.

إيجابية الغلام
عن صهيب الرومي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت فابعث إليَّ غلامًا أعلمه السحر فبعث إليه غلامًا يعلمه، فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب، وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة، قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجرًا، فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فأقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتليت فلا تدل عليَّ، وكان الغلام يبريء الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمى، فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: ما ههنا لك أجمع إن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك، فآمن بالله فشفاه الله، فأتى الملك، فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال ربي قال: ولك رب غيرى؟ قال: رب وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجىء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص،
ائتني به، فانطلق الآخر حتى قدم مكة، وسمع من قوله ثم رجع إلى أبي ذر فقال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وكلام ما هو بالشعر، فقال: ما شفيتني فيما أردت، فتزود وحمل قربة قديمة فيها ماء حتى قدم مكة، فأتى المسجد فالتمس النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه حتى أدركه بعض الليل، فاضطجع فرآه علي فعلم أنه غريب، فلما رآه تبعه فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى أصبح ثم احتمل قربته وزاده إلى المسجد فظل ذلك اليوم، ولا يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أمسى فعاد إلى مضطجعه فمر به علي فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه ولا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك، فأقامه علي معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك هذا البلد؟ قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني فعلت، ففعل فأخبره، فقال: فإنه حق، وهو رسول الله، فإذا أصبحت فاتبعني فإن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي، ففعل فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ودخل معه، فسمع من قوله وأسلم مكانه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري، فقال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وثار القوم فضربوه حتى أضجعوه، فأتى العباس فكب عليه فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وإن طريق تجارتكم إلى الشام عليهم؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، وثاروا عليه فضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه [رواه البخاري].
وفي رواية مسلم: قال أبو ذر: فأتيت أنيسًا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني أسلمت وصدقت، قال: ما بي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت، فأتينا أمنا فقالت: ما بي رغبة عن دينكما فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا حتى أتينا قومنا غفارًا فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم "إيماء بن رخصة الغفاري" وكان سيدهم، وقال نصفهم: إذ قدم رسول الله المدينة أسلمنا، فقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، فأسلم نصفهم الباقي، وهكذا أسلمت قبيلة غفار بدعوة أبي ذر بعد أن بذل ما بذل من جهد ووقت وتحمل الأذى في سبيل نشر دعوته.
الشيخ أحمد ياسين
كان المعتاد في قطاع غزة إجراء حفل سنوي للطلاب للاحتفال بأعياد النصر، لخروج القوات الإسرائيلية من قطاع غزة، ووقع الاختيار على أربع فتيات من جيران الشيخ أحمد ياسين للمشاركة في الرقصات أثناء الحفل، فحرض الشيخ أولياء أمورهن على الرفض، فأمر (بشير الرايس) مدير التعليم حينئذ بفصلهن من المدرسة، فاتصل الشيخ وأولياء الأمور بمساعد الحاكم العسكري العام وكان مديرًا للشئون (اللواء جمال صابر) وهددوه بأن مخيم الشاطيء على موعد غدًا مع مظاهرة كبرى احتجاجًا على هذا التصرف، وعلم الحاكم الإداري بالقصة فعنف (بشير الرايس) وأمر بإعادة البنات فورا إلى مدارسهن، ولم يشاركن في الحفل الراقص (1).
...
__________
(1) شهيد أيقظ الأمة: (19).


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الإيثار

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 9:23

الإيثار
الإيثار تفضيل الإنسان لغيره على نفسه، فيبذل لهم مما يملك لإسعادهم قال تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].
وللإيثار فضل كبير ينعم به الفرد والجتمع، فالمؤثر يحظى برضوان الله تعالى وحبه له، ويحدث الترابط بين أفراد المجتمع.

إيثار الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن امرأة جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - ببردة منسوجة فيها حاشيتها، أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشملة، قال: نعم، قالت: نسجتها بيدي فجئت لأكسوكها، فأخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فحسنها فلان، فقال: اكسنيها، ما أحسنها! قال القوم: ما أحسنت، لبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - محتاجا إليها ثم سألته وعلمت أنه لا يرد، قال: إني والله ما سألته لألبسه إنما سألته لتكون كفني قال سهل: فكانت كفنه [رواه البخاري].

ضيف الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث على نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من يضم أو يضيف هذا؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني فقال: هيئي طعامك، وأصلحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها، وأصلحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين، فلما أصبح غدا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم -: ضحك الله الليلة أو عجب من فعالكما، فأنزل الله {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] [رواه البخاري].

مساعدة الناس
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بينما نحن في سفر مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ جاء رجل على راحلة
له، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالاً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له" [رواه مسلم].
إذا كنت تملك قميصا زائدا عن حاجتك، أو لا تستعمله فتبرع به لأحد الفقراء.

إيثار علي بنفسه مكان الرسول - صلى الله عليه وسلم -
تآمر كفار قريش على قتل النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووقف فرسانهم الأشداء حاملين سيوفهم أمام باب بيته، ولكن الله حفظه منهم، وطلب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن ينام في فراشه، فلم يتردد في الموافقة على طلب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدم نفسه فداء له، فنام في فراشه، وتغطى ببردته، وهو يعلم أن المشركين قد يقتلونه لظنهم أنه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا علموا أنه خدعهم ونام مكانه. ونجى الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - وأحاط عليا برعايته، فلم تمتد إليه أيدي المشركين بأذى، وكان علي بن أبي طالب أول فدائي في الإسلام، فكن على استعداد لتقدم نفسك مقابل الدفاع عن رسولك.

جوار الحبيبين
عندما طُعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، أراد ألا يحرم من شرف الصحبة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لابنه عبد الله: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: عمر يقرأ عليك السلام ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرًا وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن بجوار صاحبيه، فقالت عائشة -رضي الله عنها-: كنت أريده لنفسي ولأؤثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني فأسنده رجل إليه فقال: ما وراءك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت، قال: الحمد لله ما كان شيء أحب إليَّ من ذلك، فإذا أنا مت فاحملوني، ثم سلم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين.
وهكذا كانت السيدة عائشة -رضي الله عنها- تؤثر الآخرين على نفسها.
عمر بن الخطاب والدنانير
أخذ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أربعمائة دينار فجعلها في صرة، فقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح ثم تله ساعة في البيت حتى تنظر ما يصنع، قال: فذهب بها الغلام فقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، قال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالي يا جارية، اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان حتى أنفدها. فرجع الغلام إلى عمر وأخبره، فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل، وتله في البيت ساعة، حتى تنظر ما يصنع، فذهب بها إليه، فقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالى يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا، واذهبي إلى بيت فلان بكذا فاطلعت امرأة معاذ، فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، ولم يتبق إلا ديناران فرمى بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك، فسُر بذلك وقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض.

إيثار حتى الموت
أصيب الحارث بن هشام، وعكرمة بن أبي جهل، وعياش بن أبي ربيعة -رضي الله عنهم- بجروح شديدة، وبينما هم راقدون في خيمة الجرحى، طلب الحارث ماء ليشرب فأحضر رجل له الماء، وكان الماء قليلاً، وقربه من فم الحارث ليشرب، ولكن الحارث لاحظ أن عكرمة ينظر إلى الماء فعرف أنه يريد أن يشرب، فقال الحارث للرجل: أعطه له، فلما ذهب الرجل بالماء إلى عكرمة، كان إلى جواره عياش، فلما هم عكرمة أن يشرب، لاحظ أن عياشًا ينظر إلى الماء، فقال عكرمة للرجل: أعطه له، فلما وصل الرجل إلى عياش، وجده قد مات، فرجع الرجل بالماء مرة أخرى إلى عكرمة، فوجده قد مات فعاد به إلى الحارث فوجده قد مات أيضًا، ماتوا جميعًا وكل منهم يؤثر أخاه على نفسه بشربة ماء حتى في اللحظة الأخيرة.

لو ذكرتيني لفعلت
بعث ابن الزبير بثمانين ومائة ألف إلى عائشة -رضي الله عنها- فدعت بطبق وهي يومئذ صائمة، فجلست تقسمه بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهم، فلما أمست قالت: يا جارية هلمي فطري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها الجارية: أما
استطعت مما قسمت اليوم أن نشتري لنا بدرهم لحمًا نفطر عليه؟ فقالت لها: لا تعنفيني، لو كنت ذكرتيني لفعلت.
فرحم الله أم المؤمنين، وقد امتلأ قلبها بالإيمان وحب الرحمن، حتى نسيت إلى جنب ذلك نفسها وهي صائمة.

إيثار المهاجرين والأنصار
لما قدم المهاجرون المدينة آخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم وبين الأنصار، وآخى بين عبد
الرحمن ابن عوف وسعد بن الربيع -رضي الله عنهما- فقال سعد لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ " [رواه البخاري].

إيثار بالشهوات
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان مريضًا، فاشتهى سمكة طرية، فالتُمست له بالمدينة، فلم توجد حتى وُجدت بعد كذا وكذا يوم، فاشتريت بدرهم ونصف، وشويت، وحُملت له على رغيف، فقام سائل على الباب، فقال للغلام: لفها برغيف، وادفعها له.
فقال الغلام: أصلحكا لله، اشتهيتها منذ كذا وكذا يوم، فلم نجدها، فلما وجدناها، واشتريناها بدرهم ونصف أمرت أن ندفعها له، نحن نعطيه ثمنها.
فقال: لُفها، وادفعها إليه.
فقال الغلام للسائل: هل لك أن تأخذ درهمًا وتدع هذه السمكة؟
فأخذ منه درهمًا، وردها، فعاد الغلام وقال له: دفعت له درهما وأخذتها منه.
فقال له: لفها، وادفعها إليه، ولا تأخذ منه شيئًا، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أيما امرئ اشتهى شهوة فردَّ شهوته، وآثر بها على نفسه غفر الله له".

إيثار نادر
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالت الأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل،
ومضى فتبعته، فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل، فوجد لبنا في قدح، فقال: من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه لك فلان أو فلانة، قال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال ولا على أحد، إذا أتته - صلى الله عليه وسلم - صدقة بعث بها إليهم، ولم يتناول منها شيئا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها، فساءني ذلك، فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة، كنت أحق أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها، فإذا جاء وأمرني فكنت أنا أعطيهم، وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن، ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بد، فأتيتهم فدعوتهم، فأقبلوا واستأذنوا فأذن لهم، وأخذوا مجالسهم من البيت، فقال: يا أبا هر! قلت: لبيك يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: خذ فأعطهم، قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد على القدح فأعطيه الآخر فيشرب حتى يروى، ثم يرد عليَّ القدح حتى انتهيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد روي القوم كلهم، فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم، فقال: أبا هر، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: بقيت أنا وأنت، قلت: صدقت يا رسول الله، قال: اقعد فاشرب، فقعدت فشربت، فقال: اشرب فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكًا، قال: فأرني، فأعطيته القدح، فحمد الله وسمى وشرب الفضلة" [رواه البخاري].

بشر بن الحارث
قال بعض الصالحين: ما رأيت أحدًا خرج من الدنيا كما دخل فيها إلا بشر بن الحارث، أتاه رجل في مرضه الذي توفي فيه، فشكا إليه الحاجة، فنزع بشر قميصه الذي كان عليه، فأعطاه إياه، ولم يملك غيره واستعار قميصًا مات فيه. إنه الإيثار حتى في لحظات الموت، فأخوه يحتاج إلى هذا القميص، وهو قد أيقن بالموت.
وكان سفيان الثوري يقول للسائل: مرحبًا بمن جاء يغسل ذنوبي.

أنفق مما تحب
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخله ويشرب
من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قام أبو طلحة إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، إنا الله تبارك وتعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله: بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه" [رواه البخاري].
يا أخي: أنت صاحب دعوة، ويراد منك أن تنشيء أمة وتبني دولة، والأمم لا تقام بفضائل الجهود، يراد منك أن تجاهد لإعلاء مبادئ الدعوة باذلاً في سبيلها مالك وراحتك ووقتك وهمتك ومواهبك وأخيرًا دمك.

إيثار بما تحب
أصاب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بخيبر أرضًا، فأتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أصبت أرضًا لم أصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها، أو تصدقت بها، فتصدق عمر بها في سبيل الله، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف.

إيثار عبد الرحمن بن عوف
عن أنس - رضي الله عنه - قال: بينما عائشة -رضي الله عنها- في بيتها إذ سمعت صوتًا في المدينة قالت: ما هذا؟ قالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل كل شيء، قال: كانت سبعمائة بعير، قال: فارتجت المدينة من الصوت فقالت عائشة رضي الله عنها: أما إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً.
فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأتاها فسألها عما بلغه، فحدثته فقال: فإني أشهدك أنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله وجعلها عبد الرحمن بن عوف في سبيل الله.
صدقة على الفقراء والمساكين، وآثرهم على نفسهم.

إيثار حكيم بن حزام
روى أن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - باع داراً له من معاوية بستين ألفًا، فقالوا: غبنك والله
معاوية! فقال: والله أشهدكم أنها في سبيل الله، والمساكين، والرقاب، فأينا المغبون؟!
إنه الفهم الصحيح لمعنى الإيثار وحب الخير للآخرين، كان كل صحابي مشغولا بالآخرة وما يقربه إلى الجنة.

يا قوم أسلموا
عن أنس - رضي الله عنه - أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - غنمًا بين جبلين، فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدًا ليعطي عطاء ما لا يخاف الفقر! فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها [رواه مسلم].

يؤثر إخوانه بالحياة لحظات
عن أبي العباس بن عطاء قال: سعى ساع بالصوفية إلى الخليفة فقال: إنها هنا قومًا من الزنادقة يرفضون الشريعة، فأخذ أبا الحسين النوري، وأبا حمزة، والدقاق، وتستر الجنيد بالفقه، فكان يتكلم على مذهب أبي ثور.
فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم، فبدر أبو الحسين إلى السياف ليضرب عنقه! فقال له السياف: مالك بدرت من بين أصحابك؟!
فقال: أحببت أن أوثر أصحابي بحياة هذه اللحظة.
فتعجب السياف من ذلك وجميع من حضر، وكتب به إلى الخليفة، فرد أمرهم إلى القاضي إسماعيل بن إسحاق، فقام إليه النوري، فسأله عن أصول الفرائض في الطهارة والصلاة، فأجابه، ثم قال: وبعد هذه فإن لله عبادًا يأكلون بالله، ويلبسون بالله، ويسمعون بالله، ويصدرون بالله، ويردون بالله، فلما سمع القاضي كلامه بكى بكاء شديدًا، ثم دخل على الخليفة فقال: إن كان هؤلاء القوم زنادقة فما على وجه الأرض موحد.

ما شاء الله
كان لعروة بن الزبير بستان من أعظم بساتين المدينة، وكان يسور بستانه طوال العام، لحماية أشجاره من أذى الماشية وعبث الصبية، حتى إذا آن أوان الرطب وأينعت الثمار
وطابت، واشتهتها النفوس، كسر حائط بستانه في أكثر من جهة ليجيز للناس دخوله، وكان كلما دخل بستانه ردد قوله تعالى: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ} [الكهف: 39] (1).

مداواة الروماتيزم:
آلمت بعض الإخوة الشباب في المعتقل البرد الشديد في الزنزانة، وكان شابًا وكانت معه أغطية وثياب، ولما علم معاناة المستشار الهضيبي من مرض الروماتيزم الحاد المزمن الذي يحوج أجلد الفتيان إلى مضاعفة الدفء في وقت الشتاء، فعمد إلى فروة ودفع بها مع حارس الزنزانة ليسلمها -لقاء مبلغ من المال- إلى الأستاذ الهضيبي في زنزانته التي عرف رقمها، غير أن الحارس لم يلبث أن عاد إليه بالفروة بيده ليبلغني أن نزيل تلك الزنزانة أمره بإعادتها إليَّ، وخشيت أن يكون الحارس قد أخطأ المقصود فرددته بكلمة رمزية وألزمته بتسليم الفروة، والتأكد ممن أرسلتها إليه بجواب تلك الكلمة، ولكنه سرعان ما عاد إليَّ بالجواب الرمزي، ومعه الرفض الحاسم بدعوى أنه لا يشعر بأي برد يحوجه إلى الفراء.
وبعد يومين هيأت لهذا الشاب الأقدار الاجتماع بالهضيبي في دورة المياه فقال له: أدفيء نفسك بفروتك أو ادفعها إلى من يحتاج إليها من إخوانك، فقال له: فديتك نفسي، من أحوج إليها منك وأنت مريض بالروماتيزم والدوسنتاريا، فإذا بالهضيبي يقول له في بشاشة: لقد شفيت والله ببرد هذه الزنزانة من كل ما أثقلني من الأمراض في السنوات الماضية. وما كاد الشاب يسمع الجواب حتى غلبته العبرات، وتضاءلت نفسه كأنها حفنة من تراب.

إيثار الكفاح على السلامة
شاءت الأقدار أن يكون الأستاذ الهضيبي في سوريا ولبنان في صيف عام 1954 م بعد زيارة للمملكة العربية السعودية قام بها في أول ذلك الصيف إجابة لدعوة من الملك سعود بن عبد العزيز رحمه الله، وفيما كان الهضيبي موضع الحفاوة والتكريم من جميع الأوساط الدينية والاجتماعية والسياسية في البلدين الكريمين، إذا بحملة استفزاز مسعورة
__________
(1) صور من حياة التابعين: 43.
يطلقها حاكم مصر يومذاك على الإخوان المسلمين في مصر في مدينة من محافظة الشرقية، وإذا الأنباء تتواتر عن اتباع ذلك بموجة عارمة تنصب على الجماعة فأغلقت مراكزها التي شارفت على الألفين، وتعتقل قادتها.
وظن البعض إيثار الهضيبي للسلامة خارج مصر حرصًا على استنفار الرأي العام، والإنكار على حكام مصر.
غير أن الهضيبي ما كاد يسمع أنباء النكثة الجديدة للسلطة المصرية، وما أدت إليه من سجير المحنة، حتى أمر بالتجهز للعودة إلى مصر إعذارًا إلى الله وصيانة للدعوة من أن يشاع أن المرشد العام يهش لقيادته في الرخاء، ويترك جنودها يصطلون بنارها في المحنة والبأساء.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الابتسامة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 9:37

الابتسامة
الإسلام دين السماحة واليسر لا يرفض الضحك، ولا يمنعه، وإنما يقبل منه ما يقوي أواصر الود والترابط بين أفراد المجتمع المسلم، وما يخفف من هموم النفس وآلامها ومتاعبها.
والإسلام دين الفطرة يحرص على رسم الابتسامة الدائمة على شفاه المسلمين، ويجعل بشاشة الوجه سمة أساسية من سمات المؤمن الصالح.
والابتسامة الصافية دليل على الود والصداقة، وحسن المعاملة وحسن النية، وهي تساعد على التلطف والمشاركة بين أفراد المجتمع.
والضحك يفرج الكروب، ويزوح عن النفس، وينشط العقول والأذهان، ويريح الأعصاب، ويخلص العضلات من التوتر، ويحافظ على التوازن النفسي للإنسان.
سُئل عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: هل كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحكون؟ قال: نعم والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل.
ويقول ابن عيينة: البشاشة مصيدة المودة، والبر شيء هين: وجه طليق وكلام لين (1).
وسُئل الصحابي جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: أكنت تجالس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم، كثيرًا كان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويبتسم [رواه مسلم].

الضحك في القرآن
جاءت آيات القرآن الكريم معبرة عن الطبيعة البشرية وخصائصها، فقال تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} [النجم: 43] ليؤكد أن الله سبحانه وتعالى خلق خاصيتي الضحك والبكاء في النفس البشرية، وقد وصف الله سبحانه وجوه المؤمنين يوم القيامة بالضحك
__________
(1) أخلاق الدعاة: 197.

والاستبشار، قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39)} [عبس: 38 - 39].

نماذج من ضحك الرسول - صلى الله عليه وسلم -
لم يكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عابث الوجه قاطب الجبين، كما يظن كثير ممن يزعم التدين أو الزهد، ولكن كان للضحك والمرح جزء من حياته خاصة مع الناس، أما الخوف والبكاء فكان فيما بينه وبين الله دعاء واستغفارًا وتضرعًا، أو رحمة لمصاب المسلمين.
وكان ضحكه - صلى الله عليه وسلم - لا يتنافى مع الحق فهو لا يضحك للباطل وعلى الباطل.
فهيا ننظر في ضحكه لننشر البهجة والسرور والفرح بين المسلمين، ويكون قدوة لنا في الوسطية والحق وعدم الإسراف.

الرسول والفاروق
قال سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: استأذن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن على صوته، فلما استأذن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قمن فبادرن الحجاب، فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدخل عمر، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك.
فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب قال عمر: فأنت أحق أن يهبن يا رسول الله.
ثم قال عمر: يا عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
فقلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إيها يابن الخطاب، والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكًا فجًا قط إلا سلك فجًّا غير فجك" [رواه البخاري].

تصديق الحبر
قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يضع السماء على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع،
والشجر والأنهار على إصبع، وسائر المخلوقات على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67] [رواه البخاري].

أين السائل؟
قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت: قال: ما لك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال: فمكث النبي، فبينا نحن على ذلك أتى النبي بعرق فيها تمر -والعرق: المكتل (السلة الكبيرة) - قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها -يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك [رواه البخاري].

ما الكوثر؟
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: بينا رسول - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم بين أظهرنا، إذا أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسمًا فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: أنزلت عليَّ آنفًا سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)} [الكوثر: 1 - 3] ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيُختلج (يقتطع) العبد منهم، فأقول: يا رب! إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك" [رواه مسلم].

زرع الجنة
عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوما يحدث -وعنده رجل من أهل البادية- أن رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع قال له: ألست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكن أحب أن أزرع، قال: فأسرع وبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده، وتكون أمثال الجبال، فيقول الله تعالى: دونك يا ابن آدم فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فإنه لا يشبعك شيء، فقال الأعرابي: يا رسول الله لا تجد هذا إلا قرشيًا أو أنصاريًا، فإنهم
أصحاب زرع، فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -[رواه البخاري].

تعالى حتى أسابقك
عن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم، ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا فتقدموا، ثم قال لي: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقته، فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال: تعالي حتى أسابقك، فسابقته فسبقني فجعل يضحك وهو يقول: هذه بتلك" أحمد.

آخر أهل الجنة دخولاً
عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار وآخر أهل الجنة دخول الجنة، يؤتى برجل فيقول: سلوا عن صغار ذنوبه واخبئوا كبارها. فيقال له: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، وعملت كذا وكذا، في يوم كذا وكذا.
قال: فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة.
قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هاهنا.
قال: فلقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضحك حتى بدت نواجذه [رواه الترمذي].

أتدرون مم أضحك؟
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: فقلنا: الله ورسوله أعلم.
قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله". قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل" [رواه مسلم].
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة. فإذا ما جاورها التفت إليها، فقال: تبارك الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله شيئًا ما أعطاه آحدًا من الأولين والآخرين. فترفع له شجرة فيقول: أي رب! أدنني
أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخرج إلى الصلاة، فقال أنس: وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأشار إليهم بيده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر".

نصيحة طريفة
عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: أتت سلمى مولاة رسول الله أو امرأة أبي رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رسول الله تستأذنه على أبي رافع قد ضربها.
قالت: قال رسول الله لأبي رافع: مالك ولها يا أبا رافع؟
قال: تؤذنيني يا رسول الله.
فقال رسول الله: بم آذيته يا سلمى؟
قالت: يا رسول الله ما آذيته بشيء، ولكنه أحدث وهو يصلي، فقلت له: يا أبا رافع إن رسول الله قد أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم الريح أن يتوضأ، فقام فضربني.
فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضحك، ويقول: يا أبا رافع إنها لم تأمرك إلا بخير" [رواه أحمد].

مواقف مضحكة
خرج الإمام الشهيد حسن البنا مرة في رحلة خلوية مع الجوالة، وقام الإخوة المكلفون بإعداد الطعام بعملهم، ولكنهم أخطأوا بخلطهم العدس بالحلبة، فكان مذاق الطعام غير مألوف، ولكنه خفف الحرج عن الآكلين والطهاة لتشجيع الجوالة على تناول هذا الطعام الغريب فقال: أتعرفون ما اسم هذه الطبخة يا أحباب؟ إنها الحلبة التي تسمعون عنها، وها أنتم قد رأيتموها وأكلتموها، فبالهناء والشفاء.
وكان في الإسكندرية شعبة للإخوان المسلمين في حي الحجاري بمنطقة رأس التين (تسمى شعبة الحجاري) وحين كان الأستاذ البنا يخطب في حفل للإخوان المسلمين في شعبة محرم بك، جاء الإخوان بشعبة الحجاري في جمع كبير، وهم يهتفون (الحجاري تحييك يا بنا)، فقطع الأستاذ البنا حديثه وقال: ومن للحجاري غير البنا.
(الحجاري: الآلة التي تقطع بها الحجارة التي تستعمل في البناء).
أنا روحك وأنت روحي
يقول عباس السيسي: في عام 1947 م خرجت من دار المكتب الإداري بالإسكندرية إلى مطبعة رمسيس أمام المحافظة القديمة، وبعد مدة خطر ببالي أن أتصل بدار المكتب تليفونيًا لعل أمرًا يحتاجني هناك، ورد عليَّ في التليفون من يقول: من أنت؟ فقلت: أخوك عباس السيسي، وقلت له: من أنت؟ فقال: لا أعطيك اسمي وابتسم ضاحكًا فقلت له: طيب أنت لابس إيه؟ فقال: يا أخ عباس الرجل يعرف بروحه وحسه ولا يعرف بلبسه. فقلت: له: يظهر أنك رجل روحي قوي، قال: أنا روحك وأنت روحي، أنا حسن البنا؟ فألقيت السماعة على المكتب وهتفت: الله أكبر ولله الحمد، حيث كانت مفاجأة حيث جاء الإمام البنا من القاهرة فجأة (1).

شروط المزاح
1 - عدم الإكثار منه: كان الصحابة الذين تربوا في مدرسة النبوة يتمازحون فيما بينهم، فإذا جد الجد كانوا هم الرجال، كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبادلون (يترامون) بالبطيخ، فإذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال.
قال عمر - رضي الله عنه -: من كثر ضحكه قلت هيبته.
2 - عدم الأذى فيه:
عن عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده -رضي الله عنهم- أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يأخذن أحدكم مثاع أخيه لاعبًا ولا جادًا، ومن أخذ عصا أخيه فليردها" [رواه أبو داود].
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى -رضي الله عنهما- قال: حدثنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أنهم كانوا يسيرون مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل فأخذه، ففزع، فقال رسول الله: لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا" [رواه أبو داود].
3 - تجنب الكذب وقول الزور:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له" [النسائي والترمذي].
__________
(1) حكايات عن الإخوان (1/ 94) بتصرف.
ومن البدع الشائعة بين الناس (كذبة أبريل) وهي ليست من أخلاق الإسلام.
4 - البعد عن السخرية:
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ} [الحجرات: 11].
5 - اختيار الوقت والمكان المناسبين:
فلا مزاح في أوقات الصلاة، وعند زيارة القبور، وذكر الموت، وعند قراءة القرآن، ولقاء الأعداء، وفي أماكن العلم.
6 - عدم المزاح في الزواج والطلاق والمراجعة:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة" (أي أن يراجع الرجل امرأته بعد أن يطلقها) [رواه أبو داود].
7 - عدم المزاح بالسلاح:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه" [مسلم].

الضحك والبكاء وجهان لسلامة صحتك
أكدت الدراسات الطبية أن دقيقة واحدة من القهقهة من القلب تعادل ممارسة تمرين رياضي مدته 10 دقائق، حيث تتحرك أكثر من 80 عضلة مختلفة في جسم الإنسان، كما أن الضحك يساعد أيضًا على إزالة التوتر، وزيادة الإفرازات اللعابية، والعصارات الهضمية اللازمة لتسهيل الهضم، وعلاج الإمساك.
وعلى الوجه الآخر إطلاق الدموع بغزارة يعطي إحساسًا بالراحة النفسية، ويقي الجسم من أمراض القلب والقولون وقرحة المعدة، ويقي الإنسان من الهرمونات والمواد الكيماوية الضارة التي تسبب الاكتئاب (1).
...
__________
(1) مجلة المرأة 2001 ص 38.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العفة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 9:49

العفة
معنى التعفف لغة: هو الكف عما لا يحل، والعفة هي النزاهة.
قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} [النور: 33] أي ليضبط نفسه فإنه وجاء.
اصطلاحا: العفة هي حصول حالة في النفس تمنع بها عن غلبة الشهوة.
وقال الجاحظ: هي ضبط النفس عن الشهوات.
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "عرض على أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد وعفيف متعفف وعبد أحسن عبادة الله ونصح لواليه" [رواه الترمذي].
عفوا تعف نساؤكم في المحرم ... وتجنبوا ما لا يليق بمسلم
إن الزنا دين فإن أقرضته ... كان الزنا من أهل بيتك فاعلم (1)

عفة اللسان
قال سفيان بن حسين الواسطي: ذكرت رجلا بسوء عند إياس بن معاوية، فنظر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا، قال: السند والهند والترك؟ قلت: لا، قال: أفسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟! قال: فلم أعد بعدها (يعني لم يذكر أحدا بعد ذلك بعيب) (2).
قال أحد السلف لما أراد أن يطلق زوجته لأمر ما، فقيل له: ما يسؤك منها؟ قال: أنا لا أهتك ستر زوجتي، ثم طلقها بعد ذلك، فقيل له: فلم طلقتها؟ قال: مالي وللكلام عن امرأة صارت أجنبية عني؟!
__________
(1) ديوان الشافعي 112.
(2) أخلاف الدعاة 80.
مع، وإذا صار إلى حاجة نفسه دعا بسراجه.
فقامت، فدخلت عليه، فإذا بين يديه أقراص وشيء من ملح، وزيت، وهو يتعشى، فقالت: يا أمير المؤمنين أتيت بحاجة لي، ثم رأيت أن أبدأ بك قبل حاجتي،.
قال: وما ذاك يا عمة؟
قالت: لو اتخذت لك طعاما ألين من هذا.
قال: ليس عندي يا عمة، ولو كان عندي لفعلت.
قالت: يا أمير المؤمنين، كان عمك عبد الملك يجري عليَّ كذا وكذا، ثم كان أخوك الوليد فزادني، ثم وليت أنت فقطعته عني.
قال: يا عمة، إن عمي عبد الملك، وأخي الوليد، وأخي سليمان كانوا يعطونك من مال المسلمين، وليس ذاك المال لي فأعطيكه، ولكني أعطيك مالي إن شئت.
قالت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟
قال: عطائي مائتا دينار، فهو لك؟
قالت: وما يبلغ مني عطاؤك؟
العفة عن أموال الناس
أتت عمة عمر بن عبد العزيز إلى امرأته فاطمة، فقالت: إني أريد كلام أمير المؤمنين.
قالت لها: اجلسي حتى يفرغ، فجلست، فإذا بغلام قد أتى فأخذ سراجا، فقالت لها فاطمة: إن كنت تريدينه فالآن، فإنه إذا كان في حوائج العامة كتب على الشمع، وإذا صار إلى حاجة نفسه دعا بسراجه.
فقامت، فدخلت عليه، فإذا بين يديه أقراص وشيء من ملح، وزيت، وهو يتعشى، فقالت: يا أمير المؤمنين أتيت بحاجة لي، ثم رأيت أن أبدأ بك قبل حاجتي،.
قال: وما ذاك يا عمة؟
قالت: لو اتخذت لك طعاما ألين من هذا.
قال: ليس عندي يا عمة، ولو كان عندي لفعلت.
قالت: يا أمير المؤمنين، كان عمك عبد الملك يجري عليَّ كذا وكذا، ثم كان أخوك الوليد فزادني، ثم وليت أنت فقطعته عني.
قال: يا عمة، إن عمي عبد الملك، وأخي الوليد، وأخي سليمان كانوا يعطونك من مال المسلمين، وليس ذاك المال لي فأعطيكه، ولكني أعطيك مالي إن شئت.
قالت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟
قال: عطائي مائتا دينار، فهو لك؟
قالت: وما يبلغ مني عطاؤك؟
قال: فليس أملك غيره يا عمة.
قالت: فانصرفت عنه (1).

هكذا كانوا
أمر أمير المؤمنين أبو جعفر المنصور لأبي حنيفة بعشرة آلاف درهم فما رضي بأخذها، فجاء إليه بهذا المال رسول الحسن بن قحطبة الوالي فدخل عليه فلم يكلمه، فوضع المال في جراب في زاوية البيت فكان أن أوصى الإمام أبو حنيفة ابنه قائلا له: إذا مت ودفنتموني، فخذ هذا المال واذهب به إلى الحسن بن قحطبة فقل له: خذ وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة.
قال ابنه: ففعلت ذلك.
فقال الحسن: رحمة الله على أبيك، فلقد كان شحيحا على دينه.
وعن عطاء بن السائب قال: كان رجل يقرأ على أبي عبد الرحمن السلمي، فأهدى له تلميذه فرسا فردها وقال: ألا كان هذا قبل القراءة! (2).
ويقول الحسن البصري: مثقال ذرة من الورع خير من ألف مثقال من الصلاة والصوم.
وعن أبي إسماعيل المؤدب قال: جاء رجل إلى العمري (عبد الله بن عبد العزيز العمري) فقال: عظني.
قال: فأخذ حصاة من الأرض فقال: زنة هذه من الورع يدخل قلبك خير لك من صلاة أهل الأرض.
وذكر الإمام النووي أن أبا إسحاق الشيرازي دخل يوما مسجدا ليأكل طعاما على عادته، فنسي فيه دينارا فذكره في الطريق، فرجع فوجده، ففكر ساعة وقال: ربما وقع هذا الدينار من غيري، فتركه ولم يمسه (3).
__________
(1) مائة موقف من حياة العظماء 38.
(2) أخلاق الدعاة 59.
(3) أخلاق الدعاة 35.
وكانت ابنة عمر بن عبد العزيز تقول له: يا أبت إن البنات يعيرنني، فيقلن: لم لا يحليك أبوك بالذهب؟
فيقول: يا بنية قولي لهن: إن أبي يخشى علي حر اللهب (1).

كلمات من ذهب
قال الليث بن سعد وغيره: كتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إليَّ بالعلم كله، فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقي الله خفيف الظهر من مال الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازما لأمر جماعتهم، فافعل.
وقال أحد طللاب العلم لمحمد بن واسع: أوصني يا أبا عبد الله.
فقال: أوصيتك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة، فدهش السائل وقال: وكيف لي بذلك يا أبا عبد الله؟
فقال: ازهد بعرض الدنيا تكن ملكا هنا بالاستغناء عما في أيدي الناس، وملكا هناك بالفوز بما عند الله من حسن الثواب (2).

عفة عبيد بن عمير
ذكر أبو الفرج ابن الجوزي أن امرأة جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج، فنظرت يومًا إلى وجهها في المرآة فقالت لزوجها: أترى أحدًا يرى هذا الوجه ولا فتن به؟
قال: نعم.
قالت: من؟
قال: عبيد بن عمير.
قالت: فائذن لي فيه فلأفتننه.
قال: قد أذنت لك. فأتته كالمستفتية، فخلا معها في ناحية في المسجد الحرام، فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر، فقال لها: يا أمة الله استتري. فقالت: إني قد فتنت بك.
__________
(1) صور من حياة الصحابة 501.
(2) صور من حياة التابعين 251.
قال: إني سائلك عن شيء، فإن أنت صدقتيني نظرت في أمرك.
قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك.
قال: أخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك أكان يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا.
قال: صدقت. فلو دخلت قبرك، وأجلست للمسألة أكان يسرك أني قضيتها لك؟
قالت: اللهم لا.
قال: صدقت، قال: فلو أن الناس أعطوا كتبهم، لا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا.
قال: صدقت، قال: فلو أردت الممر على الصراط، ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين، أكان يسرك أني قضيتها لك؟
قالت: اللهم لا.
قال: صدقت، قال: فلو جيء بالميزان وجيء بك فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا.
قال: صدقت، قال: اتق الله فقد أنعم عليك وأحسن إليك.
قال: فرجعت إلى زوجها، فقال: ما صنعت؟ قالت: أنت بطالٌ ونحن بطالون.
فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة، فكان زوجها يقول: مالي ولعبيد بن عمير أفسد علي امرأتي، كانت في كل ليلة عروسًا فصيرها راهبة.

حكاية فتى عفيف
قال حصين بن محمد: بلغني أن فتى من أهل المدينة كان يشهد الصلوات كلها مع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وكان عمر يتفقده إذا غاب، فعشقته امرأة، فذكرت ذلك لبعض نسائها، فقالت: إني أحتال لك في إدخاله عليك، فقعدت له في الطريق، فلما مر بها قالت له: إني امرأة كبيرة في السن، ولي شاة لا أستطيع أن أحلبها، فلو دخلت فحلبتها لي -وكان أرغب شيء في الخير- فدخل فلم ير الشاة، فقالت: اجلس حتى آتيك بها.
فإذا المرأة قد طلعت عليه، فلما رأى ذلك عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه،
فأرادته عن نفسه فأبى وقال: اتقي الله أيتها المرأة، فجعلت لا تكف عنه ولا تلتفت إلى قوله، فلما أبى عليها صاحت عليه، فجاء الناس، فقالت: إن هذا دخل عليّ يريدني عن نفسي، فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه وأوثقوه.
فلما صلى عمر الغداة فقده، فبينا هو كذلك إذ جاءوا به في وثاق، فلما رآه عمر قال: اللهم لا تخلف ظني به، قال: ما لكم؟ قالوا: استغاثت امرأة بالليل، فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها، فضربناه وأوثقناه، فقال عمر: اصدقني، فأخبره بالقصة على وجهها.
فقال له عمر: أتعرف العجوز؟ قال: نعم، إن رأيتها عرفتها، فأرسل عمر إلى نساء جيرانها وعجائزهن، فجاء بهن فعرضهن فلم يعرفها فيهن، حتى مرت به العجوز، فقال: هذه يا أمير المؤمنين، فرفع عمر عليها الدرة، وقال: اصدقيني، فقصت عليه القصة كما قصها الفتى، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف (1).

إبراهيم المسكي
قيل لأبي بكر المسكي: إنا نشم منك رائحة المسك مع الدوام، فما سببه؟
فقال: والله لي سنين عديدة لم أستعمل المسك، ولكن سبب ذلك أن امرأة احتالت عليّ حتى أدخلتني دارها، وأغلقت دوني الأبواب، وراودتني عن نفسي، فتحيرت في أمري، فضاقت بي الحيل، فقلت لها: إن لي حاجة إلى الطهارة، فأمرت جارية لها أن تمضي بي إلى بيت الراحة، ففعلت.
فلما دخلت بيت الراحة أخذت العذرة، وألقيتها على جسمي، ثم رجعت إليها، وأنا على تلك الحالة، فلما رأتني دهشت، ئم أمرت بإخراجي فمضيت واغتسلت.
فلما كانت تلك الليلة رأيت في المنام قائلا يقول لي: "فعلت ما لم يفعله أحد غيرك، لأطيبن ريحك في الدنيا والآخرة" فأصبحت والمسك يفوح مني، واستمر ذلك إلى الآن.

الجزاء من جنس العمل
يحكى أن رجلاً اسمه المبارك كان عبدًا رقيقًا لرجل غني اسمه نوح ابن مريم، فطلب منه سيده أن يذهب ليحرس البساتين التي يملكها فذهب.
__________
(1) غض البصر 90.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الحياء

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 10:07

الحياء
تعريف الحياء
لغة: هو انقباض وانزواء وانكسار يعتري المرء خوف ما يعاب به. وهو مشتق من الحياة، فمن لا حياء له فهو ميت في الدنيا وشقي في الآخرة، وقال بعض البلغاء: حياة الوجه بحيائه، كما أن حياة الغرس بمائه.
شرعا: هو صفة وخلق يكون في النفس، فيبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق. يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "الإيمان بضع وستون شعبة، من الإيمان" رواه البخاري.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء" [رواه ابن ماجه في سننه وحسنه الألباني].
وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضا: "الحياء خير كله" [رواه مسلم].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "الحياء لا يأتي إلا بخير" [رواه البخاري].
وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضا:"الحياء والإيمان قرناء جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر" [رواه الحاكم].
وقال - صلى الله عليه وسلم - أيضا: "ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه" [رواه الترمذي].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء. فقال رسول الله: "دعه فإن الحياء من الإيمان" [رواه الترمذي].

أما استحييت مني؟!
في أثر إلهي يقول الله عز وجل: "ابن آدم إنك ما استحييت مني أنسَيتُ الناس عيوبك، وأنسيت بقاع الأرض ذنوبك، ومحوت من أم الكتاب زلاتك، وإلا ناقشتك الحساب يوم القيامة".

وفي أثر آخر: "أوحى الله عز وجل إلى عيسى عليه السلام: عظ نفسك، فإن اتعظت وإلا فاستحي مني أن تعظ الناس".

علامات الشقوة
قال الفضيل بن عياض: خمس من علامات الشقوة: القسوة في القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الأمل.

أنت مؤمن بالله
ويقول الجنيد: الحياء رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء.
وقال يحيى بن معاذ: من استحيا من الله مطيعا استحيا الله منه وهو مذنب.

هكذا خلقك الله
والحياء فطرة إنسانية كما جاء في قوله تعالى: {فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 22].

وضاعت الأخلاق
ومن فقد الحياء فقد كل شيء وصار مجردا من كل خلق، عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" إن الله إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا (أشد البغض) فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام" [رواه ابن ماجه].

مفاهيم يجب أن تصحح
1 - الحياء للنساء: الحياء ليس -كما يظن الناس- صفة تتعلق بالنساء، ولكن الحياء شجاعة تملأ القلب حتى لا يقع في المعاصي، فذو الحياء لابد أن يكون صادقًا، لأن الكذب نقيصة يستحى منها، وذو الحياء لابد أن يكون أمينا لأن الخيانة نقيصة يستحيي منها ... وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:" إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت" [رواه البخاري].
 - الحياء سلبية: الحياء ليس صفة سلبية أو عجزًا بل الحياء شجاعة، وإن الحيي من أقوى الناس شكيمة وأشدهم بأسا في الدفاع عن الحق، لا يخشى في الحق لومة لائم، وإن الانتصار للحق والحرص عليه لا يتنافى مع الحياء.
3 - الحياء خوف: الحياء ليس انقباضا في النفس يحجم صاحبه عن فعل الرذائل أمام المخلوقين فقط، ولكن المستحيي فعلا أولى له أن يستحيى من الخالق، لأنه هو وحده المطلع على الخفايا والسرائر.
4 - الحياء خجل: الحياء ليس معناه الخجل من معايشة الناس، فالخجل عكس الحياء؛ لأنه شعور بالنقص داخل الإنسان، فهو يشعر أنه أضعف من الآخرين، وأنه لا يستطيع مواجهتهم، أما الحياء فهو شعور نابع من الإحساس برفعة وعظمة النفس، فالحيي يستحي أن يكذب لأنه لا يقبل أن تكون نفسه في هذه الدنايا، ولكن الخجول إذا أتيحت له الفرصة أن يفعل ذلك دون أن يراه أحد لفعل، والخجل ليس من الإسلام. عن عبد الله بن عمر -وكان دون الحُلم- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدثوني ما هى؟ " فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييت، ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: "هي النخلة" رواه البخاري، وفي رواية: فأردت أن أقول هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم وفي رواية: ورأيت أبا بكر وعمر يتكلمان فكرهت أن أتكلم فلما قمنا حدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم.
5 - الحياء في الزواج: ولي أمر الفتاة يجوز له أن يعرض ابنته على الشاب الصالح للزواج منها في غير تحرج ولا التواء ولا حياء زائف، كما حدث مع موسى، وحياء الفتاة لم يمنعها أن تعبر لولي أمرها بأدب عن رغبتها في الرجل.
6 - الحياء يضيع الحقوق: يقول البعض: إن الحياء لا ينفع في هذا البلد، والحياء يضيع الحقوق، وليس هناك تعارض بين الحياء والمطالبة بالحق، طالما أني أطالب بحقي بسلوك مهذب وفيه حياء.

عمر والمرأة
خطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مرة فعرض لغلاء المهور، فقالت له امرأة: أيعطينا الله
وتمنعنا يا عمر؟ الم يقل الله عز وجل: {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] فلم يمنعها الحياء أن تدافع عن حق نسائها، ولم يمنع عمر أن يقول معتذرا: كل الناس أفقه منك يا عمر.

لا سمع ولا طاعة
وخطب مرة وعليه ثوبان فأمر بالسمع والطاعة، فنطق أحد المسلمين قائلا: لا سمع ولا طاعة يا عمر .. عليك ثوبان وعلينا ثوب واحد، فنادى عمر بأعلى صوته: يا عبد الله بن عمر .. فأجابه ولده: لبيك يا أبتاه، فقال له: أنشدك بالله أليس أحد ثوبيَّ هو ثوبك أعطيتنيه؟ قال: بلى والله، فقال الرجل: الآن نسمع ونطيع يا عمر .. فانظر كيف لم يمنع الحياء الرجل أن يقول، وعمر أن يعترف.
7 - ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر:
الحياء ليس معناه التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالرجل الحيي قد يفضل أن يريق دمه على أن يريق ماء وجهه، وليس معنى الحياء أيضا أن يقر المسلم المنكر ويتغاضى عن الحق أو يحلل الحرام للحكام ويزينه لهم.
8 - الاعتراف بالخطأ:
لا يتنافى الاعتراف بالخطأ مع الحياء؛ فقد جاء رجل إلى سلطان العلماء العز بن عبد السلام واستفتاه في أمر ما، فأفتاه العز، وبعد أن انصرف الرجل ظهر للعز أنه قد أخطأ في فتواه، فلم يصر على خطئه ولم يمنعه الحياء من الاعتراف بالخطأ، ولكنه استأجر مناديا ينادي في البلاد: من استفتى العز في كذا فلا يأخذ بالفتوى فإن العز قد أخطأ.
9 - الحياء لا يمنع من العلم:
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: جاءت أم سليم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال النبي: "إذا رأت الماء" [رواه البخاري].

الله أكرم
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حيى كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما
صفرا خائبتين" [رواه الترمذي].
وقال أيضا في الحديت القدسي: "قال الله: أنا أكرم وأعظم عفوا من أن أستر على عبدي في الدنيا ثم أفضحه بعد أن سترته، ولا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني" [رواه الترمذي].

لا لخدش الحياء
ولم يصرح الله في القرآن بالألفاظ التي تخدش الحياء: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)} [الأعراف: 189] حيث كنى الله بكلمة "تغشاها" عن الجماع.
1 - هكذا كان نبيكم:
عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أشد حياء من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه" [رواه البخاري]، وجاء في الحديث أن امرأة سألته عن كيفية الغسل من الحيض فعلمها النبي - صلى الله عليه وسلم - كيف تغتسل ثم قال: "خذي فرصة من مسك فتطهري بها" فقالت: كيف أتطهر؟ قال: "تطهري بها"، قالت: كيف؟ قال "سبحان الله! تطهري بها"، فلما رأت السيدة عائشة أن المرأة رغم كل هذا لم تفهم، ورأت حياء النبي من التصريح بما يريد، جذبت المرأة إليها، وقالت لها: تتبعي بها أثر الدم. [رواه البخاري].

ما بال فلان يقول؟
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا بلغه شيء لم يقل: ما بال فلان يقول، ولكن يقول: "ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ " [رواه أبو داود].

رجل تستحي منه الملائكة
وعن سعيد بن العاص - رضي الله عنه - أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - وعثمان حدثاه أن أبا بكر - رضي الله عنه - استأذن على النبي وهو مضطجع على فراشه فأذن لأبي بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، فاستأذن عمر - رضي الله عنه - فأذن له وهو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم
انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال: "اجمعي عليك ثيابك"، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله، مالي لا أراك فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ فقال رسول الله: "إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة لا يبلغ إلي حاجته". وقال جماعة من الناس: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: "ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟! " [رواه مسلم].

ما رأيت أشد حياء منه
عن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبل البعثة يرعى غنما لأخت السيدة خديجة رضي الله عنها، مع شريك له، وعندما ينقضي النهار ويحين موعد أخذهما لأجرتهما، يطلب الشريك من محمد أن يذهب لصاحبة الغنم ليأخذ حقه، فيقول له النبي: "اذهب أنت، فإني أستحي" ... فكان الشريك يذهب وحده في كل مرة، وفي مرة سألته صاحبة الغنم: أين محمد؟ لماذا لا يجيء معك؟ فقال: زعم أنه يستحي، فقالت: ما رأيت رجلا أشد حياء، ولا أعف ولا ... ولا ... منه. [رواه الطبراني].

لا تصافح النساء
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "ما مست يد رسول الله امرأة إلا امرأة يملكها (أي زوجته) وقال: "إني لا أصافح النساء" [رواه البخاري].

حياء من الضيوف
وانظر إلى حياء النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ضيوفه عندما تزوج السيدة زينب بنت جحش بأمر من الله، وصنع وليمة العرس لأصحابه ودعاهم إلى طعامه، فمكث بعض الصحابة بعد الفراغ من الطعام مستمتعين بوجود النبي، ولكن النبي يريد أن يقوم إلى زوجه المنتظرة داخل البيت، والنبي يستحيي أن يأمرهم بالانصراف، فخرج من البيت متعللا بالمرور على باقي زوجاته للاطمئنان عليهن، ثم يعود لعل الضيوف يدركون إشارته اللطيفة، حين يترك المنزل، والحياء يمنع النبي أن يطلب منهم الانصراف، وبعد فترة أدركوا وفطنوا أنهم يجب عليهم الانصراف فانصرفوا، فنزل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا
دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53].

قف واعلم
عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "استحيوا من الله حق الحياء" قلنا: يا رسول الله إنا نستحيى والحمد لله، قال: "ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى" [رواه الترمذي].
1 - حفظ الرأس وما حوى يكون بالبعد عن سماع المحرمات كالغيبة والنميمة، وبالتفكر في الكون، وغض البصر.
2 - حفظ البطن وما حوى يكون بشكر الله على نعمه والالتزام بالسنة وتحرى الحلال في المأكل والمشرب والامتناع عن كثرة الضحك.
3 - ذكر الموت والبلى يكون بتذكر أحوال الموتى والاتعاظ بهم.

وصية
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأحد أصحابه: "أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك" رواه الطبراني.
وقال بعض السلف: خف الله على قدر قدرته عليك واستحى منه على قدر قربه منك.

إني استحييت من ربي
لما عرج برسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السماء فرض الله على أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة، وفي طريق العودة مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على سيدنا موسى في السماء السادسة فراجعه حتى قال الرسول: "إني استحييت من ربي".

ثلاث خصال
سئل أحد الصالحين عن معنى الحياء من الله، فقال: الحياء من الله يكون في ثلاث خصال:
أن تستشعر دوام إحسانه عليك مع إساءتك وتفريطك.
وأن تعلم أنك بعين الله في متقلبك ومثواك.
وأن تذكر وقوفك بين يدي الله ومساءلته إياك عن الصغيرة والكبيرة.

ما لي لا أجزع؟!
لما احتضر الأسود بن يزيد النخعي بكى فقيل له: ما هذا الجزع؟
فقال: ما لي لا أجزع؟! ومن أحق بذلك مني؟! والله لو أنبئت بالمغفرة من الله لأهابن الحياء منه مما صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه فلا يزال مستحيا منه.
إن الرجل في حضرة من يجلهم ويحرص على استرضائهم يضبط سلوكه ضبطًا محكما، فكيف تتصرف والله لا يغيب عنك أبدا؟ وفي الأثر: "استحي من الله كما تستحي من أولي الهيبة من قومك".

افرح مع الحياء
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" البكر تستأذن" قلت: إن البكر تستحي، قال: "إذنها صماتها" [رواه البخاري]، فيحفظ النبي لكل فتاة حياءها، ويجنبها مشقة الإفصاح عن الموافقة على الزواج صراحة، ويبين الاكتفاء بصمتها دليلا على رضاها.

حياء وسط الرجال
عن صفية بنت حيي أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتكفا فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت فانقلبت فقام معي ليوصلني إلى داري -وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد- فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي أسرعا.
فقال النبي:"على رسلكما إنها صفية بنت حيي".
فقالا: سبحان الله يا رسول الله!.
قال: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءا" [رواه البخاري].
لا للمزاحمة
نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن تزاحم المرأة بالرجال، فكان يأمر الرجال أن ينتظروا في المسجد حتى تخرج النساء، ويأمر النساء بالإسراع حتى لا يزاحمهن الرجال، حتى أمر أن يكون للنساء باب خاص في مسجده.
ومن الآداب المشتركة في التعامل بين الرجال والنساء (جدية مجال اللقاء- اجتناب المصافحة- اجتناب الخلوة- اجتناب اللقاء الطويل- غض البصر- اجتناب المزاحمة- اجتناب مواطن الريبة).

يشهدن الأعياد
أما عن حال المرأة في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقد كانت تشهد الجماعة والجمعة في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويحثهن على أن يتخذن مكانهن في الصفوف الأخيرة خلف صفوف الرجال، وكان أكثرهم يعرفون السراويل ولم يكن بين الرجال والنساء أي حائل، وقال رسول الله: "لو أنكم جعلتم هذا الباب للنساء" وصار يعرف بباب النساء.
وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج في الفطر والأضحى: العواتق والحيَّض وذوات الخدور، فأما الحيَّض فيعتزلن الصلاة، ويشهدن الخير ودعوة المسلمين" [رواه مسلم].

تذكري غيرة زوجك
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه (قربة الماء) وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعَه رسولُ الله - على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله ومعه نفر من الأنصار فدعاني، ثم قال: إخ إخ (كلمة تقال لإناخة البعير) ليحملني خلفه، فأستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير -وكان أغير الناس- فعرف رسول الله أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله وعلى رأسي النوى، ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب، فأستحييت منه، وعرفت غيرتك، فقال: والله
لحمْلك النوى كان أشد عليَّ من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إلى أبو بكر بعد ذلك بخادم تكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني. [رواه البخاري].

حياء سيدنا موسى والفتاتين
وجد سيدنا -موسى عليه السلام- امرأتين من مدين تمنعان غنمهما عن ورود الماء، ولا يلتفت لهما أحد، والأولى عند ذوي المروءة والفطرة السليمة أن تسقي المرأتان بأغنامهما أولا وأن يفسح لهما الرجال، فتقدم للمرأتين ليسألهما عن أمرهما الغريب فأطلعتاه على السبب، إنه الحياء من مزاحمة الرجال، فالمرأة الحيية، العفيفة الروح، النظيفة القلب، لا تستريح لمزاحمة الرجال، فثارت نخوة موسى فتقدم وسقى لهما ثم تركهما، وجاءه الفرج عندما جاءته إحدى الفتاتين على استحياء في غير ما تبذل ولا تبرج وفي هذا قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27)} [القصص: 23 - 27].
وتأمل قوله تعالى: {تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} وكأن الحياء قد تمكن منها، وتمكنت منه، وهو تعبير قرآني يصور حالة المرأة وما هي عليه من أدب جم، وخلق فاضل، وسمت كريم، وأعظم ما في خلق المرأة حياؤها، وهكذا تكون المرأة المسلمة.
ولبى موسى الدعوة، وقال لها: امشي خلفي فإن أخطأت الطريق فأشيري إليه بحجر تلقينه فيه، لأصحح المسار وأسلكه، حتى انتهى إلى بيت أبيها، وهكذا يكون الشاب المسلم حييًا لا يسير خلف امرأة ينظر إلى عورتها، ولذلك من المظاهر التي تتنافى مع الحياء في عصرنا اليوم معاكسة الشباب للبنات في الشوارع وأمام المدارس، بل أصبحت البنت في بعض الأحيان تتلفظ مع الشباب بطريقة سيئة تحدث الفوضى ويضيع بينهما الحياء، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
حياء من الموتى
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي، فأضع ثوبي فأقول: إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر" [رواه أحمد].
السيدة عائشة رضي الله عنها قدوة حسنة لأمهات المؤمنين ولنساء اليوم، إنها تستحي من عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهو ميت، فكيف بنساء اليوم لا يشعرن بالحياء من الأحياء؟! وترى المرأة تخرج عارية متبرجة، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

حياء يعجب النبي
عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت عتبة بن ربيعة تبايع النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذ عليها ألا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين .. قالت: فوضعت يدها على رأسها حياء، فأعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما رأى منها". [رواه أحمد].
المرأة المسلمة لا تسمع كلمة تخدش حياءها، ولا تتلفظ بلفظ سيئ مع الشباب في المواصلات وفي الجامعات، وهذا هو حياء المرأة الذي أعجب به النبي - صلى الله عليه وسلم -.

أول نعش في الإسلام
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن السيدة فاطمة الزهراء بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها لما مرضت مرض الموت، وكانت عندها أسماء بنت عميس تعودها قالت فاطمة: إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء بعد موتهن، إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها، وإني سأموت وأستحي أن أحمل في جنازتي على السرير ظاهرة أمام الناس، ويعرف الناس طولي وعرضي -وكانت النعوش لم تعرف بعد-.
فقالت أسماء: إني رأيت الناس في الحبشة يصنعون نعوشا يحملون فيها النساء، لئلا يظهر منهن شئ، وبوسعي أن أصنع لك واحدا تحملين فيه.
فقالت فاطمة: فأرينيه، فأتت أسماء ببعض من جريد النخل الرطب وجعلت على السرير نعشا، فتبسمت فاطمة وقالت: ما أحسن هذا وأجمله!!
يقول ابن عباس: وما رأيتها مبتسمة بعد أبيها إلا يومئذ، وكانت رضي الله عنها أول من حملت في نعش في الإسلام. [رواه الحاكم].
فأين نحن من نساء اليوم؟ المرأة تخرج متبرجة لا تستحي من الله ولا من الناس؟
صوني حياءك صوني العرض لا تهني ... وصابري واصبري لله واحتسبي
إن الحياء من الإيمان فاتخذي ... منه حليك يا أختاه واحتجبي

براءة موسى
يروى أن بنو إسرائيل كانوا إذا اغتسلوا، اغتسلوا عراة أمام الناس ينظر بعضهم إلى بعض دون حياء، وكان الحياء يمنع نبي الله موسى عليه السلام أن يفعل فعلهم، فكان يغتسل بمفرده بعيدا عن أعين الناس، فادعى قومه أنه إنما يفعل ذلك لعيب به، وأراد الله أن يبرئ نبيه مما قالوا، فلما ذهب موسى يغتسل، اقترب من أحد الأحجار، ثم نزع ثوبه ووضعه على الحجر، فلما انتهى وذهب ليلبس ثوبه، أخذ الحجر الثوب وجرى، فأمسك موسى عصاه وانطلق يجري خلف الثوب وهو يقول: ثوبي يا حجر .. ثوبي يا حجر، حتى وصل إلى جماعة من بني إسرائيل، فرأوه عريانا، ورأوا جسده في أحسن صورة، ليس به عيب، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فأخذ موسى يضرب الحجر بعصاه، حتى علم الضرب في الحجر، وعلم بنو إسرائيل أن موسى يغتسل وحده لأنه شديد الحياء.
وهكذا المسلم لا يخلع ملابسه أمام أحد ولو كانوا إخوة صغارًا لشعوره بالحياء، ولا ينظر إلى عورة أحد أبدا لخوفه من ربه.
ومما يتنافى مع الحياء في عصرنا: ارتفاع صوت المذياع بالأغاني الهابطة، وتدخين الرجال والنساء، وفترينات الملابس نجد بها قمصان النوم الخاصة بالنساء، وعرض الملابس الداخلية بعد غسلها أمام الناظرين من الخارج، وعرض صور خليعة على غلاف المجلات .. ونسأل الله السلامة.

الفقير والحياء
كان أبو هريرة رضي الله عنه فقيرا، وذات يوم اشتد عليه الجوع، فخرج إلى الطريق بحثا عن طعام، فمر عليه أبو بكر فاستحيا أبو هريرة أن يخبره، فسأله آية في كتاب الله فربما يستضيفه، فأجابه أبو بكر - رضي الله عنه - عن مسألته، وانصرف، ثم مر عليه عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - فسأله أبو هريرة عن آية ربما يستضيفه، فأجابه وانصرف، ثم مر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فعرف ما في
نفسه، فأخذه وأمره أن يحضر أهل الصفة (جماعة من فقراء المسلمين في المسجد) فجاء بهم وشربوا عشرة عشرة ثم شرب.
والحياء يكون مع الفقير فلا يسأل الناس شيئا؛ ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" [متفق عليه].
فالفقير لا يسأل الناس شيئا وإنما يجتهد في أي عمل ليحصل على قوته بدلا من أن يسأل الناس، ولا تحل الصدقة للغني ولا للقوي، ومن حق ولي الأمر أن يؤدب كل صحيح قادر على التكسب يريد أن يعيش عالة على المجتمع، متخذا من سؤال الناس حرفة له.
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلا من الأنصار أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله شيئا فقال: "أما في بيتك شيء؟ " قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب (كوب) نشرب فيه الماء. قال - صلى الله عليه وسلم -:" ائتني بهما" .. فأتاه بهما فأخذهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: من يشتري هذين؟ قال رجل: أنا آخذهما بدرهم، قال:"من يزيد على درهم؟ " مرتين أو ثلاثا، قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين، فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال - صلى الله عليه وسلم -:"اشتر بأحدهما طعاما وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوما فأتني به" .. فشد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عودا بيده ثم قال له: "اذهب فاحتطب وبع .. ولا أرينك خمسة عشر يوما"، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبا، وببعضها طعاما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة؟ إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع (شديد)، أو لذي غرم مفظع (دين ثقيل) أو لذي دم موجع (الدية الباهظة). [أصحاب السنن].

مواقف لا تتنافى مع الحياء
النساء قلن صراحة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا رسول الله، قد غلبنا عليك الرجال فاجعل لنا يوما من نفسك" فوعدهن يوما، فلقيهن فيه ووعظهن وأمرهن. [رواه البخاري].
وقالت أم عطية رضي الله عنها: "غزوت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات أخلفهم في رحالهم فأصنع لهم الطعام وأداوي الجرحى وأقوم على المرضى" [رواه مسلم].
فيجوز للمرأة المشاركة في الأعمال العامة ومجالس العلم، والاستماع إلى المحاضرات
مع عدم الاختلاط بالرجال.
وعن أسيد الأنصاري - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال - صلى الله عليه وسلم - للنساء: "استأخرن فليس لكنَّ أن تحتضنَّ الطريق، عليكن بحافات الطريق" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به. [رواه أبو داود].
فأين الحجاب الشرعي في عصرنا؟ ترى ماذا سيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى الاختلاط بين الرجال والنساء في مجتمعنا، هل سيشفع لنا، أم سيقول: سحقا سحقا؟!
فيجب على المسلم أن يراعي آداب الطريق ولو كان مع زوجته ولا يتحدث معها بصوت مرتفع في الأمور الخاصة بهما أمام الناس.

الحياء يمنع من الكذب
ذهب أبو سفيان بن حرب ومعه بعض القرشيين إلى الشام للتجارة، فأرسل إليهم هرقل ملك الروم يطلب حضورهم، فلما جاءوا إليه قال لهم: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا أقربهم نسبا، فقال هرقل: أدنوه مني واجعلوا أصحابه خلفه، ثم قال لهم: إني سائل هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه، فقال أبو سفيان: لولا الحياء أن يروا عليَّ كذبا لكذبت. فأخذ هرقل يسأله عن صفات النبي ونسبه وأصحابه وأبو سفيان لا يقول إلا صدقا حياء.
المسلم الحيي لا يكذب أبدا، لأن الكذب نقيصة تتنافى مع الحياء، وتأمل في موقف أبي سفيان؛ لم يكذب مع أنه مشرك.

حياء في الحرب
في غزوة الخندق والمسلمون محاصرون تقدم عمرو بن عبد ود، ونادى على المسلمين كي يبارزه أحد، فتقدم له علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ودارت بينهما مبارزة شديدة فسقط عمرو قتيلا، فأخذ المسلمون يكبرون، وعاد عليّ إلى المسلمين فقال له عمر: هلا سلبته درعه؛ فإنه ليس في العرب درع خير منها؟ فقال علي: إني حين ضربته استقبلني بسوأته فاستحييت أن أستلبه.
المسلم الحيي لا ينظر إلى عورة أحد مهما كان، ويغض بصره عن الحرام.
أما تستحي من نفسك؟!
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "ما كرهت أن يراه الناس منك فلا تفعلنه بنفسك إذا خلوت" [رواه ابن حبان].
وكان عثمان - رضي الله عنه - يغتسل في بيت مظلم حتى لا يرى عورة نفسه.
أما تستحي من نفسك من سمعك وبصرك وجلدك؟! {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [فصلت: 21].

إلى متى؟!
يا أسير دنياه، يا عبد هواه إلى متى؟! إلى أن يفجأك الموت على غفلة منك، ربما وأنت تنتقل من قناة إلى قناة أو وأنت ممسك بسماعة الهاتف أوَترضى أن تموت وأنت تسمع الغناء؟! وأنت تفكر في الزنا؟!
إلى متى وأنت بين هذه القاذورات؟! أين عقلك؟! أين غيرتك؟! أين العزيمة؟! أين الصبر؟! أين الرجولة؟! أين دينك؟!
عاتبت قلبي لما رأيت جسمي نحيلا
فلام قلبي طرفي وقال: كنت الرسولا
فقال طرفي لقلبي: بل كنت أنت الدليلا
فقلت: كفَّا جميعا تركتماني قتيلا

كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضحك فقال - صلى الله عليه وسلم - "هل تدرون مم أضحك؟ "
قلنا: الله ورسوله أعلم، قال:"من مخاطبة العبد ربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، قال: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا، قال: فيختم على فيه، فيقول لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام.
 - اصدق في أقوالك في كل الأحوال.
4 - التزم الجدية في الحديث مع غير المحارم.
5 - لا تنطق بلفظ يخدش الحياء.
6 - ابذل ما في وسعك لشكر نعم الله عليك.
7 - لا يتحرك قلبك بحسد تجاه أحد من الناس.
8 - تحر الحلال في مأكلك ومشربك وفي كل معاملاتك.
9 - أكثر من ذكر الموت في اليوم والليلة.
10 - حسّن معاملاتك مع الناس.
11 - استشعر هوان الدنيا عند زيارة المريض.
12 - على المرأة المسلمة ترتدي الحجاب.
13 - مقاطعة المنتجات التي بها صور تجرح الحياء.
14 - غض البصر.
15 - عدم مزاحمة الرجال للنساء والنساء للرجال في المواصلات والأسواق.
16 - عدم الوقوف في مواجهة الباب عند فتحه.
17 - التزام الوقار أثناء السير في الطريق.
18 - عدم الأكل ومضغ اللبان في الطريق وإلقاء قشر اللب في الشارع.
19 - خفض الصوت عند الضحك.
20 - عدم إظهار الضيق من الضيوف مهما أثقلوا.
21 - عدم جلوس النساء بجوار الرجال، ووضع حاجز بينهما إذا اضطرا للجلوس متجاورين.
22 - عدم شراء النساء الملابس الداخلية من رجال، وكذلك الرجال لا يشترونها من نساء.
23 - التزام الجدية عند الرد على التليفون.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الوفاء

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 10:16

الوفاء
الوفاء: خلق من أخلاق الإسلام التي يحرص عليها المسلم، والوفاء هو ثبوت الإنسان على قوله وفعله، يقول الله تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 76] والله تعالى عليم لا يظلم أحدا، فقد كتب الوفاء على نفسه، وأمر به الناس حيث يقول: {فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 25].
ويدور الحديث عن صور الوفاء وهي: مع الله، مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، مع الوالدين، مع الزوج، مع الزوجة، مع الناس، مع الاْعداء .. ونسأل الله أن نكون من الأوفياء الأتقياء.
من صور الوفاء

الوفاء مع الله:
كان جليبيب - رضي الله عنه - رجلا من الموالي الذين استجابوا لنداء الله ورسوله، فأسلم وحسن إسلامه ولقد بلغ من حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له أنه خطب له بنفسه امرأة من الأنصار.
ولم يطل المقام بجليبيب بعد زواجه حتى دعا داعي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للجهاد، فاندفع جليبيب يلبي النداء وفاء مع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فلما انجلت المعركة عن نصر مؤزر للمسلمين، طفق الرسول - صلى الله عليه وسلم - يستطلع أحوال الجند، ويتفقد جرحاهم وشهداءهم، فسأل أصحابه: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، نفقد فلانا، وفلانا، وفلانا فأعاد، الرسول - صلى الله عليه وسلم - القائد السؤال: "هل تفقدون من أحد؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، نفقد فلانا، وفلانا، وفلانا، وظل يكرر سؤاله، والمسلمون يجيبونه حتى لم يبق بين المسلمين من يفتقدونه، فقالوا: لا نفتقد بعد الآن أحدا يا رسول الله، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "أما أنا فأفتقد جليبيب، هلموا معي نبحث عن جليبيب"، فانطلقوا فإذا بجليبيب ينزف دما غزيرا، وقد فاضت روحه إلى بارئها، ونظروا، فإذا من حوله سبعة من صناديد الكفار قد جندلهم قبل أن يردوه شهيدا في سبيل الله.
ووقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - فوق جسد جليبيب يدعو له بخير، ويقول: "جزاك الله خيرا يا جليبيب، قتلت سبعة قبل أن يقتلوك"، ثم وضعه على ساعديه وهو يقول:"هذا مني، وأنا منه"، ثم أمر فحفر له، ووسده الرسول القائد في قبره بيديه الشريفتين، وفاء له.
من الوفاء أن تذكر ماضيك:
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله عز وجل أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن، قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب عنه فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الإبل -أو قال: البقر هو شك في ذلك إن الأبرص والأقرع قال أحدهما: الإبل، وقال الآخ: البقر- فأعطي ناقة عشراء فقال: يبارك لك فيها، وأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني هذا قد قذرني الناس، قال: فمسحه فذهب، وأعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أحب اليك؟ قال: البقر، قال: فأعطي بقرا حاملا وقال: يبارك لك فيها، وأتى الأعمى فقال: أي شىء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلى بصري فأبصر به الناس، قال: فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم، فأعطاه شاة والدا فأنتج هذان وولَّد هذا فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من بقر، ولهذا واد من غنم، ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين تقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أتبلغ عليه في سفري، فقال له: إن الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرصا يقذرك الناس؟ فقيرا فأعطاك الله؟ فقال: لقد ورثت لكابر عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأقرع في عورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا، فرد عليه مثل ما رد عليه هذا فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل وتقطعت بي الجبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله بصري، وفقيرا فقد أغناني، فخذ ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشىء أخذته لله، فقال: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك" [رواه البخاري].
إذا رأيت فقيرا فتذكر فقرك في الأيام السابقة واحمد ربك وقف بجانبه.
صدق في الوفاء: عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن عمه أنس بن النضر غاب عن بدر فقال: غبتُ عن أول قتال النبي - صلى الله عليه وسلم - لئن أشهدني الله مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليرين الله ما أجد، فلقي يوم أحد فهُزم الناس، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني المسلمين- وأبرأ إليك مما جاء به المشركون، فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ، فقال: أين يا سعد؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد، فمضى فقتل، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم" [رواه البخاري].
قال أنس: كنا نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أمثاله: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23].
المسلم صادق في حبه للشهادة فهو يعمل لها ليل نهار حتى يرزقه الله إياها.

وفاء الأنصار مع الرسول:
قال عوف بن مالك - رضي الله عنه -: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال؟ "ألا تبايعون رسول الله؟ " فبسطنا أيدينا فقلت: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا"، وأسر كلمة خفية، قال؟ "ولا تسألوا الناس شيئا"، قال عوف بن مالك: فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدا أن يناوله إياه [رواه مسلم].
الوفاء مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - يكون باتباع سنته والتخلق بأخلاقه والاقتداء به والدفاع عن دينه وعقيدته.
وفاء زياد بن السكن:
لما اشتد القتال في أحد، وتكاثرت سيوف المشركين ورماحهم من حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه، وتزلزل المسلمون من حوله، نادى عليه السلام بمن بقى من حوله من المسلمين: "ألا من يشري لنا نفسه؟ " فهب إليه زياد بن السكن - رضي الله عنه - في خمسة من الأنصار، فجعلوا يقاتلون دون رسولهم القائد - صلى الله عليه وسلم - فيستشهدون دونه رجلا بعد آخر، وزياد بن السكن صامد كالطود الأشم، يدفع عن رسول الله ك - صلى الله عليه وسلم - حتى أثخنته الجراح، فوقع على الأرض لا يقوى على الحراك، بعد أن جعل جسده سورا يحمي رسوله القائد.
وإذ ذاك أقبلت فئة من صناديد المسلمين يذبون عن رسولهم القائد، فأزالوا المشركين من حوله، وفرقوهم، فالتفت الرسول - صلى الله عليه وسلم - نحو زياد بن السكن، فإذا به رمق من حياة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أدنوه مني"، فأدنوه، فوسده الرسول - صلى الله عليه وسلم - على فخذه، فما لبث - رضي الله عنه - أن مات وخده على فخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يفتر يدعو له، رضي الله عنهم أجمعين.
تخيل نفسك في هذا الموضع، ماذا كنت ستفعل إذا فر صحابة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه؟ هل ستدافع عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أم تفر معهم؟
بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -:
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا ثلاثا"، فلم يقدم حتى توفي النبي فأمر أبو بكر مناديا فنادى: من كان له عند النبي عِدة أو دين فليأتنا فأتيته فقلت: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعدني فحثى لي ثلاثا [رواه البخاري]. وهكذا وفى أبو بكر - رضي الله عنه - بوعد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بعد وفاته، ولما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولى الناس بالوفاء أدى أبو بكر مواعيده عنه.
وكذلك فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع سراقة بن مالك - رضي الله عنه -، ففي حادثة الهجرة اتبع سراقة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:"عد يا سراقة ولك سوارا كسرى" وقبض النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي خلافة عمر بعد فتح المدائن جاء سوارا كسرى لعمر فنادى سراقة وألبسه إياهما وقال: هذا ما وعدك به رسول الله. إنه الوفاء لما وعد به الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وفاء حكيم بن حزام:
عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني، ثم
سألته فأعطاني، ثم قال لي: "يا حكيم إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى".
قال حكيم: قلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ (أسأل) أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال: يا معشر المسلمين إني أعرض عليه
حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم (يرزأ يسأل) حكيم أحدا من الناس بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى توفي رحمه الله [رواه البخاري].
لقد كان حكيم وفيا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - حتى بعد مماته، فلم يقبل مالاً من أي خليفة.

الوفاء مع الزوجة:
قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ما غرت من أحد من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ما غرت على خديجة وما رأيتها (على الرغم من أنها كانت ميتة) ولكن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة (أي صديقاتها) فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: (إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد" [رواه البخاري].
أخي الزوج: كن وفيا مع زوجتك في حياتها وبعد موتها، ومن الوفاء أن تفتح لها قلبك لتسكن فيه وترى الترحاب في عينيك وفي امتداد ذراعيك، وأن تهتم بها أكثر من عملك وأن تعرف مفتاح قلبها.
الوفاء مع الزوج:
عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"تصدقن يا معشر النساء تصدقن ولو من حليكن"، قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود، فقلت: إنك رجل خفيف ذات اليد (كناية عن قلة المال) وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أمرنا بالصدقة، فائته فاسأله، فإن كان ذلك يجزيء عني، وإلا صرفتها إلى غيركم، فقالت: فقال لي عبد الله: بل أئتيه أنت، فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجتي حاجتها، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال، فقلنا له: أئت رسول الله فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزيء الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن. قالت: فدخل بلال على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله، فقال له رسول الله: "من هما" فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أي الزيانب؟ " فقال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لهما أجران: "أجر القرابة، وأجر الصدقة" [رواه مسلم].
أختي المسلمة: من الوفاء مع الزوج أن تجددي عزمه وثقته بنفسه، فكثيرا ما تهتز هذه الثقة نتيجة لما يحدث على أرض الواقع وظروف الحياة وضغوطها المستمرة، فلا تزيدي من الضغوط عليه فيموت قهرا.
سيدنا موسى:
عندما وصل موسى عليه السلام إلى مدين بالشام، شاهد زحاما كبيرا من الناس على بئر يسقون منها أغنامهم، وبعيدا عن البئر، رأى فتاتين، تنتظران حتى ينتهي الزحام فتسقيا أغنامهما، فتطوع موسى، وسقى لهما، فلما عادت الفتاتان إلى المنزل، عرف أبوهما الشيخ الكبير بما فعله موسى، فأرسل إحداهما إليه تدعوه لمقابلته، حتى يكافئه على ما صنع، فلما حضر موسى شكره الأب، وعرف منه قصة فراره من فرعون ومجيئه إلى مدين، فطمأنه الأب، واستضافه وأكرمه، وعرض عليه أن يزوجه إحدى ابنتيه مقابل أن يعمل عنده ثمانية أعوام، وإن شاء أكملها عشرة.
فوافق موسى، وقضى الأعوام العشرة على بعض الأقوال فوفى بوعده على خير وجه، وبعدها عاد بزوجته إلى مصر.
فمن الوفاء الالتزام بشروط العقد في الشركة، وإتقان العمل.
الوفاء مع العلماء:
صلى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - على جنازة، ثم أراد أن يركب بغلته، فجاء عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- وأمسك الركاب الذي يضع فيه الراكب قدمه ليساعد زيدا على الركوب، فقال زيد: خل عني يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء والكبراء، فقبل زيد بن ثابت يده وقال: وهكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
شهادة وفاء:
أرسل الإمام حسن البنا سنة 1945م رسالة إلى الشيخ محمد الغزالي يشكره فيها على مقالاته التي تنشر، فقال له: "أخي العزيز الشيخ محمد الغزالي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد، قرأت مقالك "الإخوان المسلمون والأحزاب" فطربت لعبارته الجزلة، ومعانيه الدقيقة، وأدبك العف الرصين، هكذا يجب أن تكتب، اكتب دائما وروح القدس
يؤيدك، والله معك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته" (1).
هل فكرت يوما أن ترسل رسالة شفوية أو مكتوبة إلى صاحب كتاب، أو خطيب جمعة، أو مقال أعجبك، وترى أنه كان سببا في توعية المسلمين؟
أوفى من السموأل:
أراد الشاعر العربي الشهير امرؤ القيس الكندي أن يذهب إلى قيصر الروم، وكان عنده عدد كبير من الدروع والأسلحة، فأعطاها لرجل يقال له السموأل، فلما مات امرؤ القيس أرسل إليه ملك كندة يطلب الأسلحة والدروع، فرفض السموأل، وقال: إما أن أعطيها لابنته أو ورثته، فأرسل الملك إليه مرة أخرى فرفض حفظا للأمانة ووفاء بالوعد، فخرج إليه ملك كندة بعسكر كثير، فدخل السمؤال حصنه، وكان ابنه خارج الحصن، فأمسك به الملك، وهدده إما أن يسلم الدروع والأسلحة، وإما أن يقتل ابنه، فاطلع إليه من الحصن، وقال له: اصنع بابني ما تشاء فلن أغدر بالعهد، ولن أخون، فقتل الملك ابن السموأل، وانتظر السموأل حتى جاء ورثة امرى القيس، وأعطاهم الدروع والأسلحة ووفى بما وعد، وضرب به المثل في الوفاء وقالوا: "أوفى من السموأل".
إنه الوفاء بالعهود وإن كان فيه قتل للذرية.

وفاء مع الكفار:
في العام السادس الهجري، عقد المشركون مع المسلمين صلح الحديبية، وكان من شروط الصلح أنه إذا أسلم أحد من المشركين، وذهب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - رده إلى قومه.
وبعد عقد الصلح مباشرة، جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو - رضي الله عنه - وأعلن إسلامه، فلما رآه أبوه قام إليه وعنفه، ثم طلب من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يرد أبا جندل تنفيذا لروابط الصلح، فوافق.
فقال أبو جندل: يا معشر المسلمين، أأرد إلى المشركين يفتنوني عن ديني؟ فأخبره الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالعهد الذي أخذه على نفسه، وأنه يجب عليه الوفاء به، فقال: "يا أبا جندل، اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، وإننا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا".
__________
(1) أعلام الحركة الإسلامية، المستشار العقيل.
ردوا إليهم الجزية:
عندما جمع الروم حشودهم على حدود البلاد الإسلامية الشمالية، كتب أبو عبيدة - رضي الله عنه - إلى كل وال ممن خلفه في المدن التي صالح أهلها، يأمرهم أن يرجعوا عليهم ما جبي منهم من الجزية والخراج، وكتب إليهم أن يقولوا لهم: إنما رددنا عليكم أموالكم، لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم، ونحن على الشرط، وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم، فلما قالوا ذلك لهم وردوا عليهم أموالهم التي جبيت منهم، قالوا: ردكم الله علينا ونصركم عليهم "أي الروم" فلو كانوا هم ما ردوا علينا شيئًا وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئا.
عمر والهرمزان:
وقع الهرمزان الفارسي في الأسر، وجاء إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وعرف الهرمزان أنه يحكم عليه بالقتل لما فعله من حرب المسلمين، فطلب من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أن يطلب له ماء يشربه، فلما أتى الماء، قال الهرمزان للخليفة: آخذ عليك عهدا، ألا تقتلني ما دام الماء معي، فقال له أمير المؤمنين: لك ذلك، فقال الهرمزان: فوالله لا أترك الماء ولا أشربه، فخلى عمر سبيله وفاء بوعده. وهكذا المسلم يكون وفيا مع أعدائه في العهود.
أبو حنيفة:
من مظاهر الوفاء وفاء أبي حنيفة لشيوخه، فلقد كان يدعو لشيخه حماد مع أبويه في كل صلاة يصليها، وكان يحفظ له وده، ويذكره دائما ويترحم عليه، ولا ينسى له فضله، لم يسهل على أبي حنيفة أبدا أن ينسى شيخه وأستاذه حمادًا، فأقام على شرعة الوفاء له، يذكره بالخير، ويثني على فضله، وينوه بأثره فيه، ويدعو له، حتى قال أبو حنيفة: ما صليت قط إلا ودعوت لشيخي حماد ولكل من تعلمت منه علما أو علمته، وفي رواية: ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والديّ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علما أو علمته علما (1).
__________
(1) الإمام أبو حنيفة 288.
وعود اليهود: من طبيعة اليهود نقض العهود وعدم الوفاء بها، قال تعالى: {أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} [البقرة: 100] وقال أيضا: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ} [الأنفال: 56].
أخلف اليهود عهودهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، منهم بنو قينقاع، فقد ازداد غيظهم على المسلمين بسبب انتصارهم في بدر فما لبثوا أن أثاروا في المدينة قلقا واضطرابا، وفي يوم من الأيام جاءت امرأة من العرب وقدمت على صائغ يهودي فجعل يراودها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، فشد اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، وعلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستخلف على المدينة أبا لبابة وأعطى اللواء حمزة وسار إلى بني قينقاع الذين تحصنوا بحصونهم حتى أجلاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهل يعقل أن نعقد معهم عهودا بعد اليوم، وهم سادة في نقض العهود؟ أهم أصدق أم الله الذي خلقهم، وكشف لنا عن صفاتهم الدنيئة ومنها نقض العهود؟ فلن تحرر فلسطين إلا بالجهاد والتضحية.

وفاء نحو فلسطين
حاول اليهود عن طريق زعيمهم الماكر "هرتزل" استمالة السلطان عبد الحميد الثاني، حتى يسمح لهم بإقامة وطن لليهود في فلسطين، فعرضوا عليه مبلغا ضخما من المال، مقابل أن يصدر السلطان قرارا يسمح فيه لليهود بالهجرة إلى فلسطين، والتوطن فيها، وهنا ظهر وفاء السلطان عبد الحميد الثاني وقال قولته الخالدة التي سجلها التاريخ: "لست مستعدا لأن أتخلى عن شبر واحد من هذه البلاد، فهي ليست ملكي، بل هي ملك لشعبي، روى ترابها بدمه، وليحتفظ اليهود بأموالهم، ولن يستطيعوا أخذ فلسطين إلا عند تشريح جثتي، وساعتها يأخذونها بلا ثمن، أما وأنا على قيد الحياة فلا".
وهكذا يكون الوفاء لأرض فلسطين بعدم نسيان القضية، وعدم الموافقة على التفريط فيها، وتوعية الناس بأهمية المقاطعة الاقتصادية للمنتجات اليهودية.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الكرم والإنفاق

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 10:31

الكرم والإنفاق
قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].
الإنفاق في سبيل الله من شروط التيسير في هذه الحياة، تيسير الرزق، تيسير الشفاء، تيسير الفرج؛ عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ " قالوا: يا رسول الله ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، قال: "فإن ماله ما قدم وماله وارثه ما أخر" [رواه البخاري].
وعن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "اتقوا النار ولو بشق تمرة" [رواه البخاري].
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا" [رواه البخاري].

وقفة قرآنية
يقول سيد قطب عن قوله تعالى: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عمران: 134]:
"فهم ثابتون على البذل، ماضون على المنهج، لا تغيرهم السراء ولا تغيرهم الضراء، السراء لا تبطرهم فتلهيهم، والضراء لا تضجرهم فتنسيهم، إنما هو الشعور بالواجب في كل حال، والتحرر من الشح والحرص، ومراقبة الله وتقواه، وما يدفع النفس الشحيحة بطبعها، المحبة للمال بفطرتها، ما يدفع النفس إلى الإنفاق في كل حال، إلا دافع أقوى من شهوة المال، وربقة الحرص، وثقلة الشح .. دافع التقوى، ذلك الشعور اللطيف العميق، الذي تشف به الروح وتخلص، وتنطلق من القيود والأغلال" (1).
__________
(1) في ظلال القرآن (1/ 475).
كرم الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عن أنس - رضي الله عنه - قال: ما سئل رسول الله على الإسلام شيئا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وإن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يلبث يسيرا حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها [رواه مسلم].
عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما بقى منها؟ " قالت: ما بقي منها إلا كتفها، قال: "بقى كلها غير كتفها" [سنن الترمذي] ومعناه: تصدقوا بها إلا كتفها، فقال: بقيت لنا في الآخرة إلا كتفها.

الكريم
الكريم من أسماء الله الحسنى، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6].
فالكريم هو كثير العطاء والإحسان من غير طلب ولا سؤال، بخلاف السخي فإنه المعطي عند السؤال، وهو -عز وجل- إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء.
قال الجنيد:
الكريم الذي لا يحوجك إلى وسيلة.
وقال الحارث المحاسبي: الكريم الذي لا يبالي من أعطى.
وقيل: الكريم الذي يعطي من غير منة.
وقيل: الكريم هو الذي لا يؤيس العصاة من قبول توبته عليهم من غير مساءلتهم.
من مظاهر كرمه سبحانه أنه يبتديء بالنعمة من غير استحقاق، ويتبرع بالإحسان من غير سؤال، وإن من كرم عفوه أن العبد إذا تاب عن السيئة محاها عنه وكتب له مكانها حسنة، ومن كرمه أنه في الدنيا يستر ذنوبهم ويخفى عيوبهم، فهو تعالى الذي جمع الكمال كله وتنزه عن أدنى شوائب النقص.
وقد أشارت آيات من القرآن إلى وصف الرزق بالكرامة فقال تعالى: {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [سبأ: 4] كما وصف الله تعالى القول بالكريم فقال تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] أي لينا سهلا، كما وصف كتاب سليمان إلى ملكة سبأ في قوله تعالى: {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30)} [النمل: 29 - 30] ووصف الله به الديار فقال عز وجل: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26)} [الدخان: 25 - 26] ووصف به ألوان النبات فقال تعالى: {فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)} [لقمان: 10] وكرامة أزواج النبات في نفاستها ومنفعتها وقيمتها.
وكما وصف الحق عز وجل جانبًا من مخلوقاته بالكريم تجده عز وجل ينفيها عن بعض مخلوقاته كقوله تعالى في وصف الجحيم: {وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44)} [الواقعة: 41 - 44] وكرامة الظل في الروح المنعش الذي يذهب كرب الحر، ومن مظاهر كرمه أن جعل الدنيا ملكا للعباد فقال تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] وكذلك جعل الآخرة ملكا لهم فقال تعالى: {جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133] ومن كرمه أنه سخر للإنسان ما في السماوات والأرض، قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] كما أن المولى عز وجل يضاعف الثواب للمتقين في سبيله أضعافا مضاعفة، قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] وقد تصل الزيادة في الثًواب بغير حساب، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
والكرم قسمان:
مادي وخلقي؛ فالمادي هو إطعام الطعام وكسوة الأيتام وصلة الأرحام، والخلقي هو العفو عن الجاني وإن تكررت الإساءة، وستر عورة الإخوان.
وللكرم فضل كبير، وفائدة عظمى للفرد والمجتمع، فالكريم يحبه الله تعالى ويحبه
الناس، وكل نعمة ينفق صاحبها منها ابتغاء وجه الله تعالى يبارك له فيها، يقول تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ} [البقرة: 265] (1).

أنواع الكرم
1 - الكرم مع النفس بدون إسراف
قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 32].
ويروى أن الإمام أحمد بن حنبل كان يلقي درسا على بعض الناس، فرأى من بينهم رجلا يلبس ثيابا قديمة، فلما انتهى من دروسه وانصرف الناس، ناداه الإمام أحمد وقال له: ارفع هذا المصلى تجد تحته ألف درهم، خذها وأنفق بها على نفسك، وأصلح بها أحوالك، فأخبره الرجل أنه غني، لا يحتاج إلى هذا المال، فغضب منه الإمام أحمد وقال له: أما سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" [الترمذي].
2 - إكرام الضيف
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" [رواه البخاري].

عجب الله من صنيعكما
جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: إني مجهود.
فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فأرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: "من يضيف هذا الليلة رحمه الله".
فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني.
__________
(1) النور الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى- الكريم.
قال: فعلليهم بشيء فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل. فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه.
فقعدوا وأكل الضيف فلما أصبح غدا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة" وقد ذكرت بعض المراجع أن هذا الصحابي هو: أبو طلحة الأنصاري وامرأته أم سليم رضي الله عنهم جميعًا.
3 - إكرام الصديق
يحكى أن رجلا ذهب يطلب مساعدة من صديق له فأعطاه الرجل كل ما معه من مال، وبعد أن انصرف رأت الزوجة على وجه زوجها (الذي أعطى) علامات الضيق والحزن، فقالت له: هل ندمت على ما أعطيت صديقك من مال؟ فقال لها: إني حزين لأنني لم أسأل عنه منذ زمن بعيد، ولم أتفقد أحواله، حتى احتاج أن يسألني.
وكان طلحة بن عبيد الله تاجرا واسع التجارة عظيم الثراء، فجاءه ذات يوم مال من "حضرموت" مقداره سبعمائة ألف درهم، فبات ليلة وجلاً جزعا محزونا، فدخلت عليه زوجته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق، وقالت: ما بك يا أبا أحمد؟ لعله رابك منا شيء.
فقال: لا، ولنعم حليلة الرجل المسلم أنت، ولكن تفكرت منذ الليلة وقلت: ما ظن رجل بربه إذا كان ينام وهذا المال في بيته؟
قالت: وما يغمك منه؟ أين أنت من المحتاجين من قومك وأخلائك؟ فإذا أصبحت فقسمة بينهم.
فقال: رحمك الله، إنك موفقة بنت موفق. فلما أصبح جعل المال في صرر وجفان، وقسمه بين المهاجرين والأنصار (1).

خزيمة وعكرمة
كان خزيمة مشهورا بين الناس بالكرم وعمل المعروف مع أصدقائه وكل من يقصده، وإذا طلب أحدهم منه شيئا قدمه له راضيا مهما كانت قيمته.
__________
(1) صور من حياة الصحابة 486.
وظل خزيمة على هذا الأمر حتى فني ماله وساءت حالته، وكان خزيمة رجلا عزيز النفس لا يريد أن يمد يده ليطلب مساعدة من أحد، فأغلق عليه بابه، وأقام مع زوجته وأولاده يعيشون على ما بقي عندهم من طعام ومال.
علم عكرمة -والي البلاد- بما وصلت إليه حال خزيمة من فقر وحاجة، فأسف لذلك، وقال: كيف يعيش في فقر وشدة من كان في يوم من الأيام يكرم الناس من ماله وطعامه؟! وعندما جاء الليل، أخذ عكرمة أربعة آلاف درهم، ووضعها في كيس، وخرج من بيته سرا وقد أخفي شكله، وسار في الظلام حتى وصل إلى بيت خزيمة، وطرق الباب، فلما خرج إليه خزيمة ناوله عكرمة الكيس، وقال له: أصلح بهذا المال أحوالك.
تناول خزيمة الكيس فوجده ثقيلا مملوءا بالدراهم، فوضعه على الأرض وأمسك بتلابيب عكرمة وسأله: من أنت؟ أخبرني.
فأجابه عكرمة: ما جئتك في هذه الساعة المتأخرة من الليل لتعرفني، إنما حضرت لأعطيك هذا الكيس وكفى.
فقال خزيمة: وأنا لن أقبل هذا الكيس حتى تعرفني بنفسك وتخبرني من أنت.
قال عكرمة: إذا كنت مصمما على معرفتي فأنا منقذ الكرام من غدر الأيام، وأسرع عكرمة بالانصراف، ودخل خزيمة على زوجته يبشرها بخبر المال الذي جاءهما من منقذ الكرام ففرحت.
وفي الصباح خرج خزيمة إلى الناس، ودفع ما عليه من ديون، واشترى طعاما لبيته.
أما عكرمة فقد رجع إلى منزله، ووجد زوجته قلقة مهمومة، ولما سألته عن سبب خروجه متنكرا في منتصف الليل ومعه المال، حاول عكرمة أن يخفي عنها الحقيقة في أول الأمر، لكنها كررت السؤال ووعدته أن تكتم الأمر وتجعله سرا بينهما، فأخبرها عكرمة بالقصة، وحكى لها ما حدث بينه وبين خزيمة وطلب منها ألا تذكر ذلك لأحد أبدا.
ومرت الأيام وتحسنت حال خزيمة، وعاد غنيا مرة أخرى، وذهب لمقابلة صديقه الخليفة، وحكى خزيمة له قصته مع منقذ الكرام من غدر الأيام، وتعجب الخليفة وود لو عرف اسم ذلك الرجل، وقال لخزيمة: والله لو عرفت اسمه لمكافأته أحسن المكأفاة على معروفه وكرمه، ثم قال الخليفة لخزيمة: لقد وليتك حاكما على البلاد مكان عكرمة، فاذهب إليه الآن فورا،
وحاسبه على ما حصل من أموال المسلمين وما أنفق منها.
عاد خزيمة إلى بلده واليا عليها، وعندما علم عكرمة بخبر ولاية خزيمة على البلاد بدلا منه، خرج في جمع من أهلها يستقبله، ودخل خزيمة في موكب فخم، وقصد دار الإمارة، ولما جلس فيها، وتسلم أمور الحكم أمر بمحاسبة عكرمة، فوجد عليه أموالا عجز عن سدادها ولم يتمكن من دفعها واعتذر لعكرمة، وقال: ليس عندي ما أدفعه.
طلب خزيمة من جنوده أن يقيدوا عكرمة بالسلاسل ويضعوه في السجن حتى يدفع ما عليه من أموال، دخل عكرمة السجن دون أن ينطق بكلمة واحدة ودون أن يوضح لخزيمة أين ذهبت الأموال الناقصة؟ ولما علمت زوجة عكرمة بسجن زوجها حزنت حزنا شديدا.
ومرت الأيام، وساءت حالها، فلم تستطع الزوجة أن تصبر طويلا، فنادت خادمتها، وقالت لها: اذهبي إلى بيت الوالي خزيمة، وقولي له: عندي كلمة لك لا أحب أن يسمعها غيرك، وعندما ينصرف من معه، ويصبح خزيمة وحده قولي له: ما هكذا يكون جزاء منقذ الكرام من غدر الأيام.
وذهبت الخادمة إلى بيت خزيمة وأبلغته ما قالت سيدتها، فقال منزعجا: واحسرتاه! أهو عكرمة؟ ثم قام من مجلسه، وأرسل إلى عظماء البلاد فجمعهم، وركب حصانه، وسار بهم إلى السجن، ودخل خزيمة السجن هو ومن معه، فوجد عكرمة أصفر اللون متعبا مقيدا بالسلاسل، فأقبل عليه يقبل رأسه ويعتذر إليه عما حدث منه، فرفع عكرمة رأسه، ونظر إلى خزيمة بعينين مليئتين بالدموع، وقال له: وما الذي دعاك إلى أن تفعل كل ذلك الآن يا خزيمة؟
فأجابه: كرم أصلك وحسن خلقك وسوء مكافأتي، لقد قابلت الإحسان بالإساءة وأنا لا أدري.
فقال له عكرمة: يغفر الله لك.
وطلب خزيمة الحداد وأمره أن يفك قيود عكرمة، ويقيده بدلا منه، ولما سأله عكرمة عن السبب في هذا الطلب الغريب أجابه خزيمة: أريد أن يصيبني من الحبس والقيد مثل ما أصابك. فأقسم عكرمة عليه ألا يفعل ذلك الأمر، وصمم على أن يخرج خزيمة من
السجن معه فخرج الاثنان في موكب من الناس حتى وصلا إلى دار خزيمة، فشكر له عكرمة واستأذنه في الانصراف إلى بيته فقال له خزيمة: لن تذهب إلى دارك يا عكرمة حتى تزول عنك آثار الحبس والقيد. واستضاف خزيمة عكرمة في داره وأعطاه أفضل ثيابه ثم اختار له أجود فرس عنده وودعه أحسن وداع (1).
4 - إكرام الأهل
قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} [البقرة: 215].

أنفق مما تحب
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان أبو طلحة - رضي الله عنه - أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إن الله تبارك وتعالى يقول: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين"، فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه" [رواه البخاري].
5 - الكرم مع الفقراء والمساكين
قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -:" الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله" وأحسبه وال: "كالقائم لا يفتر وكالصائم لا يفطر" [رواه مسلم].
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "بينا رجل بفلاة من الأرض سمع صوتا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحي ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة فإذا شرجة من تلك الشِّراج قد استوعبت ذلك الماء كله فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمساحته فقال له: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فلان -للاسم الذي سمع في السحابة- فقال له: يا عبد
__________
(1) مائة موقف من حياة العظماء: 18، 20.
الله لم تسألني عن اسمي؟ فقال: إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان لاسمك، فما تصنع فيها؟ فقال: أما إذا قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثا، وأرد فيها ثلثه" الشراج: مسيل الماء [رواه مسلم].

أبو أمامة ومحبته للصدقة
عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثتني مولاة أبي أمامة قالت: كان أبو أمامة يحب الصدقة ويجمع لها، وما يرد سائلاً ولو ببصلة أو بتمرة، أو بشيء مما يؤكل.
فأتاه سائل ذات يوم وقد افتقر من ذلك كله، وما عنده إلا ثلاثة دنانير، فسأله دينارًا، ثم أتاه سائل فأعطاه دينارًا، ثم أتاه سائل فأعطاه دينارًا.
قالت: فغضبت وقلت: لم تترك لنا شيئًا.
قالت: فوضع رأسه للقائلة، فلما نودي للعصر أيقظته فتوضأ وراح إلى المسجد، فرفقت عليه وكان صائمًا، فتقرضت، وجعلت له عشاء وأسرجت له سراجًا وجئت إلى فرشه لأمهد له، فإذا بذهب، فعددتها فإذا ثلاثمائة دينار قلت: ما صنع الذي صنع إلا وقد وثق بما خلف، فأقبل بعد العشاء، فلما رأى المائدة، ورأى السراج تبسم وقال: هذا خير من عنده.
قالت: قمت على رأسه حتى تعشى، فقلت: يرحمك الله خلفت هذه النفقة سبيل، ولم تخبرني فأرفعها. قال: وأي نفقة؟! ما خلفت شيئًا.
قالت: فرفعت الفراش فلما أن رآها فرح واشتد عجبه.
قالت: فقمت فقطعت زناري وأسلمت.
قال ابن جابر: فأدركتها في مسجد حمص وهي تعلم النساء القرآن والسنن والفرائض وتفقههن في الدين.
6 - إكرام اليتيم
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا" وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما شيئا [رواه البخاري].
 - إكرام الجار
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره" [رواه البخاري].

الإنفاق والإخلاص
يقول تعالى: {وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} [البقرة: 272].
يقول سيد قطب: إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، لا ينفق عن هوى ولا عن عرض، لا ينفق وهو يتلفت للناس يرى ماذا يقولون، لا ينفق ليركب الناس بإنفاقه ويتعالى عليهم ويشمخ، لا ينفق ليرضى عنه ذو سلطان، أو ليكافئه بنيشان، لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، خالصا متجردا لله، ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته، ويطمئن لبركة الله في ماله، ويطمئن لثواب الله وعطائه، ويطمئن إلى الخير والإحسان من الله جزاء الخير والإحسان لعباد الله، ويرتفع ويتطهر ويزكو بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض، وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل" (1).

دعوة إلى الإنفاق
لم يكتف القرآن بالدعوة إلى إطعام المسكين، والتحذير من إهماله، بل جعل في عنق كل مؤمن حقا للمسكين أن يحض غيره على إطعامه {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)} [الحاقة: 25 - 34].
وهذا أبو الدرداء يقول لامرأته: يا أم الدرداء، إن لله سلسلة لم تزل تغلي بها مراجل النار منذ خلق الله جهنم، إلى أن تلقى في أعناق الناس، وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، فحضي على إطعام المسكين يا أم الدرداء.
وفي سورة الماعون جعل الله من علامات التكذيب بالدين قهر اليتيم وعدم الحض على إطعام المسكين: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)} [الماعون: 1 - 3].
__________
(1) في ظلال القرآن (1/ 315).
وفي سورة الفجر خاطب الله المجتمع الجاهلي المتظلم بقوله: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18)} [الفجر: 17 - 18]. قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)} [المدثر: 42 - 44].
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس" [رواه البخاري].
قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم يوم القيامة، ويعذبهم عليه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد عن النار، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي أحب إلى الله عز وجل من عالم بخيل" [رواه الترمذي].
الإنسان مجبول على حب المال، لو أنه أوتي ما في الأرض جميعا، بل لو أنه امتلك خزائن الرحمة العليا لما طوعت له نفسه أن ينفق منها بسعة: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء: 100].
إن الأموال المستخفية في الخزائن، المختبئة فيها حق المسكين والبائس، شر جسيم على صاحبها في الدنيا والآخرة، إنها أشبه بالثعابين الكامنة في جحورها.

أي الصدقة أعظم أجرًا؟
جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمُهل حتى إذا بلغت (الروح) الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان" [رواه البخاري].

كرم عثمان
كان في المدينة عين ماء تسمى (رومة) وكان صاحبها يبيع ماءها للمسلمين، وذات يوم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: "من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين، وله بها مشرب في الجنة؟ " فاشترى عثمان بن عفان - رضي الله عنه - نصف البئر، فخير صاحب البئر بين أمرين: إما أن
يكون لكل واحد منهما حرية استعمال البئر يوما مستقلا، وإما أن يضع كل واحد منهما دلوا خاصا على البئر، فرأى عثمان أنه إذا اختار يوما مستقلا فإن ذلك يكون أنفع للمسلمين فاختار يوما، فكان المسلمون يأخذون ما يكفيهم من الماء في يوم عثمان، فلما رأى صاحب البئر ذلك ذهب إلى عثمان، وقال له: أفسدت عليَّ بئري فاشتر النصف الآخر، فاشتراه عثمان ووهبه للمسلمين.

عثمان ذلك الرجل السخي
في عهد الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أصاب الناس قحط شديد، وكانت قافلة من الشام مكونة من ألف جمل، محملة بأصناف الطعام واللباس قد حلت لعثمان في أرض المدينة، فتراكض التجار عليه، يطلبون أن يبيعهم هذه القافلة، فقال لهم: كم تعطوني؟
قالوا: خمسة في المائة.
قال: إني وجدت من يعطيني أكثر.
فقالوا: ما نعلم في التجار من يدفع أكثر من هذا الربح.
فقال لهم: إني وجدت من يعطيني على الدرهم سبعمائة فأكثر، إني وجدت الله يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261] هل عندكم يا معشر التجار زيادة؟ إني أشهدكم يا معشر التجار، أن القافلة وما فيها من بر ودقيق وزيت وسمن ولباس قد وهبتها لفقراء المدينة، وإنها صدقة على فقراء المسلمين (1).

كرم أبي حنيفة
تعرض إبراهيم بن عيينة لضائقة مالية، وسجن بسبب دين كان عليه، فسارع إخوانه الفقهاء إلى جمع قيمة الدين الذي عليه ليفرج عنه، ولكن أبا حنيفة يؤدي وحده كل ما عليه ويطلب أن يرد ما يجمعه العلماء إليهم.
وكان أبو حنيفة ينتهز الفرص لتوزيع المال، فقد أهدى إليه صديق منديلا لا تزيد قيمته على ثلاثة دراهم، فأهدى إليه قطعة خز قيمتها خمسون درهما.
__________
(1) مائة موقف من حياة العظماء: 47.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

العفو

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 10:39

العفو
العفو من أعظم الصفات التي يتحلى بها المسلم، وقد وصف الله نفسه بالعفو وأمر عباده أن يتصفوا به، قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199].

من أسماء الله الحسنى العفوّ
ومعناه: الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي ويصفح عمن تاب وأناب.
والعفو صيغة مبالغة.
والعفو له معنيان: أحدهما الفضل، ومنه قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة: 219] يعني ما فضل من أموالهم.
والمعنى الثاني للعفو: المحو والإزالة، يقال: عفت الرياح الآثار إذا أزالتها. فالعفو في وصفه تعالى على هذا المعنى هو إزالة آثار الإجرام بجميل المغفرة، فالله سبحانه وتعالى يعفو عن العباد فيعفو عن ذنوبهم فيزيل أحكامها كما قال تعالى: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39].
والفرق بين الغفران والعفو أن الغفران هو الستر بمعنى التغطية ولكن العفو: هو المحو، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25].
واعلم أن اقتران العفو بالقدرة تنبيه للعبد لمكارم الأخلاق ليعفو عمن ظلمه إذا نصره الله عليه، قال تعالى: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237].
والمسلم يعفو عمن أساء إليه بل يحسن إلى المسيء ولا يمن عليه بإحسانه، ومن عرف أنه سبحانه عفو طلب عفوه، ومن طلب عفوه تجاوز عن خلقه، قال تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] وأن الكريم إذا عفا حفظ قلب المسيء عن تذكيره بسوء فعله، بل يزيل عنه ذلك الخجل (1).
__________
(1) انظر: النور الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى.
عفو يوسف
كان يعقوب يحب ابنه يوسف أكثر من إخوته، فحسده إخوته على هذا الحب، فقرروا أن يتخلصوا من يوسف، فاستأذنوا أباهم في أن يأخذوا يوسف معهم إلى المرعى ليلعب ويمرح، فوافق، وأوصاهم به، فأخذوه معهم، وهناك ألقوه في بئر، ثم رجعوا إلى أبيهم في المساء يبكون، وأخبروه أن الذئب قد أكله، فحزن الأب على فراق يوسف حزنا شديدا، ومرت قافلة، فوجدوا يوسف، فأخرجوه وأخذوه معهم، وباعوه لعزيز مصر.
وتربى يوسف في قصر العزيز، ونتيجة لأخلاقه الحسنة، وعلمه الواسع، صار وزيرا لملك مصر، وفي أثناء ذلك، جاء إليه إخوته ليشتروا من مصر لأهلهم بعض الغذاء، فلما دخلوا عليه عرفهم، ولكنهم لم يعرفوه، وترددوا عليه أكثر من مرة، وكانت فرصة ليوسف لينتقم من إخوته، لكنه عفا عنهم، وقال لهم: {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92].
إن مرتبة العفو لا يصل إليها إلا من جرد نفسه لله، وجاهد نفسه، وكظم غيظه.

عفو الرسول - صلى الله عليه وسلم -
عبد الله بن أبيّ ابن سلول أشاع مقالة السوء على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وجعل المرجفين يتهامسون بالإفك حولها، ويهزون أركان المجتمع الإسلامي هزًا.
وجاء ولده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلب الصفح عن أبيه فصفح، ثم طلب منه أن يكفنه في قميصه فمنحه إياه، ثم طلب منه أن يصلي عليه ويستغفر له، فلم يرد له الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرقيق العفو- هذا السؤال، بل وقف أمام جثمان الطاعن في عرضه بالأمس يستدر له المغفرة، ولكن العدالة العليا حسمت الأمر كله فنزل قوله تعالى: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 80].

العفو سبب إسلام ثمامة
بينما كان ثمامة بن أثال في بعض طريقه قريبا من المدينة، إذا بسرية من سرايا رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - كانت تجوس خلال الديار، فأسرت ثمامة، وهي لا تعرفه، وأتت به إلى المدينة، وشدته إلى سارية من سواري المسجد، منتظرة أن يقف النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - بنفسه على شأن الأسير، وأن يأمر فيه بأمره، ولما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد، وهمَّ بالدخول فيه رأى ثمامة مربوطا في السارلة، فقال لأصحابه: "أتدرون من أخذتم؟ " فقالوا: لا يا رسول الله.
فقال: "هذا ثمامة بن أثال فأحسنوا إساره، ثم رجع الرسول إلى أهله وقال: "اجمعوا ما كان عندكم من طعام وابعثوا به إلى ثمامة بن أثال"، ثم أمر بناقته أن تحلب في الغدو والرواح، وأن يقدم إليه لبنها، وقد تم ذلك كله قبل أن يلقاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل على ثمامة يريد أن يستدرجه إلى الإسلام وقال:"ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي يا محمد خير، فإن تقتل تقتل ذا دم (أي رجلا أراق منكم دما) وإن تنعم (بالعفو) تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله يومين على حاله، يؤتى له بالطعام والشراب، ويحمل إليه لبن الناقة، ثم جاءه فقال:"ما عندك يا ثمامة؟ " قال: ليس عندي إلا ما قلت لك من قبل فإن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله حتى إذا كان اليوم التالي جاءه فقال: "ما عندك يا ثمامة؟ " فقال: عندي ما قلت لك، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه وقال: "أطلقوا ثمامة"، ففكوا وثاقه وأطلقه فأعلن إسلامه (1).
وظهر عفو الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنه وفك أسره، فكان ذلك العفو سببا في إسلامه.

العفو عند المقدرة
يقول عدي بن حاتم الطائي: لقد بلغني وأنا في ديار الشام أن خيل محمد أغارت على ديارنا وأخذت أختي في جملة من أخذته من السبايا وسيقت إلى يثرب.
وهناك وضعت مع السبايا في حظيرة عند باب المسجد، فمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقامت إليه وقالت: يا رسول الله، هلك الولد، وغاب الوافد، فامنن عليَّ منَّ الله عليك.
فقال:"ومن وافدك؟ " فقالت: عدي بن حاتم، فقال:"الفارُّ من الله ورسوله"، ثم مضى رسول الله وتركها، فلما كان الغد مر بها فقالت له مثل قولها بالأمس، فقال لها مثل قوله،
__________
(1) صور من حياة الصحابة 59 - 61، وانظر: البخاري (4124) كتاب المغازي- باب وفد بني حنيفة.
فلما كان بعد الغد مر بها وقد يئست منه فلم تقل شيئا، فأشار لها رجل من خلفه أن قومي إليه وكلميه، فقامت إليه فقالت: يا رسول الله، هلك الولد، وغاب الوافد، فامنن علي منَّ الله عليك، فقال: "قد فعلت" فقالت: إني أريد اللحاق بأهلي في الشام، فقال الرسول:"ولكن لا تعجلي بالخروج حتى تجدي من تثقين به من قومك ليبلغك بلاد الشام، فإذا وجدت الثقة فأعلميني"، ولما انصرف الرسول - صلى الله عليه وسلم - سألت عن الرجل الذي أشار عليها أن تكلمه، فقيل لها: إنه علي بن أبي طالب، ثم أقامت حتى قدم ركب فيهم من تثق به، فجاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: يا رسول الله، لقد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ، فكساها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومنحها ناقة تحملها، وأعطاها نفقة تكفيها، فخرجت مع الركب، قال عدي: ثم جعلنا بعد ذلك نترقب قدومها، ونحن لا نكاد نصدق ما روي من خبرها مع محمد وإحسانه إليها، فوالله إني لقاعد في أهلي إذ أبصرت امرأة في هودجها تتجه نحونا، فقلت: ابنة حاتم، فإذا هي هي، فلما وقفت علينا قالت: القاطع الظالم، لقد احتملت بأهلك وولدك وتركت بقية ولدك وعورتك، فقلت: أي أخية، لا تقولي إلا خيرا، وجعلت أسترضيها حتى رضيت، وقصت علي خبرها، فقلت لها: ما ترين في أمر الرجل (محمد)؟ فقالت: أرى -والله- أن تلحق به سريعا، فإن يكن نبيا فللسابق إليه فضله، وإن يكن ملكا فلن تذل عنده وأنت وأنت (1).
تذكر عفو الرسول، ولا تغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله.

ودارت الأيام وأسلم
لما انتهت غزوة بدر ووقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة يستعرضون أسرى المشركين إذا هم يجدون سهيل بن عمرو أسيرا في أيديهم، فلما مثل سهيل بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر إليه عمر بن الخطاب وقال: دعني يا رسول الله أنزع ثنيتيه حتى لا يقوم بعد اليوم خطيبا في محافل مكة، ينال من الإسلام ونبيه، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "دعهما يا عمر، فلعلك ترى منهما ما يسرك إن شاء الله".
ثم دارت الأيام، وكان صلح الحديبية، فبعثت قريش سهيل بن عمرو لينوب عنها في إبرام الصلح، فتلقاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومعه طائفة من صحبه فيهم ابنه عبد الله بن سهيل، ثم
__________
(1) صور من حياة الصحابة 137 - 139.
دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب لكتابة العقد، وشرع يملي عليه فقال: "اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال سهيل: نحن لا نعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: "اكتب باسمك اللهم"، ثم قال: "اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله"، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب محمد بن عبد الله" ثم أتم العقد وعاد سهيل بن عمرو مزهوا بما كان يظن أنه حققه من نصر لقومه على محمد.
ثم دارت الأيام دورتها كرة أخرى، وإذا بقريش تهزم ويدخل النبي مكة فاتحا، وإذا المنادي ينادي: يا أهل مكلة، من دخل بيته فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن، فما إن سمع سهيل النداء حتى دب في قلبه الذعر، وأغلق على نفسه باب بيته، وسقط في يده، يقول سهيل: أرسلت في طلب ابني عبد الله، وأنا أستحي أن تقع عيني على عينه، لما كنت قد أسرفت في تعذيبه على الإسلام، فلما دخل علي قلت له: اطلب لي جوارا من محمد، فإني لا آمن أن أقتل، فذهب عبد الله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: أبي، أتؤمنه يا رسول الله جعلت فداك؟ قال:"نعم هو آمن بأمان الله، فليظهر"، ثم التفت إلى أصحابه وقال: "من لقي منكم سهيلا فلا يسئ لقاءه، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف وما مثل سهيل يجهل الإسلام، ولكن قدر فكان"، أسلم سهيل بن عمرو بعد ذلك إسلاما ملك عليه قلبه ولبه، وأحبه الرسول من فؤاده، قال الصديق: لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائما بين يدي رسول الله، وهو يقدم له البدن، ورسول الله ينحرها بيده الكريمة، ثم دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - الحلاق فحلق رأسه، فنظرت إلى سهيل، وهو يلتقط الشعرة من شعر النبي ويضعها على عينيه فذكرت يوم الحديبية، وكيف أبى أن يكتب محمد رسول الله فحمدت الله أن هداه (1).
لا تكن صلبا مع الآخرين فتكسر، ولا لينا فتعصر، ولكن كن مرنا معتدلا عفوا متسامحا.
__________
(1) صور من حياة الصحابة 533 - 535.
في غزوة ذات الرقاع
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة قبل نجد فأدركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في واد كثير العضاة (شجر عظيم له شوك) فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة فعلق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرق الناس في الوادي يستظلون بالشجر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن رجلاً أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلت (مسلول) في يده فقال لي: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قال: قلت: الله، فشام السيف (أدخله في غمده) " فها هو ذا جالس ثم لم يعرض له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (يتعرض له) بأذى [رواه مسلم].

مع أهل مكة
ظهر عفو الرسول - صلى الله عليه وسلم - في موقفه يوم فتح مكة عندما قال قولته الخالدة: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
تخيل نفسك في موقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - ماذا ستفعل؟

ذكاء وعفو
يحكى أن أحد الأمراء قبض على مجموعة من الأسرى، ولما أراد أن يقتلهم نظر إليه أحد الأسرى، وطلب منه أن يطعمهم ويسقيهم قبل أن يقتلهم، فأحضر لهم الأمير الطعام والشراب، فأكلوا وشربوا وشبعوا ثم قال أحدهم له: أيها الأمير -أطال الله بقاءك- إننا كنا أسراك والآن صرنا ضيوفك، فانظر كيف تفعل بضيوفك؟ عند ذلك قال لهم الأمير: قد عفوت عنكم.
وهكذا يكون المسلم حتى مع الأعداء إذا كان في موضع قوة، وهم في موضع ضعف.

خذ العفو
عن ابن عباس: لما قدم عيينة بن حصن نزل على ابن أخيه الحر بن قيس -وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، إذ كان القراء أصحاب مجلس أمير المؤمنين عمر ومشاورته،
كهولاً كانوا أو شبابًا- فقال عيينة: يا ابن أخي استأذن لي أمير المؤمنين، فاستأذن له فلما دخل قال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله لا تعطينا الحق ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله يقول لنبيه: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند حدود الله.

تذكر عفو ربك
غضب هارون الرشيد على رجل فهمَّ بعقابه فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي. فعفا عنه الرشيد.
وقال أبو الدرداء لرجل أسمعه كلاما أغضبه: يا هذا، لا تغرقن في سبي، فإنا لا نكافيء من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
وغضب أمير المؤمنين هارون الرشيد على رجل كان يدعي حميد الطوسي، فدعا له بالسياف ليقتله، فبكى حميد وأخذ يعتذر ثم قال له: مولاي، لا أبكي خوفا من الموت، إنما أبكي لأنني سأموت وأنت غاضب علي، فضحك أمير المؤمنين هارون، وقبل عذره، وعفا عنه، ثم قال للرجل: إن الكريم إذا خادعته انخدع.
إذا غضبت فتذكر عفو الله عن ذنوبك الكثيرة.

والكاظمين الغيظ
جاء عن علي زين العابدين بن الحسين أن غلامه كان يصب له الماء بإبريق مصنوع من الخزف، فوقع الإبريق على رجل زين العابدين فانكسر الإبريق، وجرحت رجل زين العابدين، فغضب، وتغير وجهه.
فقال الغلام: سيدي، يقول الله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}.
فقال زين العابدين: لقد كظمت غيظي.
فقال الغلام: ولقول تعالى: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}.
فقال زين العابدين: لقد عفوت عنك.
يبحث عنه فوجده نائما في الطريق، فجلس عند رأسه، وأخذ يوقظه برفق، حتى استيقظ،
فقال له ضاحكا: تنام الليل والنهار؟ لك الليل ولنا النهار (1).

اللهم إني صفحت عنه فاصفح عنه
أبصر عامر بن عبد الله رجلا من أعوان شرطة البصرة، وقد أمسك بخناق رجل من أهل الذمة وجعل يجره جرا والذمي يستغيث بالناس، ويقول: أجيروني أجاركم الله، أجيروا ذمة نبيكم يا معشر المسلمين، فأقبل عامر بن عبد الله عليه وقال: هل أديت جزيتك؟
فقال: نعم أديتها، فالتفت إلى الرجل الممسك بخناقه، وقال: ما تريد منه؟
قال: أريد أن يذهب معي ليكسح (ينظف) حديقة صاحب الشرط.
فقال للذمي: أتطيب نفسك بهذا العمل؟
فقال: كلا، فذلك يهد قواي، ويشغلني عن كسب قوت عيالي، فالتفت عامر إلى الرجل وقال؟ دعه، فقال: لا أدعه، فما كان من عامر إلا أن ألقى رداءه على الذمي وقال: والله، لا تُخفر ذمة محمد وأنا حي. ثم تجمع الناس، وأعانوا عامرا على الرجل، وخلصوا الذمي بالقوة، فما كان من أعوان صاحب الشرط إلا أن اتهموا عامرا بنبذ الطاعة ورموه بالخروج على السنة والجماعة وقالوا: إنه امرؤ لا يتزوج النساء ولا يأكل لحم الحيوانات وألبانها، ويتعالى على غشيان مجالس الولاة، ورفعوا أمره إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان.
أمر الخليفة واليه على البصرة بأن يدعو عامر بن عبد الله إلى مجلسه، وأن يسأله عما نسب إليه، وأن يرفع له خبره، فاستدعى والي البصرة عامرا وقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن أسألك عن أمور نسبت إليك.
فقال: سل عما أمر به أمير المؤمنين.
فقال: ما لك تعزف عن سنة رسول الله، وتأبى أن تتزوج؟
__________
(1) أعلام المسلمين 73.
فقال: ما تركت الزواج عزوفا عن سنة النبي، فأنا أشهد أنه لا رهبانية في الإسلام، وإنما أنا امرؤ رأى أن له نفسا واحدة، فجعلها لله عز وجل، وخشي أن تغلبه الزوجة عليها.
فقال: ما لك لا تأكل اللحم؟
فقال: بل آكله إذا اشتهيته ووجدته، أما إذا لم أشتهه، أو اشتهيته ولم أجده فإني لا آكله.
فقال: ما لك لا تأكل الجبن؟
فقال: إنا بمنطقة فيها مجوس يصنعون الجبن، وهم قوم لا يفرقون بين الميتة والمذبوحة، وإني لأخشى أن تكون المنفحة (مادة تستخرج من بطن الجدي وتوضع في الحليب فيصير جبنًا) التي صنع بها الجبن من شاة غير مذبوحة، فما شهد شاهدان من المسلمين على أنه جبن صنع بمنفحة شاة مذبوحة أكلته.
فقال: وما يمنعك من أن تأتي الولاة، وتشهد مجالسهم؟
فقال: إن في أبوابكم كثيرا من طلاب الحاجات، فادعوهم إليكم، واقضوا حوائجهم لديكم واتركوا من لا حاجة له عندكم.
رفعت أقوال عامر بن عبد الله إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، فلم يجد فيها نبذًا لطاعة، أو خروجا على السنة والجماعة، غير أن ذلك لم يطفئ نار الشر، وكثر القيل والقال حول عامر بن عبد الله، وكادت تكون فتنة بين أنصار الرجل وخصومه، فأمر عثمان بتسييره إلى بلاد الشام، واتخذها دار إقامة له، وأوصى واليه على الشام معاوية بن أبي سفيان أن يحسن استقباله، وأن يرعى حرمته، وفي اليوم الذي هم فيه عامر بالرحيل عن البصرة خرج خلق كثير من إخوانه وتلاميذه لوداعه، وشيعوه.
فقال دهم: إني داع فأمنوا على دعائي، فاشرأبت إليه أعناق الناس، وسكنت حركاتهم، وتعلقت به عيونهم، فرفع يديه وقال: اللهم من وشى بي وكذب علي وكان سببا في إخراجي من بلدي، والتفريق بيني وبين صحبي، اللهم إني صفحت عنه فاصفح عنه، وهبه العافية في دينه ودنياه، وتغمدني وإياه وسائر المسلمين برحمتك وعفوك
وإحسانك يا أرحم الراحمين (1).
تخيل نفسك مكان عامر بن عبد الله ماذا سيكون موقفك؟

قمة في العفو
يقول الحسن بن الحسن: وقعت بيني وبين ابن عمي زين العابدين جفوة، فذهبت إليه وأنا أتميز غيظا منه، وكان مع أصحابه في المسجد، فما تركت شيئا إلا قلته له، وهو ساكت لا يتكلم، ثم انصرفت، فلما كان الليل إذا طارق على الباب يقرعه، فقمت إليه لأرى من، فإذا زين العابدين، فما شككت أنه جاء يرد إلي الأذى، ولكنه قال: يا أخي إن كنت صادقا فيما قلت لي، فغفر الله لي، وإن كنت غير صادق، فغفر الله لك، ثم ألقى علي السلام، ومضى، فلحقت به وقلت له: لا جرم، لا عدت إلى أمر تكرهه، فرقَّ لي وقال: وأنت في حل مما قلت لي.
وروى أحد أبناء المدينة قال: كان زين العابدين خارجا من المسجد فتبعته، وجعلت ألوح له بالشتم، ولست أدري سببا لذلك، فهاج علي الناس يريدون أخذي، ولو أخذوني لم يفلتوني حتى أحطم، فالتفت إلى الناس، وقال: كفوا عن الرجل، فكفوا عني، ولما رأى ما أصابني من الذعر أقبل علي بوجهه الطلق، وجعل يؤمنني ويهدئ من روعي ثم قال لي: لقد سببتنا بما علمت، وما ستر عليك من أمرنا أكبر، ثم قال لي: ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحييت منه، ولم أقل شيئا، فلما رأى حيائي ألقى علي كساء كان عليه، وألقى لي بألف درهم، فجعلت أقول كلما رأيته بعد ذلك: أشهد أنك من أبناء الرسول.
وروى أحد مواليه قال: كنت غلاما لعلي بن الحسين، فأرسلني في حاجة فأبطأت عليه، فلما جئته خفقني بالسوط فبكيت واشتد غيظي منه، لأنه ما خفق أحدا قبلي قط، وقلت له: الله الله، يا علي بن الحسين، أتستخدمني في حاجة فأقضيها لك، ثم تضربني؟ فبكى وقال: اذهب إلى مسجد رسول الله، وصل ركعتين، ثم قل: اللهم اغفر لعلي بن الحسين، فإذا ذهبت وفعلت، فأنت حر لوجه الله تعالى، فذهبت وصليت ودعوت، ولم أعد إلى داره إلا وأنا حر (2).
__________
(1) صور من حياة التابعين 34 - 36.
(2) صور من حياة التابعين 345 - 346.
وقال إبراهيم التيمي: إن الرجل ليظلمني فأرحمه. وهذا إحسان وراء العفو لأنه يشغل قلبه لمعصية الله تعالى بالظلم وأنه يطالب يوم القيامة فلا يكون له جواب.
وقال بعضهم: إذا أراد الله أن يتحف عبدا قيض له من يظلمه.
ودخل رجل على عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- فجعل يشكو إليه رجلا ظلمه ويقع فيه، فقال له عمر: إنك إن تلقى الله ومظلمتك كما هي، خير لك من أن تلقاه اقتصصتها.
يقول تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134].
يقول سيد قطب: "وكظم الغيظ هو المرحلة الأولى، وهي وحدها لا تكفي، فقد يكظم الإنسان غيظه ليحقد ويضغن، فيتحول الغيظ الفائر إلى إحنة غائرة، ويتحول الغضب الظاهر إلى حقد دفين، وإن الغيظ والغضب لأنظف وأطهر من الحقد والضغن، لذلك يستمر النص ليقرر النهاية الطليق لذلك الغيظ الكظيم في نفوس المتقين؛ إنها العفو والسماحة والانطلاق.
إن الغيظ وقر في النفس حين تكظمه، وشاظ يلفح القلب، ودخان يغشى الضمير .. فأما حين تصفح النفس ويعفو القلب، فهو الانطلاق من ذلك الوقر، والرفرفة في آفاق النور، والبرد في القلب، والسلام في الضمير" (1).

الفرق بين العفو والذل
يقول ابن القيم: العفو إسقاط حقك جودا وكرما وإحسانا مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق، بخلاف الذل فإن صاحبه يترك الانتقام عجزا وخوفا ومهانة نفس، فهذا مذموم غير محمود، ولعل المنتقم بالحق أحسن حالا منه.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39] فمدحهم بقوتهم على الانتصار لنفوسهم وتقاضيهم منها ذلك، حتى إذا قدروا على من بغى عليهم، تمكنوا من استيفاء ما لهم عليه ندبهم إلى الخلق الشريف من العفو والصفح، فقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40].
__________
(1) في ظلال القرآن (1/ 475).
فذكر المقامات الثلاثة: العدل وأباحه، والفضل وندب إليه، والظلم وحرمه.
فإن قيل: فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متناقضان؟
قيل: لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام، وإنما مدحهم على الانتصار وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم، فلما قدروا ندبهم إلى العفو، قال بعض المسلمين في هذه الآية: كانوا يكرهونه أن يستذلوا، فإن قدروا عفوا، فمدحهم على عفو بعد قدرة، لا على عفو ذل وعجز ومهانة، وهذا هو الكمال الذي مدح سبحانه به نفسه في قوله: ({وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 99] (1)
... .
__________
(1) الروح 289، 290.


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الحِلم

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 10:48

الحِلم

الحلم: هو الأناة وضبط النفس عند الغضب، قال تعالى عن صفات عباد الرحمن: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63].
من أسماء الله الحسنى: الحليم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155].
والحليم معناه أنه ذو الصفح والأناة الذي لا يعجل بالعقوبة مع المقدرة؛ فلا يستفزه غضب، ولا يلحقه جهل جاهل ولا عصيان عاص، بمعنى أنه تعالى هو الذي يسامح الجاني مع استحقاقه للعقوبة والمؤاخذة بالذنب، وهو الذي يشاهد معصية العصاة ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله شيء على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر: 45].

حلم الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع زيد بن سعنة
وهو حبر يهودي، عالم بالكتاب، يقول في قصة إسلامه: لم يبق من علامات النبوة إلا وقد عرفتها في وجه محمد حين نظرت إليه، إلا اثنتين، لم أخبرهما منه، يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله.
قال: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما من الحجرات ومعه علي بن أبي طالب فأتاه رجل على راحلته كالبدوي فقال: يا رسول الله، إن قرية بني فلان قد أسلموا ودخلوا في الإسلام، فكنت حدثتهم أنهم إن أسلموا أتاهم الرزق غدا، وقد أصابتهم سنة، وشدة، وقحوط من الغيث، وإني أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعا كما دخلوا فيه طمعا، فإن رأيت أن ترسل إليهم بشيء تعينهم به.
قال: فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى رجل بجانبه -أراه عليا- فقال: ما بقي من شيء يا رسول الله.

قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه فقلت له: يا محمد هل لك أن تبيعني تمرا معلوما من حائط بني فلان إلى أجل كذا وكذا، فقال: لا يا يهودي، ولكن أبيعك تمرا معلوما إلى أجل كذا وكذا ولا أسمي حائط بني فلان قال: قلت: نعم فبايعني فأعطيته ثمانين مثقالا من ذهب في تمر معلوم إلى أجل كذا وكذا، وقال: أعجل إليهم وأغثهم بها.
قال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة رجل من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان ونفر من أصحابه، فلما صلى الجنازة، ودنا من جدار ليجلس إليه أتيته فأخذته بجوامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجه غليظ، وقلت: ألا تقضيني يا محمد حقي، فوالله ما علمتكم يا بني عبد المطلب إلا المطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم.
قال: فنظر إليَّ عمر بن الخطاب وعيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير ثم رماني بطرفه، وقال: يا عدو الله أتقول لرسول الله ما أسمع وتفعل به ما أرى؟! فوالذي بعثك بالحق لولا ما أحاذر قوته لضربت بسيفي رأسه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى عمر في سكون وتبسم ثم قال: "أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن الطلب، اذهب يا عمر فاقضه حقه، وزده عشرين صاعا مكان ما روعته"، قال زيد: فذهب عمر فقضاني حقي، وزادني عشرين صاعا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة؟
فقال: أمرني رسول الله أن أزيدك مكان ما روعتك، فقلت: أتعرفني يا عمر؟
قال: لا، فمن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة. قال: الحبر؟ قلت: الحبر.
قال: فما دعاك أن تقول لرسول الله ما قلت، وتفعل به ما فعلت؟
قلت: يا عمر، كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما، فقد أخبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وحسن إسلامه وشهد المشاهد كلها [ابن حبان والحاكم والبيهقي].

إنما بعثت رحمة
عن جابر بن سليم قال: وفد أعرابي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يتعلم الإسلام، ولم
تكن له معرفة سابقة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بما يدعو إليه، قال: رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه، لا يقول شيئا إلا صدروا عنه، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قلت: عليك السلام يا رسول الله -مرتين- قال: "لا تقل: عليك السلام، فإن عليك السلام تحية الميت، قل: السلام عليك" قال: قلت: أنت رسول الله؟ قال: "أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر دعوته كشفه عنك، وإن أصابك عام سنة (جدب) فدعوته أنبتها لك، وإذا كنت بأرض قفر فضلَّت راحلتك فدعوته ردها عليك"، قال: قلت: اعهد إلي، قال:"لا تسبن أحدا" فما سببت بعد حرا ولا عبدا ولا بعيرا ولا شاة، قال: "ولا تحقرن شيئا من المعروف، وأن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك، إن ذلك من المعروف" ثم قال: "وإن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك، فلا تعيره بما تعلم فيه، فإنما وبال ذلك عليه" [رواه أبو داود].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قيل يا رسول الله، ادع على المشركين، قال:"إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة" [رواه مسلم].
المسلم يقدم النصيحة برفق، ويخلص النية لله تبارك وتعالى، ولا يغضب لأن رجلا تحدث معه بطريقة لا تناسب مقامه، بل يكون حليما، ويتذكر نبيه - صلى الله عليه وسلم -.

حلم مع اليهود
عن عائشة رضي الله عنها، قالت: إن رهطا من اليهود دخلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: السام (الموت) عليك يا محمد، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "عليكم" فقالت عائشة: عليكم السام واللعنة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله"، فقالت عائشة: ألم تسمع ما قالوا؟ فقال لها: "قد قلت: عليكم" [رواه الترمذي].
يجب الرد على تحية غير المسلمين بقول: وعليكم، وهذا ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع اليهود.

يا أنيس
ذات يوم أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنس بن مالك - رضي الله عنه - ليقضي له حاجة، فذهب أنس وفي الطريق وجد بعض الصبيان يلعبون في السوق، فوقف يلعب معهم، ونسي أن يذهب إلى حيث أمره الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فجاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى السوق وابتسم له وقال: "يا أُنيس اذهب حيث أمرتك".
ويقول أنس: خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع سنين، ما علمته قال لشيء صنعته لم صنعت كذا وكذا، ولا لشيء تركته هلا فعلت كذا وكذا.
المسلم يكون حليما مع الأولاد فمن طبيعتهم كثرة الحركة، فلابد من توجيههم للرياضة، ولكن مع التوجيه والموازنة بين أداء الصلاة، وقضاء الطلبات المنزلية، والمذاكرة.

مراجعة
قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: كنا معشر قريش قوما نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة، وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم، وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي، فغضبت يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أتراجعني، فقالت: ما تنكر أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل.
قال: فانطلقت، فدخلت على حفصة، فقلت: أتراجعين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟
قالت: نعم.
قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى الليل؟
قالت: نعم.
قلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟ لا تراجعي رسول الله ولا تسأليه شيئا، وسليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منك، يريد عائشة.
جميل جدا من كان حليما على زوجته عندما أهملته في أحد الأمور فلم ينفعل وفي نهاية اليوم أخبرها في هدوء أنه تضايق بسبب ما فعلته فما كان منها إلا أن بكت واعتذرت، ولو أنه انفعل وأقام الدنيا وأقعدها لما استفاد شيئا، وليصل مرادك بالتلميح لا التصريح.

أحلم من معن
كان معن بن زائدة أميرا على العراق، وكان مشهورا بالحلم الشديد، فذهب إليه
قال: أعطوه على نثره مثلها.
فأخذها ومضى في طريقه شاكرا لكرمه وصار يضرب به المثل في الحلم (أحلم من معن بن زائدة).
وسئل معن عن سبب امتناعه عن إيقافه عند حده.
فأجاب السائل: إذا نبح عليك الكلب، فهل تنبح مثله؟ قال: لا.
وإذا رفسك حمار أترفسه؟ قال: لا.
وإذا نطحك ثور فهل تنطحه؟ قال: لا.
فأجابه: إن السفيه لا يمتاز عن تلك الحيوانات لاشتراكه معها في أقبح صفاتها، وهي الشراسة والحماقة، فاقتنع السائل وانصرف وهو يقول: لا غرابة إذا سعد كبار العقول (1).
أخي الحبيب: القوي هو من يكظم غيظه، ولا ينفعل لأتفه الأسباب، وعندئذ سيتأثر الناس بأخلاقك وحلمك.

حلم الفاروق
خطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في الشام وتحدث عن الأموال وكيفية القسمة، وقال: إني اعتذرت إليكم عن خالد بن الوليد فإني أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطى ذا البأس، وذا الشرف، وذا اللسان، فنزعته وأمرت أبا عبيدة بن الجراح.
فقام أبو عمرو بن حفص بن المغيرة فقال: والله ما اعتذرت يا عمر، ولقد نزعت عاملا استعمله رسول الله وأغمدت سيفا سله رسول الله ووضعت أمرا نصبه رسول الله، وقطعت رحما، وحسدت ابن عمك.
فقال عمر: إنك قريب القرابة، حديث السن، تغضب في ابن عمك.
لابد من مراعاة حالة من يغضب عليك، وتذكر مقولة علي بن أبي طالب: "إذا عز أخوك فهن"، أي كن هينا معه لين الجانب.
__________
(1) فن التعامل مع الآخرين 48 - 50.
الأحنف بن قيس
الأحنف بن قيس أحد حلماء العرب الذين ضرب بحلمهم المثل، وقد بلغ من حلمه أن "عمرو بن الأهتم" أغرى رجلا بسبه سبًّا يثيره، لكن الأحنف ظل صامتا مطرقا، فلما رأى الرجل أنه لا يجيبه، ولا يأبه به، أخذ إبهامه في فمه، وجعل يعضه وهو يقول: واسوأتاه! والله ما منعه من جوابي إلا هواني عليه (1).
ويحكى أيضا أن رجلا شتمه فلم يرد عليه، وتركه ومشي في طريقه فأصر الرجل على المشي وراء الأحنف، وزاد في سبه وشتمه، والأحنف لا يرد عليه، فلما اقترب الأحنف من الحي الذي يعيش فيه وقف والتفت إلى الرجل، وقال: إن كان قد بقى في نفسك شيء فقله قبل أن يسمعك فتيان الحي من قومي فيؤذوك، ونحن لا نحب الانتصار لأنفسنا. فظهر الخجل على وجه الرجل، وعاد نادما.
يقول الشيطان: كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت لأكون في قلبه، وإذا غضب طرت لأكون في رأسه.
فهل تنصاع لكلام الشيطان وتجعله يدخل في رأسك ويوسوس لك بالشر والانتقام لنفسك؟
قال الأحنف لابنه يومًا: يا بني إن أردت أن تؤاخي رجلا، فأغضبه حتى تختبره، فإن أنصفك وإلا فاحذره.

إذا استشاط السلطان تسلط الشيطان
جاء أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رأى سكران، فأراد أن يأخذه ليعاقبه، فشتمه السكران، فرجع عنه عمر، فقيل له: يا أمير المؤمنين، لما شتمك تركته.
قال: إنما تركته لأنه أغضبني، فلو عاقبته، كنت انتصرت لنفسي، ولا أحب أن أضرب مسلما لحمية نفسي، فانتظرت حتى أهدأ من غضبي.
واسمع ما قاله أبو ذر - رضي الله عنه - لخادمه ذات يوم: لم أرسلت الشاة على علف الفرس؟
فقال الخادم: أردت أن أغضبك، فأمسك أبو ذر نفسه، فقال للخادم: لأجمعن غيظا مع أجر، اذهب فأنت حر لوجه الله.
__________
(1) صور من حياة التابعين 465.
هكذا كانوا قمة في الحلم، فلم تصدر منهم كلمات يندمون عليها بعد ذلك، فالناس ينظرون إلى الدعاة اليوم ويضعونهم تحت المجهر، فاحذر أن يصدر منك سلوك يؤثر على دعوتك، وينفر الناس منك.

ثلاث صحف
كتب أحد الملوك ثلاث صحف، ثم أعطى لكل رجل صحيفة وقال للرجل الأول، إذا اشتد غضبي فقم إلي بهذه، وقال للثاني: إذا سكن بعض غضبي فأعطني هذه، وقال للثالث: إذا ذهب غضبي فأعطني هذه.
وكان مكتوبا في الصحيفة الأولى: أقصر فما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضا.
وكان مكتوبًا في الثانية: ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء.
وكان مكتوبًا في الثالثة: احمل عباد الله على كتاب الله فلا يصلحهم إلا ذلك.
المسلم لا ينتقم لنفسه، وهو متسامح دائما، وهذه وسيلة من أحد الملوك ليكظم غيظه، فاتخذ ما شئت من الوسائل لتكون حليما، اترك الغضب.
قال ابن مسعود: انظر إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب؟! وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟!
وقال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل شر.
وقال بعضهم: إياك والغضب فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار.
وقيل: اتقوا الغضب فإنه يفسد الإيمان.
وقال علي بن زيد: أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز، فأطرق عمر زمانا طويلا ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك ما تناله مني غدا؟
وكان عمر - رضي الله عنه - إذا خطب قال في خطبته: أفلح منكم من حفظ من الطمع والهوى والغضب. وقال بعضهم: من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النار، وقال الحسن: من علامات المسلم قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وعلم في حلم، وكيس في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة، وإحسان في قدرة، وتحمل في
رفاقة، وصبر في شدة، لا يغلبه الغضب، ولا تجمع به الحمية، ولا تغلبه شهوة، ولا تفضحه بطنه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نيته، فينصر المظلوم، ويرحم الضعيف، ولا يبخل ولا يبذر، ولا يسرف ولا يقتر، يغفر إذا ظلم، ويعفو عن الجاهل، نفسه منه في عناء والناس منه في رخاء. قيل لعبد الله بن المبارك: أجمل لنا حسن الخلق في كلمة، فقال: اترك الغضب.
يخاطبني السفيه بكل قبح ... فأكره أن أكون له مجيبا
يزيد سفاهة فأزيد حلما ... كعود زاده الإحراق طيبا (1)

الرنتيسي
تقول زوجة الشهيد الرنتيسي: كنت أنظف البيت ووقع مني جهاز التلفاز على شاشته وتعطل تماما فاستأت كثيرا لذلك خاصة بعد خروجه من المعتقل والوضع المادي صعب لا يسمح بشراء جهاز آخر، ولكنه حينما حضر وسألني عن سبب استيائي فأخبرته، فقال: للأشياء آجال، قدر الله وما شاء فعل، قالها وهو مبتسم (2).

كلمات من ذهب
قال عمر - رضي الله عنه -: من اتقى الله لم يشف غيظه، ومن خاف الله لم يفعل ما يشاء، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون، وقال لقمان لابنه: يا بني لا تذهب ماء وجهك بالمسألة، ولا تشف غيظك بفضيحتك، واعرف قدرك تنفعك معيشتك.
وقال أيوب: حلم ساعة يدفع شرا كثيرا.
واجتمع سفيان الثوري وأبو خزيمة اليربوعي والفضيل بن عياض فتذاكروا الزهد، فأجمعوا على أن أفضل الأعمال الحلم عند الغضب، والصبر عند الجزع.
وقال رجل لعمر - رضي الله عنه -: والله ما تقضي بالعدل ولا تعطي الجزل، فغضب عمر حتى عرف ذلك في وجهه، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين ألا تسمع إلى الله تعالى يقول: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] فهذا من الجاهلين.
__________
(1) (ديوان الشافعي 52).
(2) مذكرات الشهيد الرنتيسي 87.
فقال عمر: صدقت، فكأنما كانت نارا فأطفئت.
وقال محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه استكمل الإيمان بالله: إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا قدر لم يتناول ما ليس له.
وجاء رجل إلى سلمان فقال: يا عبد الله أوصني، قال: لا تغضب، قال: لا أقدر، قال: فإن غضبت فأمسك لسانك ويدك.
إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابتك السكوت
فإن كلمته فرجت عنه ... وإن خليته كمدا يموت (1)
قال عمر - رضي الله عنه -: تعلموا العلم وتعلموا للعلم السكينة والحلم.
وقال علي - رضي الله عنه -: ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك، وألا تباهي الناس بعبادة الله، وإذا أحسنت حمدت الله تعالى، وإذا أسأت استغفرت الله تعالى.
وقال الحسن: اطلبوا العلم وزينوه بالوقار والحلم.
وقال معاوية لعرابة بن أوس: بم سدت قومك يا عرابة؟
قال: يا أمير المؤمنين كنت أحلم عن جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في حوائجهم، فمن فعل فعلي فهو مثلي، ومن جاوزني فهو أفضل مني، ومن قصر عني فأنا خير منه.
وسب رجل ابن عباس -رضي الله عنهما- فلما فرغ قال: يا عكرمة هل للرجل حاجة فنقضيها؟ فنكس الرجل رأسه واستحى.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: أشهد أنك من الفاسقين.
فقال: ليس تقبل شهادتك.
وعن علي بن الحسين بن علي -رضي الله عنهم- أنه سبه رجل فرمى إليه بخميصة
__________
(1) ديوان الشافعي 52.
كانت عليه وأمر له بألف درهم.
وقال رجل لجعفر بن محمد: إنه قد وقع بيني وبين قوم منازعة في أمر وإني أريد أن أتركه فأخشى أن يقال لي: إن تركي له ذل.
فقال جعفر إنما الذليل الظالم.
وقال الخليل بن أحمد: كان يقال من أساء فأحسن إليه فقد جعل له حاجز من قلبه يردعه عن مثل إساءته.
وقال الأحنف بن قيس: لست بحليم ولكنني أتحلم.
وقال وهب بن منبه: من يرحم يرحم، ومن يصمت يسلم، ومن يجهل يغلب، ومن يعجل يخطيء، ومن يحرص على الشر لا يسلم، ومن لا يدع المراء يشتم، ومن لا يكره الشر يأثم، ومن يكره الشر يعصم، ومن يتبع وصية الله يحفظ، ومن يحذر الله يأمن، ومن يتول الله يمنع، ومن لا يسأل الله يفتقر، ومن يأمن مكر الله يخذل، ومن يستعن بالله يظفر.
وقال رجل لمالك بن دينار بلغني أنك ذكرتني بسوء.
قال: أنت أكرم علىَّ من نفسي، إني إذا فعلت ذلك أهديت لك حسناتي.
وقال بعض العلماء: الحلم أرفع من العقل لأن الله تعالى تسمى به.
وقال رجل لبعض الحكماء: والله لأسبنك سبا يدخل معك في قبرك.
فقال: معك يدخل لا معي.
ومر المسيح ابن مريم عليه الصلاة والسلام بقوم من اليهود فقالوا له شرا فقال لهم خيرا فقيل له: إنهم يقولون شرا وأنت تقول خيرا؟
فقال: كل ينفق مما عنده.
وقال لقمان: ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا الأخ إلا عند الحاجة إليه.

علاج الغضب
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على
رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخبره في أي الحور العين شاء" [رواه الترمذي].

ومن الوسائل النبوية لعلاج الغضب:
1 - تغيير العادة:
روى أن أبا ذر - رضي الله عنه -: كان يسقي على حوض فجاء قوم فقال أحدهم: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه، فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه (كسره) وكان أبو ذر قائما، فجلس، ثم اضطجع، فقيل له: يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت، قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لنا: "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" [رواه أحمد].
وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته: "إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم تتوقد، ألم تروا إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فإذا وجد أحدكم ذلك فليجلس" أو قال: "فليلصق بالأرض" [رواه أحمد] (الأوداج: العروق المحيطة بالعنق).
2 - الوضوء:
كان عروة بن محمد السعدي رجلا صالحا من التابعين، وفي يوم من الأيام كان يتحدث مع الناس، فقام إليه واحد منهم، وكلمه كلاما قبيحا، فغضب عروة حتى احمر وجهه، ولم يرد على الكلام القبيح بكلام قبيح مثله، بل صبر وتحلى بالحلم والأناة، وترك المجلس، وذهب فتوضأ، ثم رجع ثانية إلى المجلس، وقد هدأ، وذهب عنه الغضب، ثم قال لمن حوله: حدثني أبي عن جدي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" [رواه أبو داود].
3 - السكوت في حالة الغضب:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا غضب أحدكم فليسكت" [رواه أحمد].
4 - التعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
عن سليمان بن صرد قال: استبَّ رجلان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل أحدهما تحمر عينه وتنتفخ أوداجه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" فقال الرجل: وهل ترى بي جنونًا [رواه مسلم].

الغضب المحمود
هناك فرق بين الغضب المذموم والغضب المحمود، فالغضب المذموم هو أن تغضب لنفسك، والغضب المحمود أن تغضب إذا انتهكت حرمات الله.
عن عائشة رضي الله عنها أن قوما من قريش أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالوا: من يجتريء عليه إلا أسامة بن زيد حِب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكلمه أسامة، فقال سول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام فاختطب ثم قال: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه"، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" [رواه البخاري].

غضب عمر لله
عن جابر بن عبد الله قال: أتى رسول الله بالجعرانة (منصرفه من حنين وهي تقع شمال مكة بتسعة وتسعين ميلا) وفي ثوب بلال فضة ورسول الله يقبض منها يعطي الناس، فأتي رجل فقال: يا محمد اعدل، قال - صلى الله عليه وسلم -: "ويلك! من يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله! أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرميَّة" (يخرجون من الدين خروج السهم) [رواه مسلم].
عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يصبر إذا انتهكت أمامه الحرمات، فقد اعتدى على مقام النبوة والرسالة، فما كان من الفاروق إلا أن أسرع قائلا: دعني يا رسول الله أقتل هذا المنافق، هذا هو رد عمر أمام من ينتهكون قدسية النبوة والرسالة.

الغضب لفلسطين
طارد الإنجليز محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين الأكبر عام 1920 م، وكان يغضب لله تبارك وتعالى، وتولى رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى، وكان أول من نبه إلى خطر
تكاثر اليهود في فلسطين بعد وعد بلفور، وقد جاء بلفور مع المندوب السامي البريطاني عام 1925 م، يريدان زيارة الحرم المقدس فمنع دخولهما، ولم تقم حركة وطنية في فلسطين أو من أجلها إلا وكان مدبرها في الخفاء أو في العلن، وتوالت أعمال الجهاد غضبا لله، وقد حاولت السلطات البريطانية اعتقاله عام 1937 م فنجا إلى لبنان ثم هاجر متخفيا إلى إيران ومنها إلى ألمانيا.
إنه الغضب من أجل تحرير فلسطين، فيجب على كل مسلم أن يبذل ما يستطيع من جهد لتحرير المسجد الأقصى.
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

التواضع

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 11:04

التواضع
التواضع صفة من صفات المؤمنين؛ قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] هونا: المشي بسكينة وتواضع.
وسئل الفضيل بن عياض عن التواضع، فقال: أن تخضع للحق وتنقاد له، وتقبله ممن قاله.
وقال أبو يزيد البسطامي في تعريف التواضع: هو ألا يرى لنفسه مقاما ولا حالا، ولا يرى في الخلق شرا منه.
ويقول الجنيد: التواضع هو خفض الجناح ولين الجانب.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا ذلا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه" [رواه مسلم].

اركب يا أمير المؤمنين
عن الحسن قال: خرج عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في يوم حار واضعا رداءه على رأسه، فمر به غلام على حمار فقال: يا غلام احملني معك، فوثب الغلام عن الحمار، وقال: اركب يا أمير المؤمنين.
قال: كلا، اركب أنت وأركب أنا خلفك، تريد تحملني على المكان الوطئ، وتركب أنت في المكان الخشن؟ فركب الغلام، فدخل المدينة وهو خلفه والناس ينظرون إليه.

جدد نيتك
أخرج ابن سعد عن ثابت قال: كان سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أميرا على المدائن، فجاء رجل من أهل الشام من بني تميم، معه حمل تبن، وعلى سلمان سراويل أعجمية وعباءة، فقال الرجل لسلمان وهو لا يعرفه: تعال احمل -يظنه حمالا- فحمل سلمان، فرآه الناس فعرفوه، فقالوا: هذا الأمير.
فقال الرجل: لا أعرفك.
فقال له سلمان: لا حتى أبلغ منزلك، قد نويت فيه نية فلا أضعه حتى أبلغ بيتك.
فالمسلم يجدد نيته لله تبارك وتعالى في كل أعماله.

شهادة عدي
يقول عدي بن حاتم: ذهبت لرؤية محمد بن عبد الله، وكنت أظن أني سألقي ملكا في المدينة، دخلت عليه وهو في المسجد فسلمت عليه فقال: من الرجل؟ فقدت: عدي ابن حاتم، فقام، وانطلق بي إلى بيته فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته فوقف طويلا تكلمه في حاجتها قال: فقلت: والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بي حتى إذا دخل بي إلى بيته تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إليَّ فقال:"اجلس على هذه"، قال: قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: "بل أنت"، فجلست عليها وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الأرض. وقال: قلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك.
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كريما مع ضيوفه وينزل الناس منازلهم؛ وهذه هي الدعوة إلى الله.

مواقف رائعة
كان القاضي يحيى بن أكثم في ضيافة المأمون، فقام الخليفة المأمون لإحضار ماء له، فاندهش يحيى من ذلك، فكيف يأتي له أمير المؤمنين بالماء ويخدمه وهو جالس في مكانه، فلما رأى المأمون علامات الاستفهام على وجه يحيى قال له: سيد القوم خادمهم (1).
وقال رجل لأحمد بن حنبل: جزاك الله عن الإسلام خيرا، فتغير وجهه وقال: بل جزى الله الإسلام عني خيرا، من أنا وما أنا؟ من أنا وما أنا؟
تواضع تكن كالنجم لاح لناظر ... على صفحات الماء وهو رفيع
ولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... على طبقات الجو، وهو وضيع
__________
(1) أعلام المسلمين 45.
وروي أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب اشترى من السوق لحما بدرهم، فحمله في ملحفته، فقال له أحد أصحابه: أحمل عنك يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، أبو العيال أحق أن يحمل.
ويقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: لا ينقص الرجل الكامل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله.
وروي أن عمر بن عبد العزيز أتاه ليلة ضيف، وكان يكتب، فكاد السراج يطفأ، فقال الضيف: أقوم إلى المصباح فأصلحه؟
فقال: ليس من كرم الرجل أن يستخدم ضيفه.
قال: أفأنبه الغلام؟
فقال: هي أول نومة نامها، فقام عمر وملأ المصباح زيتا.
فقال الضيف: قمت أنت بنفسك يا أمير المؤمنين؟
فقال: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر، ما نقص مني شيء، وخير الناس من كان عند الله متواضعا.

الفرق بين التواضع والمهانة
يقول ابن القيم: التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله، وتعظيمه، ومحبته، وإجلاله، ومن معرفته بنفسه وتفاصيلها وعيوب عملها وآفاتها، فيتولد من بين ذلك كله خلق التواضع، وهو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له أحد فضلا ولا يرى له عند أحد حقا، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قبله، وهذا خلق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبه ويكرمه ويقربه.
وأما المهانة فهي الدناءة والخسة وبذل النفس وابتذالها في نيل حظوظها وشهواتها، كتواضع السفل في نيل شهواتهم، وتواضع المفعول به للفاعل، وتواضع طالب كل حظ لمن يرجو نيل حظه منه، فهذا كله ضعة لا تواضع، والله سبحانه يحب التواضع، ويبغض
الضعة والمهانة (1).
تقول أم المؤمنين عائشة: إنكم لتغفلون عن أفضل العبادات: التواضع.

تواضع الفاروق
هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يأتيه رجل من أشجع يحمل بشرى نصر المسلمين بقيادة سلمة بن قيس بفتح الأهواز، يقول الرجل: نشدت أمير المؤمنين فوجدته واقفا يغدي المسلمين وهو متكيء على عصاه كما يصنع الراعي، وكان يدور على القصاع وهو يقول لغلامه "يرفأ": يا يرفأ، زد هؤلاء لحما، يا يرفأ، زد هؤلاء خبزا، يا يرفأ، زد هؤلاء مرقا، فلما أقبلت عليه، قال: اجلس، فجلست، في أدنى الناس، وقدم لي الطعام فأكلت فلما فرغ الناس من طعامهم قال: يا يرفأ، ارفع قصاعك، ثم مضى فاتبعته.
فلما دخل داره استأذنت عليه فأذن لي، فإذا هو جالس على رقعة من شعر، متكيء على وسادتين من جلد محشوتين ليفا، فطرح لي إحداهما فجلست عليها وإذا خلفه ستر فالتفت نحو الستر، وقال: يا أم كلثوم غداءنا.
فقلت في نفسي: ماذا عسى أن يكون طعام أمير المؤمنين الذي خص به نفسه؟ فناولته خبزة بزيت عليها ملح لم يدق، فالتفت إلي وقال: كل، فامتثلت وأكلت قليلا، وأكل هو، فما رأيت أحدا أحسن منه أكلا، ثم قال: اسقونا، فجاءوه بقدح فيه شراب من سويق الشعير، فقال: أعطوا الرجل أولا، فأعطوني فأخذت القدح فشربت منه قليلا، إذ كان سويقي أطيب منه وأجود، ثم أخذه فشرب منه حتى روي، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمنا فاشبعنا، وسقانا فآوانا (2).

أريد أن أعرفها نفسها
يقول محمد بن عمر المخزومي عن أبيه: نادى عمر بن الخطاب بالصلاة جامعة، فلما اجتمع الناس، وكبروا، صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على نبيه.
__________
(1) الروح 313.
(2) خير القرون (2/ 74 - 75).
ثم قال: أيها الناس، لقد رأيتني أرعى على خالات لي من بني مخزوم، فيقبضن لي قبضة من التمر أو الزبيب، فأظل يومي وأي يوم!! ثم نزل.
فقال له عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، ما زدت على أن قمأت -عبت- نفسك.
فقال: ويحك يا ابن عوف! إني خلوت فحدثتني نفسي، قالت: أنت أمير المؤمنين، فمن ذا أفضل منك؟ فأردت أن أعرفها نفسها. وفي رواية: إني وجدت في نفسي شيئا فأردت أن أطأطيء منها.
ونهى الإسلام عن الكبر، قال تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} [لقمان: 18].
وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: التقى عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهم- على المروة فتحدثا، ثم مضى عبد الله بن عمرو، وبقي عبد الله بن عمر يبكي، فقال له رجل: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هذا -يعني عبد الله بن عمرو- زعم أنه سمع رسول - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر كبه الله لوجهه في النار" [رواه أحمد].

تقدير الموتى
عن عروة بن الزبير قال: رأيت عمر بن الخطاب على عاتقه قربة ماء فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا.
فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين، دخلت نفسي نخوة، فأردت أن أكسرها.
وعن أنس بن مالك قال: خرجت مع عمر يوما، حتى دخلت حائطا فسمعته يقول -وبيني وبينه جدار وهو في جوف حائط-: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخ! والله يا ابن الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك.
وعن جبير بن نقير أن نفرا قالوا لعمر بن الخطاب: ما رأينا رجلا أقضى بالقسط، ولا أقوَل للحق، ولا أشد على المنافقين منك يا أمير المؤمنين، فأنت خير الناس بعد رسول الله.
فمال عوف بن مالك: كذبتم، والله لقد رأينا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فقالوا: من هو؟
فقال: أبو بكر.
فقال عمر: صدق عوف، وكذبتم، والله لقد كان أبو بكر أطيب من ريح المسك، وأنا أضل من بعير أهلي -يعني قبل أن يسلم- لأن أبا بكر أسلم قبله بست سنين.
وهذا يدل على تواضع عمر وتقديره للفضلاء، ولا يقتصر على الأحياء منهم ولكنه يعم منهم الموتى كذلك، فلا يرضى أن ينكر فضلهم أو يغفل ذكرهم، ويظل ذكرهم بالخير في كل موقف، ويحمل الناس على احترام هذا المعنى النبيل وعدم نسيان ما قدموه من جلائل الأعمال، فيبقى العمل النافع متواصل الحلقات يحمله رجال إلى رجال، فلا ينسى العمل الطيب بغياب أهله أو وفاتهم.

الرسول قدوتنا
في مؤتمر الطب الذي انعقد بدار جمعية الشبان المسلمين بالقاهرة عام 1938 م، خطب الإمام الشهيد فتحمس أحد الإخوة من الطلاب فهتف بحياة حسن البنا، وبرغم عدم استجابة الحاضرين لهذا الهتاف إلا أن الأستاذ المرشد وقف صامتا لا يتحرك برهة، فاتجهت إليه الأنظار في تطلع، ثم بدأ حديثه في غضب فقال: أيها الإخوان، إن اليوم الذي يهتف في دعوتنا بأشخاص لن يكون ولن يأتي أبدا، إن دعوتنا إسلامية ربانية قامت على عقيدة التوحيد، فلن تحيد عنه، أيها الإخوان، لا تنسوا في غمرة الحماسة الأصول التي آمنا بها، وهتف بها (الرسول قدوتنا): {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)} [الأحزاب: 56].
***


االحمد لله االحمد لله ااالحمد لله االحمد لله الحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله االحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات Arrow Arrow Arrow
avatar
شريف ابراهيم
نائب المدير العام
نائب المدير العام

عدد المساهمات : 1829
السٌّمعَة : 10
تاريخ التسجيل : 28/08/2011

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

القناعة

مُساهمة من طرف شريف ابراهيم في الأربعاء 14 فبراير 2018 - 11:15

القناعة
علامات القانع
لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود، ويستوي عنده المدح والذم، ويأنس بالله والطاعة وحلاوة القلب ومحبة الدنيا ومحبة الله كالماء والهواء.
ويقول الفضيل بن عياض: جعل الله الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.

اجعل همومك في الآخرة
عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" [رواه ابن ماجه].

ازهد في الدنيا
عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس" [رواه ابن ماجه].

الزاهد الحقيقي
الزاهد الحقيقي من أتته الدنيا ولم تشغله عن ربه بل استصغرها في عينيه ولا يتصور الزهد من الفقير المعدم.
قيل لابن المبارك: يا زاهد.
قال: الزاهد عمر بن عبد العزيز؛ إذ جاءته الدنيا راغمة فتركها، أما أنا ففيم زهدت؟
أتخاف الفقر ومعك الملك؟!
قيل لابن حازم الزاهد: ما مالك؟
قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس.
وقيل له ذات يوم: أما تخاف الفقر؟
فقال: أنى أخاف الفقر ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثري؟!
وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من أسخط الله في رضى الناس سخط الله عليه وأسخط عليه من أرضاه في سخطه، ومن أرضى الله في سخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه من أسخطه في رضاه حتى يزينه، ويزين قوله وعمله في عينه" [رواه الطبراني].

أزمتنا معنوية لا مادية
الوهن والضعف والقصور الذي تعاني منه المجتمعات الإسلامية اليوم مرده إلى الإفراط في